ماذا نجد في كواليس ابتسامة شابلن؟

كتبت سارة جبرالله:

بِصمْت تام وحيوية فائقة، استطاع شارلي شابلن رسم البسمة على وجوه الملايين في القرن العشرين عن طريق عروضه المسرحية، وأفلامه الصامتة والموسيقية. فقد تفرّد شابلن بأسلوبه الكوميدي والسينمائي الذي جعل منه أحد عمالقة السينما في هوليوود على الرغم من أنه بريطاني. وحصل شابلن على جائزة عن فيلمه (السيرك) عام 1929 (قبل أن يطلق عليها اسم “جائزة أوسكار”) عن عبقريته في الكتابة، والتمثيل، والإخراج والإنتاج أيضاً. لكن هل فكرتم يوماً ما الذي جعل من شارلي شابلن أسطورة سينمائية؟ وكيف استطاع تخليد صورة الشارب الصغير، والحذاء العملاق في ذاكرة الجمهور الأمريكي والعالمي؟

مسرحية طفولته

لا شكّ أن طفولة شابلن كانت أحد العوامل الأساسية التي هيئته ليكون عبقرياً في مجاله، إن لم تكن العامل الأساسي الوحيد. ولد شابلن في 16 أبريل (نيسان) 1889 في لندن في المملكة المتحدة، وقضى طفولته يلعب على خشبة المسرح أو في كواليسها مع أخيه الأكبر سيدني. حيث أن والداه، هانا شابلن وشارلي شابلن الأكبر، كانا ممثلين ومغنيين في المسرح. والأم هانا بالتحديد كانت مغنية في المسرح، وقامت ببعض عروض الأوبرا.

تنقلت أسرة شابلن كثيراً من مسرح لآخر بسبب دخلهم المحدود، وكان شابلن الصغير يؤدي أدواراً مسرحية أحياناً لكن ذلك لم يمنع تدهور الحالة المادية للعائلة. وكان لذلك تأثير على الوالد الذي أدمن الشراب مما أدى إلى وفاته بعد فترة ليسب بطويلة بسبب مرضٍ في الكبد. وبعد وفاة والده تزوجت الأم من مغنٍ آخر وأنجبت طفلاً، لكنه هجرها وأخذ الطفل معه مما أدى إلى دخول هانا في حالة نفسية صعبة. ومع زيادة حدة الأم، قرر أحد مكاتب الخدمات الاجتماعية في لندن نقل شارلي وسيدني إلى دور الرعاية؛ فلم تعد الأم بحالة تمكنها من تربية أبنائها.

اضطر هذا الوضع الأخوين للاعتماد على نفسهما وأن يشقّا طريقهما بمفردهما، ونظراً لمهاراتهما الطبيعية التي اكتسباها من والديهما، اتخذا المسرح مكاناً للعمل. وكان شارلي، ابن الثانية عشر عاماً آنذاك، مشهوراً بعد فترة قصيرة لأنه تميز في أداء الرقص النقري. كل تلك الظروف المادية، العائلية، والفنية أيضاً شكّلت شابلن الذي يعرفه العالم اليوم، والذي ترك بصمة في عالم الفن بشكل عام، والسينما والكوميديا بشكل خاص.

شابلن يتسكّع في هوليوود ويخترع فناً

كبُر شابلن وكبرت أحلامه معه وعرف أن المكان الوحيد الأوسع من مخيلته وأكبر من طموحه هو “هوليوود” عاصمة الفن والسينما. انطلق إليها عام 1910، وبدأ هناك كممثل كوميدي ثانوي مع شركة “فْريد كارنو” المسرحية. كانت هذه انطلاقة شابلن؛ لأن الجمهور الأمريكي استجاب إليه بشكل كبير لدرجة أنه أعاد العرض مرة أخرى في 1912. وانتقل هذا النجاح بشابلن ليوقع عقد جديد مع شركة ماك سينيت وكي ستون للأفلام والصور المتحركة في 1913. وفي فبراير (شباط) 1914، أطلق شابلن أول فيلم له بعنوان “كسب العيش”، ونالت شخصية المحتال الذي قدمها شابلن إقبالاً كبيراً.

استطاع شابلن أن يضيف إلى السينما روح المسرح، وغير نمط السينما أو الصور المتحركة المتعارف عليه. حيث عُرف شابلن بشخصية المتسكع المعروف بها في فيلم “مأزق مابل الغريب”، والذي ظهر فيها بالحذاء الكبير، وشاربه الصغير، وقبعته السوداء المستديرة والأصغرعن الحجم المعتاد. أُخِذ عن شابلن مقولة عندما تحدث عن فيلمه “مأزق مابل الغريب” وعلّل اختياره لهذا الزي بالتالي: “أردت أن أظهر التناقض في كل شيء: البنطال الواسع، المعطف الضيق، الحذاء الكبير. لم أكن قد حددت عمر الشخصية سواء كانت شابة أو كبيرة في السن، لكنني تذكرت عندما أخبرني ماك سينيت أنه ظن أنني كبيراً في العمر، أضفت الشارب الصغير لأبدو أكبر سناً”.

وعندما تلقت الشخصية إقبالاً كبيراً شرح شابلن للمنتج ماك سينيت شخصية “المتسكع” وقال له: ” هذا الشخص المتسكع متعدد الجوانب: متسكع، رجل نبيل، شاعر، حالم، وحيد، دائماً يأمل بخوض قصة رومانسية ومغامرةً ما. سيجعلك تصدق بأنه عالم، موسيقي، دوق أو لاعب بولو. وعلى الرغم من ذلك، إلا أن ليس بعيداً عنه أن يلتقط أعقاب السجائر ويخطف الحلوى من يد طفل صغير”. وبهذا أصبح “المتسكع” أشهر شخصية محتفى بها في تاريخ السينما والأفلام الصامتة.

شابلن يستقل وينتقل إلى مرحلة جديدة

في عام 1917 استمر شابلن في اللمعان في سماء السينما وبدأ بإنتاج أفلامه بنفسه دون توقيع عقود مع شركات سينمائية. أنتج شارلي شابلن أفلاماً متقدمة عن أفلامه الأخرى وبرسالة أعمق، ففي عام 1918 أنتج فيلماً كوميدياً بعنوان “أسلحة الكتف” الذي كان عن أعقاب الحرب العالمية في تلك الفترة، وحقق نجاحاً باهراً. وفي عام 1919، انضم شابلن إلى ماري بيكفورد، دوغلاس فيربانكس وديفيد وارك غريفيث وأنشأت منظمة اتحاد الفنانين، التي طرحت مبدأً جديداً في صناعة السينما. حيث عملت هذه المنظمة كشركة للتوزيع، ومنحت المخرجين والكتّاب حرية اختيار وإدارة العملية الإنتاجية. لكن هذه المنظمة لم تمنع شابلن من الاستمرار في عمل أفلام أكثر.

الحزن والمجد يتوازيان

استمر شابلن في إنتاج وإخراج أفضل الأفلام، فقد نال أول جائزة له في عام 1929 على فيلم “السيرك”، وعلى الرغم من فرحة النجاح التي أحسها شابلن، إلا أنه في الحقيقة كان يشعر بكثير من الحزن بسبب انفصاله عن زوجته ليتا جراي. بالإضافة إلى ذلك، حاول محامو جراي أن يشوهوا سمعة شابلن، مما أدى إلى توتره بدرجة كبيرة.

كما أن اهتمام شابلن بالحالة الاقتصادية وسوق العمل، وماضيه المليئ بالمعاناة المادية، أدى إلى إطلاق الفيلم الكوميدي اسمه 1936 “العصر الحديث Modern Times)، الذي تم تصويره في أوروبا وليس هوليوود هذه المرة. فقد قرأ شابلن كتباً عن الاقتصاد، وأخرج الفيلم الذي يشرح كيف أن الاعتماد الزائد على التكنولوجيا في التصنيع وفي السوق أدى إلى زيادة نسبة البطالة. وعلّق شابلن على هذا الفيلم قائلاً: “لقد صُنعت الآلات لتفيد الإنسان، وليس لخلق مشكلة وإقصاء الشخص من عمله”.

كما عمل شابلن أيضاً على موسيقى بعض من أفلامه، حيث أنه كان يحب أن يؤلف الموسيقى بنفسه، وتميزت موسيقى أفلامه أنها لم تكن مضحكة، ولكنها كانت شاعرية، هادئة أو غامضة. حيث أنه أحب أن تناقض الموسيقى مشاهده الكوميدية، لتكمل العمل الفني وتعطيه بعداً أعمق من الكوميديا.

بالرغم من الصعوبات التي واجهها شارلي شابلن إلا أنه أدخل البسمة وحمل رسائل نبيلة في أفلامه تركها للجمهور ليستمتعوا ويستفيدوا معاً. كما أنه خلّد إرثاً من الأفلام والمقاطع، والأهم هي شخصية “المتسكع” التي اشتهر بها. فمن منا كان يعلم أن وراء المتسكع الضاحك الهزلي، طفلاً حزيناً وشخصاً وحيداً؟

أغنية فيلم Modern Times الشهيرة:

شاهدوا الفيلم الوثائقي عن حياة تشارلي شابلن: 

ما رأيك بهذا الفيلم؟