عن مايكل كين

تعلمت الكثير فقط من مراقبة أسلوبه في ضبط أدائه، كان يقوم بأمورٍ لم ألحظها إلا بالمشاهدة على الشاشة، كمية التنوع التي أتى بها تحبس الأنفاس.” هذا ما قاله جود لو عن تجربته مع واحدٍ من ممثلين لم يمض عقدٌ منذ ستينيات القرن الماضي وحتى الآن دون أن يحمل لهما ترشيحاتٍ أوسكارية، مايكل كين وحكايته مع السينما.

ولد ماوريس جوزيف ميكلوايت المعروف بـ مايكل كين عام 1933 في روذرهايث بـ لندن، لعامل حمل بضائعٍ في سوق الأسماك وخادمة، منحدرًا من أصول انكليزية وأيرلندية، وانتقل خلال الحرب العالمية الثانية من ساوثبارك حيث نشأ إلى نورث رانكتون بأمر إخلاء.

وقبل نهاية تلك الحرب بعام اجتاز امتحانًا نال إثره منحةً في مدرسة هوكني داونز، انتقل منها إلى مدرسة ويلينغتون بعد عام وتخرج منها بالشهادة الإعدادية عام 1949، والتي كانت آخر ما يتيحه فقر عائلته من مراحل التعليم، ليبدأ بعد ذلك بالعمل كموظف إيداع ومُراسل في شركة أفلام لثلاثة أعوام تلتها الخدمة العسكرية لعامين، أولهما في ألمانيا والثاني في كوريا خلال الحرب حيث كانت أكثر مرةٍ اقترب منها من الموت في حياته، وعاد بندبٍ نفسية رافقته طوال حياته، وجعلته ينادي بجعل الخدمة العسكرية فترةً تعزز الانتماء الوطني لا العنف.

عام 1953 وجد كين إعلانًا في الجريدة تطلب فيه فرقةٌ مسرحية مساعد مدير مسرح وكومبارس، وبأدائه لدور السكّير هيندلي في أدائهم لمسرحية “Wuthering Heights” تحت الاسم الفني الذي اختاره لنفسه وقتها “مايكل سكوت” وجد في نفسه موهبةً وشغفًا مخبأين لم يدركهما من قبل، وبعد انتقاله إلى لندن في العام التالي اتصل به وكيل أعماله مخبرًا إياه أن عليه تغيير اسمه الفني لأن هناك من يملكه، وعبر زجاج كشك الهاتف نظر كين حوله فوجد ملصقًا لفيلم “The Caine Mutiny” الذي كان يعرض في الصالات وقتها، واختار اسم “مايكل كين”.

عام 1957 نال فرصته السينمائية الأولى في فيلم “Hell in Korea”، تلاها أدوار متواضعة في أفلام ومسلسلات وأفلام تلفزيونية، وعلى عكس التقدم البطيء على الشاشة أصبح كين نجمًا مسرحيًّا ينتقل من بطولةٍ إلى بطولة، حتى وجد بعد أحد العروض ستانلي بيكر الذي تعاون معه في تجربته السينمائية الأولى عارضًا عليه دورًا مناسبًا لمنشأه كـ كوكني (شرق لندني من الطبقة العاملة) في فيلمٍ ينتجه ويشارك ببطولته بعنوان “Zulu”، وقابل كين مخرجه ساي إيندفيلد ليكتشف أنه منح الدور لشخصٍ آخر يراه أنسب، لكن بعد أن أكد كين أنه قادرٌ على النطق بلهجة الطبقة الراقية منحه دور ضابطٍ أرستوقراطي.

وبهذا الفيلم انتهت سنين بداية مسيرته التي وصفها بالـ وحشية، وحلق كنجمٍ مرغوب وقعت معه الشركة الموزعة للفيلم “Embassy Films” عقدًا مدته سبع سنوات، تراجعت عنه لأن مديرها جوزيف ي. ليفين رأى أن كين يبدو كشاذٍّّ على الشاشة، الأمر الذي بدل أن يعيق كين جعله يفكر في أن يستغله في دوره اللاحق كـ هوراشيو في الفيلم التلفزيوني “Hamlet at Elsinore”، الذي تلاه نجاحٌ سينمائيٌّ أكبر من سابقه في “The Ipcress File” لـ سيدني ج. فيوري أكسبه ترشيحه الأول للبافتا وشعبيةً كبيرة لدوره كـ الجاسوس هاري بالمر فيه نتج عنه أربع أفلام أخرى للشخصية، لم ينتظر طويلًا حتى تبعه ترشيحه الأول للكرة الذهبية والأوسكار عن “Alfie” لـ لويس غيلبرت.

تابع كين الستينات بحماسٍ كبير حعله يقبل تقريبًا كل ما يعرض عليه، وخلال 4 سنوات كان مشاركًا في 12 فيلمًا أهمها وأشهرها “The Italian Job” لـ بيتر كولينسون، و”Battle of Britain” لـ غاي هاميلتون، محتفظًا بلهجته الكوكنية ولا مباليًا بمن يرون أنها ليست سينمائية لتصبح أيقونيةً بفضله فيما بعد.

ثم أتى العقد الذهبي في مسيرة نجمنا مع السبعينات، وبه صدرت أبرز كلاسيكياته ذات النجاح النقدي والجماهيري، ففيه كان الكابتن المرتزقة في “The Last Valley” لـ جيمس كلافيل، رجل العصابة في “Get Carter” لـ مايك هودجز، العشيق الجشع في “Sleuth” لـ جوزيف ل. مانكيفيتش الذي أكسبه ترشيحه الثاني للكرة الذهبية والأوسكار، الكولونيل شتاينر في “The Eagle Has Landed” لـ جون سترغيس، الملازم فانديلور في “A Bridge Too Far” لـ ريتشارد أتينبورو، الزوج المضطرب الطباع والميول في “California Suite” لـ هربرت روس، وجنديٌّ إله في “The Man Who Would Be King” لـ جون هيوستن الذي قام فيه بالدور الذي كان مُعدًّا لمثله الأعلى همفري بوغارت في أول محاولة لصنع الفيلم في الخمسينات، وقال هيوستن عن تجربته معه هنا: “كين من أذكى الفنانين الذين عرفتهم، لستُ ممن يميلون لترك الكرة في ملعب الممثل ومنحه حرية الارتجال، لكن مع كين الأمر مختلف، أنا فقط أتركه ينطلق.”.

لكن للأسف وباعتراف كين قاده انسياقه المادي للمشاركة في أفلامٍ لا تليق بموهبته لم تحقق حتى هدفها التجاري، وكما كانت أعماله البارزة في السبعينات تمحو بعض الأثر السيء الناتج عن اضطراب اختياراته فعلت نجاحات الثمانينات، كـ “Dressed to Kill” لـ برايان دي بالما، “Victory” لـ جون هيوستون، “Deathtrap” لـ سيدني لوميت، “Educating Rita” لـ لويس غيلبرت الذي فاز عنه بكرته الذهبية الأولى، “Hannah and Her Sisters” لـ وودي آلين الذي نال عنه أوسكاره الأول، “Mona Lisa” لـ نيل جوردان، و”Dirty Rotten Scoundrels” لـ فرانك أوز.

لأربع سنوات تلت 1988 خفت بريق المقبل على ستيناته، ليصدر عام 1992 “The Muppet Christmas Carol” لـ برايان هينسون ويعيد بعضًا منه، ثم يأتي بعد 6 سنوات “Little Voice” لـ مارك هيرمان لينال عنه كرته الذهبية الثانية ويُعتبر عودته الحميدة بعد أعمالٍ يصعب عبورها إلى الذاكرة، تبعه “The Cider House Rules” لـ لاس هالستروم وفوزٌ ثانٍ بالأوسكار.

بلغ نجمنا سبعينياته ولم يزل يُتبع بلوغه ذروةً بوصوله لأخرى، ومن أهم ما قدم منذ بداية الألفية “Last Orders” لـ فريد شيبيسي، “The Quiet American لـ فيليب نويس الذي أكسبه ترشيحًا أوسكاريًّا جديدًا، تعاونه الأول مع كريستوفر نولان “Batman Begins” والذي أثمر 5 لقاءاتٍ أخرى في “The Prestige”، “The Dark Knight”، “Inception”، “The Dark Knight Rises”، و”Interstellar”، رائعة ألفونسو كوارون “Children of Men”، مع ظهوره في إعادة صنع كلاسيكيته “Sleuth” على يد كينيث برانا مقدمًا الدور الذي جسده أمامه لورنس أوليفييه منذ أكثر من ثلاثين عامًا.

وفي العام الفائت أطل علينا البريطاني الثمانيني القدير في شخصية الموسيقار فريد بالينجر في “Youth” لـ باولو سورنتينو، مضيفًا لصعوبة اختيار أفضل أداءاته تحدّيًا أكبر، بتقديمه أداءًا تاريخيًّا يشعرك أن سورنتينو استوحى شخصية بطله في الأصل من ملامحه، مهيبٌ حين يتكلم بقدر مهابة صمته، آسر، حقيقي وصادق، صادق لحد أنك ستشك أنك لا تشاهد مايكل كين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.