التغريبة الفلسطينية

“جزءٌ منك سيبقى بين (لا تسل عن سلامته) و(آن أن تنصرفوا) إلى الأبد..”

السنة 2004
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج حاتم علي
المدة 31 حلقة مدة كل منها 53 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة العربية

نقول حين مشاهدة تطرف الغرب في عرض قضاياه في مختلف أنواع الفنون وخاصةً المرئية والمسموعة أن العيب فينا، فلماذا لا نقدم نحن قضايانا بما يليق بها بدل انتظار عدل الغرب في مناقشتها، قد يكون في هذا الكلام حقيقة، لكنه ليس الحقيقة كاملةً، والدليل إهمال عملٍ مشرِّفٍ كهذا لسببين، أولهما أننا لا نبحث في الأصل، وثانيهما أننا حين نجد مثله بالصدفة نتجاوزه ولا نعيره أي اهتمام لأنه عملٌ “عربي”، وجنسيةٌ كهذه للعمل تلغي كونه مستحقاً للمشاهدة بالنسبة للغالبية العظمى من الجمهور العربي، مما سيؤدي بالتأكيد إلى أن لا تشاهده ولا تسمع عنه حتى أية جماهير أخرى، ولا أعني طبعاً أن أقول “انشره ولك الأجر”، لكني أتمنى ممن يقرأ هذه الكلمات ولم ينل فرصة مشاهدة هذا المسلسل أن يمنح ولو أول بضعة حلقات منه بعضاً من وقته، وأنا متأكد أنها تستحق ذلك الوقت أكثر من أفلام البطولات الأمريكية في العراق وفييتنام على الأقل.

يمكننا أيضاً غض النظر عن كل ما سبق، ومشاهدة هذا العمل فقط لأنه عملٌ إنسانيٌّ عظيم، لأنه يغذي روحك وقلبك بأن يستثير كل حسٍّ حيٍّ فيه، ويعيد حتى إحياء كل حسٍّ مات فيه، لأنه يغذي فكرك بأن يقص عليك تجارباً تتعلم منها، لا بأن يخبرك كيف تعيش تلك التجارب، لأن كلأً من كاتبه “وليد سيف” ومخرجه “حاتم علي” وأبطاله “خالد تاجا” “جمال سليمان” و”جولييت عواد” ومؤلف موسيقاه التصويرية “طاهر مامللي” وآخرون منح في هذا العمل ليس فقط جزءاً من روحه، بل روحه كاملةً، فأصبح حقيقياً بقدر حقيقة ما يتكلم عنه..

أب ٌ “أبو أحمد”(خالد تاجا) أمٌّ “أم أحمد”(جولييت عواد) وأربعة صبيةٍ “أحمد”(جمال سليمان) “مسعود”(رامي حنا) “علي”(تيم حسن) “حسن”(باسل خياط) وفتاة “خضرة”(نادين سلامة)، يعيشون في إحدى قرى فلسطين المحتلة من قبل بريطانيا، ويروي المسلسل حكايتهم عبر أكثر من 30 عاماً تغير فيه شكل خارطة العالم وأضيفت إليها حدود دولةٍ جديدةٍ تسمى “إسرائيل” على أنقاض وطنٍ يسمى “فلسطين”.

كتب الفلسطيني المبدع وأحد أهم الأسماء التي ارتقت بالدراما العربية وذائقة من يتابعونها الدكتور “وليد سيف” نص المسلسل، وحقق به حلماً لازمه منذ بداية مشواره الرائع مع الكتابة، وبإخلاصٍ قل نظيره عمل على التعمق في حياة من يتكلم عنهم حتى بلغ الإتقان والصدق في بناء شخصياته أن يبدو وكأنه أخذ حفنة ترابٍ من كل قرية فلسطينية وجعلها تروي له قصص من ودعتهم ومن ودعوها، ليصبح مجرد الحديث عن الشخصيات بإنصافٍ مستحيل، لا تكفي بضعة كلمات لوصف شخصيةٍ بذل “سيف” في صياغتها ما بذل لتصبح حقيقية، يجب أن تعيش معها خلال المسلسل لتعرفها وتفهمها، وتمر معها بما تمر به خلال أحداثه المعدة بعناية تجعل توثيق المرحلة التاريخية التي تشكل خلفية الحدث والحدث الدرامي نفسه لا ينفصلان، ولا يكون أحدهما على حساب الآخر، بالإضافة لحوارات عبقرية تأخذ مكانها في الذاكرة لأنها أتت في الأصل منها وليس فقط من بعض الشعارات والخطابات، يستثنى من هذا بعض الحوارات في الربع الأخير من العمل والتي أدت محاولة إظهار كونها آتية من مثقفين إلى بعض المبالغة، لكنها لم تسئ بالطبع إلى العمل ككل.

إخراج “حاتم علي” الاسم الأهم في الدراما السورية وأحد أهم الأسماء في الدراما العربية منح نص “سيف” حقه، وأضاف إليه حسن تقديره للتفاصيل والذي جعله يحقق ما حققه من نجاحٍ استحقه، عرف أن حكاية “سيف” لا تحتاج لأي مبالغة تستدر دمع مشاهديه وتستعطفهم، فاكتفى بأن يراها كما هي لكن بعين من لم تمت بعد فيه الإنسانية، ليستطيع بذلك حتى إحياءها بقلب من ماتت فيه كون عينه الآن هي كاميرا “علي” وعينه، فيجعلك تدخل في صلب حياة الفلاح وتشم رائحة أشجار الزيتون، حتى تحس عرقه يسيل على جبهتك حين يضنيه التعب، حتى تفهمه وتحسه، حتى تعيش ما يعيشه، وطبعاً أهم الأدوات التي حقق بها ذلك هي إدارته الاستثنائية لممثليه والتي لطالما عرف بها، فأتى بأفضل ما لديهم على الإطلاق، ليكتمل الطور الأخير في مراحل تطور شخصيات “سيف” وتصبح حقيقيةً بالكامل، لكن يؤخذ عليه بعض البساطة الزائدة في التعامل مع بعض الأحداث وإن كانت مرات حدوث ذلك قليلةً جداً بالنسبة للعمل ككل، واختصار الوقت بطريقة غير مناسبة في الربع الأخير من المسلسل بإحضار ممثلين معروفين ليجسدوا شخصيات تبدوا بوضوح أصغر من أعمارهم بدل العثور على ممثلين أنسب عمرياً، قد لا يكون اللوم في هذا واقعاً على “علي” وحده وربما يكون لشركة الإنتاج دورٌ أكبر مما نتخيل.

أداءات عظيمة وخالدة وعلامة فارقة ومشرِّفة في تاريخ من قدموها من كلٍّ من “خالد تاجا” الذي لا يبذل جهداً في استحواذه على قلب المشاهد فيرهقه ألماً لما يعانيه من ألم، “جمال سليمان” الذي يجعلك تلوم كتب التاريخ لأنها لا تعترف أن “أبو صالح” رجلٌ حقيقي، و”جولييت عواد” التي يستحيل أن لا ترى بعض ملامح أمك في ملامحها، وتسمع في صوتها تلك النبرة المميزة التي فيها من الحنان بقدر ما فيها من مرارة عمرٍ من الصبر، وأداءات ممتازة من باقي فريق العمل وبالأخص “باسل خياط” “نادين سلامة” و”تيم حسن”.

تصوير جيد من “أحمد إبراهيم محمد”، وموسيقى سيثير سماعها حنيناً للعيش مع أبطال المسلسل مرةً أخرى إلى الأبد من الموسيقار السوري العبقري “طاهر مامللي” من ضمن ما ستثيره من زخمٍ من الأحاسيس، وحتى إن لم تشاهد المسلسل يكفي سماع موسيقى “مامللي” لإثارة فضول لا يقاوم لمشاهدة الصور التي ترافقها على أمل أن تكون بمستواها، ولا تخيب صور “حاتم علي” ذاك الأمل بالتأكيد.

برومو المسلسل:

ما رأيك بهذا الفيلم؟