أفلام

Blade Runner 2049

“رائعةٌ تُكمِلُ رائعة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج ديني فيلينوف
المدة ساعتين و44 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية وعري
الإرشاد العائلي (أميركي)   R
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 8.3

أغلب الأفلام التي تحقق نجاحًا جماهيريًّا كبيرًا وقت صدورها تفشل في اختبار الزمن، والتي تجتاز الاختبار منها هي ما تصبح كلاسّيكيّات. لكن هناك أفلامٌ لا صلة لجماهيريّة ما تقدّمه بخلودها، حتى حين نرى ارتقاء مكانتها مع الزمن لا نستطيع تفسير ذلك بأنها أصبحت مناسبةً للأجيال التي تلت صدورها، لم تصبح أبسط، لم تتكرر ليسهل هضمها، ولم تعد إلى دارة الضوء للاستعانة بها في حركةٍ سياسيّةٍ ما، بل هي ببساطة انتصرت فنّيًّا. Blade Runner أحد هذه الأفلام، فيلمُ خيالٍ علميٍّ صدر في بداية الثمانينات تغلّب على كل العوائق التقنيّة الممكن تواجدها بجماليّاتٍ وفنيّاتٍ أصبحت اليوم مدرسة، بين موسيقى الكبير فانغليس، التصوير الإعجازي من جوردان كروننويث، تصميم إنتاجٍ ملأ المساحات أمام كاميرا كروننويث بالعجائب البصريّة من لورنس ج. بول، نص ينضح غنًى وحساسيّة لضخامة أفكاره من هامبتون فانشر وديفيد ويب بيبلز، أداء روتغر هاور الاستثنائي، وإخراج ريدلي سكوتّ في ذروة إبداعه ومغامرته. هذا كله لا يُمكن إعادته، لا يمكن تقليده، ومن عدم الاحترام لإرثه أي مُحاولة لشرحه وتسطيحه ليُناسب شريحةً أكبر. بهذا نستثني أي احتمالية لإعادة صنع ناجحة. كيف إذًا يُمكن أن نروي ظمأنا لجولةٍ أخرى في ذاك العالم؟، بأن يكون صانعُ الجولةِ عاشقًا آخر لـ Blade Runner، علمَ أن غنى عالمه يستحقُّ اسكتشاف زوايا جديدةٍ فيه تجعل جولته أكثر بكثيرٍ من مجرد زيارة للمحطات السابقة، تجعلها امتدادًا لما أخذنا إليه سكوتّ يُقدّم لنا نكهاتٍ فكريّةٍ جديدة واستهدافًا لمواضع مختلفة من القلب مع المحافظة على روح الأصل. عاشقٌ كـ ديني فيلينوف، ليصنع لنا فيلمًا كـ Blade Runner 2049

لمحة عن قصة Blade Runner 2049
إنه عام 2049، بعد ثلاثين عامًا من مغامرة ريك ديكارد (هاريسون فورد) مع مطاردة البشر الصناعيّين الهاربين للعثور على طريقة لزيادة عمرهم الافتراضي الذي لا يتجاوز 4 سنوات. أصبح جيل البشر الصناعيّين المتواجد الآن ذو عمرٍ غير محدّد ومُطيعٍ بقدرٍ يجعله خادم البشر الأمثل، كـ كاي (رايان غوزلينغ) الذي يقوم بمهمة القضاء على من تبقى من أجيال بني جنسه السابقة الهاربة وغير المطيعة. في إحدى مهام كاي يعثر على بقايا أحدٍ دُفِنَ بعنايةٍ فائقة، امرأةٍ توفّيت وهي تلد طفلها الأول، لكنها ليست بشرًا، هي صناعيّةٌ مثله وحملت رحمها المعجزة الأولى من نوعها، طفلٌ وليد لامرأةٍ صناعيّة، خطرٌ يُهدد بجنونٍ وحربٍ لا أحد متأكّدٌ فيها ما الذي يجعله بالفعل إنسانًا بـ روح.

كتب هامبتون فانشر ومايكل غرين نص الفيلم بمساعدة ريدلي سكوتّ، وكما ذكر كلُّ منهم، لم تكن الغاية في أية مرحلة من مراحل صناعة الفيلم بناء عالمٍ يُمكن الاستفادة منه في أجزاء أخرى أو تقديم معادلة مألوفة ما في إعادات الصنع والأجزاء، الغاية أولًا وأخيرًا كانت صناعة أفضل فيلم ممكن أن يستحق اسم Blade Runner، وهذا ما حدث. لا إعادة للقصة بحوارات أُخرى، لا عودة لشخصيات قديمة بأسماء جديدة، ولا استسهال الاعتماد على تقديم إجابات الأسئلة التي تركها الأصل. بل نتاج ولع كلٍّ من الكتّاب بالقصة على مدى العقود القليلة الماضية، كل فكرةٍ شغلتهم وأثارتهم أثمرت، وبانسجامٍ استثنائيٍّ لا يجعل الغنى على حساب الدقة وحسن الترابط والبناء. فلا نجد شخصيّةً ظهرت على الشاشة وظيفتها تنحصر في دفع حدثٍ ما أو ما شابه، كلُّ من هنا ذو تاريخٍ مثيرٍ نمر على طريقه ولنا خيار المضيِّ فيه أكثر بخيالنا وأفكارنا، محققينَ ذلك بلمسةٍ عبقريّة على مدى معرفة أبطالهم لحقيقتهم وحقيقة ما حولهم، ففي الأصلِ لا يصدِّق من يملك ذكرى أنه لم يعشها من قبل، وهنا يسخر صاحب الذكرى من فكرة الحديث عنها كونه يعلمُ أنها لم تكن. حتى الحبُّ حاضرٌ بأكثر صوره موازنةً بين العقل والقلب، مع الحرص على أن يكون العقل واستكشاف وتطور الشخصيّات أساسُ ولادته والقلبُ نتيجة. الحبُّ والرّوحُ والعاطفة يسكنان كل خطٍّ دراميّ بأسئلةٍ عن الحقيقيِّ والمبرمج منها وما يجعله أحدهما، لا يشترك أيُّ سؤالٍ منها مع آخر بمصدره، لذلك يستحقُّ كلُّ منها مكانه ويضيف، في حين تشترك جميعها في الوجهة، وهي عقلك ووجهة نظرك وحالتك. هذا مع واحدة من أفضل التنويعات الممكنة على قصة المختار.

إخراج ديني فيلينوف يؤخذ بجاذبيّة المساحات البصرية الواسعة الآسرة التي خلقها مع مصمم الإنتاج الخبير دينيس غاسنر، فنؤخذُ ونؤسر، تحيط به مهابة إعادة ولادة العالم الذي سحر عشاق السينما لأكثر من 35 عامًا، فتغمرنا وتطمئننا لكوننا في أيدٍ أمينة تقدِّر ما تتعامل معه، لذلك نجده مثمِّنًا كل لحظة، ليس هناك لقطةٌ تأسيسيّة ثم قفزٌ إلى المهم، كل شيءٍ مهم، ودون الانزلاق في فخ الاستعراض، فاستغراقه مع اللحظات دومًا يمنحها ثقلًا فكريًّا وحسّيًّا أكبر، سواءً كان مع المواقع الاستثنائيّة وما تقوله عمن فيها ومن وما كان فيها وما يمكن أن يكون قد مر به العالم في الثلاثين عامًا الماضية، مع التفاعلات بين شخصيّاته وبينها وبين ما حولها في أوقات وحدتها، ومع الثواني التي تلي كشفًا أو انعطافًا أو ذروة، تلك التي تكون في أمس الحاجة إليها لاستيعاب وتقدير ما حدث، لهذا تخرج من الفيلم معيدًا مشاهدًا ولقطاتٍ في ذاكرتك سيكون من الصعب جدًّا نسيانُها، تقديم جوي، كل دخول لعالم نياندر والاس، الذكرى والحلم، صانعة الذكريات، القبلة الأولى تحت المطر، المشهد الجنسي الأغنى عاطفةً وقدرةً على ربط عقل المشاهد بقلبه لهذا العام، دخول المدينة الغارقة في الإشعاع النووي، يدٌ تستكشف خليّة نحل، سقوط الثلج الأخير، وكلمة “أحبُّك” في لحظةٍ تمنعها من أن تكون أُخرى. كل هذا على مدى أكثر من ساعتين ونصف لا يمر فيها إيقاع الفيلم بتلك التسارعات، بل يُحافظ على سويّة شبه ثابتة في تدفُّق الجمال والغنى البصريَّين والسمعيَّين، لثقةٍ بضخامة ما يُقدّم و قدرته على استثارة فكر وأحاسيس مشاهده بشكلٍ لن يحافظ على اهتمامه فقط، بل سيغريه بالعودة أكثر من مرة دون ندم.

أداءات ممتازة من أغلب فريق العمل، خاصةً رايان غوزلينغ بتعقيد تعاملاته مع الصدمة والعاطفة وقدرته على جعلنا ندرك ذلك التعقيد، آنا دي أرماس بصعوبة تفادي الوقوع في حبها.، في حين أفاد العمر في زيادة خبرة هاريسون فورد لكنه لم يعلمه الاجتهاد أكثر، لذلك نجده في لحظة مواجهة يُفترض أن تكون بين أعلى ذُرى الفيلم يتركنا خائبي الأمل، أما جارِد ليتو فلا يُقدّم ما يزيد عن المتوقع من ممثلٍ متوسّط يُمنح فرصة لأداء دورٍ كهذا، دورٍ كُتِب ليُذكر لكنه لم يحقق غايته كما يجب.

تصوير يليق بكاميرا روجر ديكنز أحد أكبر أساطير التصوير في زمننا. لا بُدَّ أن التعاون مع من مثله يُلغي وجود الحدود على خيال مصمم إنتاجٍ مثل غاسنر، فمع ديكنز لن يُهمل أدنى تفصيلُ جمالٍ في مواقعه، بس سيُضاعف أثره. مع موسيقى أضافت لمهابة التجربة وأكملت إشباع الحواس من بنجامين وولفيش وهانس زيمر.

حاز على 38 جائزة ورُشّح لـ 68 أخرى أهمها ثماني جوائز بافتا لأفضل تصوير، تصميم إنتاج، موسيقى تصويريّة، صوت، مؤثرات بصريّة، مونتاج، مكياج، وإخراج.

تريلر Blade Runner 2049