أرشيف التصنيف: رعب

The Killing of a Sacred Deer

“الجرّاحُ دومًا هو المسؤولُ عن النتيجة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج يورغوس لانثيموس
المدة ساعتين
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية وعنف دموي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 7.7

الصدمة، هذا الأثر الذي يجتمع على اختباره محبو وكارهو أفلام اليوناني يورغوس لانثيموس، ومن هُنا يبدأ الانقسام حول جدوى هذه الصدمة، جدوى التطرّف في القسوة والدمويّة بشكل رئيسي، مما يخلق فريقَين رئيسيّين في جمهور هذه الأفلام، المقتنع بأهمّيّة القسوة ضمن السياق، والذي لا يجد لها مبرّرًا كافيًا. يتفرّع من كلّ فريقٍ ثلاثة، من يرى أن لانثيموس يمتلك أفكارًا وأسلوبًا مثيرَين، من يرى أنه لا يقدّم جديدًا على صعيد الأفكار لكنه يمتلك أسلوبًا يجعلها أكثر تأثيرًا، ومن لا يستطيع التواصل مع أسلوبه أساسًا. بالنسبة لهذا الفيلم فلا حل هنا لمشكلة القسوة، لكن استناده إلى تراجيديا إغريقيّة يصعب إيجاد من لا تثير اهتمامه وتؤثر فيه قد يقدم حلًّا جزئيًّا لمشكلة التواصل ويُقرّبك بعض الشيء إلى عالم لانثيموس، أما إن لم تكن غريبًا عن هذا العالم وأحببت جولاتك فيه حتى الآن فمن الجُرم تفويت هذا الفيلم.

لمحة عن قصة The Killing of a Sacred Deer
ستيفن (كولين فاريل) جرّاحُ قلبٍ ينعُم بحياةٍ مستقرّة  مع زوجته آنا (نيكول كيدمان) طبيبة العيون، وولديه كيم (رافي كاسيدي) وبوب (سَني سولجيك). تجمعه علاقة وصاية غريبة بـ مارتن (باري كيوان) المراهق يتيم الأب، تتطوّر في وقتٍ قصير إلى مصدر خطرٍ لا مهرب منه على حياته وحياة أسرته.

كتب يورغوس لانثيموس وإفثيميس فيليبّو نص الفيلم، بأفضل تقديم ممكن للشخصيّات، وكأنك رافقت أبطالهم في مجرّد يومٍ آخر لا يومٍ معدٍّ لتعرف عنهم أكثر، وفي أكثر نشاطات هذا اليوم روتينيةً واعتياديّة يمكنك بسهولة أن تقف على أول طريق معرفة ما يميز كلًّا منهم وما يميّز علاقاتهم، طريقٌ يزيد إثارةً مع كل خطوة، ثم تصبح وجهته أكثر ضبابيّةً وسوداويّةً مما تخيَّلته بعد منعطفٍ عبقريّ التوقيت، يتداخل بنتيجته العقل والجنون في تطوّرات الشخصيّات المرصودة بدقّة جرّاح، خاصّةً مع الحوارات الماكرة الذكيّة غير الحاملة لشيء تقريبًا في كلماتها والحاملة لمفاصلٍ سرديّة في توقيتها ضمن السياق. لكن للأسف تتوه وسط كل هذا شخصيّة آنا التي كانت قلب الفيلم بعدم استغلالها كما يجب وبقاء تفاصيل رحلتها العديدة مثيرةً للتأمُّل دون إشباع.

إخراج يورغوس لانثيموس يُدخلُك في الأجواء السوداويّة القاسية التي لا تعترف بحدود منذ البداية بافتتاحيّته الاستثنائيّة، ثم يمضي مع أبطاله بزوايا كاميرته الغريبة والمثيرة بشكلٍ يُجبرك على الانتباه لتفاصيل ما ترصده تلك الكاميرا بحركتها الغريبة، المحدّدة، والمُهيبة، مُسرعًا بترسيخ إحساسٍ بعدم الرّاحة يستمر بتدعيمه بهدوءٍ غالبًا، وبقفزاتٍ مؤلمة أحيانًا تُضيّق مساحة التأمُل والتحليل لسيطرة الضغط النفسي والتوتّر. وسط كل هذا هناك خيارٌ غريب لم يكن لالتزام لانثيموس به من قبل هذا الأثر المضطرب، وهو طريقة تعامل شخصياتهم مع بعضهم وتعبيرهم عما بداخلهم وورود أحاديثهم، الغرائبيّة والجافّة، ففي The Lobster مثلًا كانت الأحداث تجري في عالمٍ موازٍ إن صح التعبير، أما استمرار الطريقة نفسها هُنا يجعل من الصعب معرفة هل حضورها لمسة لانثيموسيّة أم تعليقٌ إجتماعيّ. في الحالتين لا يبدو أنها لصالح الفيلم، ففي الأولى تكون النتيجة تشويشًا لا حاجة إليه وسط الرمزيّات غير القليلة، وفي الثانية تُصبح مباشرةً في تقديم الشخصيات غير متناسبة مع ما تبقّى من الفيلم، خاصّةً أن السماح لاستثناءٍ كشخصيّة آنا بغزوها دون الإفادة من هذا الاستثناء يُغيّب أي غاية مُستحِقّة أُخرى.

أداءَين استثنائيَّين من باري كيوان الذي يُكسِب حضوره إثارةً مميّزة تستمر بالتطوّر، ونيكول كيدمان التي كانت القلب المُهمَل للفيلم بغنًى عاطفيٍّ مضبوط لا يجعلها غريبةً عمّن وما حولَها لكن ربما أقل شبهًا بهم، مع أداءات ممتازة من باقي فريق العمل، تصوير مُتقَن محسوب الإطار الواسع والحركة من ثيميوس باكاتاكيس، وموسيقى ذكيّة تُدعِّم الحالة ولا تُرشِد لأثر.

حاز على جائزتَين أهمهما جائزة أفضل نص في مهرجان كانّ، ورُشّح لـ19 أُخرى أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كانّ.

تريلر The Killing of a Sacred Deer

Mayhem

“فرصة لرؤية أحد أكبر أمانيك تتحقق”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 7/10
المخرج جو لينش
المدة ساعة و26 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب المشاهد الجنسية والعنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 6.9

لطالما كان رؤساء العمل هم أحد أكثر الشخصيات الواقعيّة شرًّا على الإطلاق، بدرجة تشعر معها أنهم لم ينالوا ما يستحقونه من المساحة على شاشة السينما، ومن السهل أن تجد بينهم من ينحني له الجوكر ويفسح المجال أمامه، بينما من شبه المستحيل إيجاد من يبتسم حين يكتشف أن من يعمل لديه انصرف قبل الوقت المحدد بـ14 ثانية ليستطيع اللحاق بحبيبته قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. وماتياس كاروسو وجو لينش اختبروا ذلك بدرجة لا تسمح لهم بالسكوت، فصرخا بهذا الفيلم.

لمحة عن قصة Mayhem
الفيروس “ID-7” قادرٌ على إخلال التوازن بين المحاكمة العقليّة والمشاعر المكبوتة مما يجعل الإنسان يُقدم على فعل كل ما يشعر برغبةٍ في فعله وتحت أي ظروف، وإن أصبح من الممكن التحكّم في انتشاره، لكن ليس قبل بضع ساعات سيقضيها موظّفوا شركة محاماة كبيرة محبوسين في مكان عملهم تحت حجرٍ صحّي لدى معرفة خبر وجود مُصابين بينهم. بضع ساعاتٍ دون أي قيدٍ على الرغبات.

كتب صاحب التجربة الروائية الأولى ماتياس كاروسو نص الفيلم، وفي حين لا يُمكن إنكار اعتنائه بالتمهيد المناسب في أقصر وقت ممكن، لكن لا أظن أن بضعة دقائق إضافية ستضر، بل كان الأثر الذي يريد تحقيقه بحاجةٍ لها لجعل إثارة تطور الأحداث تبلغ أقصاها وتُشعِر المشاهد أنه مُمسكٌ بأحد الأسلحة وعلى وشك الانطلاق. لكن على الرغم من هذا التعجُّل في بدء مهرجان الجنون، إلا أنه يحرص على وجود ما لا بأس به من العقل في المحطات على طريق بطله بالكوميديا الساخرة، وبشخصية ميلاني. وإن لم يملك ذاك الاحترام للعقل بخيار الراوي المُسيء لكل ما يرافقه صوته، وخاصةً البداية والنهاية حيث يُقحَم شارحًا ما تراه ومُختصرًا رسالة الفيلم في بضع جمل لا أظن أن هناك من هو بحاجةٍ لها.

إخراج جو لينش يأخذ الأمر على محملٍ شخصي يجعل الحماس مُشعًّا منذ دقائق الفيلم الأولى، بتعاملات بطله مع رؤسائه وكيفية الوصول إليهم والوقت الذي يستغرقه، ثم بتداعيات لحظة انطلاق الرغبات الدّامية وحضورها دومًا في الخلفيّة مُضيفةً سخريةً بصريّة. ومع متعة أسلوب الأكشن رغم كثرة القطعات السريعة أحيانًا (ربّما بسبب محدوديّة الميزانية) تزيد الحسرة على التفاعل الذي كان ليستطيع للفيلم تحقيقه بالعمل أكثر على التمهيد والشخصيّات. خاصّةً مع تميُّز أدائَي ستيفن يون وسَمارا ويفينغ والكيمياء الواضحة بينهما.

تصوير عادي من ستيف غينر، وموسيقى مناسبة من ستيف مور.

تريلر Mayhem

شُبّان وشابّات شرق آسيويّون يبدأون طريقهم السينمائي بالأوسكار!

خمسُ مرّاتٍ وصلت فيها أفلام آسيويّة للفوز بـ أوسكار أفضل فيلم أجنبي ، أربعةٌ منها لأفلام يابانية يفصل بين أولها وآخرها 59 عامًا، وواحدة لتايوانيّ، من بين ثلاثين ترشيحًا خلال عمر الجائزة البالغ أكثر من 60 عامًا، بينما مثلًا لـ إيطاليا وحدها 14 فوزًا. لكن يبدو أن هذا سيتغيّر وبالخطى الأولى لشُبّانٍ وشابّات نمر هنا على استجاباتهم وآمالهم حول ترشيح بلدانهم لأفلامهم وإمكانية وصول تلك الأفلام للجائزة الكبرى.

الفيلم الأول:

Birdshot – Mikhail Red

“اختياره أتى كمفاجأة كليًّا، نهاية رائعة لرحلة Birdshot الطويلة. كنا صبورين جدًّا مع هذا الفيلم؛ مضت ثلاث سنوات منذ بدأنا العمل على النص. علمنا من داعمنا الرئيسي TBA Studios أنهم دعموا الفيلم منذ البداية وسيستمرون حتى يتم توزيعه وعمل حملة دعائيّة له في أمريكا. نتمنى أن نستطيع عرض أفلام أكثر شجاعةً وجُرأة للإضافة لإرث السينما الفيليبّينيّة المتنوّع”. بهذا علق ميخيل ريد الشاب ذو الـ26 عامًا على اختيار فيلمه الثاني لتمثيل بلده في الأوسكار، والذي حقق في سنّه من الإشادة الاستثنائية ما يحلم به أصحاب مسيرةٍ وتاريخ.

ويروي فيلم الغموض والإثارة الفيليبيني قصة تبعات حادثة صيد غير شرعي لنسرٍ نادر في محمية طبيعيّة، والتي تقود لاكتشافاتٍ أخطر بكثير من مجرّد هويّة الصيّاد.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

Mad World – Chun Wong

“أتمنى أن يجعل تقديمه للأوسكار أناسًا أكثر تعلم بوجود Mad World، ليشاهده جمهورٌ أكبر ويستلهموا من القصة والشخصيّات فيه. هذا أملي الوحيد”، كلماتٌ صادقة من الهونغ كونغي تشَن يونغ خاصّةً بمعرفة أنها صادرةٌ عن ابن 29 عامًا وصاحب تجربة أولى وجد نفسه فجأة على أول طريق الأوسكار بتلك التجربة.

والتي تروي قصة سمسار مريض عقليًّا يحاول إعادة بناء علاقاته بأبيه شبه الغريب وخطيبته السابقة.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

Dearest Sister – Mattie Do

“لم أعلم حتى أن لاوس يمكن أن تقدم فيلمًا أو أن تملك لجنة اختيار قبل بضع سنواتٍ أخرى على الأقل. أنا مذهولة بالكامل بأني لم أقدم فيلمًا فقط، بل تم اختيار ما قدمت!”. ليس في تعليق اللاوسيّة ماتي دو أي مبالغة، فقد حققت به وبوقتٍ قليل إضافةً أخرى لرصيدها كسبّاقة إلى الإنجازات. أول مخرجة أفلام روائيّة لاوسيّة، صانعة أول فيلم رعب لاوسيّ وهو فيلمها الأول، والآن صانعة أول فيلم تقدّمه لاوس لسباق الأوسكار في التاريخ وهو فيلمها الثاني.

ويروي قصة قُرَويّة تسافر إلى العاصمة للاعتناء بقريبتها الغنيّة التي فقدت بصرها واكتسبت قدرة التواصل مع الأرواح.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

Pop Aye – Kristen Tan

“أنا بصراحة لا أملك الكثير من التوقّعات كوني مُمتنّة للدورة السّاحرة التي حققها منذ عرضنا العالميّ الأول في سندانس. مع بونغ الفيل كتميمة حظّنا أنا أتطلّع إلى المدى الذي يمكن أن يأخذنا إليه في سباق الأوسكار”. تعليق متواضع من كريستن تان السنغابّوريّة الثلاثينيّة التي نال عملها الإخراجي الأول هذا تقديرًا كبيرًا في كل محفلٍ وصل إليه.

ويروي قصة مهندس عمارة ذهبت أيام مجده، يُصادف فيل طفولته المفقود في أحد شوارع بانكوك ويُقرر اصطحابه إلى المزرعة حيث نشآ سويّةً.

تريلر الفيلم:

Them

“ساعة من الفزع”

السنة 2006
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج ديفيد مورو، زافييه بالو
المدة ساعة و17 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الفرنسيّة
تقييم IMDB 6.5

“انزعاج القلب بتوقع مكروه عاجل”، هذا ما وجدتُه في تعريف “الفزع” لدى بحثي عن الكلمة المناسبة لوصف أثر هذا الفيلم بدقّةٍ تُنصفه وبالتالي تجعل من سيشاهده جاهزًا لاستقبال متعته كاملةً بدل العودة بخيبةِ: “لكنه ليس رعبًا”. أما بالنسبة لما اجتمعت عليه المآخذ الأخرى من كون الفيلم استعراضًا لقدرة صانعَيه على إحداث هذا الأثر للفت نظر هوليوود أكثر منه فيلمًا متكاملًا، ربّما كان هذا صحيحًا، فإذًا؟، هل هذا يعني أن أفلام النوع تفيض بالقصص والمعاني والعبر وجاء هذا الفيلم قاصرًا عن معاييرها؟، لا أظن ذلك.

لمحة عن قصة Them
في رومانيا تعيش الفرنسيّة ومُدرِّسة اللغة الفرنسيّة كليمنتين (أوليفيا بونامي) مع حبيبها الكاتب لوكاس (مايكل كوهين) بهدوء في منزلٍ كبير وسط الغابة، لكن أصواتًا غريبة تقتحم الهدوء ذات ليلة منذرةً أنهما ليسا وحيدَين، وأن الآخرين ليسوا جيرانًا ودودين، فـ”هُم” يسعون لأكثر من مجرّد التعرُّف على الزوجين في ظلمة تلك الليلة.

كتب الفرنسيَّين ديفيد مورو وزافييه بالو نص الفيلم، وما ستحسُّه من التقليديّة الكاملة في اللمحة السابقة صحيح وصريح، لكن هذه التقليديّة لا تقف في وجه تأسيس الألفة بينك وبين بطليهما خلال 11 دقيقة ببضعة تفاصيل لطيفة، ولا في وجه الاعتناء بجعل العاشقَين بالذّكاء الذي يُكسب مصيرهما أهميةً أعلى كونه يشبه مصير المشاهد إن وُضع في موقف مماثل. ليستطيعا بعد ذلك جعل الإطار المألوف بالمعنى غير الجيد للكلمة ذو أثر بعيد عن المألوف منه، بالمعنى الجيّد بلا شك.

وذلك بإخراج ديفيد مورو وزافييه بالو المُتقِن لما تعنيه كلمة مطاردة، سواءً بالنسبة لتأسيس المساحة وجعل المشاهد واعٍ بها وبالتالي متأثّرٍ بدرجة القرب والبعد عن الخطر، استغلال الظلمة والغابة وحجم المنزل، نقل ضيق الصدر بالمطاردة ضمن مساحات ضيّقة مجهولة الوجهة، والحساسية للقطع في المونتاج المتسارع مع أنفاس أبطالهما بحيث يتركّز في رفع حدّة الإثارة وإخلال واستعادة التوازن لا اختصار الزمن، فزمن التجربة على الشاشة هُنا يُساوي تقريبًا زمنها على أرض الواقع.

كُل هذا أفاد على عكس المعتاد من أداء البطلَين وخاصّةً أوليفيا بونامي، اهتمامك بهما وتأثير حاجتهما لبعضهما لا حاجة الأقوى منهما للأضعف واستجابة كلٍّ منهما لتلك الحاجة يُضيفان للأثر بشكل ملحوظ بلا شك. مع تصوير مُتقَن ضمن حدود الميزانيّة وخاصّةً في حركته من أكسيل كوسنفروي، وموسيقى مناسبة من رينيه-مارك بيني.

تريلر Them (لا أنصح بمشاهدته لأن المفاجآت التي تنتظر في الظلام أو خلف الأبواب المقفلة لن تحتفظ بكامل تأثيرها بعده):

It Comes at Night

“أنت شخصٌ جيّد، أنت فقط تحمي عائلتك”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج تري إدوارد شولتس
المدة ساعة و31 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب بعض الرعب الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.3

من أبرز مشاكل الأفلام المستقلّة تجاهل عدم توافق الإمكانيات المتاحة مع الطموح. أما تري إدوارد شولتس فمُدركٌ تمامًا لخطر الوقوع في فخٍّ كهذا، لا يعدك إلا بما هو قادرٌ على تقديمه، وقدرته هذه تشمل سيطرةً استثنائيّة على أعصابك رعبًا وإثارة، وأكثر مما يُرضيك من الأثر في قلبك والاستثارة لعقلك.

لمحة عن قصة It Comes at Night
في بيتٍ لا تجاوره إلّا الأشجار يُقيم بّول (جويل إدغرتون) مع زوجته ساره (كارمن إيجوغو) وابنه المراهق ترافيس (كيلفن هاريسون جونيور) للاحتماء من تداعيات وباءٍ لم يُبقِ كثيرًا من البشر. يومًا ما يقتحم بيتهم غريبٌ لا يعلمون عنه إلا أنه دليلٌ على أن آخرين بالقرب من منزلهم وقد يكونون محل ثقة وقد يكونون وراء هلاكهم والاستيلاء على مواردهم.

كتب تري إدوارد شولتس نص الفيلم، تاركًا ما يُرهق الكثيرين به أنفسهم دون داعي من ابتكار أسباب جديدة للوباء أو الخطر الذي سبّب انهيار الحضارة وفناء البشر والبحث وراء أساس الخيال العلمي، ومُركّزًا على النتائج، رُعب انتظار المجهول، “هل تؤمن بالفعل بذلك؟” تُجيب سارة زوجها حين يُعبّر عن ثقته بأن كل شيء سيصبح على ما يرام، حين لم تعلم إلى أين سيأخذهم فعل ما يلزم للنجاة، ليس لأن هناك نورًا في آخر النفق عليها أن تنجو ريثما تصل إليه، وإنما لأنه ربما يكون هناك نور. أفكارٌ كهذه قد تُدعّم بشخصيات وحوارات تضيف إليها وتزيد تفرعاتها وتشابكاتها بدرجات متفاوتة، خيارٌ يلجأ إليه أغلب من يجدون نفسهم في مكانه كي يعوضوا بإثارة خوض عقل المشاهد في تلك التشابكات آثار محدودية الميزانية، لكن شولتس حسم أمره بشأن ذلك ولا يُريد الذهاب إلى حيث قد يضل طريق رجعته، فاختار شخصياتٍ بسيطة بالغرائز الأساسية التي تبقيها ظروف مماثلة، وكذلك الحوارات العمليّة التي تعكس بيئةً كهذه.

إخراج تري إدوارد شولتس يُعيد لكل تقليديّات عالم قصته حيويّتها وأثرها الكامل ببدايةٍ صارمة حابسة للأنفاس تفرض عليك ذاك العالم وقسوته، ثم يستكشفه بكاميرا فضوليّة حذِرة، مانعًا إيّاك رغم هدوء حركته ورصده من إدراك الاتجاهات أو حجم وشكل المنزل الحصن وكيفية التنقّل فيه مما يرفع حدّة الترقّب، ويُحوّل ممرًّا طويلًا مظلمًا وبابًا أحمر إلى وحشٍ أكثر رعبًا من أغلب الأقبية والعلّيّات المسكونة، خاصّةً مع ذوبان كوابيس النوم بين كوابيس اليقظة بسلاسة تُضيف للحرق المتمهّل للأعصاب، المُفيد من الروابط حادّة الأطراف بين شخصيّاته سواءً الهشّة منها والمتينة، والمُثبت أن في ما لا تعرفه ولا تراه رُعبًا أكبر من ذاك المترافق مع معرفتك مصدر الخطر.

أداءات ممتازة من فريق العمل وخاصّةً كيلفن هاريسون جونيور، تصوير كان يد شولتس اليمنى بحركته المرسومة الناعمة وإفادته من عالمٍ بلا كهرباء لخيارات إضاءة مُلفتة الأثر داخل وخارج المنزل من درو دانييلز، وموسيقى تحرص على تكثيف انتباهك وحذرك دون أن تتولى مُهمّة المفاجأة من برايان ماكومبر.

تريلر It Comes at Night

Get Out

“رعب الأفكار ورعب التجربة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج جوردان بّيل
المدة ساعة و44 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي والإيحاءات الجنسيّة الصريحة
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.8

قال الناقد الرائع عماد العذري مرةً أن الرعب بشكل عام أكثر صنف سينمائي تتناسب فيه جودة النتيجة طردًا مع انخفاض الميزانيّة، وسنجد مثالًا قويًّا في فيلمنا هذا الذي بدأ منذ صدوره في شباط الماضي يُصبح مرشّحًا قويًّا لقوائم أفضل أفلام 2017 وتجاوزت إيراداته الـ 252 مليونًا من ميزانية قدرها أربع ملايين ونصف.

كريس (دانييل كالويا) شابٌّ أفرو-أمريكيّ في علاقةٍ مع روز (أليسون ويليامز) المنحدرة من عائلة “شديدة البياض”، يقرر على مضض الذهاب لمقابلة أبويّ روز دون علمهما بكونه من عرقٍ آخر. وهناك وسط الغابة، ينتظره استقبالٌ لم يحلم بمثله، وما كان ليرغب بحلمٍ كهذا.

كتب جوردان بّيل نص الفيلم، بالاستلهام من بعض كلاسّيكيّات الرعب وإضافة بعض الأفكار المثيرة إليها ثم وضع الناتج تحت عدسة الوضع السياسي الاجتماعي الرّاهن في الولايات المتحدة، عازمًا على أن لا يكون أبطاله دُمًى صمّاء لا تُحرّكها إلا تعليمات النص رغم كون هذا على ما يبدو معيارًا لأغلب أفلام النوع، وعلى إفساح المجال للسخرية شبه المبطّنة وبعض الكوميديا بما ينسجم والرعب. ربما لم يُثمر حرص بّيل على أن تكون شخصياته ممثلةً لشرائح من الناس أكثر منها شخصياتٍ مميزة بحد ذاتها بالقدر الذي يجعل ذاك الحرص مُضيفًا، وربما لم تنجُ جميع اللمسات الكوميديّة من الإقحام، لكن في النهاية، إيجاد هذا القدر من التميّز في تجربةٍ أولى يغفر أكثر من ذلك.

إخراج جوردان بّيل يضبط أجواء فيلمه بوجوه ممثّليه وردات فعلهم وكلماتهم، ومع إدارته المتقنة لهم يؤتي هذا الأسلوب ثماره بلا شك، سواءً من ناحية بناء الإثارة وتحقيق لحظات ومتواليات الرعب المفاجئة منها والهادئة لأثرها الكامل، أو من ناحية استثارة الاهتمام بالشخصيات حتى وإن لم تملك على الورق ما يميزها أفرادًا، ويُضيف لذلك مفاجآتٍ بصريّة سرياليّة مترافقة مع استخدامٍ ذكي للموسيقى تجعل الفيلم يرافق ذاكرتك لوقتٍ أطول مما توقّعت.

أداءات ممتازة وأهل للاعتماد عليها من فريق العمل، خاصّةً دانييل كالويا في أداء متطلب لردات فعل دقيقة بين البسيطة والمعقّدة حدّ التطرّف، كاثرين كينر مُهيبة الحضور الهادئ في دور السيدة ميسي أرميتاج، وبيتي غابرييل في دور جورجينا التي ملكت المشاهد التي تظهر فيها. مع تصوير جيّد من توبي أوليفر، وموسيقى تُضيف للأجواء والتأثير وتنتزع التقدير في متوالية الغرق الأولى من مايكل آبلز.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Get Out كونه لا يترك الكثير للفيلم نفسه.

It: Chapter One

“كابوس التلفزيون يجد طريقه إلى السينما بعد 27 عامًا”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 7/10
المخرج أندي موسكييتي
المدة ساعتين وربع
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب الرعب الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 9.1

على عكس روايات كـ “Rose Red” و”The Stand” و”1408″ و”The Mist”، تملك بيئة أحداث هذه الرواية للمُرعِب الكبير ستيفن كينغ خصوصيةً تجعل التعامل معها أصعب، روح الطفولة والصحبة في هذه المرحلة وحميميّتها ومفارقاتها إلى جانب الكابوس الذي يلاحق الأصحاب الصغار تجعل إيجاد الأجواء المُناسبة تحدّيًا، أمرٌ على ما يبدو لم يؤرّق أندي موسكييتي بما يكفي لكون المحاولة التلفزيونيّة الأولى حققت رغم تواضع إمكانياتها نجاحًا استثنائيًّا وقتها وبمرور الزمن، فعلِم أن رؤية بيني وايز على شاشة السينما وحدها كفيلةٌ بترجيح كفّته وعليه فقط أن يتأكد من بقاء تلك الكفة مكانها، وهذا ما فعله.

في بلدة ديري ذات التاريخ الغامض المُريب من الاختفاءات وخاصةً المرتبطة بالأطفال، يجد مجموعة من الفتيان المستضعفين المعانين من التنمُّر أنفسهم مُستهدفين من قبل كيانٍ غريب أخطر بكثير من مُجرّد أشقياء المدرسة، وقادرٍ على خداع العين والأذن، وبالتالي القلب.

كتب كاري فوكوناغا وتشيز بالمر نص الفيلم، في البداية، ثم أتى غاري دوبرمان بناءً على طلب الاستوديو وبإشرافٍ من أندي موسكييتّي لتعديل النص، ولا أظن أن الأمر توقف عند حدود التعديل، فـ فوكوناغا وبالمر عملا لثلاث سنوات على النص مُعدّين رؤيةً سينمائية تستند إلى الرواية ولا تنسخ ما يرونه مناسبًا من أحداثها، وتستند إلى ذكريات طفولتهم بقدر ما تستند إلى الرواية، بينما النتيجة النهائية هنا مكونة من النصف الأول للفيلم التلفزيوني مع بعض اللمسات البسيطة جدًّا هُنا وهُناك المضيفة حينًا والباهتة الأثر حينًا آخر، وكون ذاك القسم من الفيلم التلفزيوني حسن الإعداد، كان هنا كذلك، لكن حمل اسم كاتبٍ آخر.

إخراج أندي موسكييتي لم يحاول الكثير مع خلق الأجواء وبث الحالة المُناسبَين، وركز جهوده على إتقان كل متوالية على حدة، سواءً كانت مُرعبةً أم مؤلمةً أم خفيفة الظل أم تقاطعًا بين بعض ما سبق، مُفيدًا من المؤثّرات البصريّة والميزانية التي لم تتوافر لمحاولة الاقتباس الأولى منذ 27 عامًا، ونجح في ذلك إلى حدٍّ مؤثّر بوضوح يجعل حتى من شاهد الاقتباس التلفزيوني البارحة يجد هُنا ما يستحق اهتمامه وانتباه أعصابه رغم التشابه الأكبر من اللازم المذكور، خاصّةً مع إدارة أبطاله الصغار المُجزية.

أداءات ممتازة من الأطفال لا تستغرق الكثير من الوقت حتى تُنشئ بينك وبينهم روابطًا تستثير اهتمامك بمصائرهم، مع أداء متواضع  يختفي وراء أكثر مما يجب من المكياج من بيل سكارسغارد خاصةً بالنسبة لمن شهِد روعة ما قدمه تيم كاري لدرجة إقامته في كوابيس مشاهديه لقرابة ثلاثة عقود، تصوير جيد من تشانغ تشانغ-هون، وموسيقى بالتأكيد لم تؤلف لِتُذكر من بِنجامين والفيش.

تريلر It: Chapter One

Personal Shopper

“عن الخوف والفقد والعزلة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج أوليفييه أساياس
المدة ساعة و15 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العري والإيحاءات الجنسية الصريحة
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.2

في نهاية العرض المبدئي لهذا الفيلم في مهرجان كانّ علت صيحات الاستهجان، وفي نهاية العرض الرسمي الأول في المهرجان ذاته كوفئ صُناعه بوقفة تقديرٍ مع تصفيق لأربعة دقائق ونصف وفاز الفيلم لاحقًا بجائزة أفضل مخرج. ما يدل عليه هذا الانقسام مع فيلمٍ كهذا في أغلب الأحيان هو التوقعات الخاطئة لنوعه ووجهته، في حين التحضير الأمثل يكون بمعرفة سينما مخرجه، أو بقراءة كلماته: “لا أعمل بشكلٍ واعٍ. أحب مناقشة أفلامي بعد انتهائهم، لكن أظن أنني حين أصنعهم أو أتخيّلهم أترك أفكاري تتدفق بحرية. أنا إنسانٌ غريزي، خاصةً بالنسبة للكتابة. أمَلُّ من السرد الكلاسّيكي للأفلام، أظن ان هناك مليون طريقةٍ لرواية القصص، وأنا أُجرِّب، محاولًا التواصل مع لاوعيي”، هذا ليس فيلم رعبٍ ولا غموضٍ ولا إثارةٍ ولا جريمةٍ ولا دراما، هذا ببساطة فيلمٌ لـ أوليفييه أساياس. رائعةٌ أخرى له.

لمحة عن قصة Personal Shopper
ماورين (كريستين ستيوارت) تعمل كمتسوّقةٍ خاصة لدى إحدى المشاهير دون ذاك الشغف بالمهنة، لكنها مضطرّةٌ للمتابعة فيها خلال إقامتها في باريس والتي ستستمر حتى تصلها الإشارة، تلك التي اتفقت وأخيها لويس التوأم الراحل منذ ثلاثة أشهر على أن يرسلها أول من يغادر منهم هذا العالم للآخر كونهم يتشاركان مرض القلب الذي كان سبب وفاة لويس.

كتب أوليفييه أساياس نص الفيلم، مُلاحقًا بطلته دون مُقدّمات، يمنحها كيانًا خاصًّا لا يعنيه كمية المعلومات التي تعرفها عنه وزيادتها أو تصحيحها، ويراقب النتائج، واستبدال رصد العالِم بمراقبة الفضوليّ هذا يجعل كل شيءٍ يحقق أثره الأقصى، خاصةً أن حال بطلته لا يحتاج للترجمة، عالميّ. كل هذا يجعل مروره بحال التواصل في عالم اليوم واستكشافه الفقد بعينٍ وجدت في الأماكن التي لطالما استُهلك فيها بكسل إحدى أقدس تجلياته يأتيان من روح ما يراقب دون أي تدخّلٍ ملموس.

إخراج أوليفييه أساياس يضعك في غرفةٍ مظلمةٍ هادئةٍ فيها وترٌ يُنيرُ حين يُضرب تجهل مكانه هو إيقاع الفيلم، وفي لحظاتٍ مدروسة يضرب الوتر ضربةً بمكانٍ وشدّةٍ معيّنين تزيد الصورة وضوحًا للحظاتٍ سُرعان ما تنتهي، ونعود إلى المداعبة الماكرة للوتر، وبين هذا وذاك لا تستطيع ترك تركيزك يُغادر حركة العازف المُتمكّن التالية، مما يجعل ضبط توقيت الانعطافات في النص غير مرئي، فأنت لا تنتظرها، لا وقت لديك لذلك في فيلمٍ يُصبح جهاز الآيفون الخاص ببطلته فيه شخصيةً رئيسيّة تتابعها بكامل الاهتمام والترقُّب. ومع تقديرٍ كبير وشغفٍ بموهبة نجمته التي نقضي الفيلم في عالمها ولا تغادر نظرنا يقطع سبُل العودة طالما مضيت في التجربة، فهي الممسكةُ بأحد طرفيّ الوتر.

مسؤوليّةٌ سُلّمت لها برضًى كامل منذ كان النصُّ فكرة، “في النهاية، لا أظن أنني كنت سأكتب الفيلم إن لم أتعرف إلى كريستين ستيوارت. المثير في العمل معها أنها تصنع شيئًا ذو مغزى من أي شيء. تطلب منها أن تنزع غطاء زجاجة أو تفتح ستارة، لتقوم بجعله سينمائيًّا على الفور، قد يكون بتعديلٍ في وقفتها. قد نصور مشهدًا ما وأرى كم استمرت اللقطة، فأجد طولها ثلاث دقائق في حين أُعدّت لتستمرّ لثلاثين ثانية”، هذه كلمات أساياس ولا أظن أنها بحاجةٍ لإضافة. وهذا مع تصويرٍ مُتقن يُقدّر حساسية غريزة أساياس وموهبة ستيوارت من يوريك لو سو.

حاز على 9 جوائز أهمها جائزة أفضل مخرج في مهرجان كانّ، ورُشّح لـ 3 أخرى أهمها السعفة الذهبيّة في مهرجان كانّ.

تريلر Personal Shopper

Phantom of the Paradise

“لعشاق القراءة والموسيقى والسينما!”

السنة 1974
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج برايان دي بّالما
المدة 92 دقيقة (ساعة و32 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من رعب دموي
الإرشاد العائلي (أميركي) PG
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.4

هذا الفيلم سار في الاتجاه المعاكس، وعى الجماهير قيمته قبل النقّاد الذين هاجموه وقت صدوره، ليبدأوا بعد سنوات باستيعاب الجرعة المكثفة من الفن والاحتفاء بالفن ومختلف الأنواع السينمائية التي قدمها برايان دي بّالما فيه، خلال ساعة ونصف. الاحتفاء ذاته الذي سيصبح محل إعجاب في أعمال تارانتينو بعد عشرين عامًا تعلم خلالها نقاد Phantom of the Paradise من خطئهم متأخرين.

وينسلو ليتش (ويليام فينلي) موسيقيٌّ مؤلّفٌ وعازفٌ ومغنٍّ على وشك إنهاء عمله على قصة موسيقيّة غنائيّة مستندة إلى أسطورة فاوست الألمانية التي يبيع بطلها روحه للشيطان، يقدّم مؤلفاته لمنتجٍ موسيقيٍّ يُسمى “سوان” (بول ويليامز) في مقابل وعدٍ زائف تقوده معرفة حقيقته إلى طرقٍ مظلمة لاسترجاع ما سُلب منه.

كتب برايان دي بّالما نص الفيلم، بإتقانٍ قارب الذروة لما بدأه في تجاربه السينمائيّة الأولى، فهنا، لم يتخل عن حرية الذهاب لأي ميدانٍ يريد استكشافه، رؤيته لـ فاوست، ولعُه بصورة دوريان غراي المرسومة بكلمات أوسكار وايلد، إثارة ظلامية حكاية “شبح الأوبرا” الذي لم يتوقف عن زيارة السينما بين فترةٍ وأخرى بحلةٍ جديدة وتقديره لزياراتٍ محددةٍ له، الموسيقى التي كانت دافعه الرئيسي لكتابة النص حين سمع في أحد المصاعد إحدى روائع البيتلز وفوجئ بانعدام تقدير الأغنية لدرجة استخدامها بهذا الشكل، فردية الفنان في وسطٍ يُجرّم الفرديّة، العرفان بالجميل لبعضٍ من أهم روائع الرعب والجريمة وصناعها بين “كابينة الدكتور كاليغاري” وروبرت فاينه، “لمسة شر” وأورسون ويلز، إلى “سايكو” وألفريد هيتشكوك. لكن رغم كل هذه الحرية، تنسجم جميع النقاط والخطوط بسلاسة وتضيف كلٌّ منها للأخرى وترتقي بأثرها، مشكّلةً بالفعل قصةً واحدة لا يثقلها الغنى بل يزيد من جاذبيتها وحب العودة إليها أكثر من مرة، خاصةً مع شخصياتٍ استثنائيّة تُحب صحبتها الذاكرة بغرابتها وظلاميتها واستثارتها للفكر، وحواراتٍ جذّابة، السوداويُّ منها والدّيبّالمي السخرية.

إخراج برايان دي بّالما طاقةٌ معديةٌ مُذهلة، يتحرك بخفة بين الموسيقي الغنائي والرعب والكوميديا والفانتازيا، بين السوداوية وتدفّق الشّغف والعاطفة الذي سيفطر قلب كل مبدع، وبين احتفاءٍ عبقري التوقيت والانسجام بفن أحد صناع السينما الذين يحترمهم وآخر. ألوان كلاسيكيات الخمسينات والستينات الغنائية مع تعبيريّة رعب السينما الألمانية وروبرت فاينه ترسم القصة المصوّرة لتشويه بكريّةِ فنٍّ وروح مبدعه، في عالمٍ غرائبيٍّ باذخ يمنح القصة حالةً خاصّةً وأجواءًا فريدة، وتتسلل إليه سخرية دي بّالما في ملامح تشوُّه ذاك العالم، مختارًا دومًا الزاوية الأمثل للمس كل هذه التفاصيل وتكثيف أثرها، خاصةً بقدسية تقديمه للشخصيات ولحظات الانعطاف في تطورها، من اللقطة الدائريّة المحبة للشغف الذي تلتقطه في ظهور وينسلو الأول مع البيانو على المسرح، إلى هدوء رصد لحظات اكتشافه لحقيقة الوعد، تحول الكاميرا للحاق بثورته بتوتُّرٍ حركي ومونتاجي، العودة إلى الهدوء مع تسلل الظلامية إليه لجعله منذرًا بما يستحق الترقُّب، ثم رصد الجنون بجنون في نهايةٍ ملحميّة.

أداء رائع من ويليام فينلي لَم يكتفِ بكون ملامحه تجعله الخيار الأمثل (فمن يُمكن لإحدى عينيه أن تملك السلطة التي ملكتها عين فينلي هنا)، بل أفاد من إتقان رسم الشخصية ولحظات تطورها التي تقود لمنعطفات حادّة لجعل شخصيته الأكثر حقيقيّةً في عالمٍ فانتازيّ الشكل، أداء لا يقل عنه من بول ويليامز بطريقة كلامه ولكنته يجعل الهالة التي يضيفها دي بّالما على ظهوره مُستحقّة، وأداءات ممتازة من باقي فريق العمل مفيدة من كل فرصة وخاصةً جيسيكا هاربر التي استطاعت أن تكون آخر ملامح الجمال في هذا العالم.

تصوير جعل التعاون السينمائي الوحيد هذا بين دي بّالما ومديره لاري بّايزر لا يُنسى بحركته المضبوطة حتى في لحظات جنونها والألوان الساحرة وعدم تفويت أي لحظة تميُّز في الأداءات، تصميم إنتاج قوي الحضور في أثر التجربة من جون فيسك، وموسيقى وصلت من الروعة لحد اعتبار البعض أن مبدعها بّول ويليامز هو المؤلف الثاني للفيلم، خاصةً بأثرها الجوهري في خلود العمل ونمو قاعدة المهووسين به عبر أربع عقود، دورها في ضبط الإيقاع، وجعلها شريط الصوت يروي القصة بصوتٍ واحدٍ مع الصورة مما أنتج ساعة ونصف يصعب تصديق أنها مضت حين تمضي.

حاز على 3 جوائز ورُشّح لـ 5 أخرى أهمها الأوسكار لأفضل موسيقى تصويرية.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Phantom of the Paradise لما فيه من حرق لأحداثه.

Sisters

“مشاهدٌ شغوف يصبح مخرجًا”

السنة 1972
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج برايان دي بّالما
المدة 93 دقيقة (ساعة و33 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العري والعنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.0

في عام 1972 ومع هذا الفيلم كان دخول برايان دي بّالما العالم الذي لن يتوقف عن النهل منه وإغنائه طوال مسيرته، عالم الإثارة، حيث كان الكبير ألفريد هيتشكوك سيّدًا وقد عاد بآخر تحفه “Frenzy” بعد غيابٍ لثمان سنواتٍ صدر لها خلاله فيلمين قوبلا بفتور. أول هيتشكوكيّات دي بّالما وآخر تحف هيتشكوك صدرا في العام ذاته، من الصعب إيجاد صدفة تسليمٍ للراية أروع من هذه.

دانييل بريتون (مارغوت كيدر) كندية فرنسية تسعى لتصبح عارضة أزياء وممثلة، تتعرف في ليلة إلى شابٍّ لطيف يصطحبها إلى المنزل، لكن في الصباح يقع ما لا يجعل نهاية اللقاء رومانسيًّا كبدايته، جُثّةٌ مشوّهة ودماءٌ ملأت المنزل وكُتِب بها نداء مساعدةٍ على نافذةٍ كانت شاشة العرض للجريمة لساكنةٍ في البناء المقابل.

كتب برايان دي بّالما نص الفيلم عن قصته بالاشتراك مع لويز روز، مستلهمًا من مقالٍ قرأه عن توأمتين سياميّتين روسيّتين حمل صورةً تُبدي الحيوية والطيبة في إحداهما والاضطراب والتجهم في الأخرى، ومن روائع هيتشكوك المُحتفى بها فكريًّا وأسلوبيًّا هنا، ببراعةٍ في مزج ما سبق مع أصالة سخريته المبطّنة وتعليقاته الاجتماعية التي اعتاد كارهوه تحويرها، تكفي مشاهدة طريقة تقديمه رؤيته للمجتمع الذكوري هنا لتأكيد ذلك كون أغلب كارهيه يتهمونه بكراهية النساء، يكفي تأمُّل الشخصيّات الرئيسيّة الثّلاث، دانييل، غريس وإيميل، وتطور علاقاتهم والكشف عن ماضيهم ليصبح من الصعب إيجاد تجسيدٍ أذكى وأكثر سلاسةً للتوجيه الذكوري للكبت عند الأنثى كما وصفه فرويد.

إخراج برايان دي بّالما محدود بالميزانيّة وغير مكتمل الثقة بعد، لكن هذا لم يمنع استعراضًا أسلوبيًّا آسرًا سيطر على التجربة، وجعل الرعب والإثارة لا يتوقفا على لحظات الخطر، ومنذ البداية التي وإن تخللتها بعض اللقطات المقرّبة باهتة الأثر تحمل إنذارًا وحالةً ترقُّبيّة لا مُبرر كافٍ لها بعد، ولا يُقدّم المبرر دفعةً واحدة، ولا يكون أقل مما حضرتك له الحالة الترقّبيّة حين يكتمل تقديمه، في متواليةٍ أيقونيّة تجمع متلصصةً من نافذةٍ خلفيّة على جريمةٍ ترتكبها معتلّةٌ نفسيًّا في شاشةٍ منقسمة أصبحت بصمةً ديبّالميّة، مع موسيقى بِرنارد هِرمان، هيتشكوكيّتين بعين دي بّالما، الاحتفاء والأصالة جنبًا إلى جنب، ثنائيّةٌ ستستمر طوال الفيلم وصولًا إلى نهايةٍ ساخرة لا تحمل إلا صوت صانعها الشابّ.

أداء ممتاز من ويليام فينلي ساهم في الرعب، وأداءات جيدة من مارغوت كيدر وجينيفر سولت، تصوير جيد من غريغوري ساندور، وموسيقى رخيمة وجوهريّة في متعة وأثر الفيلم من الكبير بِرنارد هِرمان صاحب التعاونات التاريخيّة مع هيتشكوك.

تريلر Sisters