عن كيسي آفليك

“أتساءل فيما إذا بدا أي ممثلٍ ظهر على الشاشة بهذا التركيز وهذا التشتت في الوقت ذاته. يفكر بأكثر مما يقول، فنُصغي محاولين التقاط ما لم يرد على شفاهه”، ميك لاسال من سان فرانسيسكو كرونيكل، “رُبما أفضل نجمٍ غير تقليدي الأسلوب في هوليوود. قلائلٌ من يستطيعون استثارة الكثير بهذه الدقةِ العذبة”، بروغان موريس من بيست ماغازين، مما قيل في تقدير الفائز بالبافتا، الغولدن غلوب والأوسكار، كيسي أفليك، والذي سنروي هنا حكايته مع السينما.

وُلد كيليب كيسي ماكغواير أفليك-بولت عام 1975 الأخ الأصغر والوحيد لـ بين أفليك في ماساتشوستس منحدرًا من أصولٍ بريطانية، أيرلندية، ألمانية، وسويسرية، لُمدرِّسة في ابتدائية وسكّيرٍ عمل في أوقات يقظته كميكانيكي سيارات، نجّار، وكيل مراهنات، كهربائي، ساقٍ في حانة، وبوّاب في جامعة هارفارد، كما عمل كمدير، مخرج، كاتب وممثل مسرحيّ في شركة مسرح بوسطن في الستّينات.

بعد بلوغه التاسعة تم طلاق والديه لينتقل مع أخيه للعيش مع أمهما ويزورا أباهما أسبوعيًّا، وبعد بلوغه العاشرة توقفت الزيارات بسبب تنقلاته مع أخيه وأمه بين مناطق مختلفة بالقرب من المكسيك طوال عام، التجربة التي علمته بعض الإسبانية، بينما جعلته تجربة العيش السابقة مع أبيه السكّير يقوم بأولى تجاربه التمثيلية عندما قلّد حال أبيه في جلسات العلاج النفسي لمن هم في سنه ويعاني ذويهم من مشاكل مشابهة، والتي انتهت بعد بلوغه الخامسة عشرة بسبب إعادة تأهيل أبيه وتوظيفه كمستشارٍ في الإدمان.

أُحيط الأخوين بأجواءٍ فنية ولطالما اصطحبتهما أمهما إلى مسرحيات وسعت عن طريق صداقتها مع إحدى المسؤولات عن اختيار الممثلين لجعلهما يستغلان أي فرصة سواءً في إعلانٍ أو حلقةٍ في مسلسل أو مشهدٍ في فيلم، كما شجّعتهما على صنع أفلامٍ منزلية، لكن هذا كله لم يكف ليجعل التمثيل حلمًا لـ أفليك، في حين استطاع أحد مدرسيه في الثانوية ذلك، لينتقل بعد بلوغه الثامنة عشرة مع أخيه إلى لوس أنجلس ليسكنا مع صديق طفولتهما مات ديمون ويحاول الثلاثة بدء مسيرتهم الفنية في التمثيل.

لم يمض أكثر من عامين لتأتي بداية كيسي التي حملت أكثر مما حلم به، العمل تحت إدارة مخرجٍ كـ غاس فان سانت في فيلمٍ من بطولة نيكول كيدمان، لينال عنه مديحًا بدأ بتثبيت أقدامه كصاحب موهبة، ويكسب خلال عمله فيه صديقًا هو واكين فينيكس كونه شاركه الشقة، أداره فيما بعد في عمله الإخراجيّ الأول “I’m Still There”، كما سيتعاون معه مجدّدًا في “Far Bright Star”.

قضى كيسي بعد ذلك عامين أو ثلاثة يدخل الجامعة ثم يأخذ وقتًا مستقطعًا ليقدم فيلمًا ثم يعود إليها حتى تركها مرةً ولم يعُد، شارك خلال تلك الفترة بأفلامٍ أشعره نجاحها وأصداء ما قدمه فيها أنه مقبلٌ على فُرَصٍ لن يندم إن ترك الجامعة لاستغلالها، خاصةً فيلمي “Good Will Hunting” لـ غاس فان سانت والذي كُتب دوره فيه خصيصًا له من قبل أخيه بين، و”Chasing Amy” من بطولة بين.

للأسف لم يفاضل نجمنا كثيرًا بين الفرص فدخل في فترةٍ لا يستحق أغلب ما قدمه فيها الذكر استمرت لقرابة خمس سنوات، شارك بعدها في “Ocean’s Eleven” وجزأَيه اللاحقين، تعاون للمرة الثالثة مع فان سانت في الفيلم التجريبي “Gerry” جامعًا من تفرقوا على مستوى الفيلم على تميز أدائه، كان بطلًا للمرة الأولى في “Lonesome Jim” متوسط الاستقبال والذي اختير لبطولته بناءً على أدائه في “Gerry”، وشارك في “The Last Kiss” الذي وإن لم يحقق ذاك النجاح زاد من قاعدته الجماهيرية.

وفي عام 2007 اتخذت مسيرته منعطفها الأكبر بصدور فيلمين وضعه ما قدمه فيهما بين نخبة جيله، أولهما “The Assassination of Jesse James by the Coward Robert Ford” لـ أندرو دومينيك والذي قام بتجربة الأداء لأجله لمرات عديدة حريصًا على الفوز بالدّور، ليُقدم فيه ما يجعلك تشتاق لحضوره في كل مشهدٍ لا يظهر فيه وتأخذ صورته معك كأبرز ما ستذكره عيناك من التجربة، وينال عنه ترشيحاته الأولى لجائزة نقابة الممثلين، الغولدن غلوب والأوسكار، وثانيهما تجربة أخيه الإخراجية الأولى “Gone Baby Gone” والتي أتت خلال وقتٍ حرج في مسيرته كان أكثر من آمن به خلاله طبعًا أخوه كيسي، فوافق على أن يشاركه مغامرةً بهذا الحجم آتت ثمارها نجاحًا وتقديرًا كبيرًا للاثنين، بل وتقديرٌ لـ بين المخرج لم يقاربه يومًا ما وصله بين الممثّل، ليؤكد الجميع أن ثقة كيسي برؤية أخيه كانت بالتأكيد في محلها.

وبدل أن يسارع إلى استغلال ذاك النجاح لشق طريقه كنجم آثر الشروع في تجربته الإخراجية الأولى التي قام صديقه واكين فينيكس ببطولتها، دون تلك النتائج المحمودة وبتركّز ردات الفعل السيّئة حول سوء فهم مقاصده، ليعود في 2010 مع “The Killer Inside Me” لـ مايكل وينتربوتوم، والذي قبل بطولته فقط ليُكمل تمويل فيلمه مع فينيكس بعد استنفاذ ماله الخاص، دون أن يعني ذلك أن يبذل فيه أقل مما يفعل عادةً، ليُعد إضافةً أخرى تستحق التقدير في سجل موهبته، كما كان كل فيلمٍ تلاه، “Tower Heist” لـ بريت راتنر، “Ain’t Them Bodies Saints” لـ ديفيد لاوري، “Out of the Furnace” لـ سكوت كوبّر، “Interstellar” لـ كريستوفر نولان، و”Manchester by the Sea” لـ كينيث لونرغان الذي حاز عنه البافتا، الغولدن غلوب والأوسكار باستحقاقٍ قلّ مثيله، حتى في الفيلم المتوسط “The Finest Hours” استطاع أن يكون الإيجابية الأبرز.

تميّزٌ يبدو أنه في أيام مجده بحصول أدائه في فيلمه لهذا العام “A Ghost Story” لـ ديفيد لاوري على أصداءٍ تليق به، وتأكيد تعاونٍ ثالثٍ للاثنين في “Old Man and the Gun”، بالإضافة لبطولته للفيلم الثاني من إخراجه “Light of My Life”، وإدارته لـ فينيكس في “Far Bright Star”. أخيرًا، قُدّر الاختلاف غير المصحوب بتلك الوسامة والجاذبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.