آراء وخبرات

آخر مقالات آراء وخبرات



عمار هيكل
عمار هيكل
المدير العام في شركة هيكل ميديا في أبوظبي، الإمارات العربية ..

بينما شكّل فوز الرئيس دونالد ترامب بالانتخابات الأميركية صدمة للكثيرين، تحدثت الصحافة عن شركتين لتحليل المعلومات يجري الحديث أنهما ساعدتا الرئيس في حملته الانتخابية، ليجري بعدها التحقيق في علاقتهما بنتائج استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وجرى الحديث عن تحليل عميق للبيانات واستهداف ذكي مخصص جداً لكل ناخب بما ساهم في تحقيق الهدف في الحملتين. الأمر ذاته الذي تحدث عنه مسلسل "هاوس أوف كاردز" من خلال عمل شركة بوليهوب.

 

لا شك أن القوة في هذا العصر هي للمعلومات والبيانات، لتتحوّل الجيوش والأسلحة إلى أدوات داعمة. لذلك أصبح أحد عناصر النجاح الأساسية في أي من القطاعات هو قراءة وتحليل البيانات الكبيرة واستخلاص النتائج منها. وبفضلها تستطيع مخاطبة الجمهور بشكل أفضل لتصبح مقنعاً بشكلٍ أكبر علهم يشترون منتجك، أو ينتخبونك، أو يسافرون على متن طيرانك، أو يؤمنون بقضيتك، أو غير ذلك.

 

وتحتل اسرائيل موقعاً بارزاً في العالم من حيث الأبحاث التقنية والشركات التقنية الناشئة، وقام مؤشر بلومبيرغ بتصنيفها في المرتبة العاشرة ضمن الاقتصادات الأكثر ابتكاراً خلال عام 2017. وهنا إذ نتحدث في هذا المقال، فنحن لا نتحدث عن أجهزة استخباراتية ولا عن مراكز تنصت، إنما عن شركات تقنية تحصل على بيانات مليارات المستخدمين حول العالم. فليس الهدف من المقال تعزيز نظرية المؤامرة، ,إنما تسليط الضوء على الحاجة لأن تكون بيانات البلدان ملكاً لها، وأن تعمل على دعم التقنية المحلية وإلا ستكون بيانات مواطنيهاأداةً يستفيد منها كل من يملكها.

 

فهل تعرف من يعرف ماذا تقرأ على شبكة الإنترنت؟

 

عندما تقرأ أي خبر على أحد المواقع العربية أو الأجنبية، تنتهي من قراءة المقال، ليعرض عليك الموقع المزيد من الأخبار أو المقالات المقترحة بناءً على المادة التي قرأتها. وتأتي هذه المقالات في نافذة تحت عناوين مختلفة مثل "اقرأ أيضاً" أو "مقالات أخرى ستعجبك". عرض هذه المقالات يعتمد على تقنية تبحث عن المقالات المتشابهة لتعرضها لك، لأن قراءتك لهذا المقال تعني أنك قد تقرأ مقالات تشبهه.

 

كانت التقنية منذ عقد أو أكثر تعتمد على التصنيف الذي يندرج تحته المقال، لتعرض لك ما يشابهه من نفس التصنيف، لكنها تطورت مع الزمن ليدخل فيها تعلم الآلة، الذي يدرس ما يقرأه الشخص من بلد معين أتى من موقع معين، لتعرض له مقالاً هو حتماً سيهتم بقراءته. فأنا لو كنت أقرأ مقالاً عن جيف بيزوس، فالمقالات المقترحة ستأخذ بعين الاعتبار من أين أنا، وما هي الكلمات المفتاحية في المقال الذي قرأته، وماذا قرأ قارئ آخر بعد هذا المقال، ومن أي موقع أتيت قبل دخولي هذا الموقع، إلخ، كل ذلك ليزيد من احتمال أن تعرض عليّ هذه التقنية مقالاً سأرغب بقراءته.

 

هذه الخدمة تقدمها شركات تقنية مجاناً للناشرين وأصحاب المواقع. استفادتها المعلنة هي أنها تضيف بعض الإعلانات لهذه المقالات مما يؤمن عائداً إعلانياً للموقع تحصل الشركة على حصة منه، أما استفادتها الضمنية فهي بيانات قراءة لا تنتهي تساعد في فهم القراء والوصول إليهم، مليارات القراءات شهرياً من كل دول العالم حول مختلف القضايا. لتتمكن هذه البرمجية من تقديم هذه الخدمة، ستحتاج إلى: تسجيل كل المقالات التي يزورها المستخدمون، ومن أي بلدان هم، ومن أي المواقع أتوا، أي باختصار كافة معلومات زيارات المواقع (باستثناء معرفة اسم الشخص طبعاً).

 

هذه الخدمة تقدمها ثلاث شركات تسيطر على حصة الأسد من المواقع حول العالم، وهي شركات: Taboola (التي تُقدر قيمتها السوقية بمليار دولار، وتعرض أكثر من 15 مليار مقال مقترح يومياً) وOutBrain وEngageYa (الشركة الإسرائيلية التي نقلت مقرها إلى نيويورك وحجمها أصغر بكثير من الشركتين قبلها) ومقر جميع هذه الشركات هي إسرائيل. فإذا كنت تتصفح موقعاً مثل سي إن إن، أو صحيفة الغارديان، أو سكاي نيوز البريطانية، فمعلومات زيارتك مسجلة لدى واحدة من هذه الشركات الثلاث. أي باختصار، لدى الشركات الثلاثة معظم معلومات ما يتم قراءته في العالم من أخبار ومقالات بالعربية والإنكليزية وغيرها من اللغات. وأي البلدان تقرأ ماذا وفي أي وقت وما هي المواضيع وكم من الوقت يقضون على كل خبر.

 

ومهما وصل مستوى عمل الحكومات من الكفاءة من ناحية الدراسات الاجتماعية أو الاقتصادية أو الأمنية، ستسبقها تلك الآلات التي تحلل ما يقرؤه الناس في كل لحظة. فلنفترض أن وزارة الصحة تريد أن تعرف عن انتشار مرض الملاريا في إحدى المناطق، فهي ستحتاج إلى تجميع معلومات المستوصفات، ثم نقاشها على مستوى أعلى، ومقارنتها بالمعيار الطبيعي لانتشار الأمراض، للوصول إلى نتيجة. أما الشركات التقنية الثلاث فتستطيع أن تعرف في أي لحظة، على سبيل المثال، أن نسبة معينة من السكان في دولة أفريقية يقرؤون عن أعراض الملاريا بشكل يتجاوز الحد الطبيعي في باقي مناطق العالم، وبالتالي ستكون أسرع من أي مركز طبي في معرفة إن كانت هناك دلائل على جائحة ملاريا في هذه المدينة. كما أن لديها القدرة على القيام بأكثر من ذلك، إذ يمكن أن تعرض لهؤلاء الأشخاص الذين يبحثون عن أعرض الملاريا مقالاً يقترح العلاج من شركة أدوية محددة وبالتالي تحقيق مبيعات مباشرة للشركة من زبائن مؤكدين. الأنكى من ذلك، أن تعرض للجمهور مقالاً يلفت انتباههم إلى عدم اعتناء حكومتهم بالنظام الصحي، مما يحرض لدى السكان المرضى النقمة وحالة من عدم الاستقرار. وهذا يعني أن الناخب السياسي الذي يملك الموارد لشراء هذه المعلومات يمكن أن يدق الباب على كل بيت في هذه المنطقة ليضع يده على الجرح مباشرة ويقول لهم: برنامجي مكرس للقضاء على الملاريا ليعيش أولادكم بسعادة وهناء!

 

كل ما سبق لن يغير حقيقة أن الناس ستستمر في تصفح المواقع نفسها، والكثير من الأشخاص لا يعنيهم على الصعيد الشخصي ما هي المعلومات التي تحصل عليها الشركات عنهم طالما أنها لا تؤثر عليهم على الصعيد الشخصي. لكن هذا الحديث يهم الحكومات والمؤسسات الكبرى وصناع الرأي، إذ أن أي معارك أو تغييرات عالمية قادمة ستكون أبطالها حواسب عملاقة وبيانات كبيرة وآلات تمحص في هذه البيانات. يبقى السؤال أين هي بياناتك ومن يستفيد منها؟

تنويه الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب, و لا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية لموقع "الاقتصادي.كوم", أو موقفه اتجاه أي من الأفكار المطروحة.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND