الإدارة

  بالشراكة مع:



إيما شوتسترا، وديرك ديتشمان، وايفغينيا دولغوفا

 

يُعدُّ الإبداع جزءاً من الوصف الوظيفي في المزيد والمزيد من المهن. فسواء كنت تحاول التوفيق بين أولويات أصحاب المصالح المتضاربة، أو إيجاد حل لمشكلة العميل، أو تدشين خط إنتاج جديد، فلن يخرج حلَّك على الأرجح من  خارج كتاب مدرسي. ولكن من الصعب أن تظل قادراً على إنتاج أفكار عظيمة يوماً بعد يوم. ماذا تفعل عندما تنفد منك الأفكار الجيدة؟، وكيف "تستعيد قوة إبداعك السحرية"؟

 

Follow @NadiAlIdara

 

ثمة حل واحد شائع بشكل متزايد، ألا وهو التأمل الذهني. وتعدّ شركات جوجل وغولدمان ساكس (Goldman Sachs) ومدترونيك (Medtronic) من بين الشركات الرائدة التي تبنت التأمل وممارسات اليقظة الذهنية الأُخرى مع موظفيها. يقول المدراء التنفيذيون في هذه الشركات وغيرها: "أنّ التأمل ليس مفيداً كأداة للحد من التوتر وحسب، بل يمكن أن يعزز من الإبداع، إذ يفتح الأبواب حين يبدو الطريق مسدوداً.

 

وللوصول إلى فهم أعمق من أجل فاعلية جلسات التأمل القصيرة في تعزيز الإبداع، اطَّلعنا أولاً على المادة العلمية ثم أجرينا تجاربنا الخاصة. وإليكم ما توصلنا إليه.

 

التأمل الذهني يعمل على تعزيز الإبداع والابتكار

 

لقد تبنى العديد من المدراء التنفيذيين التأمل لأنهم وجدوا أنه يساعدهم على تغيير الحالة المزاجية عندما يتصاعد التوتر. وتُبين الأبحاث أنّ التأمل الذهني يمكن أن يكون له العديد من الآثار الإيجابية على النتائج الخاصة بمكان العمل. إذ أنّ ممارسته بشكل منتظم تعزز من قدرتك على الصمود، ما يمكِّنك من تخفيف التوتر، وتنظيم المشاعر، والتمتع بنظرة أكثر إيجابية حتى تتمكن الخروج من النكسات. إنه يساعدك في تنمية القدرة على إيقاف الاستجابات التفاعلية القائمة على المحاربة أو الفرار، والانخراط في حالة من التفكير الأعمق اللازم بشكل حيوي لاتخاذ قرارات متوازنة.

 

يقول داني بنمان (Danny Penman)، في كتابه الذي بعنوان "اليقظة الذهنية من أجل الإبداع" (Mindfulness for Creativity): "يعزز التأمل الذهني وغيره من ممارسات اليقظة الذهنية ثلاث مهارات أساسية ضرورية لحل المشاكل بطرق إبداعية. أولاً، اليقظة الذهنية تنشِّط التفكير التباعدي. بعبارة أُخرى، يفتح التأمل باب عقلك على أفكار جديدة. ثانياً، ممارسة اليقظة الذهنية تحسِّن الانتباه وتجعل من الأسهل استيعاب حداثة الأفكار وجدواها. أخيراً، تعزز اليقظة الذهنية الشجاعة والقدرة على الصمود في مواجهة التشكك والنكسات، وهو أمر مهم لأن الفشل والنكسات يرتبطان على نحو معقد بأي عملية ابتكار.

 

من 10 إلى 12 دقيقة، وقت كاف لتعزيز الإبداع

 

للتحقق بشكل أكبر من أنّ الإبداع هو من أُولى فوائد التأمل الواعي، واختبار كيف أمكن تطبيق النتائج الأولية للاستفادة منها في توليد الأفكار ضمن المؤسسات، حضّرنا تجربة في جامعة إيراسموس في روتردام، هولندا. وعلى النقيض من أهداف البحوث السابقة، كنا مهتمين بمسألة ما إذا كانت بضع دقائق من التأمل الواعي ستكون كافية لتعزيز الإبداع. وتم تقسيم 129 مشاركاً (جميعهم من الطلاب) إلى ثلاث مجموعات، وأُسند إليهم مهمة إبداعية: إنتاج أكبر عدد من الأفكار التجارية لاستخدام الطائرات التي بدون طيار.

 

قبل بدء العصف الذهني الفردي، شاركت مجموعة واحدة في تأمل واع موجّه بالصوت مدته 10 دقائق، وشاركت مجموعة ثانية في تدريب وهمي على التأمل مدته 10 دقائق (تم توجيههم للتفكير بحرية عن طريق ترك عقولهم تهيم بلا قيود). وبدأت مجموعة ثالثة العصف الذهني على الفور.

 

أنتجت كل مجموعة من المجموعات الثلاث العدد نفسه من الأفكار تقريباً، وكان طول أوصاف الأفكار متماثلاً. وتَمثل الفارق الرئيس في أنّ المتأملين جاؤوا بمجموعة من الأفكار أوسع بكثير من غيرهم. وانحصرت أفكار كل مشارك في المجموعتين غير المتأملتين ضمن فئتين على الأقل، مقابل أربع فئات للمتأملين. وصُنفت أفكار كل فرد في أكبر شريحة من غير المتأملين (20% من المجموعتين) إلى خمس فئات (مثل بنود التسليم والتصوير). وفي المقابل، صُنفت أفكار كل شخص في أكبر شريحة من المتأملين (21% من المجموعة) إلى تسع فئات، والتي شملت أعمال البستنة (قطع الأشجار وسقاية الزهور) والأمن (إطفاء الحرائق)، وتراوحت ما بين فئات مقبولة إلى حد ما (كغسيل النوافذ) وفئات سخيفة بشكل محض (كتغذية الزرافات).

 

بحثنا عن أسباب أُخرى إلى جانب التأمل ربما تفسّر علة الاختلافات. وفي تحليلات الانحدار التي أجريناها، تحرينا العديد من المتغيرات التي يمكن أن تُؤثر على مرونة التفكير، مثل ما إذا كان المشاركون استمتعوا بمهمة العصف الذهني. وحتى بعد خصم نتائج هذه العوامل الأُخرى، قدم المتأملون مجموعة من الأفكار أوسع بنسبة 22% عن المجموعتين غير المتأملتين.

 

واكتشفنا أيضاً أنّ التأمل القصير، على غرار ممارسة الرياضة البدنية، غالباً ما يجعل الناس في حالة ذهنية أكثر إيجابية واسترخاء. فقد شعر معظم الأشخاص في المجموعة التي تأملت بأنهم أقل سلبية من ذي قبل. حيث أدى التأمل، على وجه الخصوص، إلى تقليل شعور المشاركين بالأرق (بنسبة 23%)، والعصبية (بنسبة 17%)، والانزعاج (بنسبة 24%).

 

ولإثبات النتائج التي توصلنا إليها بشكل أكبر، أجرينا تجربة ثانية مع 24 من كبار مدراء الإبداع في مؤسسة بحثية هولندية كبيرة. وعلى غرار ممارسة التأمل مع الطلاب، مارس هؤلاء المدراء التنفيذيون التأمل لمدة 12 دقيقة ثم أنتجوا أفكاراً فردية حول كيفية خلق ثقافة أكثر شمولية في المؤسسة. وفي وقت لاحق، عملوا في مجموعات لتطوير أفكارهم بشكل أكبر.

 

وأفاد معظم المشاركين أنّ التأمل ساعدهم على تصفية أذهانهم، والتركيز بشكل أكبر على المهمة التي بين أيديهم، والتوصل إلى حلول أصلية. وفعلوا ذلك حقاً: إذ تمثلت إحدى الأفكار في أن يتبادل المدراء أو الموظفون أدوارهم في الأقسام لمدة أسبوع (ثم يقدمون تقريراً في مجلة الشركة ولإداراتهم بشأن ما لاحظوه) بطريقة ذكَّرتنا ببرنامج من الواقع الهولندي، حيث يتبادل المراهقون العائلات. وكانت هناك فكرة أُخرى بأن يتم إلقاء خطابات مؤسسة "تيد" (TED) التقنية والعلمية داخل الشركة لتسليط الضوء على الأفكار الجيدة والعلماء عبر مختلف القطاعات.

 

إلى جانب ذلك، تؤكد دراستنا أنّ أفكار أفضل، وصناعة قرار أفضل، ومزاج أفضل كل ذلك يحدث في الوقت الذي يستغرقه احتساء فنجان من القهوة. وكما عبرّت عن ذلك ">ميراباي بوش (Mirabai Bush)، مستشارة جوجل لبرنامج "فتش في داخلك"، وهو برنامج جوجل الخاص باليقظة الذهنية والموجه للشركات، قائلة: "ستجعل اليقظة الذهنية حياتك تسير بشكل أفضل وتجعل حياة عملك أفضل. فهي مكسب لكل الأطراف".

 

في النهاية، تُعتبر الطريقة الوحيدة لمعرفة ما إذا كنت تحب التأمل الواعي حقاً هي أن تجربه بنفسك. حمّل دورة من دورات التأمل الواعي القصيرة المتاحة على شبكة الإنترنت (بما في ذلك تطبيقات التأمل، مثل Headspace أو Calm أو buddhify)، أو اتبع التعليمات التالية وحسب.
  1. اعثر على مكان لا يزعجك فيه أحد.
  2. اجلس في وضع مريح واضبط مؤقتاً زمنياً.
  3. أغمض عينيك بلطف.
  4. اسأل نفسك عما تمر به الآن، وراقب مشاعرك وأحاسيسك وأفكارك.
  5. حوّل انتباهك إلى جسمك واقض لحظة أو اثنتين مركزاً على الأحاسيس في الأماكن التي تلمس الكرسي أو الأرض.
  6. حوّل الانتباه إلى بطنك وراقب أحاسيسك. ركز على الطريقة التي يتمدد ويتقلص بها مع كل نفَس.
  7. لاحظ طريقة تنفسك عن كثب ولكن دون أن تغيّرها.
  8. عند لحظة ما، سيهيم عقلك بعيداً بشكل طبيعي.
  9. عندما تدرك أنّ عقلك لم يعد موجوداً في الوقت الحاضر، اعتبر تلك اللحظة لحظة وعي وحوّل انتباهك مجدداً إلى تنفسك.
  10. الآن ركز على جسمك كله، مراقباً وضعية جسمك ووجهك. وعندما تكون مستعداً، أو عندما يذكّرك المؤقِّت بأنك يجب أن تعود إلى العمل افتح عينيك.

تنويه نشرت هذه المقالة ضمن اتفاقية إعادة النشر باللغة العربية الموقعة بين هيكل للإعلام ونيويورك تايمز سينديكت لنشر مقالات من هارفارد بزنس ريفيو، وتمت ترجمتها في قسم التعريب والترجمة في هيكل ميديا، إن النسخ وإعادة النشر بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ – 2017.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND