آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



فريدريك الشمالي
فريدريك الشمالي
مستشار وتنفيذي لبناني في القانون والحوكمة والأعمال. يشغل ..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

عندما أصدر "مصرف لبنان المركزي" التعميم رقم 331 بتاريخ 22 آب 2013، والذي ينص على تخصيص نسبة تصل إلى 3% من رأسمال جميع المصارف العاملة في لبنان لتمويل الشركات الناشئة المبتكرة، كان يهدف حينها إلى تحويل لبنان إلى مركز إقليمي للأعمال في قطاع التكنولوجيا.

لكن لم تتم الإشارة إلى هذا القطاع بشكل واضح، على الرغم من ضخامة حجم هذا الاستثمار، إذ تم تقدير المبلغ الإجمالي المخصص لتمويل الشركات الناشئة بما يقارب الـ 400 مليون دولار أميركي.

إلا أن هذه الأموال المخصصة سوف تذهب سدىً، أو -بالحد الأدنى- لن يتم استثمارها بأفضل الطرق.

لماذا؟

في حال كانت الشركة الناشئة تملك مشروعاً جديداً، لكنه ليس مبتكراً وخلاقاً، أو هناك مشروع شبيه له في السوق، سوف نكون أمام حالة من التنافس بين الشركات الجديدة والشركات القائمة على حصة حالية من السوق، والذي يعتبر بالأمر الجيد لكنه ليس مبتكراً ولا مفيداً بإنتاج ثروة للاقتصاد اللبناني.

أما في حال كانت الشركة الناشئة تملك مشروعاً جديداً مبتكراً وخلاقاً، فإنه يحتاج إلى حماية من أن يتعرض للسرقة، وإلا لن يشعر مُبتكِره أن إبداعه آمن وبالتالي لن يتحفز للابتكار.

وفي هذه الحالة يمكننا أن نُخضع الخلق أو الابتكار إلى تصنيفين أساسيين مهمين، الأول هو العلامة التجارية، والثاني براءة الاختراع.

أما العلامة التجارية، سواء كانت متعلقة بمُنتج أو خدمة، كما هي مُعرَفة من قبل المنظمة العالمية للملكية الفكرية الويبو (WIPO)، هي "إشارة تُميِز سلع أو خدمات شركة عن سلع أو خدمات سائر الشركات. وتُحمى العلامات التجارية بقوانين الملكية الفكرية".

أمَا براءة الإختراع، فهمي بحسب تعريف منظمة الويبو أيضا، "حق استئثاري يمنح نظير اختراع. وبشكل عام، تكفل البراءة لمالكها حق البتّ في طريقة أو إمكانية  استخدام الغير للاختراع".

ويمكن حماية كلٍ من العلامة التجارية وبراءة الإختراع على حد سواء، عبر تقديم طلب لدى المكتب الوطني لتسجيل براءات الاختراع والعلامات التجارية في البلدان التي يكون فيها للمخترع الروابط الكافية.

لكن هناك أكثر من ذلك، إذ أن اتحاد مدريد (Madrid Union) والنظام المتصل المكون من اتفاقية وبروتوكول، إلى جانب معاهدة التعاون بشأن البراءات (Patent Cooperation Treaty – PCT)، يعتبران نظامان تسجيل لطلبات الحماية الدولية أيضا.

وتتيح هذه الأنظمة لطالب الحماية إمكانية تقديم طلبه في إحدى البلدان الخاضعة للاتفاقيات، وبالتالي الحصول على الحماية في جميع الدول الأعضاء بنفس الاتفاقيات. كما ويستفيد أيضاً طالب الحماية بهذين النظامين إذ يتيحان القدرة على توفير الوقت والمال والجهد.

بعبارة أخرى، إن طالب الحماية مثلاً في دولة الإمارات العربية المتحدة الذي يسعى لحماية اختراعه في ظل نظام معاهدة التعاون بشأن البراءات سوف يكتسب حتماً الحماية لابتكاره في الدول الـ 151، بما في ذلك الاتحاد الروسي والولايات المتحدة والصين والهند وإندونيسيا وأوروبا، هذه البلاد وحدها تغطي أكثر من نصف سكان الأرض.

إلا أن لبنان ليس طرفاً موقِعاً لا لنظام مدريد (الاتفاقية والبروتوكول) ولا لمعاهدة التعاون بشأن البراءات (PCT).

هذا الأمر يضع لبنان موضع الخاسر لفوائد ومكاسب الابتكار على المدى الطويل، خصوصاً أن المبدعين يسعون إلى الخلق والابتكار بهدف الحصول على التطبيق التجاري وبالتالي جني الأرباح، إذ عندما يطبق نظام حماية الملكية الفكرية بصورة صحيحة، فإنه يجلب ثروة للمبتكر.

كيف يتم ذلك؟

إذا اعتبرنا أن شخصاً لبنانياً أنتج ابتكاراً مرشحاً بقوة لأن يُسجَل كبراءة اختراع ولأن يتم طرحه في السوق. سيقف أمام خيارين هما، إما تسجيله في المكتب الوطني لتسجيل براءات الاختراع والعلامات التجارية في لبنان وبالتالي الحصول على حماية في سوقٍ مكوَن من خمسة إلى ستة ملايين شخصاً تقريباً؛ أو تسجيله في إحدى الدول أعضاء معاهدة التعاون بشأن البراءات ثم الحصول على الحماية في 151 دولة حول العالم والتي تعتبر من أغنى الدول وأكبر الأسواق من حيث عدد السكان والعمليات.

وبالطبع في حال كان الإبتكار ذو قيمة عالية، سيختار المبتكر طريقة التسجيل الدولي لاختراعه.

لكن الأمر لم ينتهي عند هذه النقطة، بل إنها البداية لدورة حياة ابتكاره الاقتصادية.

ففي بادئ الأمر، يحصل هذا الشخص على التمويل اللازم، ثم ينتقل إلى إحدى الدول الأعضاء في معاهدة التعاون بشأن البراءات، بعدها يقوم بتطويرالمنتج الحامل لبراءة الاختراع، ليُسجِله ويُصنِعه في البلد المذكور، وينتهي ببيع منتجه للعالم مقابل الأتاوات، بعد دفع الضرائب للبلد المضيف. وبذلك، تصبح معظم روابط المخترع مع نفس البلد.

وكذلك الأمر بالنسبة للحصول على علامة التجارية، لكن إذا بحثت عن موقع لبنان من هذه الصورة فلن تجده حتما.

 خلاصة القول، إن تعميم "مصرف لبنان المركزي" والذي ينص على تخصيص نسبة من رأسمال المصارف العاملة لدعم الشركات الناشئة ليس خطأ بحد ذاته، لكنه يمكننا القول أنه غير مكتمل.

وتكمن المشكلة في غياب المخططين الاستراتيجيين الذين من واجبهم دراسة دورة إنتاج الثروة قبل إصدار التنظيمات والتعاميم.

والاقتصاد كما عرف العلماء هو نظام متكامل، ينجح عندما تكون مكوناته منسجمة وفعالة، وينمو إذا اتُخِذت مبادرات مدروسة جيداً بحد ذاتها وبتأثيرها على النظام بأكمله؛ لكن المبادرات المستقلة قد يتضح أنها قصيرة النظر وضارَة.

تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة. 

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND