الإدارة

  بالشراكة مع:



جستن فوكس

ليس المال كل شيء. لكنه لطالما اُعتبر منذ أمد بعيد الشيء الوحيد تقريباً الذي يقيس النجاح الوطني (ما عدا الرياضة، بالطبع). فمنذ الحرب العالمية الثانية أصبح قياس قيمة ما ينتجه اقتصاد البلد بالدولار هو المقياس السائد، وعُبِّر عنه أولاً بالناتج القومي الإجمالي (GNP) ولاحقاً بالناتج المحلي الإجمالي (GDP).

يعتبر هذا المقياس تحسناً إذا ما قورن بالتصنيف الأكثر عراقة القائم على الانتصارات العسكرية للجيوش. واتصف عصر الناتج القومي الإجمالي والناتج المحلي الإجمالي بنهوض عالمي ضخم في مستويات المعيشة والغنى.

لكن الناتج المحلي الإجمالي يتعرض لمزاحمة شديدة هذه الأيام مع تزايد حديث الاقتصاديين والقادة الوطنيين عن قياس وضع الدولة باستخدام مقاييس أخرى، أو حتى مفاهيم مطاطة أخرى مثل "السعادة".

في 2009 أُجريت دراسة حول بدائل الناتج المحلي الإجمالي بتكليف من الرئيس الفرنسي السابق نيكولاس ساركوزي، قادها الاقتصاديون أمارتيا سِن وجوزيف ستيغليتز وجون باول فيتوسي، حققت ضجة كبيرة عالمياً.

تبع ذلك في أكتوبر 2011 تقرير "كيف الحياة؟" الذي أصدرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "OECD"، وهو نادٍ للأمم الثرية في العالم، يتناول "الرفاهية" ضمن البلدان الأعضاء. وفي كل عام منذ 2007 ينشر معهد "ليجاتوم" الخاص مؤشراً عالمياً عن الرفاهية بالاعتماد على مجموعة متطورة من المؤشرات الاقتصادية وغير الاقتصادية.

وحتى الدول نفسها بدأت تدخل في لعبة المقاييس، مع تصدر رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون الموجة بكشفه عن خطط لقياس الرفاهية الوطنية. هناك أيضاً تحديات عمرها عقود تواجه الناتج المحلي الإجمالي، منها مثلاً مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية، وإصرار مملكة بوتان على أنها لا تعمل على رفع الناتج القومي الإجمالي أو الناتج المحلي الإجمالي بل "إجمالي السعادة الوطنية GNH".

كما يعرف الجميع في دنيا الأعمال، "أنت تدير ما تستطيع قياسه". لذلك، رغم أن النقاش الدائر عن استبدال الناتج المحلي الإجمالي يبدو أشبه بالوهم، إلا أنّ حظوته تتنامى بسرعة في الدوائر المهمة، ما قد يمنحه تأثيراً حقيقياً على السياسة الاقتصادية. كما أن هذا الجدل يأتي بالتوازي مع جهود تُبذل في بعض غرف مجالس الإدارات لاستخدام مقاييس جديدة تقيس النجاح الكلي.

من هنا، تأتي أهمية استكشاف منشأ هذه الحركة والاتجاه الذي قد تسلكه. (لمعرفة المزيد عن الكيفية التي يؤدي بها توسيع مقاييس الأداء لتغيير الأولويات الإدارية، انظر في مقالة "هروب الرأسمالية "Runaway Capitalism" للكتّاب كريستوفر ميير وجوليا كيربي، من منشورات هارفرد بزنس ريفيو – يناير – فبراير 2012).

من حساب السعادة إلى الناتج المحلي الإجمالي

تبدأ القصة عادةً مع جيرمي بينثام وهو إنكليزي وضعَ خلال 1781 فلسفة المنفعة التي تقيّم مزايا العمل بناءً على الكم الذي يولدّه من السعادة. كان ذاك في فترة التنوير، عندما كان المفكرون يسعون لاستبدال القواعد المعتمدة على الدين بتوجيهات منطقية وعملية في الحياة واتخاذ القرار.

اقترح بينثام ابتكار شيء أشبه بحاسبٍ للسعادة لكل فعل من خلال الموازنة بين 12 مُسبب للألم (آلام الحواس، آلام العجز، وهكذا) و14 مسبباً للمتعة (متعة الصداقة، ومتعة الثروة).

مع أنَّ فكرته الأولية حول المنفعة تمكنت من الانطلاق، إلا أنَّ منهج بينثام لم ينجح. فقد كان حساب الألم والسعادة بطريقة تسمح بمقارنة شخص مع آخر أمراً صعباً ومعقداً. لهذا تحول الاقتصاديون، الذين كانوا أكثر المتحمسين لتبني هذا المنهج، إلى التركيز بدلاً من ذلك على التعبير المادي عن حاجات ورغبات الأشخاص: ما هم مستعدون لإنفاق المال عليه.

حَظي هذا العمل بمنزلة اقتربت من درجة التمجيد في الثلاثينيات مع محاولة باول صامويلسون شرح اقتصاديات الرفاه بمصطلحات رياضية صرفة. في الفترة نفسها تقريباً، كان الاقتصاديان سيمون كوزنتيس في الولايات المتحدة وريتشارد ستون في المملكة المتحدة يعملان على تطوير أنظمة الحسابات الوطنية التي سوف سيُستمّد منها الناتج القومي الإجمالي (GNP) والناتج المحلي الإجمالي (GDP).

لكن المنفعة لم تكن ضمن اهتماماتهما فعلاً، كان هدفهما الأساسي تسهيل إدارة الاقتصاد الوطني على واضعي السياسات في فترات الأزمات والحروب. إلا أنَّ المزج بين القياس المباشر، والاعتقاد السائد عند الاقتصاديين بأن أنماط الإنفاق تظهر كل شيء، ونمو نفوذ وهيبة الاقتصاديين أكسب المقياس تأثير قوياً. هكذا تم في الأربعينات تبني الناتج القومي الإجمالي (GNP) من قِبل "صندوق النقد العالمي" الحديث التأسيس حينها، و"البنك الدولي" كمؤشر أساسي على النمو الاقتصادي، وأصبحت له بمرور الوقت دلالات أعمق على النجاح والرفاهية.

بالنظر للهدف الأساسي الذي وُجد من أجله، قياس التقلبات الاقتصادية على المدى القريب، يمكن القول أنّهَ من المستبعد استبدال الناتج المحلي الإجمالي قريباً. حتى أنه قد يُثبِّت مكانته أكثر: هناك نقاش كبير حالياً حول ما إذا كان على "الاحتياطي الفدرالي الأميركي" والبنوك المركزية الأخرى التركيز في فترات الأزمات ليس على التضخم وإنما نمو الناتج المحلي الإجمالي (GDP).

لكن عندما ينظر المرء لأبعد مما يحدث من ارتفاعات وانخفاضات على المدى القصير، تصبح الأمور أكثر تعقيداً. "ناتجنا الوطني الإجمالي.. يقيس تلوث الهواء، وإعلانات السجائر، وسيارات الإسعاف التي تهرع لتزيل الجثث من الطريق". قال روبرت كينيدي في الحملة الانتخابية الرئاسية خلال 1968"يقيس الأقفال الخاصة التي نضعها على أبوابنا، والسجون التي يوضع فيها من يكسرونها. يقيس تدمير غابة ريدوود وخسارة عجائبنا الطبيعية بسبب التمدد العمراني العشوائي.. لكن الناتج القومي الإجمالي لا يُمكننا من قياس صحة أطفالنا أو نوعية تعليمهم أو فرحتهم في لعبهم".

مع أنَّ نقد كينيدي لم يحظَ حينها بانتباه كبير إلا أنه أصبح شهيراً بعدها، وهو يستحق ذلك طبعاً، لأنه أوجز باقتضاب تقريباً كل الانتقادات الموجهة للناتج المحلي الإجمالي. وكانت الخيوط الأساسية في حديثه: (1) الناتج المحلي الإجمالي، حتى بمعاييره الخاصة، مقياس خاطئ، (2) لا يضع أي اعتبار للاستدامة أو الديمومة، (3) يمكن قياس التقدم والتطور بمقاييس أخرى.

تعالوا ننظر في كل من هذه النقاط بالتفصيل.

خطأ في القياس

يتطلب تحضير الناتج المحلي الإجمالي القيام بالكثير من الاختيارات التي ربما يؤدي حتى المنطقي منها لانحراف في النتائج. كمفهوم تفضيل الإحصائيين للبضائع والخدمات التي تُشترى وتباع، والتي يمكن بسهولة تقييم سعرها في السوق، على النشاطات الاقتصادية التي عليهم تقدير قيمتها. لكن هذا يؤدي لإقصاء أشياء ذات أهمية اقتصادية عظيمة من الحسابات، مثل الأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر.

أضف لهذا أن هناك أشياء أخرى لا تظهر قيمتها إلا منقوصة في الحسابات مثل قيمة البرامج الحكومية، كخدمات الرعاية الصحية، و قيمة وقت الفراغ. كما أنَّ هذا الهروب من التقدير غير متسق: مثلاً، يشكل "الإيجار التقديري"، تقدير كم كان مالكو المنازل سيدفعون لو لم يملكوا منازلهم، حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.

هناك عنصر آخر من الإجحاف المحتّم في الناتج المحلي الإجمالي حصلَ عند الانتقال من الناتج القومي الإجمالي في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. عندما كان الناتج القومي الإجمالي (GNP) يقيس دخل مواطني البلد في أي مكان يكسبونه في العالم. ومع نمو التجارة العالمية والاستثمار، أصبح من الصعب على هذا المؤشر التماشي مع المؤشرات المحلية كالتوظيف والإنتاج الصناعي، لهذا كان من المنطقي التحول إلى الناتج المحلي الإجمالي (GDP) الذي يقيس فقط الناتج المحلي.

لكن هذا التغيير أدى لحصول تحوّل في مسارات نمو الكثير من البلدان. فقد شهدت الكثير من الأمم التي تمتلك وفرة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة نمواً في الناتج المحلي الإجمالي أسرع بكثير من نموها أيام الناتج القومي الإجمالي، دون أن يترافق هذا بالضرورة مع حصد الدول لهذه الميزات، لأنَّ أرباح الاستثمارات كانت في معظمها تذهب إلى شركات متعددة الجنسيات.

الاستدامة

كما أوضحت تعليقات كينيدي، أنه ليس باستطاعة الناتج المحلي الإجمالي التمييز بين النشاطات الاقتصادية التي تزيد ثراء الأمة وتلك التي تأكل من أوقافها (قطع الأشجار)، أو تسبب المرض وتكاليف مستقبلية للتنظيف (التلوث)، أو حتى تلك التي كل ما تفعله تحسين صورة كوارث لم تكن نفقاتها مأخوذة في الحسبان (سيارات الاسعاف).

بالطبع، قياس الاستدامة (البيئية أو غيرها) في النمو الاقتصادي يتطلب أيضاً القيام بتقديرات. وهنا يرى جوزف ستجليتز، رائد مُناصري ما يسمى بالناتج المحلي الأخضر، أنَّ دقة التنبؤ بتقديرات الاستدامة لا تقل أبداً عن دقة التقديرات التي يتضمنها حالياً الناتج المحلي الإجمالي. "الأخذ بعين الاعتبار استنزاف الموارد وبعض الأوجه الأخرى للاستدامة هو أمر سهل جداً" كما أخبرني مؤخراً.

صحيح أنَّ تعقب استخدام الطاقة أو التلوث ليس بالأمر الصعب، لكن هناك سياسات كثيرة تُصعّب القيام به. دفعت إدارة الرئيس كلينتون في أيامها الأولى، دائرة التحليل الاقتصادي -الوكالة التي تقيس الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة- لتطوير ناتج محلي إجمالي أخضر. لكن عضواً في الكونغرس من فيرجينيا أوقف الجهود بدعوى الخوف من أنَّ المقياس ربما يؤذي صناعة مناجم الفحم في الولاية. كان هناك أيضاً مبادرة لناتج محلي إجمالي أخضر في الصين وقد وصلت أبعد من سابقتها، لكن المناوئين تمكنوا من عرقلتها في النهاية.

مقاييس أخرى

هناك الكثير من الأشياء القيّمة في الحياة التي لا يمكن للناتج المحلي الإجمالي تمثيلها، لكن قياسها ممكن بمقاييس الصحة والتعليم والحرية السياسية وما شابه. في الثمانينات بدأ أمارتيا سِن يعمل على التمييز بين "السلع"، التي تظهر في الناتج المحلي الإجمالي، وبين "المقدرات"، التي لا تظهر. بعدها ببضع سنوات، وفي مشروع بقيادة محبوب الحق، صديق لي من أيام الجامعة، تمكن أمارتيا سِن من وضع الفكرة موضع التنفيذ. كانت النتيجة أنجح ما تم تحقيقه إلى الآن من جهود لاستبدال الناتج المحلي الإجمالي.

كان محبوب الحق، كبير مستشاري روبرت مكنامارا في "البنك الدولي" في السبعينيات، شغل منصب وزير المالية في باكستان في الثمانينيات، وانضم لبرنامج الأمم المتحدة للتطوير خلال 1989. كان على الدوام منزعجاً من مدى الصعوبة التي تواجهها باكستان والأمم الأخرى الفقيرة في تحقيق تقدم سريع إن قيس فقط بالناتج المحلي الإجمالي، لهذا أعدَّ مشروعاً لتتبّع التطور بشكل أفضل ودعا إليه أمارتيا سن والعديد من الاقتصاديين الشهيرين للمساعدة.

وعليه، قررت المجموعة استبدال الناتج المحلي الإجمالي ببيانات كانت توافرها ينتشر بسرعة حول العالم عن متوسط العمر المتوقع والتحصيل العلمي. كما أنهم جمّعوا -وقد كانت هذه المساهمة الأساسية لمحبوب حق- الأرقام في مؤشر بسيط مكنّهم من تصنيف البلدان.

قلت لمحبوب، "انظر، أنت شخص مثقف بما يكفي لتعرف أن تمثيل واقع معقد برقم واحد هو أمر فظ، كفظاظة الناتج المحلي الإجمالي". يستذكر أمارتيا سِن في مقابلة أجريت معه في 2010 مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وقد استدعاني لاحقاً وقال لي "أمارتيا، أنت محق تماماً. مؤشر التنمية البشرية سيكون فظاً. أريد منك مساعدتي لنتوصل لمؤشر يكون فظاً تماماً كالناتج المحلي الإجمالي، باستثناء أنه سيؤشر لأشياء أفضل".

نُشر مؤشر التنمية البشرية لأول مرة في 1990، وقد وضع الولايات المتحدة -التي كانت أيامها بعيدة في الطليعة من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد- في المركز العاشر بعد كل من اليابان وكندا وأستراليا وعدة دول أوروبية صغيرة. كما أنه أيضاً حدد بعض الأمم- كان من أبرزها سريلانكا، وفيتنام، والصين- التي رأى أنَّ مستويات المعيشة فيها تتجاوز ثقلها الاقتصادي.

ومؤشر التنمية البشرية الآن هو المقياس المهيمن في دوائر التطوير. ومع أنَّ المؤشر الرئيسي لم يتغير كثيراً إلا أنَّ تقرير التنمية البشرية السنوي يسلط الضوء على مقاييس متنوعة أخرى مثل الاستدامة وتوزيع الدخل. في التقرير الأخير، حلَّت الولايات المتحدة رابعاً في مؤشر التنمية البشرية، لكنها لم تحقق إلا المرتبة 23 فقط  في تصنيف المؤشر "المعدَّل بعامل عدم المساواة".

نتج عن مؤشر التنمية البشرية فيالق من المقلّدين، بدءاً بالتصنيفات المهتمة بوجه واحد للقياس كمؤشر الحرية الاقتصادية والشفافية، ومؤشر مدركات الفساد العالمية من مؤسسة التراث، إلى مقاييس عريضة للرخاء مثل مؤشر الازدهار من لوغاتوم المذكور آنفاً.

يمكن الآن لكل من يملك بعض المهارات الإحصائية وضع تصنيف وطني يتماشى وأولوياته. حتى أنَّ موقع OECD يسمح لمن لا يملكون مهارات إحصائية الانضمام لهذه الفيالق، بمنحهم إمكانية اختيار المؤشرات الأكثر أهمية لهم ومن ثم يعرض لهم قائمة مخصصة من البلدان.

قياس السعادة

هناك بديل عن التصارع مع البيانات لإنتاج مؤشر "فظ"، وهو إيجاد طرق أفضل لعرض تلك البيانات. في أواخر التسعينيات، وبعد عقود من ممارسة الطب في البلدان النامية، بدأ هانس روزلينغ تدريس مادة عن الصحة العالمية في معهد كارولينسكا بالسويد.

وبما أنه كان يعاني من إيصال الفكرة المعقدة عن التقدم الذي كان شاهداً عليه، فقد قام بإلحاق ابنه وابنة زوجته بالصف -كلاهما فنانان- للمساعدة. كانت النتيجة برنامجاً، استحوذت عليه "غوغل" بعدها، يُصوّر بشكل حركي مختلف المؤشرات بمرور الزمن. أضف للبرنامج أسلوب روزلينغ  في السرد الأشبه بتعليق على مباراة ليصبح لدينا بديل مقنع عن تصنيفات الناتج المحلي الإجمالي. مقنع بأي شكل؟ حصلت إحدى الخطابات التي ألقاها روزلينغ في مؤتمر تيد خلال 2006 على أكثر 3.8 مليون مشاهدة.

أصبحت تروق للخبراء وواضعي السياسيات فكرة أن استخدام لوحة متعددة المؤشرات هي طريقة أفضل لعرض البيانات الاقتصادية وغيرها من مجرد استخدام رقم واحد أو قائمة تصنيف.

في التقرير الذي نُشر بعهد ساركوزي خلال 2009 عن بدائل الناتج المحلي الإجمالي تظهر كلمة "لوحة" 78 مرة. لكن فكرة اللوحات لم تجذب إلى الآن مخيّلة العامة، لكن ما جذب انتباههم كان كلمة ظهرت فقط 29 مرة في تقرير ساركوزي (كان معظمها في قائمة المراجع): "السعادة".

لا يجب أن نتفاجأ من هذا. ففي نهاية المطاف، أليست السعادة هي ما كان جيريمي بينثام يعمل على زيادتها لأكبر قدر ممكن قبل أمد طويل؟. وفي الخمسينيات والستينيات أعاد علماء النفس وعلماء الاجتماع طرح السؤال عما إذا كان بالإمكان قياسها كمياً. كانت استطلاعات الرأي الدافع الواضح لهذه المحاولة، فقد كانت في أيام مجدها حينها كأدوات لقياس المزاج العام (وفي بعض الأحيان لتحديده).

دخل الاقتصادي ريتشارد إيسترلين في النقاش الدائر عن السعادة ببحثٍ نشره في 1974 أشار فيه إلى أنَّ نتائج الاستطلاع العام للسعادة الوطنية لم تُظهر ارتباطاً قوياً مع نصيب الفرد من الدخل. وقد رأى أن الأشخاص الأثرياء كانوا بشكل عام أكثر سعادة من الأشخاص الفقراء في البلد نفسه، لكن البلدان الأكثر غنى لم تكن بالضرورة أكثر سعادة من البلدان الأفقر، وبعد بلوغ حد معين فشلت زيادات الدخل بمرور الوقت في زيادة السعادة.

استغرقت ما سُميت بمفارقة إيسترلين فترة طويلة لشد انتباه الاقتصاديين الآخرين. لكن ظهور الاقتصاديات السلوكية مؤخراً، والتي تأخذ البحث النفسي على محمل الجد، تسبب في تفشٍ هائل في استطلاعات الرأي عن السعادة والرفاه.

كان نموذج مملكة بوتان المغذي لهذا التوجه مع بدء الملك السابق جيجم سينغي وانغتشك الحديث عن إجمالي السعادة الوطنية في السبعينيات بعد فترة قصيرة من توليه الحكم. وقد لفتت مقابلة أجراها في 1987 مع فاينانشال تايمز انتباه العالم إلى آرائه – وأدت لتوجه مواكب من حجاج السعادة إلى بوتان، ما دفع الملك لتحويل إجمالي السعادة الوطنية (GNH) إلى شيء ملموس بما يكفي لقياسه بمؤشرات التنمية وبيانات استطلاع الرأي.

كما أدى أيضاً الاهتمام بالاستبيانات الاستقصائية للسعادة لإخضاع مفارقة إيسترلين لتمحيص دقيق من جديد. بالنتيجة، وبعد إعادتهما تقييم عقود من بيانات استطلاعات الآراء، أصبح الاقتصاديان بيتسي ستيفنسون وجستن في عناوين الصحف خلال 2008 بدحضهما لهذه المفارقة على الأقل في الجزء الذي كان يقول بأن شعوب الأمم الغنية لم تكن أكثر سعادة من شعوب الأمم الفقيرة.

مع أنهما لم يتمكنا من أن يدحضا بشكل حاسم الجدل القائل بأنَّ زيادات الدخل مع مرور الزمن تفشل في توفير سعادة متزايدة، إلا أنَّ الدليل الذي جمعوه سبب تعكير المياه. في ذلك الوقت، كان باحثون آخرون قد بدؤوا التفريق بين استبيانات السعادة التي تطلب من الأشخاص تقييم مدى رضاهم عن حياتهم وتلك التي تركز على حالتهم العاطفية في أوقات معينة. فالأولى كانت مرتبطة بالدخل، أما الثانية فلم تكن كذلك.

عمل عالم النفس ورائد الاقتصاديات السلوكية دانييل كانيمان مع الاقتصادي آلان كروجر (شغل منصب كبير الاستشاريين الاقتصاديين للرئيس أوباما) على وضع "حسابات الوقت الوطنية" في الولايات المتحدة. كان الهدف دمج الاستبيانات التي أجرتها دائرة إحصائيات العمل منذ 2003، عن كيفية قضاء الأفراد لوقتهم مع مقاييس عن القيمة الاقتصادية وحتى السعادة.

كانت الفكرة توظيف الدقة في التعامل مع الأرقام التي يتميز بها ذلك المفهوم على دراسة الرفاهية لكن باستخدام أرقام مختلفة- الدقائق. والجميل في الأمر أنه لم يكن هناك من سبب لأن يعارضه أحد.

ومع ذلك، هناك حدود لا ترغب دائرة التحليل الاقتصادي تخطيها. فقد خلُصت ورقة نشرت في 2010 من مجموعة مسؤولين في مكتب التحليل الاقتصادي، إلى أنَّ أي توسيع للناتج المحلي الإجمالي يجب أن "يركز على النواحي الاقتصادية للنشاطات السوقية وشبه السوقية.. وألا يحاول قياس تأثير الرفاهية الناتجة عن مثل هذه التفاعلات. "وحتى أنهم حذروا حينها أنَّه من المهم ألا يؤثر مثل هذا التوسيع لنطاق الحسابات على التمويلات اللازمة لصيانة وتحديث وتحسين حسابات الناتج المحلي الإجمالي الحالية".

المال لا يشتري السعادة. لكن قد يكون بإمكانه شراء القدرة على قياسها.

———————————————————

جستن فوكس، رئيس التحرير السابق لهارفرد بزنس ريفيو، وكاتب في بلومبرغ فيو. هو أيضاً مؤلف كتاب The Myth of the Rational Market. تابعه في تويتر @foxjust.

 

تنويه: نشرت هذه المقالة ضمن اتفاقية إعادة النشر باللغة العربية الموقعة بين هيكل للإعلام ونيويورك تايمز سينديكت لنشر مقالات من هارفارد بزنس ريفيو، وتمت ترجمتها في قسم التعريب والترجمة في هيكل ميديا، إن النسخ وإعادة النشر بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ – 2017.

تنويه نشرت هذه المقالة ضمن اتفاقية إعادة النشر باللغة العربية الموقعة بين هيكل للإعلام ونيويورك تايمز سينديكت لنشر مقالات من هارفارد بزنس ريفيو، وتمت ترجمتها في قسم التعريب والترجمة في هيكل ميديا، إن النسخ وإعادة النشر بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ – 2017.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND