الإدارة

  بالشراكة مع:



غريغ ماكيون

قبل وفاة ستيف جوبز بعدة أسابيع، ذهبت إلى شركة " آبل " لحضور غداء عمل مع أحد المدراء فيها. واسترجعنا القصة الشهيرة لعودة ستيف جوبز واستلامه الشركة حين كانت الشركة على وشك الإفلاس. كان يمكن أن يقوم بمضاعفة الأرباح عن طريق ضغط تكاليف جميع خطوط الإنتاج الموجودة في ذاك الوقت، لكنه عوضاً عن ذلك قام بإزالة أعداد كبيرة من المنتجات بحجة الكلفة المرتفعة. إذ كانت شركة "آبل" آنذاك تُنتج 12 نوعاً من جهاز ماكنتوش وحده. أوقف جوبز خطوط إنتاج مربحة في وقت بدت الشركة فيه غير قادرة على تحمل كلفة ذلك، حيث قلّص خطوط إنتاجها إلى أربعة فقط. ورأينا كلانا أنّ هذا التصرف النموذجي كان حاسماً بالنسبة لتحول "آبل" من شركة عادية بين شركات مدينة كوبرتينو إلى الشركة التي تُعتبر اليوم صاحبة أكبر قيمة في العالم.

Follow @NadiAlIdara

تحدث المدير في شركة "آبل" بتعجب، فقال: "لماذا لا يُصبح المزيد من المدراء التنفيذيين واضحين بشأن ما لا يجب على شركاتهم فعله؟"، وهذا سؤال هام جداً.

يفاجئني أنّ المدراء غالباً ما يتبعون الأسلوب المعاكس. وخير مثال على ذلك مدير تنفيذي في شركة كبرى تصنع برامج الأمان لأجهزة الكمبيوتر، حيث عملت سابقاً على نطاق واسع. كان ذكياً جداً وكانت لديه خبرة في الإدارة التنفيذية. ومع ذلك، ومن غير قصد، أغفل التباساً متنامياً في شركته. وكان جميع موظفي الشركة من "وادي السيليكون" حتى سنغافورة، يدركون المشكلة ويستطيعون وصفها بوضوح، فهو لم يكن قادراً على مواجهة المقايضات الكبرى. ولم يعلم الموظفون على أي خط من خطوط الإنتاج الستة الكبرى يجب عليهم توجيه تركيزهم. وعندما قُدم للمدير التنفيذي فرصة التوضيح أعلن عن 6 أولويات للعام، واحدة لكل خط إنتاج. وبما أنّ التركيز على كل شيء يؤدي إلى عدم التركيز على أي شيء، أصبح الموظفون يتخبطون في حيرة عوضاً عن السير بعزم إلى الأمام. فلماذا لا يجيب المدير التنفيذي على السؤال؟

من المنطقي، بطريقة أو بأُخرى، أن يرغب المدراء التنفيذيون في غالبية الأحيان إبقاء خياراتهم مفتوحة. لأنهم إذا وضعوا كامل طاقتهم في تنفيذ فكرة واحدة وفشلت سيقع اللوم كله عليهم. لكنهم سيخاطرون بنجاحهم المستقبلي بنسبة أكبر إذا سعوا وراء الكثير من الأولويات.

مثلاً، وبحسب مصدر من داخل شركة "جوجل" أراد أن يبقى مجهولاً، تزايدت المنتجات ضمن "جوجل" في السنوات الأخيرة بشكل كبير جداً لدرجة أصبح بعض المدراء لا يعلمون عدد منتجاتهم، فكيف لهم أن يفهموا ماهية المنتجات ووظائفها وهم لا يعلمون عددها؟، أضف إلى ذلك أنّ كل واحد من هذه المنتجات يستنفذ الموارد ويحتاج إلى التحديث والدعم.

ربما يكون اتخاذ قرار بإلغاء الخيارات مرعباً، لكنه تحديداً ما نعنيه باتخاذ قرارات استراتيجية.

لقد أمضيت ساعة من الزمن مع مدير تنفيذي في شركة ضمن "وادي السيليكون" تقدر قيمتها حالياً بحوالي 40 مليار دولار أميركي. ناقشنا فيها مبدأ الوضوح الاستراتيجي. كان رأيه أنّ شركته لا يمكن مقارنتها مع شركة "آبل" لأن "آبل" هي شركة منتجات استهلاكية ذات خط إنتاج بسيط نسبياً. وقال أنه يتمنى لو كانت شركته بذات البساطة لكنها أكثر تعقيداً.

ولكن هذا المنطق رجعي. إذ لا تتميز شركة "آبل" بشفافية المنتج والزبون نتيجة لضربة حظ، ولم تنجرف إلى البساطة بالصدفة بل اختارتها وصممتها بنفسها. وأقصد بكلمة "اختارتها" أنها صارعت التعقيد وناقشت المشاكل وتخلّت عن مئات الخيارات حتى وصلت في نهاية الأمر إلى الطرف المقابل للتعقيد وتلك البساطة رفيعة المستوى التي يعرفها الناس ويحبونها. مثال على ذلك، قام جوبز في مؤتمر (D8) عام 2008 بتوضيح أنهم كانوا يعملون على مبدأ إنتاج الآيباد قبل الآيفون بزمن طويل، لكنهم توقفوا عن العمل عليه ليتمكنوا من التركيز على الآيفون فقط (الفيديو الذي يتحدث فيه عن ذلك من هنا). فالتركيز الذي يمتازون به يحتاج إلى التضحية.

قال جوبز في مقابلة له مع "بيتسي موريس" عام 2008: "يعتقد الناس أنّ التركيز يعني قول نعم للأمر الذي يجب عليك التركيز عليه. لكنه ليس كذلك بتاتاً، بل هو أن تقول لا لمئات الأفكار الجيدة الأُخرى حولك. عليك أن تختار بحذر، وأنا فخور حقاً بما لم نفعله بقدر فخري بما أنجزناه".

بعد محادثتي الأولى في شركة "آبل" طرحت فكرة الطلب من القادة تعريف الاستراتيجية. وحصلت على آراء أكثر من 200 قائد، وجميعهم عرّفوا الاستراتيجية على أنها: "أن تقول ما تريد فعله وكيف يتم فعله". ولم يتبنى أحد منهم تعريف جوبز لها. ومن المثير للفضول أنّ جوهر الاستراتيجية الذي تضمنته الأبحاث الكلاسيكية كبحث مايكل بوتر تحت عنوان "ما هي الاستراتيجية؟" لا علاقة له بالتعريف العملي الذي قدمه هؤلاء القادة. وأساس منطق بورتر في تعريف الاستراتيجية هو أنّ واقع التجارة يستوجب المقايضات.

أما فيما يخص قضية شفافية. عندما تترأس جلسة مناقشة الاستراتيجية خارجاً، لا ترض بقائمة أولويات ستوافق عليها. بل خُض في الإجابة عن سؤال الاستراتيجية الجوهري: "ما الذي سنرفضه؟"، هذا هو السؤال الذي سيكشف جوهر المقايضات في مؤسستك. وهو الذي سيوصلك إلى الشفافية الثمينة النادرة والأساسية لتحقيق إنجازات كبيرة تؤدي إلى تغيير مجريات الأمور في شركتك.

تنويه نشرت هذه المقالة ضمن اتفاقية إعادة النشر باللغة العربية الموقعة بين هيكل للإعلام ونيويورك تايمز سينديكت لنشر مقالات من هارفارد بزنس ريفيو، وتمت ترجمتها في قسم التعريب والترجمة في هيكل ميديا، إن النسخ وإعادة النشر بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ – 2017.




error: المحتوى محمي , لفتح الرابط في تاب جديد الرجاء الضغط عليه مع زر CTRL أو COMMAND