الإدارة

  بالشراكة مع:



جورج سيرافيم

دافع مارك زوكربيرج بمقال نشره الأسبوع الماضي عن العولمة وآلية عمل فيسبوك. ففي رسالته التي قاربت 6000 كلمة قدم مارك حججه المقنعة بأن فيسبوك يزدهر في ظل منظومة اقتصادية اجتماعية معولمة، حينما تكون العوائق أمام المعلومات، العمالة، رأس المال والمنتجات في حدودها الدنيا.

وأظهرت أبحاث أجريتها أنا وآخرون، أن المنظمات التي تمتلك توجهاً هي منظمات متفوقة في أدائها على المنظمات المُنافسة، رسم زوكربيرج في رسالته معالم واضحة للأغراض التي يقوم بسببها الفيسبوك. ولكن وبذات الوقت تُبين الأبحاث أن الأشخاص يسخرون بشكل كبير من قادة الأعمال الذين يتحدثون عن الغرض وراء شركاتهم.

كما تميل الإدارات العليا لأن تتمتع بحس مسؤولية أعلى تجاه الغرض من الشركة مقارنة بالإدارات الوسطى، والتي تتمتع بحس مسؤولية أعلى منه مقارنة بالمستويات الدنيا من الموظفين.

تسعى الإدارات العليا في كثير من الأحيان إلى تنمية حس المسؤولية تجاه الغرض من الشركة، ولكن غالباً ما يتجه الموظفون إلى شراء منتجات الشركات المنافسة.

توفّر رسالة زوكربيرج درساً في كيف يمكن للمنظمة أن توصل الغرض منها بموثوقية وصراحة. كما يقدم مقاله أموراً أخرى تتضمن: جعل غرض ما محدداً للمنظمة، توضيح كيف يمكن فعل ذلك، الإشارة إلى الفجوات الممكن ملؤها في السوق، أهمية المكانة التنافسية التي تختارها المنظمة، قياس المؤشرات اللازمة، الالتزام بالإتقان والتقدم المستمر، والاعتراف بالتحديات.

حتى تكون عبارة الغرض من الشركة جيدة فيجب:

أن يكون خاصاً بالمنظمة. لا تحقق مجموعة القيم ورسائل لكثير من الشركات إلا قدراً ضئيلاً من الوضوح والتمايز، مقارنة بالمنظمات الأخرى. تظهر كثيراً كلمات مثل: العمل الجماعي، الابتكار، النزاهة، القيادة والتنوع في هذه الرسائل. ورغم جودة معناها، فإنها توصل القليل من المعلومات حول لماذا هذه المنظمة فريدة من نوعها، كما أنها تعكس القليل عن واقع هذه الشركات. وجدت الأبحاث أن مثل هذه الرسائل لا ترتبط بالأداء العالي، بل إنها كلام مبتذل ومكرر.

يتجاوز الغرض الذي وضعه زوكربيرج لفيسبوك هذه العيوب. عندما يقول " إن أهم شيء يمكننا عمله خلال فيسبوك هو تطوير بنية اجتماعية لتمكين الأشخاص من بناء مجتمع عالمي يعمل لمصلحتنا جميعاً" والذي هو غرض لا يمكن أن تطمح له الكثير من المنظمات.

توضيح كيف يمكن فعل ذلك. إلى جانب إشكالية أن غرض الكثير من المنظمات مكرر، فهو أيضاً وفي كثير من الأحيان يفتقد الآلية الواضحة لتحقيق الغرض. يحدد زوكربيرج الكيفية من خلال خمس ركائز:

دعم تجارب الحياة من خلال بناء المجتمعات، الحفاظ على سلامة الأفراد، زيادة المعلومات كماً ونوعاً، زيادة مشاركة المجتمع المدني، وخلق مجتمعات شاملة أكثر.

الإشارة إلى الفجوات الممكن ملؤها في السوق. تُتهم الكثير من الشركات في عالم اليوم بأنها تخلق الطلب على سلع وخدمات غير ضرورية، نتيجة لذلك فمن الضروري للمنظمة أن تحدد الفراغ السوقي الذي تأمل بملئه. ما الذي يتأمله الأشخاص من غايات لتحققها لهم تلك المنظمة؟ يحدد زوكربيرج ذلك بقوله أنه يمكن للمجتمعات الداعمة أن تردم الفجوة الناجمة عن تراجع الهياكل المجتمعية للمجتمعات المحلية خلال العقود الماضية.

شرح المكانة التنافسية.  يجب على قادة الأعمال أن يتساءلوا لماذا تحتل منظماتهم مكانة جيدة تساعدهم على تحقيق الغرض منها؟

وفي حالة فيسبوك، المنظمة تحتل مكانة فريدة لمنع الأذى ولتقديم المساعدة خلال الأزمات أو للمساهمة في إعادة البناء لاحقاً، وكل ذلك نتيجة كمية التواصل عبر شبكاتها بالتوازي مع قدرتها على الوصول السريع للأشخاص حول العالم. وبشكل مشابه، فهي قادرة بنتيجة حجمها على زيادة مشاركة المجتمع المدني عبر مساعدة المزيد من الأشخاص على ممارسة حقوقهم السياسية والتصويت لمرشحيهم. وقد شهدنا ذلك في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، حين ساعد فيسبوك مليوني شخص على التسجيل والتصويت، وقارب المسافة بين الناخبين وممثليهم مع إمكانية عمل تاغ لأسماء السياسيين في محادثات فيسبوك.

توفير طريقة لقياس النجاح. يساعد تحديد ما نريد قياسه المنظماتِ على فهم مدى فعالية أنشطتها إضافة إلى إدراك ما إذا كانت هذه الأنشطة يتم قيادتها بطريقة منتجة أم لا. تفتقد الكثير من المنظمات بشكل كبير المقدرة على قياس التقدم تجاه الغرض منها، ويكمن الحل في تطوير مقاييس موضوعية للنجاح تتماشى مع أغراض المنظمة. فعلى سبيل المثال، قررت إدارة الفيسبوك مراقبة التقدم تجاه غرض بناء مجتمعات داعمة بقياس عدد الأعضاء في المجموعات ذات المغزى بدلاً من قياسها في المجموعات بشكل عام. وكان قياس عدد الأشخاص الذين سجلوا ليقوموا بالتصويت أو المشاركين بحوارات مع ممثليهم السياسيين عبر فيسبوك مقياساً لزيادة مشاركة المجتمع المدني.

عليك أن تفكر بالغرض كعملية مستمرة. تصف المنظمات غالباً أغراضها كأهداف نهائية محددة، أو كأشياء تم تحقيقها مسبقاً أحياناً أخرى. من الأفضل التفكير في الغرض وكأنه عملية تقدم مستمرة تجاه هذا الهدف وكأنه بحث مستمر في سبيل تحقيق هذا الهدف. هناك دوماً مجال ما للتقدم، حيث يقترح زوكربيرج في كتاباته قائلاً: "إن فيسبوك في حالة عمل وتطوير مستمر ونحن حريصون على التعلم والتطوير."

اعترف بالتحديات. وأخيراً وليس آخراً، يجب أن يكون هناك تحديد واضح للتحديات التي ستظهر أمامنا نتيجة سعينا وراء هذا الغرض. في حالة الفيسبوك، فإن الغرض منه يواجهه الاستقطاب المستمر للآراء رغم تجانس الرأي العالمي والمتكون من مستخدمين معرضين لهذا الاستقطاب.  تطرق زوكربيرج إلى هذه التحديات مسبقاً، وبنفس الوقت يصف أفعالاً قد تساهم في تقليل احتمالات حدوث هذه التحديات أو أثرها مثل إظهار آراء إضافية، نشر تقارير تحقق من المعلومات، وترتيب أولية القصص بناءً على أن الشخص الذي يشاركها قد قرأ القصة فعلاً.

يكون الغرض من المنظمة أكثر من مجرد مجموعة من الجمل المرتبة فيما لو تم عمله بشكل صحيح، فهو سيكون مُحفزاً للموظفين، طريقة لتمييز نفسك عن المنافسين، وركيزة استراتيجية. ولكن فقط عندما يكون حقيقاً وموثوقاً.

-----------------------------------------------------------

جورج سيرافيم عضو عائلة جاكورسكي والأستاذ المساعد في كلية إدارة الأعمال في جامعة هارفارد يمكنكم متابعته على تويتر @georgeserafeim

تنويه: نشرت هذه المقالة ضمن اتفاقية إعادة النشر باللغة العربية الموقعة بين هيكل للإعلام ونيويورك تايمز سينديكت لنشر مقالات من هارفارد بزنس ريفيو، وتمت ترجمتها في قسم التعريب والترجمة في هيكل ميديا، إن النسخ وإعادة النشر بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ - 2017.

تنويه نشرت هذه المقالة ضمن اتفاقية إعادة النشر باللغة العربية الموقعة بين هيكل للإعلام ونيويورك تايمز سينديكت لنشر مقالات من هارفارد بزنس ريفيو، وتمت ترجمتها في قسم التعريب والترجمة في هيكل ميديا، إن النسخ وإعادة النشر بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ – 2017.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND