Boyhood

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 10/10
المخرج ريتشارد لينكلايتر
المدة 165 دقيقة (ساعتين و45 جقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للبالغين بسبب الإيحاءات الجنسية الصريحة
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

 

“فيلمٌ أرهقني حبه، وأبكتني ثوانيه الأخيرة … لأنها الأخيرة…”

“ريتشارد لينكلايتر” أثبت مراراً وتكراراً أنه أبرع من يصيغ من حياتنا وكلماتنا فناً خالداً وبكل إخلاص دون أن يوجه كلماتنا لغير غاياتها ودون أن يزيد على قصتنا صراعاً لا نراه إلا على شاشات السينما، وشخص كهذا يوماً ما قرر أن يصنع فلماً عن الطفولة والصِّبا وحتى الشباب، فوجد لفكره حدوداً لم يجدها حين كان يقدم لنا يوماً من كل عشر سنين في حياة عاشقَين، وجد الزمن يقيده، فكسر القيد ومضى بفيلمه عبر الزمن في طريق طوله 12 عاماً.

شخص كهذا وفريقه حين يقدمون على عمل كهذا دون حتى أن يتقاضوا أجراً ودافعهم الوحيد الإيمان بالفن لن تملك إلا أن تنحني لهم احتراماً، هذا الإنجاز ليس إنجازاً قابلاً للمنافسة، هنا التفوق ليس على مستوى التكنولوجيا، هنا التفوق على المستوى الروحي، لن نستطيع أن نبني أهراماً الآن ننافس به أهرامات الفراعنة رغم كل ما لدينا من تطور وقدرات، ولن يستطيع سينمائي أن يأتي بما أتى به “لينكلايتر”، لن يؤمن كما آمن “لينكلايتر” ولن يمضي بإيمانه 12 عاماً متحدياً المستبد الأكبر “الزمن”، هذا الفيلم صبيٌ عمره 12 عاماً وكل عام سنحتفل بميلاده ظناً أنه قد كبُر، فنجده ما زال صبياً، ما زال فتياً وبروحه لم يزل النقاء.

قصة الفلم قد تحتويها جملة بسيطة، وهي قصة “مايسون” منذ أن بلغ السادسة من عمره وحتى بلغ سنه الثامن عشر، ولكن من يستطيع أن يحتوي المعنى الحقيقي لهذه الجملة؟ “ريتشارد لينكلايتر” وفقط هو!

حين أتكلم عن النص الآن لن أحاول أن أثبت أو أنفي عنه أمراً، أنا فقط سأحاول ما استطعت أن أعطي قدسيته حقها، فتخيل أنك تكتب مذكراتك، لكنك لا تدون فيها أحداثاً يومية أو أسبوعية، بل تأتي في يوم ميلادك من كل عام لتسجل بضع كلمات تذكرك بما كسبته هذا العام وبما خسرته، وتخيل أنك حين تكتب تلك المذكرات تكتبها بصدق تام، دون ان تصوِّب خطأك أو خطأ غيرك، دون أن تفعل أي شيء إلا أن تدون واقعاً وحقيقة، تخيل أنك بعد عقد من الزمن تفتح مذكراتك وتقرأ فتجد صورة الكلمات ضبابية في الذاكرة، هنا يأتي “لينكلايتر” إليك مُطَمْئِنَاً ليسلمك نصه مفصلاً ذكرياتك، قد تظن أنها ليست لك، هذا صحيح، ليست لك وحدك، إنها لنا.

ما زالت الصورة ضبابية؟ اطلب من “لينكلايتر” الآن أن يقدم لك شريط الذاكرة مصوراً، أن يخرج لك نصه ويطلعك على الحياة، سلم نفسك له واتركه يصطحبك إلى سرير طفولتك لتجد عليه لعبتك القديمة وبضع كلمات على ورقة أخفيتها تحت وسادتك تثبت أنك قد اختبرت الحب منذ سنين عمرك الأولى، اتركه يأخذك للحظة القبلة الأولى، اتركه يأخذك لتلك اللحظة حين قررت أنك ستمضي بطريق لم يخبرك عنه أبوك بحكمته التي صقلتها سنين عمره الكثيرة، هل صحيحٌ أن نُقرن الحكمة بالعمر؟ أم أنه فات الأوان على هذا السؤال؟، يمكنك أن تعتبر “لينكلايتر” حارس الثقب الدودي الذي سيأخذك من هذه اللحظة وهذا المكان للحظة أخرى ومكان آخر فبإذن منه وحده قد تستطيع الاطلاع على شريط الحياة..

الأداءات لا تفصل شخصيات النص عن ممثليها، الإيمان بالفن الذي جمعهم أسس بينهم روابطاً حقيقية، “باتريشا آركيت” هي فعلاً الأم ولا أعلم كيف ستستحمل فراق ولديها بعد 12 عاماً من الحب، و”إيلار كولترين” ربما سيكتشف يوماً ما أنه في الحقيقة “مايسون”، أما “إيثان هوك” فقد فاقت سنين رحلته مع “لينكلايتر” عمر الفيلم، ولا عجب أنه أحد أركان العمل.

“لي دانييل” يقود آلة الزمن السحرية “الكاميرا” بالتعاون مع “شين ف.كيلي” بشكل لا يبقي بينك وبين شخصيات الفيلم إلا أن يسمعوك إذا ما كلمتهم، مخلداً اللحظة إثر اللحظة والذكرى إثر الذكرى…

كفى.. ملتني الحروف وأنا أستميت لأصيغ منها ما يفي المعجزة حقها وأفشل، سأحاول غداً مرة ثانية، ربما ليس غداً، ربما سيستغرق الأمر مني 12 عاماً من البحث بين الكلمات فلم أتقن بعد لغتي كما أتقن “لينكلايتر” لغته.. لغة السينما…

حاز على 10 جوائز أهمها جائزة نقابة سينما الفن الألمانية وجائزة الدب الفضي لأفضل مخرج في مهرجان برلين، و رشح لـ 5 أخرى.

تريلر الفلم:

عن عبدالهادي بازرباشي

شاهد أيضاً

The Killing of a Sacred Deer

“الجرّاحُ دومًا هو المسؤولُ عن النتيجة” السنة 2017 تقييم أفلام أند مور 8/10 المخرج يورغوس …

ما رأيك بهذا الفيلم؟

error: Content is protected !!