أربعة من أروع الأفلام التي غير أبطالها تاريخ آسيا والعالم

من قياصرة روسيا إلى زعماء المغول وحتى رمز الإنسانية الهندي “غاندي”، غنىً مبهر للحضارات الآسيوية يثير حماس أي سينمائي للحديث عنها وعن رموزها وأبرز شخصياتها، لكن عند ذكر أروع الأفلام التي تكلمت عن شخصيات تاريخية، لا نقصد بهذا دقة تلك الأفلام وموافقتها للأحداث الحقيقية، لكن نقصد بالتحديد تميزها كأعمال سينمائية في المقام الأول، وفيما يلي أربعة من تلك الأعمال تروي قصص أربعة من أهم الشخصيات التي غيرت مجرى التاريخ.

الفيلم الأول:

Ivan the Terrible Part I&II – Sergei M. Eisenstein

الروسي “سيرجي م. أيزنشتاين” رجلٌ غير نظرة العالم للسينما، وغير نظرة السينمائيين لأشكال التعاطي معها وجعل لاسمه بينهم وقعاً مهيباً في حياته وبعد مماته، يقدم هنا ما سمي بالسيمفونية الغير مكتملة لأيزنشتاين، ففي حين كان يعد ثلاثية تروي قصة “إيفان” القيصر الأول لروسيا والذي استطاع جمع شتات أراضيها تحت لوائه وغير خارطة العالم، لم يمهله القدر ليكمل إلا فيلمين منها، ليبقى من الثالث نصٌّ لا يجرؤ على الاقتراب منه أحد، فليس هناك من يستطيع أن يكمل ما بدأه أيزنشتاين إلا هو.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

Gandhi – Richard Attenborough

رجل انتصر على امبراطورية حكمت بلاده قبل أن يولد حتى بأن يكون إنساناً، بأن يفعل ما نسميه اليوم “المستحيل”، يروي قصته الممثل “ريتشارد أتينبورو” الذي أصبح مخرجاً لحسن حظ عشاق السينما ليقدم لنا هذه الرائعة، وكم تكفيه شرفاً وطريقاً للخلود، وكم تكفي “بين كينجسلي” دليلاً على امتلاكه موهبةً وقدرة استثنائية استطاع بها ربط روح المهاتما غاندي بملامحه.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

Mongol: The Rise of Genghis Khan – Sergey Bodrov

ربما الحيادية في التاريخ أمرٌ شبه مستحيل، حتى هتلر ما زال له مؤيدون ومن يرون أن التاريخ ظلم عبقريته ونهجه وأساء فهم فلسفته الإنسانية، رغم أنه ظهر في التاريخ الحديث وبعد اختراع ما يتيح توثيق الكثير من أحداث عصره، أما بالنسبة للقائد المغولي “جنكيز خان” فالأمر أعقد، خاصةً أن ما وصلنا عنه مكتوبٌ معرفتنا بكاتبه بقدر معرفتنا بمن كتب عنه، قد لا يكون هو السفاح الذي نسمع عنه، وفي نفس الوقت قد لا تكون قصة هذا الفيلم قصته بالفعل، لكن ما يهم هو قدرة صناع الفيلم على إقناعنا أنهم عبروا بنا الزمن لنشهد تحولاً تاريخياً أحدثته شخصيةً تاريخية، وبالتأكيد امتلك الروسي “سيرغي بودروف” تلك القدرة هنا.

يروي الفيلم المراحل المبكرة من حياة “تيموجين”(تادانوبو أسانو) منذ الطفولة وحتى أصبح “جنكيز خان” الذي نسمع عنه.

وبمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأحداثه.

الفيلم الرابع:

The Admiral: Roaring Currents – Kim Han-min

في عام 1597 أيام الحرب اليابانية-الكورية الثانية وبعد تقدم القوات اليابانية بشكل يجعل دخولهم العاصمة الكورية أمراً شبه محسوم، يستقر الأميرال الاستراتيجي ذائع الصيت “يي سن-شين”(تشوي مين-سيك) وأسطوله المكون من 12 سفينة حربية نجت من معركة دامية خسر فيها الكوريون ما خسروا في ميناء “بيوك با”، الميناء الذي يجب أن يتجاوزه اليابانيون ليتوجوا نصرهم بدخول العاصمة الكورية، البر وأسطول حربي مكون من 12 سفينة بيد الكوريين، وأسطول حربي مكون من 330 سفينة بيد اليابانيين، ومعركة من أشهر المعارك وأكثرها تأثيراً في تغيير خارطة العالم في التاريخ.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

Macbeth

“لم تأتِ ملحمةٌ سينمائيةٌ بعد عرش (كوروساوا) الدامي أوفت الملحمة الشيكسبيرية حقها كهذه!”

السنة 2015
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج جاستن كرزل
المدة 113 دقيقة (ساعة و53 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من عنف دموي ومشاهد جنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

أكبر خطأ يرتكبه من يحاولون نقل الأعمال الأدبية العظيمة إلى الشاشة الفضية هو التفكير بكيفية صنع العمل الذي يحقق أدنى درجة من النقد من عشاق المادة التي ينقلها، يكفي أن تكون مؤمناً بما تفعل ومخلصاً له، أن تنقل حبك لما نقلت عنه إلى صورك، وليصنع من يريد أن يرى ما يحبه في الأصل وبالشكل الذي يحبه في فيلمك ويلومك لأنك لا تشاركه ذلك فيلمه بنفسه، لينقله بحذافيره أو ليختصر ما لا يحبه منه، ليكيفه حسب رؤيته أو ليسقطه على حكايةٍ أخرى وفي زمنٍ آخر احتفظ ببعض كلماته أم لم يحتفظ، الأسترالي “جستن كرزل” يعلم بالتأكيد أنه سُيلام مهما فعل مما سبق لأنه لم يفعل البقية، فوضع ما قاله وما قد يقوله الجميع عن أعمال مشابهة جانباً، لم يقدم رؤيا جديدة، لكنه قدم رؤيا استثنائية، هو ببساطة يتفق مع الرؤية الشيكسبيرية المظلمة الدموية القاسية، والاستثنائية بالشكل الذي جعل لاسمه ما له من وقع اليوم، المسرحية، والتي أصبحت بكاميرا “كرزل” سينمائيةً بامتياز!

“ماكبث”(مايكل فاسبندر) نبيل “جلاميس” وأحد أشجع المحاربين والذي أنقذ مملكة اسكتلندا من خطرٍ محدق، يقابل ثلاث ساحراتٍ يتنبأن له بملكٍ عظيم، ويتركنه مع خيالاته عن نبوءاتهن، لتصبح الخيالات هاجساً يجعله لا يطيق صبراً على انتظار تحقق النبوءة طالما يستطيع تحقيقها بيديه التي تأخذ بها يدي زوجته الطموحة (ماريون كوتيار).

عن مسرحية “ماكبث” لـ”ويليام شيكسبير” كتب “جاكوب كوسكوف” “تود لويزو” و”مايكل ليسلي” نص الفيلم، نظروا إلى النص الشيكسبيري بعين سينمائي، ولأكون أدق بعين كاتبٍ علم أن شخصاً كـ”كرزل” سيخرج نصه، فاختاروا منه ما سيحقق أعلى إفادةٍ من الصورة إن وضع بالتسلسل المناسب، والكلمات التي ستستطيع تلك الصورة كسر الحاجز الزمني والبلاغي بينها وبين متلقيها.

إخراج “جستن كرزل” يثبت أن الحالة المهيبة التي أحاطنا بها في فيلمه الأول لم تكن ناتجة فقط عن حماس التجربة الأولى، بل استطاع التفوق عليها بقدرته على أن يخلق أجواءاً هنا لا أظن أن خيال أحدٍ من قراء “شيكسبير” استطاع الإتيان بأقرب منها إلى ما كانته في خيال “شيكسبير” نفسه عندما أتى برائعةٍ سوداويةٍ كهذه، صوره تشبه لوحاتٍ رُسمت لتروي قصة حقبةٍ من الصراعات الدامية وتخلدها لتكون عبرة، فيقع كل ما فيها من حيٍّ وجماد بوحشيته وظلمته في نفسك موقعاً يهزها، ولم يقبل أن يقلل أي تفصيل في ملامح ممثليه من كمال تلك الصور فأصبحت تلك الملامح جزءاً أساسياً من مهابتها ورهبتها، وبهذا لا ينقل الحوار الشكسبيري مشاهديه إلى المسرح، بل يغني التجربة السينمائية ويزيد مصداقيتها وشاعريتها، فأنت الآن تشهد الملحمة بالفعل والتي تليق بها كلماتٌ بهذا الزخم، “كرزل” لم يقدم رؤيةً مختلفة، “كرزل” جعلك ترى بعين “شيكسبير”.

أداء عظيم بدرجة تجعله كافٍ وإن كان وحيداً في تاريخ من قدمه لأن يضعه بين النخبة من “مايكل فاسبندر”، استطاع أن يكون “ماكبث” الأسطورة وأن يجعل جنونه وهو على الشاشة يرعبنا بقدر ما يأسرنا، أداء رائع آخر من “ماريون كوتيار” يضيف دليلاً آخر إلى تاريخها الحافل على كمال موهبتها واجتهادها، ويجعل لـ”السيدة ماكبث” مكاناً في الملحمة ندر احتلالها لمثله فيما تم تقديمه من قبل عنها.

تصوير ساحر مُسكرٌ للبصر آسرٌ للقلب ومرهبٌ له من “آدم أركابو”، وموسيقى تُحكم سيطرة التجربة على حواسك وتليق بالملحمة وترقى لتصبح جزءاً منها من “جيد كرزل”.

رُشح لـ10 جوائز أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كان.

تريلر الفيلم:

Beasts of No Nation

“ستتمنى لو أنه كان عن ماضٍ أو عن مستقبلٍ بعيد.. ولن يفيدك تذكير نفسك أنه مجرد فيلم!”

السنة 2015
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج كاري جوجي فوكوناغا
المدة 137 دقيقة (ساعتين و17 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب ما فيه من مشاهد جنسية وعري وعنف دموي
الإرشاد العائلي (أميركي) Not Rated
اللغة الانكليزية

عندما نشاهد إعلاناً لأحد الأفلام ويكون في رصيد مخرجه أفلامٌ مميزة نجدهم يكتبون “من مخرج كذا وكذا”، في حالة “كاري جوجي فوكوناغا” سيصبح الأمر مرهقاً، فمن الواضح أنه متجهٌ من نجاحٍ إلى نجاح، ولذلك سأستغل فرصة كون أعماله لا تزال قليلة وأقول أن هذا الفيلم من مخرج “Sin Nombre – Jane Eyre – True Detective”، وأنه هنا قدم أفضل أعماله السينمائية.

تجري أحداث الفيلم في أحد البلدان الإفريقية التي اشتعلت بها حربٌ أهلية، حيث نشهد تلك الحرب من خلال عيني أحد جنودها، من خلال عيني الطفل “أغو”(أبراهام أتاه)!

عن رواية “أوزودينما إيفيالا” كتب “كاري جوجي فوكوناغا” نص الفيلم، وتجنب بذكاء خطأ الاعتماد على سهولة تأثير الإطار العام لقصته بمشاعر المشاهد وفوزه باهتمامه أكثر من اللازم، وجعل نفسه صاحب الفضل الأول بقوة الطرح وعمق تأثيره، يقدم شخصياته على عجل لكنه في نفس الوقت يعطيك كل ما تحتاج لمعرفته عنهم، يحافظ على توازنٍ صعب في صياغة خط سير الأحداث بأن يحيط بتفاصيل الواقع المؤلم ويقترب بحذر من الحد الذي يصبح بعده متمادياً في الدموية والعنف دون غاية لكنه لا يتجاوزه أبداً، فيحقق بذلك أعلى درجة من المصداقية، لكنه للأسف في لحظةٍ ما يتخلي عن أحد أهم ميزات نصه وهي عدم المجاملة وتقديم التنازلات، كما أنه يكثر بعض الشيء من الكلمات التي يصعب أن تصدر من طفل على لسان راويه الطفل.

إخراج “كاري جوجي فوكوناغا” يحول عجلة نصه في تقديم الشخصيات إلى الطريقة الأنسب لتقديمهم، وذلك بحسن تقديره للتفاصيل البصرية الحسية التي تكون الروابط بين أبطاله ومشاهديه، ويثبت بعد ذلك أنه يعلم جيداً كيف يستغل تلك الروابط لجعل الحدث يصل إلى أكبر درجة من التأثير، وبهذا نجده يعذب إنسانيتنا بالتدريج، وكلما ظننت أنك شهدت الأسوأ وجدت ما خفي كان أعظم، لدرجة تحيرك أتصف الصورة بالجمال بما فيها من ألوانٍ وطبيعةٍ خلابة، أم بأنها مرعبةٌ مؤذية بما فيها من دمويةٍ وموت واغتيالٍ للإنسانية والجمال، خاصةً مع إدارة عبقرية ومبهرة لممثليه تجعل الصورة حقيقيةً دوماً حتى في أكثر حالاتها قسوة.

أداء رائع واستثنائي من الطفل “أبراهام أتاه” يسيطر على العرض ويستحوذ على قلبك ويتلاعب به كيفما يشاء، أداء ممتاز من “إدريس ألبا” يجعل لظهوره دوماً مهابة، وأداءات ممتازة من باقي فريق العمل وبالأخص الطفل “إيمانويل ني آدوم كي”، تصوير ممتاز من “كاري جوجي فوكوناغا” خدم رؤياه وقدمها بأفضل شكل، وموسيقى جيدة من “دان رومر”.

حاز على جائزتين أهمهما جائزة “مارشيلو ماستورياني” لأفضل ممثل في مهرجان البندقية “أبراهام أتاه”، ورشح لـ9 أخرى أهمها الأسد الذهبي في مهرجان البندقية.

تريلر الفيلم:

In the Fog

“اختبارٌ للصبر ليس مثيراً اجتيازه، لكنه مجزٍ.. إلى حدٍّ ما”

السنة 2012
تقييم أفلام أند مور 6.5/10
المخرج سيرغي لوزنيتسا
المدة 127 دقيقة (ساعتين و7 دقائق)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة الروسية

الفن لا يُقلَّد، لا يمكن إعادة فيلم لـ”هيتشكوك” مثلاً وينتج فيلمٌ بمستوى الأصل ذاته وإن نسخناه لقطةً لقطة، لو كان الأمر بهذه السهولة لأصبح الجميع مخرجين عظماء، كذلك لا يمكننا صنع فيلم بلقطات طويلة ودون موسيقى تصويرية فقط لأن الكثير من الأفلام التي يتم صنعها بهذا الشكل يشيد بها النقاد، يجب أن يكون هناك غايةٌ أكبر للإفادة من هذه الوسيلة كما يجب، هذا لا يعني أن جهود البيلاروسي “سيرغي لوزنيتسا” هنا باءت بالفشل، لكنها ببساطة لم تحقق كل ذاك النجاح.

خلال الحرب العالمية الثانية وفي عام 1942 على الحدود السوفييتية الغربية والمحتلة من قبل ألمانيا، يتم اتهام “سوشينيا”(فلاديمير سفيرسكي) بالخيانة والحكم عليه بالإعدام الميداني لنجاته من الشنق في حين لم ينج من سُجنوا معه، ولأمرٍ ما يصبح طريقه إلى لحظة الإعدام تلك أطول وأكثر إيلاماً مما تخيل.

عن رواية “المحنة” لـ”فاسيلي بيكوف” كتب “سيرغي لوزنيتسا” نص الفيلم، ولو وضع هذا النص بيد غيره لأصبح فيلماً قصيراً بلا شك، رغم أن الشخصيات مبنية بشكل جيد، لكن هذا البناء لم يستغرق كل ذاك الوقت، والأحداث ليست بتلك الكثافة لا بالعدد ولا بالمحتوى مما يظلم غنى الموضوع الذي يناقشه، أما الحوارات فبجودة بناء الشخصيات.

إخراج “سيرغي لوزنيتسا” يعوزه الصدق، مبهرٌ بتفاصيل الصورة وغناها حيناً ومتظاهرٌ بغنىً ليس فيها أحياناً، كاميرته دائرةٌ على غير هدى، حتى توجيه ممثليه مضطرب، وكأنه يخشى أن يؤثروا بمشاهده بأي شكل، فيريد منهم كبح مشاعرهم واستبدال ما يظهر على ملامحهم بنتيجتها بالبرود ونقل ذاك البرود لأصواتهم، وما يُشعِر أن ذاك بتوجيهٍ منه تناغم أصواتهم بحيث يصعب معرفة من المتكلم “أو المهمهم”، والمؤسف في الأمر ما تظهره المشاهد القليلة الممتازة التي قدمها من قدرة كامنةٍ لديه قيدها سعيه لكمالٍ مزيف.

أداء ممتاز من “يوليا بيريسيلد” في دقائق ظهورها، أداء جيد من “فلاديمير سفيرسكي”، أداءات باردة من باقي فريق العمل، وتصوير ممتاز من “أوليغ موتو” لم يوظف كما يستحق.

حاز على جائزة جمعية النقاد العالمية في مهرجان كان، ورشح لـ4 أخرى أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كان.

تريلر الفيلم:

التغريبة الفلسطينية

“جزءٌ منك سيبقى بين (لا تسل عن سلامته) و(آن أن تنصرفوا) إلى الأبد..”

السنة 2004
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج حاتم علي
المدة 31 حلقة مدة كل منها 53 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة العربية

نقول حين مشاهدة تطرف الغرب في عرض قضاياه في مختلف أنواع الفنون وخاصةً المرئية والمسموعة أن العيب فينا، فلماذا لا نقدم نحن قضايانا بما يليق بها بدل انتظار عدل الغرب في مناقشتها، قد يكون في هذا الكلام حقيقة، لكنه ليس الحقيقة كاملةً، والدليل إهمال عملٍ مشرِّفٍ كهذا لسببين، أولهما أننا لا نبحث في الأصل، وثانيهما أننا حين نجد مثله بالصدفة نتجاوزه ولا نعيره أي اهتمام لأنه عملٌ “عربي”، وجنسيةٌ كهذه للعمل تلغي كونه مستحقاً للمشاهدة بالنسبة للغالبية العظمى من الجمهور العربي، مما سيؤدي بالتأكيد إلى أن لا تشاهده ولا تسمع عنه حتى أية جماهير أخرى، ولا أعني طبعاً أن أقول “انشره ولك الأجر”، لكني أتمنى ممن يقرأ هذه الكلمات ولم ينل فرصة مشاهدة هذا المسلسل أن يمنح ولو أول بضعة حلقات منه بعضاً من وقته، وأنا متأكد أنها تستحق ذلك الوقت أكثر من أفلام البطولات الأمريكية في العراق وفييتنام على الأقل.

يمكننا أيضاً غض النظر عن كل ما سبق، ومشاهدة هذا العمل فقط لأنه عملٌ إنسانيٌّ عظيم، لأنه يغذي روحك وقلبك بأن يستثير كل حسٍّ حيٍّ فيه، ويعيد حتى إحياء كل حسٍّ مات فيه، لأنه يغذي فكرك بأن يقص عليك تجارباً تتعلم منها، لا بأن يخبرك كيف تعيش تلك التجارب، لأن كلأً من كاتبه “وليد سيف” ومخرجه “حاتم علي” وأبطاله “خالد تاجا” “جمال سليمان” و”جولييت عواد” ومؤلف موسيقاه التصويرية “طاهر مامللي” وآخرون منح في هذا العمل ليس فقط جزءاً من روحه، بل روحه كاملةً، فأصبح حقيقياً بقدر حقيقة ما يتكلم عنه..

أب ٌ “أبو أحمد”(خالد تاجا) أمٌّ “أم أحمد”(جولييت عواد) وأربعة صبيةٍ “أحمد”(جمال سليمان) “مسعود”(رامي حنا) “علي”(تيم حسن) “حسن”(باسل خياط) وفتاة “خضرة”(نادين سلامة)، يعيشون في إحدى قرى فلسطين المحتلة من قبل بريطانيا، ويروي المسلسل حكايتهم عبر أكثر من 30 عاماً تغير فيه شكل خارطة العالم وأضيفت إليها حدود دولةٍ جديدةٍ تسمى “إسرائيل” على أنقاض وطنٍ يسمى “فلسطين”.

كتب الفلسطيني المبدع وأحد أهم الأسماء التي ارتقت بالدراما العربية وذائقة من يتابعونها الدكتور “وليد سيف” نص المسلسل، وحقق به حلماً لازمه منذ بداية مشواره الرائع مع الكتابة، وبإخلاصٍ قل نظيره عمل على التعمق في حياة من يتكلم عنهم حتى بلغ الإتقان والصدق في بناء شخصياته أن يبدو وكأنه أخذ حفنة ترابٍ من كل قرية فلسطينية وجعلها تروي له قصص من ودعتهم ومن ودعوها، ليصبح مجرد الحديث عن الشخصيات بإنصافٍ مستحيل، لا تكفي بضعة كلمات لوصف شخصيةٍ بذل “سيف” في صياغتها ما بذل لتصبح حقيقية، يجب أن تعيش معها خلال المسلسل لتعرفها وتفهمها، وتمر معها بما تمر به خلال أحداثه المعدة بعناية تجعل توثيق المرحلة التاريخية التي تشكل خلفية الحدث والحدث الدرامي نفسه لا ينفصلان، ولا يكون أحدهما على حساب الآخر، بالإضافة لحوارات عبقرية تأخذ مكانها في الذاكرة لأنها أتت في الأصل منها وليس فقط من بعض الشعارات والخطابات، يستثنى من هذا بعض الحوارات في الربع الأخير من العمل والتي أدت محاولة إظهار كونها آتية من مثقفين إلى بعض المبالغة، لكنها لم تسئ بالطبع إلى العمل ككل.

إخراج “حاتم علي” الاسم الأهم في الدراما السورية وأحد أهم الأسماء في الدراما العربية منح نص “سيف” حقه، وأضاف إليه حسن تقديره للتفاصيل والذي جعله يحقق ما حققه من نجاحٍ استحقه، عرف أن حكاية “سيف” لا تحتاج لأي مبالغة تستدر دمع مشاهديه وتستعطفهم، فاكتفى بأن يراها كما هي لكن بعين من لم تمت بعد فيه الإنسانية، ليستطيع بذلك حتى إحياءها بقلب من ماتت فيه كون عينه الآن هي كاميرا “علي” وعينه، فيجعلك تدخل في صلب حياة الفلاح وتشم رائحة أشجار الزيتون، حتى تحس عرقه يسيل على جبهتك حين يضنيه التعب، حتى تفهمه وتحسه، حتى تعيش ما يعيشه، وطبعاً أهم الأدوات التي حقق بها ذلك هي إدارته الاستثنائية لممثليه والتي لطالما عرف بها، فأتى بأفضل ما لديهم على الإطلاق، ليكتمل الطور الأخير في مراحل تطور شخصيات “سيف” وتصبح حقيقيةً بالكامل، لكن يؤخذ عليه بعض البساطة الزائدة في التعامل مع بعض الأحداث وإن كانت مرات حدوث ذلك قليلةً جداً بالنسبة للعمل ككل، واختصار الوقت بطريقة غير مناسبة في الربع الأخير من المسلسل بإحضار ممثلين معروفين ليجسدوا شخصيات تبدوا بوضوح أصغر من أعمارهم بدل العثور على ممثلين أنسب عمرياً، قد لا يكون اللوم في هذا واقعاً على “علي” وحده وربما يكون لشركة الإنتاج دورٌ أكبر مما نتخيل.

أداءات عظيمة وخالدة وعلامة فارقة ومشرِّفة في تاريخ من قدموها من كلٍّ من “خالد تاجا” الذي لا يبذل جهداً في استحواذه على قلب المشاهد فيرهقه ألماً لما يعانيه من ألم، “جمال سليمان” الذي يجعلك تلوم كتب التاريخ لأنها لا تعترف أن “أبو صالح” رجلٌ حقيقي، و”جولييت عواد” التي يستحيل أن لا ترى بعض ملامح أمك في ملامحها، وتسمع في صوتها تلك النبرة المميزة التي فيها من الحنان بقدر ما فيها من مرارة عمرٍ من الصبر، وأداءات ممتازة من باقي فريق العمل وبالأخص “باسل خياط” “نادين سلامة” و”تيم حسن”.

تصوير جيد من “أحمد إبراهيم محمد”، وموسيقى سيثير سماعها حنيناً للعيش مع أبطال المسلسل مرةً أخرى إلى الأبد من الموسيقار السوري العبقري “طاهر مامللي” من ضمن ما ستثيره من زخمٍ من الأحاسيس، وحتى إن لم تشاهد المسلسل يكفي سماع موسيقى “مامللي” لإثارة فضول لا يقاوم لمشاهدة الصور التي ترافقها على أمل أن تكون بمستواها، ولا تخيب صور “حاتم علي” ذاك الأمل بالتأكيد.

برومو المسلسل:

أفلام الحرب حين تُعلِّم بقدر ما تؤلم..

هناك من يرون في الحرب بطولةً واختباراً للرجولة، ومن يرونها شراً لا بد منه، وآخرون يرفضونها وآخرون لا يفهمونها، ولا ينتظرون بالطبع فرصةً لفهمها بشكلٍ عملي، لكنهم يحاولون الوقوف في صف من يظنون أن الحق في صفه إن شهدوا حرباً عن بعد، قد تكون أنت من فئةٍ أخرى لم نذكرها، وبغض النظر عن موقفك ستجد في هذه الأفلام بالتأكيد ما يستحق جعلك تعيد التفكير في الأمر وتمنحه وقتاً أكبر.

الفيلم الأول:

Saving Private Ryan – Steven Spielberg

عملٌ ترى مثله مرة واحدة، لكن لا تكتفي بمشاهدته مرة واحدة، درس في الإنسانية والفن، أحد أقوى دلائل كون السينما حاجة بشرية ما كنا لنشهد دونها إنجازات تاريخية كهذا، الأسطورة “ستيفن سبيلبيرغ” صنع هذا الفيلم ليكون جزءاً من إرثه الذي ستذكره به البشرية ما دامت على قيد الحياة، وكان يعلم أنه يفعل ذلك، كان يعلم أنه يقترب في كل خطوة من مسير صنع الفيلم من الكمال، وأعتقد أننا كلنا نعلم اليوم أن هذا العمل وضع معاييراً عليا لأفلام نوعه لم يصلها فيلم قبله، ولم يصلها فيلم بعده حتى يومنا هذا، بل ووضع مسؤوليةً كبرى على كاهل كل من يرغب بصناعة فيلم حربي وهو يعلم أن فيلماً كهذا ما يزال في الذاكرة، وسيبقى.

بعد إنزالات الحلفاء على شاطئ نورماندي الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية في عام 1944، تم إسناد مهمة من القيادة الأمريكية إلى النقيب “ميلر”(توم هانكس) مفادها العثور على الجندي “جيمس رايان” وإعادته لوطنه سالماً، وذاك لأن إخوته الثلاثة المشتركون في الحرب في أماكن مختلفة قد وصلت برقيات وفاتهم إلى أمهم في نفس اليوم، ولم يبقى لها إلا هو، لكن هذا الجندي تم فقدان أثر كتيبته منذ مدة، ولم يتم تأكيد أسماء الناجين منهم في حال كان بينهم، فهل يستحق احتمال كونه حياً أن يذهب النقيب وفرقته في المهمة ويقابلوا ما قد يقابلونه خلالها؟

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

Land and Freedom – Ken Loach

المخرج البريطاني الكبير “كين لوتش” من رواد الواقعية الاجتماعية وأعظم الأسماء في السينما البريطانية، الأوروبية والعالمية، يقدم هنا أحد أقوى أعماله على الإطلاق وفي الوقت الذي كان فيه المنتصر بعد معارك طويلة في الحرب غير المعلنة عليه وعلى أعماله، وفي حين تملك في أغلب الأحيان جملةً أو اثنتين تعرف بهما فيلماً ما لشخص توصي له به، هنا يعجزك “لوتش”، فإذا قلت “هذا فيلمٌ عنا” لا تعني هذه الجملة للكثيرين أي شيء، إذاً، هذا فيلم عن الرأسمالية والاشتراكية والستالينية والأناركية والشيوعية والثورة والحرية والإنسانية والحب، يمكنك أن لا تصدق ذلك، ويمكنك أن تشاهد لتتأكد.

في عام 1936 وبعد وصول الدكتاتور الفاشي “فرانكو” للسلطة في إسبانيا إثر قيادته لانقلاب عسكري، مجموعة من الشبان والشابات والرجال والنساء من مختلف الجنسيات يتحدون مشكلين لميليشيا تسمى “بوم” تحارب للقضاء على الفاشية، أحدهم شاب بريطاني من ليفربول يدعى “ديفيد كار”(إيان هارت) يصادف مع إخوة السلاح الذين يختبر معهم الدفاع الحقيقي عن الأفكار والمبادئ ما يجعل تلك الأفكار والمبادئ لا تتمتع بذات البريق والمثالية.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

Circles  – Srdan Golubovic

الحرب الأهلية في البوسنة و الهرسك من أشهر مآسي التاريخ الإنسانية، يبدا الفلم بحدث إنساني يدافع فيه جندي بوسني عن بائع مسلم يتم ضربه وتعذيبه من قبل جندي طلب منه علبة سجائر فوجدها قد نفذت من كشك البائع، وفي ذروة توتر الأمر وقبل أن نراه كاملاً، نقفز فوراً إلى النتيجة لنشاهد كيف غير هذا الحدث حياة خمسة أشخاص و من حولهم إلى الأبد.

نرى المدينة بعد 12 عاماً بشوارعها المقفرة و وجوه سكانها التي لا مكان فيها لابتسامة، لا ترى لا تسمع ولا تحس إلا بالحزن والألم، قلب أب مفطور، وصديق يسأل نفسه في كل لحظة منذ 12 عاماً “ماذا لو؟”، وحبيبة نسيت كيف الحب، وابن القاتل يرى بمرآته ملامح أبيه وعلى يديه دماءً، و دين في رقبة حي لميت..

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

In Bloom – Nana Ekvtimishvili & Simon Groß

جورجيا المحطمة في اوائل التسعينات، وبعد انفصالها عن الاتحاد السوفييتي، في حرب داخلية أكثر منها خارجية بجماعات متناحرة لتفرض كل منها قانونها، وآفات اجتماعية أبرزها التسلط الذكوري الغير مبرر، نرى جورجيا بعيني “إيكا”(ليكا بابلواني) و”ناتيا”(مريم بوكريا) الصديقتين البالغتين 14 عاماً، هنَ لا تعنيهنَ الحرب، لم يعلنوها، لم يفهموها، لم يفهمو لمَ غاب الأب، ولمَ يفعل الحاضر ما يجعلهم يتمنون غيابه، هنَ تعنيهنَ الحياة، خفقة قلب غضة، سيجارة مسروقة، لحظات لهو قد تكون بعد التسلل لطابور الخبز وتوفير وقت الانتظار فيه لبعض التسلية، هنَ ليستا طفلتين ليستا مراهقتين و ليستا بالغتين، هنَ لا يردن مغادرة الطفولة ولا هموم العجائز ولا فراغ المراهقة المقلد حيناً للأطفال و حيناً للبالغين، ما زالتا كبراعم الزهور.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

Joyeux Noel – Christian Carion

في عيد ميلاد السيد المسيح أثناء الحرب العالمية الأولى وفي مكان تلاقي الجبهات الألمانية والاسكوتلندية والفرنسية، يقرر المتحاربون أن لا يوقفوا العيد عند جبهاتهم، من يعلم ربما ليس كل من على الجبهة المقابلة أعداء، ربما هم أيضاً بشر، ربما هم أيضاُ لم يريدوا الحرب، ربما هم أيضاً يعلمون ما الحب.

كريستيان كاريون لم يقدم إلا ثلاث أعمال سينمائية حتى الآن وهذا عمله السينمائي الثاني وأيقونته التي قام بكتابتها وإخراجها ليعلم الناس درساً في الإنسانية.

تريلر الفيلم:

 

Land and Freedom

“لماذا لست هنا معنا؟
لماذا أنت لست هنا معنا؟
لا أعرف!..”

السنة 1995
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج كين لوتش
المدة 109 دقيقة (ساعة و49 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف وحساسية موضوعاته
الإرشاد العائلي (أميركي) Not Rated
اللغة الانكليزية، الإسبانية

المخرج البريطاني الكبير كين لوتش من رواد الواقعية الاجتماعية وأعظم الأسماء في السينما البريطانية، الأوروبية والعالمية، يقدم هنا أحد أقوى أعماله على الإطلاق وفي الوقت الذي كان فيه المنتصر بعد معارك طويلة في الحرب غير المعلنة عليه وعلى أعماله، وفي حين تملك في أغلب الأحيان جملةً أو اثنتين تعرف بهما فيلمًا ما لشخص توصي له به، هنا يعجزك لوتش، فإذا قلت “هذا فيلمٌ عنا” لا تعني هذه الجملة للكثيرين أي شيء، إذًا، هذا فيلم عن الرأسمالية والاشتراكية والستالينية والأناركية والشيوعية والثورة والحرية والإنسانية والحب، يمكنك أن لا تصدق ذلك، ويمكنك أن تشاهد لتتأكد.

في عام 1936 مجموعة من الشبان والشابات والرجال والنساء من مختلف الجنسيات يتحدون مشكلين لميليشيا تسمى “بوم” تحارب للقضاء على الفاشية، أحدهم شاب بريطاني من ليفربول يدعى ديفيد كار (إيان هارت) يصادف مع إخوة السلاح الذين يختبر معهم الدفاع الحقيقي عن الأفكار والمبادئ ما يجعل تلك الأفكار والمبادئ لا تتمتع بذات البريق والمثالية.

عن رواية “تحية إلى كاتالونيا” لـ جورج أورويل كتب جيم آلين نص الفيلم، لا يقود المشاهد أو يلقي عليه المواعظ، لا يدعي كونه أفضل أو أكثر إحاطةً وفهمًا للأمور، بل يشركك معه في طريق التفكير والشك، بتنوع وتكامل ودقة بناء شخصياته وتطورها مع الأحداث لا بترك لك مجالًا إلا أن تجد نفسك واحدًا منهم، وقد تجد نفسك في أكثر من واحد، وليس بالضرورة أن تستمر قناعتك على حالها حتى بالنسبة لمن كنت في صفهم بشكلٍ كامل في لحظةٍ ما، ودون أن يتضمن نصه مشهدًا واحد يكون على ما كانه من قوة الطرح دونه، وكل هذا مع حوارات بقمة الواقعية والتلقائية والعبقرية يتردد صدى الكثير من جملها في رأسك طويلًا بعد الفيلم.

إخراج العبقري كين لوتش يصل بالواقعية لدرجة أن تحس أن كل كلمةٍ تقال وكل فعل وليد اللحظة، وكأن نص آلين لم يكن موجودًا قبل أن تدور كاميرا لوتش بل بدأ كتابة سطوره مع بدء حركتها، تثور مع أبطاله، تكر وتفر معهم، تشاركهم إعادة التفكير بعد كل خطوةٍ كبرى بكل ما مضى وما هو آتٍ وبصحة ما تم القيام به وما هم مقبلون عليه، يحترمك، يحترم حقك في أن تملك حكمك الخاص وتتخذ موقفًا مبنيًّا على قناعتك، وفي سبيل هذا يجعلك تشهد بالفعل حدثًا تاريخيًّا شائكًا يشهد على هذا كل التفاصيل بما فيها الممثلون الذين يعيشون الموقف بالفعل بفضل إدارةٍ رائعة من لوتش جعل لتميزهم انسجامًا استثنائيًا.

أداءات ممتازة من كافة فريق العمل تجعل المشاهد يشك في كونهم إلا من هم على الشاشة، تصوير جيد من باري أكرويد، وموسيقى جميلة من جورج فينتون.

حاز على 8 جواز أهمها جائزة جمعية النقاد السينمائيين العالمية في مهرجان كان، ورشح لـ4 أخرى أهمها السعفة الذهبية بمهرجان كان.

تريلر الفيلم (لا أنصح بمشاهدته والاحتفاظ بكامل المتعة لمشاهدة الفيلم):

The Killing Fields

“من أقوى البدايات السينمائية لفريق!”

السنة 1984
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج رولاند جوفيه
المدة 141 دقيقة (ساعتين و21 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

 

الإخراج السينمائي الأول للبريطاني “رولاند جوفيه”، التجربة الأولى في كتابة النصوص للبريطاني أيضاً “بروس روبنسون”، الظهور الأول أمام الكاميرا للكامبودي “هينغ س. نغور”، وكون هذه الخطوة السينمائية الأولى لهؤلاء لم يجعلها مرتبكةً أو خجولة، على العكس تماماً، بل امتلأ العمل بشغفهم وحماسهم ليكسب مكاناً مرموقاً في أضخم المحافل السينمائية العالمية ويبقى فخراً لمسيرتهم سواءً أكملوها كما بدأوا أم لم يفعلوا.

في سبعينيات القرن الماضي وأثناء الاضطرابات التي حصلت في كمبوديا التي وصلت لإبادة جماعية لمليوني مدني على يد قوات الدكتاتور “بول بوت”، “سيدني”(سام ووترسون) صحفي أمريكي يعمل على التغطية المباشرة للأخبار هناك، يساعده في ذلك الكمبودي “ديث بران”(هينغ س.نغور)، تشتد الأمور ويبدأ ترحيل الجالية الأمريكية ليبقى “سيدني” وصديقه محاصرين، إلى أين ستمضي صداقتهم حين يحدق بهم الموت؟

كتب “بروس روبنسون” نص الفيلم، اعتمد الواقعية فما يتكلم عنه لا يحتاج لأي مبالغة حتى يهز المشاهدين، استطاع الإفادة من غنى الأحداث الحقيقية التي يتعاطى معها وحوله لغنىً في نصه، قدم شخصيات جيدة البناء حسب ظروف القصة فالشخصيات هنا ليست المحور كما هي الأحداث التي يعيشونها، مع حوارات جيدة تأتي دوماً في الوقت المناسب.

إخراج “رولاند جوفيه” يخلص لواقعية نص “روبنسون” بل ويضيف إليها، يقترب من الحدث وأبطاله بحيث يشركك فيه ويجعلك تعيش قسوته، يبقيك منتظراً ما سيأتي لكن لا يعطي مجالاً لتوقعاتك لسبب بسيط وهو طريقته الواقعية، والتي شملت إدارته لممثليه ليقدموا أفضل ما عندهم من صدق، لكنه أحياناً وإن قلت يبالغ في تجفيف الحدث بقصد جعله حقيقياً.

أداءات ممتازة من فريق العمل يتصدرها أداء “سام ووترسون” و”هينغ س.نغور”، تصوير ممتاز من “كريس مينجيس”، وموسيقى جيدة من “مايك أولدفيلد”.

حاز على 29 جائزة أهمها ثلاث أوسكارات لأفضل ممثل بدور ثانوي “هينغ س.نغور” وتصوير ومونتاج، ورشح لـ 20 أخرى أهمها أربع أوسكارات لأفضل فيلم وإخراج ونص وممثل بدور رئيسي “سام ووترسون”.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لأنه يحرق جميع أحداثه الرئيسية.

The Water Diviner

“أمريكيٌّ جداً، هوليووديٌّ جداً، لكنه فيلمٌ أسترالي..”

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 6/10
المخرج راسل كرو
المدة 111 دقيقة (ساعة و51 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) لليافعين بسبب بعض العنف الدموي في مشاهد المعارك
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

 

النجم النيوزيلندي المولد الأسترالي النشأة “راسل كرو” بلا شك من أصحاب أكثر المواهب التمثيلية تميزاً ومن أكثر ممتلكيها عبقريةً في توظيف هذه الموهبة الموجودين اليوم، ومن المثير جداً للاهتمام والترقب معرفة أنه بعد سنين الخبرة السينمائية أمام الكاميرا يقرر تجربة أن يكون خلفها، خاصةً أن هذه التجربة رحلةٌ في صلب تاريخ بلده أستراليا، لكن الفيلم لا يحمل روحاً من تلك البلد، ولا حتى روحاً تركية حيث تجري معظم أحداثه، بل يحمل طابعاً أمريكياً هوليوودياً للأسف، حيث يمكنك التنبؤ بكل ما سيجري فقط لأنه دائماً ما يجري بهذا الشكل في الأفلام، وليس لأن هذا حال الواقع والذي يفترض أن أحداث الفيلم مبنيةٌ عليه، وتصدق تنبؤاتك حرفياً!

في عام 1919 بعد عامٍ واحد من نهاية الحرب العالمية الأولى، “كونور”(راسل كرو) زوج وأب أسترالي فقد أولاده الثلاثة في معركة “جاليبولي” بتركيا خلال تلك الحرب، يقرر أن يذهب إلى حيث لفظ أبناؤه آخر أنفاسهم ليعيدهم إلى الديار، ليعيد ما بقي منهم، لكن قراراً كهذا ينتج عنه مقابلة أناس يمزق المنتصرون بلادهم بعد أن كانت منذ سنين قليلة من أعظم الإمبراطوريات في التاريخ، وكونه من أحد البلاد المنتصرة لن يجعل ما هو مقدم عليه مهمةً سهلة.

كتب “أندرو أناستاسيوس” و”أندرو نايت” نص الفيلم، لا أعلم ماذا كتبوا بالتحديد وكان من أفكارهم وليس من ذاكرتهم، أعتقد أنه من الجيد حين امتلاك نية الاعتماد الكامل على الكليشيهات اختيار تلك الكليشيهات، فلا بد أنه يمكنك وضعها بترتيبٍ معين يظهر أنك قد بذلت بعض الجهد وجئت بجديد من توليفةٍ ما للقديم، أما ما فعلوه ففيه من الكسل ما يشعر المشاهد بأنهم كتبوا النص في يومٍ مشمسٍ حار انقطعت فيه الماء والكهرباء فاضطروا لوضع كل ما بذاكرتهم مما شاهدوه على الورق في ساعتين!

إخراج “راسل كرو” مبشر بعض الشيء، فإن أخذنا بالاعتبار مستوى النص نجد أنه قام ببعض الإضافات الجيدة وإن قلّت، أهمها اهتمامه بالجمال حوله وبممثليه، أما ما فعله بشكل عام فهو السير على الخط الآمن في تقديم كل شيء كما يتم تقديمه عادةً، حيث يضمن أنه إن لم يقدم جديد فسيقدم مستوىً جيداً من المألوف، ويمكن القول أنه نجح في هذا إلى حدٍّ ما لكننا بالطبع ننتظر منه أكثر من ذلك.

أداء “راسل كرو” ممتاز وغطى عيوباً كافية لتهوي بالفلم دونه، أداءات جيدة من باقي فريق العمل، تصوير رائع من “أندرو ليزني” يماثل أداء “كرو” أهميةً في الارتقاء بالعمل، وموسيقى مناسبة من “ديفيد هيرشفيلدر”.

تريلر الفيلم:

أفلام اتفقت والتاريخ على منح أبطالها الخلود

سرعة انتشار المعلومات في الوسائل المرئية والمسموعة جعلت الكثيرين يحسون بالخطر عندما يتم تداول التاريخ في هذه الوسائل، خاصةً السينما، فبالإضافة لأن التاريخ يكتبه المنتصر، هناك انتصار آخر يتمثل في قوة الحملة الإعلانية، والتي تجعل الفيلم الذي يتناول شخصية أو قضية أو حادثة تاريخية يمثل وثيقةً لما يتكلم عنه بسبب كثرة عدد الناس الذين ارتبطت الحقيقة بأذهانهم بما رواه، خاصةً إن ترافقت قوة الحملة الإعلانية مع قوة وإتقان الطرح، لكن يبقى الأمر في النهاية لعقل المشاهد، له أن يصدق روايةً لكثرة الرواة، وله أن يصدق أخرى لأنها توافق منطقه بني على بحثٍ وقراءة أم لم يبنى، ولهذا عند ذكر أروع الأفلام التي تكلمت عن شخصيات تاريخية، لا نقصد بهذا دقة تلك الأفلام وموافقتها للأحداث الحقيقية، لكن نقصد بالتحديد عظمتها كأعمال سينمائية قدمت فنًّا في المقام الأول، وفيما يلي خمسة من صفوة تلك الأعمال تروي قصص خمسة من أهم الشخصيات التي غيرت مجرى التاريخ.

الفيلم الأول:

Lawrence of Arabia – David Lean

 

الكلاسيكية السينمائية التي لطالما ارتبط عشق السينما بعشقها، وينظر إليها اليوم كعمل يستحيل تحقيقه بعد أكثر من نصف قرن وبعد أن بلغت السينما وأدواتها ما بلغته، فـ ديفيد لين لم يعد موجودًا، بيتر أوتول لم يعد موجودًا، ولن يروي أحد مثلهم قصة لورنس البريطاني الذي اقترب من العرب لحدٍّ يهز ولاءه في الحرب العالمية الأولى في ملحمةٍ سينمائية يزيدنا بعدنا الزمني عنها إجلالًا للإعجاز الذي تم بصنعها.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

Ivan the Terrible, Part I & II

 

الروسي سيرجي م. أيزنشتاين رجلٌ غير نظرة العالم للسينما، وغير نظرة السينمائيين لأشكال التعاطي معها وجعل لاسمه بينهم وقعًا مهيبًا في حياته وبعد مماته، يقدم هنا ما سمي بالسيمفونية الغير مكتملة لـ أيزنشتاين، ففي حين كان يعد ثلاثية تروي قصة إيفان القيصر الأول لروسيا والذي استطاع جمع شتات أراضيها تحت لوائه وغير خارطة العالم، لم يمهله القدر ليكمل إلا فيلمين منها، ليبقى من الثالث نصٌّ لا يجرؤ على الاقتراب منه أحد، فليس هناك من يستطيع أن يكمل ما بدأه أيزنشتاين إلا هو.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

Lion of the Desert – Moustapha Akkad

شيخ المجاهدين، شيخ الشهداء، وأسد الصحراء، الرجل الليبي الذي بدأ ثورته على الاحتلال الإيطالي وهو في الخمسينيات من عمره وناضل حتى بلغ سبعينياته ولم يوقفه إلا الموت، ربما هو الثائر العربي الأكثر ذكرًا وخلودًا، فليس هناك من قدم شخصيةً مشابهة واستطاع أن يفعل ما فعله المخرج السوري مصطفى العقاد حين صنع بهذا الفيلم أحد تحف السينما العالمية، وليس هناك في تاريخ السينما الكثيرون ممن يملكون عبقرية وموهبة أنتوني كوين الذي بث الروح في جسد عمر المختار من جديد.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

Gandhi – Richard Attenborough

 

رجل انتصر على امبراطورية حكمت بلاده قبل أن يولد حتى بأن يكون إنسانًا، بأن يفعل ما نسميه اليوم “المستحيل”، يروي قصته الممثل ريتشارد أتينبورو الذي أصبح مخرجًا لحسن حظ عشاق السينما ليقدم لنا هذه الرائعة، وكم تكفيه شرفًا وطريقًا للخلود، وكم تكفي بين كينجسلي دليلًا على امتلاكه موهبةً وقدرة استثنائية استطاع بها ربط روح المهاتما غاندي بملامحه.

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

Downfall -Oliver Hirschbiegel

 

اللحظات الحاسمة التي وضعت حداً لكابوس عالمي استمر قرابة ستة أعوام، سقوط برلين في الحرب العالمية الثانية، ونهاية “هتلر”، الرجل الذي كان على بعد خطوات من أن نكون تحت لواء دولته اليوم، لكن ليس كلنا بالطبع، فالكثيرون كانوا سيبادون تحت هذا اللواء إن لم يبلغوا في تصنيفه للكائنات ما يستحقون به العيش، “أوليفر هيرشبيغل” يحيي تلك اللحظات، يبدع في وضعك في غرفة صنع القرار وجهاً لوجه مع الطاغية الأشهر، ويبدع “برونو غانز” في إحياء الطاغية حتى تخشاه بقدر ما تحترمه وتتعمق في فهمه.

تريلر الفيلم: