آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



طلال ملك
طلال ملك
رائد أعمال ومستشار في مجالات الحوكمة، والذكاء والتأثير الاست..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

ربما يمثل 2017 العام الذي شهد "انعطاف دافوس"، حين أطلق "المنتدى الاقتصادي العالمي" عملية التحول من "رجل دافوس" و"إجماع دافوس" و"حزب دافوس"، إلى شيء أفضل فعلاً، رغم التوقعات العالمية السلبية. وكي ندرك حجم هذا الانعطاف، يجب ألا نكتفي بفهم تاريخ دافوس ومكانته العالمية وتقارب المشاركين فيه المحتمل فحسب، بل يجب أن نرى أيضاً كيف يترابط عالمياً.

قبل خمسين عاماً، احتفلت الصين بنهاية العام الأول من ثورتها الثقافية، وشاهد الصبي شي جين بينغ، وكان عمره 14 عاماً، والده في العام التالي يُسجن تحت حكم الثورة، ليصبح شي بعد عقود زعيم الحزب الشيوعي في تشونغنانهاي، وليصبح في 2017، أول رئيس صيني يلقي كلمة أمام "دافوس" خلال تاريخه الممتد لسبعة وأربعين عاماً مضت.

لم يدافع الرئيس شي في خطابه عن العولمة فحسب، بل أبرز نفسه كمدافع متحمس للتقارب العالمي، ثم تمنى للعالم عاماً صينياً جديداً سعيداً بمناسبة حلول عام "ديك النار". وكانت تلك إشارة ملحوظة، ففي العديد من الثقافات التقليدية، يعد صياح الديك منبهاً للوقت، أو في "دافوس" دعوة عالمية للاستيقاظ.

وعلى النقيض من الحضور الصيني الكثيف في دافوس بوفد يزيد عن مئة مشارك، والاستقطاب الواضح بين الإدارة الأميركية القادمة، وسابقتها المغادرة، ففي الخطاب الأخير الذي يعود إلى عهد الإدارة الأميركية الرابعة والأربعين، والذي قدمه جو بايدن نائب الرئيس المنتهية ولايته والمرشح الرئاسي لـ2020، هاجم بايدن على الملأ ​​سياسات روسيا تحت قيادة القيصرية الجديدة التي ينتهجها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد قرن من انهيار الإمبراطورية الروسية.

والحقيقة أن  الإدارة الأمريكية المقبلة أخطأت كثيراً حين  امتنعت عن إرسال أي ممثل عنها إلى دافوس، لكن هذا لم يكن مستغرباً. فالمستشار الأعلى للرئيس الأميركي الجديد ستيف بانون، يرى أن ما يربط "يمين وسط الحركة الشعبية العالمية" هو معارضتها "ما نسميه حزب دافوس.

في 20 يناير (كانون الثاني)، تحدث هنري كيسنجر، الدبلوماسي الأميركي المخضرم البالغ من العمر 93 عاماً عبر وصلة فيديو أمام المشاركين في مؤتمر "دافوس" عن تنصيب الرئيس الجديد، لكن أحداً من الإدارة الأميركية الجديدة لم يكن حاضراً.

وهكذا بعد قرن من تنصيب ويلسون، وبعد ثمانين عاماً من روزفلت، وبعد ستين عاماً من أيزنهاور، وبعد خمسين عاماً من ريغان، وبعد أربعين عاماً من كارتر، وبعد عشرين عاماً من كلينتون، أصبح دونالد ترامب الرئيس الأميركي الخامس والأربعينوشارك بانون في كتابة خطابه الافتتاحي لحفل التنصيب.

في أوروبا، حيث يقع "دافوس"، يسجل 2017 مرور 60 عاماً على توقيع معاهدة روما التي أسست للسوق الأوروبية المشتركة، وهي الكيان السابق لإنشاء "الاتحاد الأوروبي"، وقبل نصف قرن من تقدم المملكة المتحدة للحصول على عضوية السوق الأوروبية المشتركة، وقبل ثلاثة عقود من إقرار القانون الأوروبي الموحد لإنشاء سوق واحدة.

ورغم هذا التاريخ، ألقت رئيس الوزراء البريطانية تيريزا ماي في "دافوس" مثالًا عمليًا عن خطاب مليء بالتنافر المعرفي، حين تحدثت عن "بريطانيا العالمية" التي ترغب في الدخول في اتفاقات التجارة الحرة العالمية، في الوقت الذي تنتهج فيه سياسة التخلي عن أكبر سوق في العالم.

وألقى صادق خان، عمدة لندن، التي يولد اقتصادها أكثر من 30% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة، كلمة في "دافوس" قال فيها إن خطط ماي لخروج بريطانيا من "الاتحاد الأوروبي" قد تمزق بريطانيا العظمى إرباً بعد 65 عاماً من تتويج الملكة إليزابيث الثانية.

ومن ناحية موضوع الفقر والناس والكوكب، ذكر أن عدد سكان العالم بلغ ملياري نسمة في 1927، ووصل عددهم في 1987، إلى خمسة مليارات، ويبلغ عددهم اليوم 7.5 مليارات نسمة. وألقى أنطونيو جوتيريس الأمين العام الجديد لـ"الأمم المتحدة" في "دافوس"  أول خطاب له في العالم خارج الأمم المتحدة، وطرح فيه وجهات نظر جوهرية لإصلاح "الأمم المتحدة"، وحل الصراعات والأزمات ومنع حدوثها، ودور الشركات في أهداف التنمية المستدامة 2030.

ونشرت منظمة "أوكسفام" الخيرية رسالة عشية "دافوس"، قالت فيها إن ثمانية رجال فقط يملكون نصف الثروة في العالم. ورغم أنها سلطت الضوء بذلك على عدم المساواة في توزيع الدخل العالمي، إلا أنها أسهمت دون قصد بهجوم شخصي لا مبرر له على أكبر المشاركين في العمل الخيري العالمي. فمثلًا، كان  بيل غيتس، الذي حضر "دافوس"، واحداً من أكثر من 150 مليارديراً وقعوا على تعهد العطاء، ، ملتزماً بمنح أكثر من نصف ثروته للعمل الخيري سواء في حياته أو في وصيته بعد مماته.

لكن ذلك كان مفيداً في تحفيز النقاش المطلوب بشدة في "دافوس" وما بعده عن: من هم المحرومين والفقراء حقاً؟ ما حقوقهم ومسؤولياتهم؟، متى يقدّر أصحاب المناصب ليس لأنهم تركوا مناصبهم فحسب، بل ارتقوا إلى ما بعدها؟ قد تكمن الإجابة في تحديد من يمكن وصفهم بأنهم يعيشون في فقر مدقع شامل.

فوفقاً لـ"البنك الدولي" في 1990 عاش ما يقرب من مليار شخص، أي 37.1% سكان العالم، في فقر مدقع شامل. وهذا يعني أن أكثر من 60% من سكان العالم ليسوا كذلك. وفي 2015، كان ما يقرب من 700 مليون شخص، وهو ما يمثل 9.6% من سكان العالم، يعيشون في فقر مدقع شامل. ما يعني أن أكثر من 90% من سكان العالم ليسوا كذلك. وكي تكون واحدًا من الجزء الأغنى من سكان العالم البالغين اليوم، ، يجب أن يكون بين يديك 3210 دولارات ناقص ديونك.

وبناء على التعهد بالعطاء، تعهد أولئك الأكثر من مئة وخمسين مليارديراً بمنح أكثر من نصف ثرواتهم للأعمال الخيرية. والسؤال الذي يطرح نفسه على بقية 90% من سكان الكوكب الذين لا يقعون تحت فقر مدقع شامل، ما المسؤولية التي علينا أن نتعهد بها ووندفع نسبة من ثروتنا لمساعدة الفقراء حقًا؟

كانت تجربة المشاركين التي لا تنسى في "دافوس 2017″، نوعاً من المحاكاة المروعة "ليوم في حياة لاجئ" كشهود في موقع فليكر. وبوجود الأمين العام لـ"للأم المتحدة" جوتيريس نفسه كمشارك سابق فيها، جرب المشاركون في "دافوس" جزئياً لمدة 27 دقيقة في المتوسط ما يعيشه اللاجئون لمدة 19 عاماً، وعددهم 65 مليون لاجئاً.

ومن خلال الرسالة التي تبناها دافوس لـ2017، وهي "الالتزام بتحسين حالة العالم"، وتحت شعار "قيادة مسؤولة ومستجيبة"، يعرّف دافوس بثلاث كلمات: النظرة العالمية، والتعاطف، والسردية المضادة.

فلدينا أولئك الذين يحملون نظرة نحو العالم لمساعدة أنفسهم فحسب، في الوقت الذي يلتزم فيه آخرون بتحسين العالم من حولهم، ولدينا أولئك الذي ينفرون من الفقراء، وفي المقابل لدينا القسم المتعاطف معهم ويتحرك لمساعدتهم، ولدينا أولئك الذين يروجون للسردية المعاكسة، حيث تساعد الحقائق المبنية على الحقيقة، والرغبة في فعل الخير، في تصويب السياسات. ولهذا نتصور ألا يظهر "إنسان دافوس الغد" بنتيجة السير ميلاً في أحذية شخص معين، بل عبر إنفاق 27 دقيقة في ارتدائها.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND