الإدارة

  بالشراكة مع:



دافيد بوركوس

أصبح من البديهي هذه الأيام توفير أوقات عمل مرنة للموظفين. العمل نفسه أصبح أكثر مرونة- وأقل ارتباطاً بأوقات وأماكن محددة- وتغيرت أدوار كِلا الجنسين، وهو ما يجعل من المنطقي السماح للموظفين تغيير ساعات عملهم بما يُمكّنهم من التعامل مع مواعيد الحياة المحمومة. حتى أنَّ استبياناً أظهر أنَّ أوقات العمل المرنة تُصنَّف عالياً في قائمة المزايا التي يريدها الموظفون والتي يثمنّها النساء أكثر حتى من الرجال.

لكنَّ دراستين حديثتين تريان أنَّ برامج الوقت المرن قد تكون مكلفة للأشخاص الذي يسجلون فيها وخاصة النساء.

تبدأ معاقبة النساء حتى قبل جدولة أوقات العمل. في دراسة حديثة قامت بها كريستين مونش من  جامعة فورمان، إذ تباينت ردود الفعل التي قوبلت بها الطلبات التي تقدم بها الرجال والنساء للحصول على  أوقات عمل مرنة– وكانت في صالح الرجال إلى حد كبير. درست مونش أكثر من 600 عامل، جميعهم من الولايات المتحدة الأميركية. عُرض على المشاركين نصٌ عن ما بدا أنه حوار واقعي بين موظف وممثل عن قسم موارد البشرية. ما لم يكن المشاركون يعرفونه أنَّ مونش عدلت النص بطرق عديدة. في بعض النسخ منه طلب الموظف أوقات عمل مرنة للعمل ثلاثة أيام في الأسبوع من المكتب أو العمل يومين من البيت مع إمكانية القدوم متأخراً أو المغادرة  باكراً في أيام العمل من المكتب. كما كان هناك نصوص أخرى لم يطلب فيها الموظف أوقاتاً مرنة. والأهم أنّ مونش عدّلت النص بحيث غيّرت جنس الموظف وسبب الطلب (في بعضها كان الطلب من أجل العناية بالأطفال، وفي أخرى كان تحديداً لأسباب لا علاقة لها بالعائلة). طُلب من جميع المشاركين بغض النظر عن النص المعروض عليهم تقييم الموظف على أساس الجاذبية، والموثوقية، والتفاني، إضافة إلى مدى احتمالية قبول طلبه.

بمقارنة النصوص المختلفة وردود الفعل التي تولدت عنها، وجدت مونش أنه عندما قام الموظفون الذكور بطلب أوقات عمل مرنة لتلبية متطلبات رعاية الأولاد، فإنَّ 70% تقريباً من المشاركين  كانوا من المحتمل أو من المحتمل جداً أن يُجاب طلبهم. أما عندما تقدمت الموظفات الإناث بنفس الطلب فقد تقلصت النسبة إلى 57%. إضافة لهذا، كان احتمال أن يقوم المشاركون بتقييم الرجال على أنهم جذّابون وملتزمون أكبر من احتمال تقييمهم للنساء بهذه الصفات.

فيما يتعلق بأوقات العمل المرنة، تعتقد مونش أن نتائجها يجب أن تكون بمثابة تحذير لأصحاب العمل. ’’في أحد السيناريوهات التي يُسهم فيها كِلا الشريكين بنفس الدرجة في العمل المنزلي وفي المدخول، كان الرجال، وليس النساء، هم من يقطفون ثمار ميزات مكان العمل.‘‘ تقول مونش. ’’هناك حاجة لتحركٍ نحو المساواة بين الجنسين في المنزل يؤدي لإدامة المساواة بين الجنسين في مكان العمل".

لكن حتى لو أمكن منح أوقات عمل مرنة دون انحياز، فإن أدلة من دراسة في ألمانيا تقترح أنَّ ذلك قد يؤدي لمفاقمة الهوة بين الجنسين. باستخدام الهيئة الاجتماعية الاقتصادية في ألمانيا، وهي استبيان سنوي يشمل أكثر من 30,000 شخص، تفحص الباحثان يوفون لوت وهيجونج تشانج تأثير أوقات العمل المرنة على ساعات العمل (وخاصة الوقت الإضافي) والدخل. قارنت هذه الدراسة الرجال والنساء في ثلاثة سيناريوهات لجدول العمل: مجموعة ضابطة بساعات عمل عادية، ومجموعة بساعات عمل مرنة، ومجموعة أُعطيت تحكماً كاملاً بوقتها.

 عند مقارنة المجموعات، وبعد الأخذ بالاعتبار عوامل الضبط بما فيها مستوى التفويض في العمل، وجد الباحثان أنَّ الرجال والنساء الذين انتقلوا إلى الأوقات المرنة والأوقات ذات الاستقلالية قد عملوا جميعهم لساعات إضافية أكثر من الأشخاص الذين عملوا بأوقات عمل ثابتة. لكن الرجال استخدموا ساعات الوقت الإضافي لكسب مال أكثر بكثير من النساء في نفس البرنامج. وسطياً، كسب الرجال الذي عملوا بأوقات عمل ذات استقلالية 6,700 يورو بالسنة أكثر من الرجال الذين عملوا بأوقات ثابتة، في حين أنَّ النساء اللواتي تمتعن بنفس الاستقلالية كسبوا في السنة حوالي 2,000 يورو أكثر.

من التفسيرات الممكنة للنتيجة أنَّ الرجال على الأغلب يكتسبون ذلك التحكم بأوقات عملهم كنتيجة لإنتاجية متزايدة أو كجزء من ترقية ويستخدمون ذاك التحكم لوضع جدول عمل أكثر إنتاجية، في حين أن النساء على الأغلب يستخدمون ذلك التحكم بوقتهن لتلبية برنامج حياة عائلتهن. هناك تفسير قوي آخر وهو أنَّ النساء يُنظر لهن على أنهنَّ يستخدمن أوقات العمل المرنة لتلبية احتياجات العائلة. ويستمر هذا الانطباع عنهن حتى عندما يكنّ فعلاً يستخدمن جدول العمل المرن لتحقيق إنتاجية أكبر.

عند النظر لكل هذه الدراسات معاً، تتشكل لدينا صورة قاتمة عن مستقبل موازنة الحياة والعمل والمساواة بين الجنسين. لكن أياً من الدراسات لا يجب أن ينظر لها على أنها تبرير لاستبعاد برامج ساعات العمل المرنة. عندما لا تُنتج هذه البرامج النتائج التي صُممت من أجلها تكون الخطوة المنطقية التالية النظر إلى التعديلات الواجب إدخالها على تصاميمها لإزالة تلك الصورة والانحيازات التي تأتي مع تلك البرامج.

--------------------------------------------------------

ديفيد بوركوس مؤلف كتاب Under New Management. هو مضيف برنامج Radio Free Leader ومساعد بروفسور في الإدارة في جامعة أورال روبرتس.

تنويه: نشرت هذه المقالة ضمن اتفاقية إعادة النشر باللغة العربية الموقعة بين هيكل للإعلام ونيويورك تايمز سينديكت لنشر مقالات من هارفارد بزنس ريفيو، وتمت ترجمتها في قسم التعريب والترجمة في هيكل ميديا، إن النسخ وإعادة النشر بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ - 2017.

تنويه نشرت هذه المقالة ضمن اتفاقية إعادة النشر باللغة العربية الموقعة بين هيكل للإعلام ونيويورك تايمز سينديكت لنشر مقالات من هارفارد بزنس ريفيو، وتمت ترجمتها في قسم التعريب والترجمة في هيكل ميديا، إن النسخ وإعادة النشر بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ – 2017.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND