تعليم وشباب

آخر أخبار مقالات تعليم وشباب



بقلم جيم أودونيل 

 

وبما أن ذلك ليس ببعيد جداً. في المرة القادمة عندما تصادف طفلاً صغيراً، اعلم أن لديه فرصة كبيرة لأن يحيا ويشهد حلول القرن الثاني والعشرين. فكيف سيكون حال المكتبات حينئذ يا تُرى؟ لا أحد يعلم، غير أن بوسعنا ربما الحديث عما ينبغي أن تكون عليه المكتبات في ذلك المستقبل المتخيل.

 

فعلى سبيل المثال، كم سيكون عدد المكتبات آنذاك؟ يمكنني التفكير بإجابتَين اثنتَين جيّدتَين، آمل أن تكون كلتاهما صحيحتَين، إضافة إلى إجابة ثالثة سيئة، والتي أرجو أن تكون خطأ تماماً.

 

الإجابة الأولى الصحيحة بسيطة، وهي: سيكون هنالك مكتبة واحدة، مكتبة واحدة شاملة عالمياً ومتاحة للجميع على مستوى العالم.

 

ويعني ذلك التصوّر أننا ننظر إلى المكتبات بوصفها أمكنة لجمع المقتنيات، وهذا ما ستكون عليه فعلاً في أحد جوانبها. ويعتمد النمط القديم للمكتبات على جمع المقتنيات المادية الموزَّعة على نطاق واسع وبطريقة استراتيجية في أماكن محددة، حين تكون المجتمعات أو المؤسسات فيها قادرة على شراء تلك المقتنيات والحفاظ عليها. فإذا كان الاطلاع على "موسوعة بريتانيكا" أمراً جيداً على سبيل المثال، وجب على كل مكتبة أن تشتري النسخة الأحدث من هذه الموسوعة بشكل دوري، وتتدبّر أمرها في التخلّص من النسخة القديمة.

 

أما الآن فقد باتت "موسوعة بريتانيكا" وسواها من مصادر المعلومات الأخرى متوفّرة على شبكة الإنترنت. ومع هذا تستمرّ المكتبات في "شراء" (وصار الأمر أشبه بالاستئجار في هذه المرحلة) مثل هذه الأشياء بشكل دوري وبأسعار تشعر أنه مبالغ فيها، في حين يراها الناشرون منخفضة جداً. إن وجود هذا الكمّ الكبير من نُسَخ هذه الموسوعة غير مجدٍ على الإطلاق ومنافٍ للعقل وللمنطق. غير أننا نواظب على شراء تلك النسخ بدافع العادة أكثر منه بدافع الحاجة الحقيقية. أما الحقيقة الحتمية التي لا بد منها فتكمن في أننا لا نستطيع التفكير في أسلوب آخر لتمويل عملية شراء مصادر معلومات معقدة ونشرها، إلا من خلال العمل على توزيع التكلفة على أوسع دائرة ممكنة من المؤسسات والمستخدمين.

 

من الضروري تغيير ذلك الواقع. فبمجرد توفّر موسوعة ما أو كتاب أو صحيفة في شكل رقمي، لا يبقى هنالك أي سبب وجيه يمنع إتاحتها لأكبر عدد ممكن من الناس وبالمجان قدر الإمكان، ولا أي سبب مُقنع يفسّر لماذا لا يجب امتلاكها وحمايتها مركزياً. وفي الوقت الراهن، ثمة مكتبات جامعات رئيسة ومهمة فيها كنوز وافرة ومذهلة حقاً من المعارف، لكن للأسف، لا يمكننا الوصول إليها. ويعجز معظم الناس الذين يعيشون اليوم على هذا الكوكب عن الوصول إلى منابع المعرفة التي تبدو من المنظور التقني متوفرة على أجهزة هواتفهم الذكية اليوم، وبكل ما تعنيه كلمة اليوم من معنى. أي في غضون الساعة التي تلي لحظة قراءتك هذه السطور، وذلك إذا ما اتّخذ المزوّد قرار إتاحة هذه المنابع للعموم.

 

وإن كان لا بدّ من التغيير، فسيحدث هذا التغيير. وسنشهد عملية تجميع مقتنيات المكتبات وتعزيز البنية التحتية التقنية اللازمة لإتاحة تلك المقتنيات للعموم. (وبالطبع سيكون هنالك نسخ مكرّرة ونسخ احتياطية، تماماً كما هي عليه الحال اليوم بالنسبة لأمور كثيرة مثل عمليات البحث في موقع "جوجل"، التي تتم استضافتها على مخدّمات وفي مواقع عديدة، تتقاسم فيما بينها أعباء العمل بطريقة منطقية وشفافة. فمثل هذا التوزيع من شأنه أن يسرّع الخدمة ويحسّن عامل المرونة والتأقلم في حالات الكوارث والطوارئ)، فضلاً عن أننا سنشهد ظهور آليات جديدة لتسديد تكلفة الأعمال التي توازي عملية "النشر" في أيامنا هذه، آليات تُتيح للناس إمكانية الدخول الحرّ والمجاني كلياً إلى جميع محتويات هذه المكتبة العالمية.

 

الإجابة الثانية الصحيحة عنسؤالي الأصلي معقدة أكثر قليلاً، وهي أنه سيكون هنالك 3 ملايين مكتبة. ومع أن الحسابات الدقيقة لهذا الرقم خارج موضوعنا، إلا أنني حصلت عليه انطلاقاً من تقديرات رابطة المكتبات الأميركية التي تقول بإن اليوم يوجد حوالي 119,000 مكتبة في الولايات المتحدة، واستقراء تطوّر هذا الرقم إذا ما عُمّم على كل سكان العالم في المستقبل. فهنالك أسباب تجعلنا نأمل أن يزداد عدد سكان العالم ببطء ليصل إلى 9 مليارات نسمة في القرن القادم، وباعتماد نسبة عدد المكتبات إلى عدد السكان التي لدينا في الولايات المتحدة نصل إلى رقم 3 ملايين مكتبة، بحيث تتوفر لدينا مكتبة لكل 3,000 نسمة، وهي نسبة تبدو لي جيدة.  

 

غير أن هذه المكتبات ستبدو مختلفة حينئذ. إذ إن مقتنياتها المادية ستكون جميعها مشابهة لما نسميه اليوم "مصنفات خاصة"، وهي المواد الفريدة التي تنفرد بامتلاكها بسبب مكانها الجغرافي أو تاريخها الخاص. ففي ولاية أريزونا، حيث أعمل أميناً لمكتبة الجامعة، نحتفظ في مكتبتنا بمنشورات السيناتور "باري غولدووتر" ومع أن أحداً لن ينسخ تلك المنشورات مرة أخرى، إلا أنها ستحتفظ بقيمة تاريخية وسنبقى نفتخر بها. وقد نقوم يوماً ما بتحويلها إلى الشكل الرقمي، وحينئذ ما من سبب وجيه يمنعنا من حفظ النسخة الرقمية منها في المكتبة الكونية المركزية وجعلها متاحة للجميع.

 

ومن المتوقع أن يثابر القرّاء على زيارة هذه الثلاثة ملايين مكتبة للتعرّف إلى مخطوطاتها ومقتنياتها الفريدة، ولكنهم سيجدون هنالك أكثر بكثير مما يبحثون عنه الآن: أناساً أذكياء منخرطين في العمل المعرفي والعمل المجتمعي. وسيكون عمل أمناء المكتبات حينئذ متمركزاً حول التدريب والإشراف والتوجيه والتيسير، كما سيكون هنالك أيضاً أعضاء آخرون من الجمهور ساعين نحو المعرفة ومشاركين في التبادل المعرفي وروّاداً للنشاط الروحي ونشاط عالم الأعمال. وستُشكّل المكتبات في المستقبل "المكان الثالث" المثالي للمجتمع الحرّ، ولن تفقد سحرها وقوة جاذبيتها مطلقاً.

 

ولكن كم أنا واثق من صحة الإجابتين الأولى والثانية؟ إنني أتعجّب من نفسي وأنا أقول إنني واثق "إلى حد بعيد". (لأنني كنت أظنني أكثر تشاؤماً من ذلك.) والجيد في الأمر أنني إذا كنت محقّاً، فإن الكثير من الأمور الجيدة فعلاً للبشرية كلها يجب أن تكون قد تحقّقت حتى ذلك الحين. فمجموعة المقتنيات الواحدة والمتاحة للجميع ستعني أن العائلة البشرية، قد بذلت جهوداً جبّارة لتخطي التشرذم والانقسام والطائفية والأمراض السياسية. فإذا كانت المكتبة التي أتخيّلها ستكون في المستقبل متاحة لكل من يعيش حتى فيكوريا الشمالية، فإننا سنكون على ثقة بأن العالم قد بات مكاناً أفضل للعيش.

 

قلت إن بجعبتي إجابة ثالثة سيئة، وهي الإجابة التي أتمنى ألا تكون صحيحة. فتلك الإجابة متشائمة إلى أبعد الحدود: لن يكون هنالك أي مكتبة.

 

هنالك طرق كثيرة لكي يتحوّل ذلك التشاؤم إلى واقع، منها التفاعل الكارثي بين الأسلحة النووية وارتطام الكويكبات بالأرض وانهيار المناخ، وحينها تكون خسارة المكتبات واحدة من أخفّ أعراض خراب مستقبلنا البائس. كما قد نخسر المكتبات بسبب الغطرسة وقصر النظر. فلطالما سمعنا جميعاً أشكالاً متعددة من المقولات القاطعة المتكبّرة من شاكلة "لم نعد بحاجة إلى المكتبات، فكل شيء بات اليوم رقمياً"، مقولات تصلح للاستخدام على منصة مناظرة بين مرشحي الرئاسة.

 

لكننا نحتاج فعلاً للمكتبات. ففي عالمنا الذي يعجّ بهذا الفيض الهائل من المعلومات، بوسع المكتبات أن تجمع وتنتقي المعلومات الجيدة وتحرسها وتعتني بها. المعلومات التي اجتهد أناس أذكياء حقاً في العمل عليها وإبداعها وصونها، والتي يمكنك الاعتماد عليها في فهم العالم فهماً عميقاً ودقيقاً، المعلومات المعقدة أكثر من أن تنتج ببساطة عن مجرد الاستعانة بالجمهور، والبعيدة عن المقبول والمعتاد أكثر من أن تُفرَض علينا من الشركات والسياسيين. أما أمناء المكتبات الأذكياء والمهنيّون والزاهدون في كل شيء ما عدا الحقيقة، فهم بمثابة "فرسان الجيداي" الذين سيحمون مستقبل ثقافتنا ويستحقّون كل الاحترام والتقدير لجهودهم.

 

ولن تكون المكتبات، بوصفها أماكن، أقلّ قيمة مما هي عليه اليوم، إذ مهما كانت درجة تفاؤلي يبدو لي من الحكمة بمكان أن أعترف بأن الأناس الجيّدين والأذكياء وأصحاب المبادئ لن يكونوا وحدهم على سطح الأرض، ولذلك فإنهم سيكنّون تقديراً خاصاً- كما يفعلون الآن- لفرصة تقصّي المعرفة وتبادل الآراء برفقة الآخرين ضمن صروح المكتبات.

 

وإذا ما انجرفنا مع التفاؤل التقني السائد واللامبالاة، وتركنا المكتبات تتلاشى وتندثر، فإننا سنكون حينئذ في حالة سيئة تستحق الشفقة. هنالك تفسيرات تاريخية كثيرة لاندثار مكتبة الإسكندرية العظيمة العريقة، غير أن تقييمي الشخصي أن هذه المكتبة لم تندثر لأنها كانت ضحية يوليوس قيصر أو الرهبان المسيحيين أو المحاربين الإسلاميين. يقيني أن المكتبات من المرجّح أن تندثر عندما لا يقوم قادة المجتمع بواجبهم في دعمها وعندما ينظرون إليها بوصفها من المسلَّمات ويعاملونها باستخفاف.

 

لكن بوسعي أن أبقى متفائلاً. فمكتبة الإسكندرية العريقة اندثرت يوماً ما في القرون الأولى للميلاد، بيد أنها انبعثت في الواقع من جديد. فمع كل هذه التحديات السياسية والدينية والاجتماعية التي تواجه مصر اليوم، نشهد بناءً جديداً ساطعاً في ميناء الإسكندرية قد أتمّ اليوم عقده الثاني بوصفه مكاناً للحوار، والأهم من ذلك مكاناً للقراءة. وسنبقى دوماً بحاجة إلى مكان للقراءة.  

 

ملاحظة: جامعة ولاية أريزونا هي شريك مع مجلة "سليت" ومركز "أميركا الجديدة" للفكر في مشروع "فيوتشر تنس".

 

هذه المقالة تنشر حصرياً بالتعاون بين الاقتصادي ومشروع فيوتشر تنس (Future Tense) وقد أعدت بالتعاون بين "سليت" (SLATE) ومركز "أميركا الجديدة" للفكر (NEW AMERICA) وجامعة ولاية أريزونا (ASU).

error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND