آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



فريدريك الشمالي
فريدريك الشمالي
مستشار وتنفيذي لبناني في القانون والحوكمة والأعمال. يشغل ..

الاقتصادي – آراء وخبرات:

منذ فقاعة الإنترنت وفضائح انرون و وورلدكوم في أوائل الألفية الثالثة، اكتسب مفهوم حوكمة الشركات اهتماماً متزايداً وتطور بسرعة أكبر من النصف قرن الذي سبق. هذا التطور حدث أساساً في عالم الشركات الكبرى. لماذا؟ لأنها هي في صلب اهتمامات الاقتصادات الوطنية كونها تؤثر على النمو والأمن الوظيفي وسلامة الأسواق المالية والعمليات العابرة للحدود كما ومحاربة الجرائم المالية؛ ولدى هذه الشركات السيولة الكافية لتطبيق أنظمة وضوابط الشفافية والحوكمة.

في أيامنا هذه وبالإضافة إلى العولمة وسهولة التواصل والمواصلات، العديد من العوامل والتطورات تضغط باتجاه اعتماد أنظمة الحوكمة في الشركات الأصغر حجماً. فعلى سبيل المثال، يشهد العقد الحالي، أو ربما العشرون سنة الماضية، نزعة الشركات الناشئة من حيث دعمها وتطويرها وتمويلها، ومعظمها في مجال التكنولوجيا. الشركات التي دورها مساعدة الشركات المذكورة تتكاثر، من الحاضنات (Incubators) إلى المسرِعين (Accelerators) فالمستثمرين الملائكة (Business Angels) والرساميل المغامرة (Venture Capitals)، حتى أن المشرِعين والهيئات التنظيمية المحلية أصبحت تتدخل في هذا النظام لتعزيزه عبر القوانين والتنظيمات (أمثلة كندا والهند ولبنان).

إن الشركات الناشئة تخلق فرص العمل وتفتح أسواق جديدة، وهو ما يفسر سياسة الحكومات في دعم هذه المبادرات. مثالاً آخر هو عمليات الاندماج والاستحواذ، حيث تزايدت بصورة مضاعفة فأصبح علمها إحدى المهارات المطلوبة لدى المحامين والخبراء الماليين الذين يعملون على أصولها وتقنياتها. ولا تقتصر الأنشطة المذكورة على الشركات الكبيرة فحسب، وإنما على الشركات الصغيرة والمتوسطة أيضاً التي تقوم بالاندماج من أجل التآزر وتوسيع حصصها في السوق، أو الاستحواذ من قبل الشركات الكبرى التي ترغب دخول أسواق جديدة، وغيرها من الأسباب.

هذه التطورات أدخلت الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة الحجم العالم الذي يتم رصدها فيه ومراقبتها وتحليلها وتحديدها باهتمامٍ محدَد كاحتمال الاستثمار فيها، الاستحواذ عليها، وغيرها.

شخصيَاً، أعتقد أن الحوكمة ليست أولوية في المراحل المبكرة من تطوير الشركات الناشئة، حيث أن المصلحة الاولى هي الأمن المالي للشركة، كما وأن الموارد والوقت لا يتوافران لصياغة وتطبيق أنظمة تفويض سلطات وصلاحيات سليمة. ولكن عندما تكتسب الشركة أمنها المالي، تأتي المرحلة التالية وهي التوسع. بعبارة أخرى، تصبح الحوكمة ضرورة في الشركات الناشئة عندما تصبح هذه الشركات ثابتة نسبياً على الصعيد المالي، وبطبيعة الحال، تكون الحوكمة ضرورية في الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

ولكن بالنسبة لهذه الشركات، مع موارد محدودة – أكانت بشرية أومالية – لتنفيذ الحوكمة، يطرح السؤال التالي نفسه: كيف تطبَق الحوكمة في الشركات الناشئة، الصغيرة والمتوسطة الحجم؟ بمعنى آخر، كيف تبدو الحوكمة عندما تتكيف مع حجم الشركة؟

الإجابة ليست بديهية؛ لذلك سأحاول صياغة خارطة طريق موجزة.

أول تدخُل للحوكمة يأتي في المرحلة التأسيسية للشركة. إن إدخال عناصر حوكمة على النظام الأساسي عند صياغته من البداية يضع المساهمين، الذين هم على الأرجح المديرين، في المقاربة الصحيحة. ويكون ذلك على سبيل المثال في هيكلة المساهمة حيث لا يملك أي من المساهمين المعدودين حصة مسيطرة؛ أو مثلاً مجلس إدارة متوازن مع أعضاء مستقلين وسلطات تصويت غير مركَزة بيد شخص واحد: يحقَق هذا التوازن من خلال أصول تكوين المجلس وشروط النصاب والتصويت. وهناك قاعدة أخرى للحوكمة تتمثل في تفويض السلطات التنفيذية فقط إلى الرئيس التنفيذي مع الاحتفاظ بصلاحيات الرقابة والإشراف مع مجلس الإدارة. وحسب القوانين المحلية للبلد، إذا كان هناك نواقص في النظام الأساسي، يمكن أن تعوَض في اتفاقٍ بين المساهمين.

التدخُل الثاني يأتي على المستوى التنظيمي في الشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث يوجد إجمالاً موظفي مبيعات وموظفين إداريين لدعم المبيعات. إن اعطاء الموظفين الاداريين صلاحية التدقيق أو التحقق من عمليات المبيعات من شأنه أن يعزز الحوكمة والتوازن، لكن دون منح الإداريين السلطة على موظفي المبيعات وذلك تفادياً لتسميم الأداء.

أما التدخُل الثالث فيتمثل في فرصة التوسع التي تشهدها الشركات الناشئة المتنافسة عندما يأتي مستثمر أو موزع عريق في بلدٍ ثانٍ ويحدد شركتين ليتعامل مع واحدة منهما، وهذا توسع محتمل. لدى الشركة الناشئة الأولى نظام داخلي مكتوب بشكل يراعي مبادئ الحوكمة، واتفاق بين المساهمين، وتوازن في الصلاحيات بين الموظفين؛ بينما الشركة الثانية تعاني من غياب كل ما سبق بالإضافة إلى مشاكل ناتجة عن الإهمال، مثل المسائل الضريبية والتأسيس بالشكل القانوني الخاطئ وتأخر التصريحات بسبب نقص الموظفين وغياب التركيز، والصلاحيات غير الواضحة داخل الشركة، وكان كل ذلك قد حدث بينما كان المسؤولين منكبِين على المبيعات.

أي شركة سوف يختار المستثمر؟
تنويه: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم"، أو موقفه تجاه أي من الأفكار المطروحة.

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND