حقائق قد لا تعرفها عن Ben-Hur (الجزء الثاني)

عن نهج وايلر في صناعة الفيلم وغِنى وصرامة تفاصيله، مشاركة هيستون في الحوارات وموقف وايلر منها وموقف هيستون من أسلوب تعامُل وايلر مع فريقه، رؤية وايلر لمحور الفيلم الحقيقي، نتائج حرصه على مصداقية الأثر، تواصله مع ديفيد لين طلبًا للمساعدة والنتيجة، صنع المتوالية التي عُدّت أفضل متوالية أكشن وُضِعت على شريط سينمائي على الإطلاق، معركة البحر، موسيقى ميكلوش روجا، تقدير المنتجين لـ إرث الفيلم، ورؤية هيستون لحقبة الملاحم التي كان له منها نصيب الأسد وما أمكن أن تكونه إن تبادل اسمين الأمكنة أحدهما وايلر سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Ben-Hur .

لم تغفل عين وايلر المهووسة بالتفاصيل طوال 16 ساعة لـ6 أيامٍ في الأسبوع يقضي سابعها مع فراي العامل على النص، لأشهر تصوير الفيلم التسعة التي أدار بها بأكثر من 10000 كومبارس بالإضافة للممثّلين الأساسيّين، والتي تبعها ستة أشهرٍ في المونتاج البالغ من الدقة أن تؤخذ مثلًا قدمٌ واحدة من شريط الفيلم لكلّ 263 قدم استُعملت في تصوير متوالية سباق العربات، عاد بعدها مصابًا بالشقيقة التي لم تفارقه حتى صدور الفيلم حسب ما ذكرته زوجته، خاصّةً أن وفاة زيمباليست قبل الانتهاء من التصوير غيرت خططه المعتمدة على أن زيمباليست سيتولّى الإشراف على وحدة التصوير الثانية وإعاداتها، وجعلته المسؤول الوحيد عن كل شيء.

وبمعرفة ذلك يمكن بسهولة تفهُّم صرامة قراراته وتصرّفاته التي لطالما خلقت خلافًا مع هيستون، والذي ذكر أن وايلر ليس أبدًا بالشخص المرن حول تغيير رأيه بالنسبة لأسلوب مشهدٍ معين، حتى أنه رفض رفضًا قاطعًا القبول بأي سطرٍ من الحوارات التي كتبها هيستون بنفسه لبعض المشاهد بينه وبين ميسالا معتبرًا إياها من أكثر الأشياء تصنُّعًا التي قابلها مع ممثّل.

“أشك أن وايلر يحب الممثلين، هو لا يتعاطف معهم، يستفزونه في موقع التصوير ويفقد صبره بسرعة. لكن بالنتيجة تكون الأداءات ممتازة. الإجابة الوحيدة التي أملكها هي أن ذائقته استثنائية ولا شك فيها وكل ممثلٍ يعرف ذلك”، هكذا علّق هيستون على كون وايلر المخرج الذي فاز الممثلون تحت إدارته بالأوسكار أكثر مما فعلوا مع أي مخرجٍ في التاريخ، مؤكّدًا أنه وإن تمنى أن يكون وايلر شخصًا ألطف في موقع التصوير لكن هكذا تُصنع الأفلام العظيمة.

كان يقول وايلر مازحًا: “تطلّب الأمر يهوديًّا لصناعة فيلمٍ جيّدٍ عن المسيح”، وفي هذا من الصحة الكثير، فكونه يهوديّ جعله ينظر للأمر بمنظورٍ أوسع دون انحياز وتعاطف، لتكون النتيجة أنه اعتبر “قصة المسيح” في عنوان الرواية مجرد مصادفة، وأنها في الحقيقة وبشكلٍ أساسيّ عن رجلٍ يُدعى جوداه بين-هور، مما أكسب الفيلم قبولًا عالميًّا وأكّد حديث هيستون عن تميز ذائقة ورؤية وايلر.

والذي وصل بالاهتمام بمصداقية الأثر أن يأتي بالكونت الإيطالي مارغليانو ديل مونتي، الكونت الإسباني سانتياغو أونيتو، الدوقة الإيطالية نونا ميديسي، الأميرة النمساوية نينا هوهينلو وزوجها الأمير، الأميرة الروسيّة إيرينا واسيلتشيكوف، البارونة الهنغارية ليليان دو بالزو، والأمير الإيطالي رايموند من بين آخرين من نخبة الأرستقراطيين ليمثلوا الضيوف في متوالية الحفل في قصر كوينتوس آريوس، والذي احتوى 45 نافورةً فعلية واستُخدم في بنائه ميلٌ من الأنابيب المعدنيّة.

إلا أنه رغم كل هذا التمسك برؤيته وتفاصيله أُعجب بـ”The Bride on the River Kwai” لدرجة طلبه من مخرجه الكبير ديفيد لين أن يُخرج سباق العربات مع حفظ ذكره بهذا الصدد، لكن لين رفض لثقته الكبيرة بموهبة وقدرة وايلر وأنه سيأتي بشيءٍ استثنائي.

والآن، يشهد التاريخُ بأن هذا ما حدث، في مشهدٍ استهلك، 18 عربة و100000 قطعة أزياء صُنِعت خصّيصًا للفيلم، 82 حصانًا أُحضرت من يوغوسلافيا، 6 من أحدث وأغلى الكاميرات على الإطلاق وهي الـ65 ملم الجديدة وقتها والتي شُحِنت من كاليفورنيا وحُطّمت إحداها بحادثٍ خلال التصوير، 15 ألف كومبارس في أكبر موقعٍ لفيلم حتى تاريخه، بناه 1000 عامل، يمتد على أكثر من 7 هكتارات، أكثر من 600 متر طولًا و20 متر عرضًا في استديوهات شينشيتا على أطراف روما تُغطّيها 40 ألف طنٍّ من الرمل شُحِنت من المكسيك. بل وبُني مسار مطابق مُجاوِر للتدريبات والبروفات كون المسار الذي سيتم فيه التصوير لم ينته بناؤه إلا بعد بدء العمل في الفيلم، كما صاحبت التصوير مشفى متنقّلة لخطورة المشهد.

ولكون محترف الأعمال الخطرة ياكيما كانَت ومساعد المخرج أندرو مارتون أكثر خبرةٍ في التعامل مع حركة بهذا الشكل، وضع وايلر خطّةً دقيقة للتصوير وزوايا الكاميرا كاملةً وترك التصوير الفعلي في أيديهما، بعد أن صوّرا السباق كاملًا بلقطةٍ واحدة ليكسب الجميع رؤيةً أوضح بُنيت عليها خيارات وايلر، ولحسن الحظ، شاركهما العمل أيضًا أسطورة الويسترن المستقبلية الإيطالية سيرجيو ليوني، وحين رأى وايلر النتيجة أكّد أنها من أروع الإنجازات السينمائية على الإطلاق وأشرف على مونتاجها صورةً صورة ليأخذ الإنجاز حقه من التقدير.

.

.

فيما يلي حرق لبعض أحداث الفيلم:

.

.

.وإحدى أروع لحظات ذلك الإنجاز صُنِعت بحادثةٍ كادت تودي بحياة جو كانَت ابن ياكيما كانَت، والذي كان دوبليرًا لـ هيوستون، وإثر عدم التزامه بتعليمات أبيه في مشهد مرور العربة فوق حُطام أخرى قُذف إلى المقدمة بقوّةٍ كادت توقف قلب ياكيما ليقينه برؤيتها أنه فقد ابنه، لكن جو استطاع النجاة والعودة إلى مكانه، وبدَت اللقطة رائعةً بشكلٍ جعلها تعبر إلى النسخة النهائية مع لقطة مقرّبة لـ هيوستون يتسلق عائدًا إلى مكانه في العربة، وما كانت اللقطة تلك ممكنة لولا إدراك مارتون أنه رغم ثقل وصعوبة تحريك الكاميرات الجديدة إلا أن الطريقة الأنسب للتصوير هي بأن تكون الكاميرات وسط السباق، محملة على سيّارة أو عربة بعجلات مطّاطيّة، ويجعل بعض العربات تجري بثلاثة أحصنةٍ بدل أربعة ليصبح من الممكن اقتراب الكاميرا أكثر.

قرارٌ خطيرٌ نتج عنه حادثة اصطدام عربتين بالكاميرات المحمية بحواجز خشبية لم تستطع إنقاذ واحدةٍ منها، دون أي إصابات للبشر أو الأحصنة، في حين تكفّلت الشّمس بإحداث الإصابات بدرجات الحرارة العالية في روما التي منعت الأحصنة من أن يستطيعوا الجريان لأكثر من 8 جولات في اليوم وأجبرت فريق التصوير على العناية الكبيرة بالتفاصيل ليستطيعوا اعتماد أغلب اللقطات الأولى. وكل هذا طبعًا سيجعل من المستحيل اعتماد الصوت في الموقع، لذلك تم التصوير دون أي صوت لتتم إضافته في مرحلة المونتاج.

ودون حتى موسيقى تصويرية، ومع ذلك تبقى موسيقى الهنغاري ميكلوش روجا البالغة مدتها ساعتين ونصف هي أطول موسيقى تصويرية لفيلم في التاريخ، وأقرب أعماله لقلبه، فخلال عام وضع فيها خلاصة 20 عامًا في مسيرته من التعقيد والدقة والحساسية والغنى العاطفي، فكانت ذات تأثيرٍ تاريخي للـ15 عامًا التي تلت صدور الفيلم على موسيقى الأفلام، تأثيرٌ تقاسمته بعد ذلك مع تأثير إنجازات جون ويليامز مع سبيلبرغ.

أما علامة الأكشن الأخرى للفيلم وهي معركة البحر فقد صوّرت في استديوهات “MGM” في كاليفورنيا، في حوضٍ كبير رُسِمت وانتصبت في خلفيته لوحةٌ عرضها 61 مترًا وارتفاعها 15 مترًا لإخفاء التلال وما شابه، بُني لأجلها 40 نموذج مصغّر للسّفُن وسفينتين حربيّتين كاملتين مبنيتين على مخططات في المتاحف الرومانية، وتم الاستعانة بفاقدين لأيدي أو لأرجل لزيادة الواقعية والدموية دون ظهورهم لوقتٍ طويل على الشاشة كي لا تَثقل التجربة على الصدر.

كل هذه الجهود والتأثير وما تحمله من أهمية تاريخية لم تعن المنتجين بقدر ما عنت لهم الأرباح الخيالية التي أنقذتهم من الإفلاس، والتي بدأت قبل حتى صدور الفيلم بتحوّل مواقعه لمزارٍ سياحيّ لفت نجومًا كـ كيرك دوغلاس، هاري بيلفونت، جاك بالانس، سوزان هايوورد، وأودري هيبورن، من بين 25 ألف زائر، فأنفقوا قرابة 150 ألف دولار على تفكيك المواقع وبيع ما يمكن بيعه منها حريصين على عدم ترك الفرصة لشركات منافسة للاستفادة منها، وباعوا ما تبقى في مزادٍ عام 1970 بيعت فيه إحدى العربات بـ4000 دولار لصاحب مطعم، قُبض عليه لاحقًا لقيادته العربة على الطريق العام.

بعد سنين، تأمّل هيستون الملاحم التي شارك فيها، ورأى أنه لو أن وايلر أخرج “El Cid”، وأخرج أنتوني مانّ ” Ben-Hur “، لن يكون الأخير بأقل مما كانه بفارقٍ كبير، بينما سيصبح الأول أروع ملحمةٍ صُنِعت على الإطلاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.