أرشيف التصنيف: غموض

Blade Runner 2049

“رائعةٌ تُكمِلُ رائعة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج ديني فيلينوف
المدة ساعتين و44 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية وعري
الإرشاد العائلي (أميركي)   R
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 8.3

أغلب الأفلام التي تحقق نجاحًا جماهيريًّا كبيرًا وقت صدورها تفشل في اختبار الزمن، والتي تجتاز الاختبار منها هي ما تصبح كلاسّيكيّات. لكن هناك أفلامٌ لا صلة لجماهيريّة ما تقدّمه بخلودها، حتى حين نرى ارتقاء مكانتها مع الزمن لا نستطيع تفسير ذلك بأنها أصبحت مناسبةً للأجيال التي تلت صدورها، لم تصبح أبسط، لم تتكرر ليسهل هضمها، ولم تعد إلى دارة الضوء للاستعانة بها في حركةٍ سياسيّةٍ ما، بل هي ببساطة انتصرت فنّيًّا. Blade Runner أحد هذه الأفلام، فيلمُ خيالٍ علميٍّ صدر في بداية الثمانينات تغلّب على كل العوائق التقنيّة الممكن تواجدها بجماليّاتٍ وفنيّاتٍ أصبحت اليوم مدرسة، بين موسيقى الكبير فانغليس، التصوير الإعجازي من جوردان كروننويث، تصميم إنتاجٍ ملأ المساحات أمام كاميرا كروننويث بالعجائب البصريّة من لورنس ج. بول، نص ينضح غنًى وحساسيّة لضخامة أفكاره من هامبتون فانشر وديفيد ويب بيبلز، أداء روتغر هاور الاستثنائي، وإخراج ريدلي سكوتّ في ذروة إبداعه ومغامرته. هذا كله لا يُمكن إعادته، لا يمكن تقليده، ومن عدم الاحترام لإرثه أي مُحاولة لشرحه وتسطيحه ليُناسب شريحةً أكبر. بهذا نستثني أي احتمالية لإعادة صنع ناجحة. كيف إذًا يُمكن أن نروي ظمأنا لجولةٍ أخرى في ذاك العالم؟، بأن يكون صانعُ الجولةِ عاشقًا آخر لـ Blade Runner، علمَ أن غنى عالمه يستحقُّ اسكتشاف زوايا جديدةٍ فيه تجعل جولته أكثر بكثيرٍ من مجرد زيارة للمحطات السابقة، تجعلها امتدادًا لما أخذنا إليه سكوتّ يُقدّم لنا نكهاتٍ فكريّةٍ جديدة واستهدافًا لمواضع مختلفة من القلب مع المحافظة على روح الأصل. عاشقٌ كـ ديني فيلينوف، ليصنع لنا فيلمًا كـ Blade Runner 2049

لمحة عن قصة Blade Runner 2049
إنه عام 2049، بعد ثلاثين عامًا من مغامرة ريك ديكارد (هاريسون فورد) مع مطاردة البشر الصناعيّين الهاربين للعثور على طريقة لزيادة عمرهم الافتراضي الذي لا يتجاوز 4 سنوات. أصبح جيل البشر الصناعيّين المتواجد الآن ذو عمرٍ غير محدّد ومُطيعٍ بقدرٍ يجعله خادم البشر الأمثل، كـ كاي (رايان غوزلينغ) الذي يقوم بمهمة القضاء على من تبقى من أجيال بني جنسه السابقة الهاربة وغير المطيعة. في إحدى مهام كاي يعثر على بقايا أحدٍ دُفِنَ بعنايةٍ فائقة، امرأةٍ توفّيت وهي تلد طفلها الأول، لكنها ليست بشرًا، هي صناعيّةٌ مثله وحملت رحمها المعجزة الأولى من نوعها، طفلٌ وليد لامرأةٍ صناعيّة، خطرٌ يُهدد بجنونٍ وحربٍ لا أحد متأكّدٌ فيها ما الذي يجعله بالفعل إنسانًا بـ روح.

كتب هامبتون فانشر ومايكل غرين نص الفيلم بمساعدة ريدلي سكوتّ، وكما ذكر كلُّ منهم، لم تكن الغاية في أية مرحلة من مراحل صناعة الفيلم بناء عالمٍ يُمكن الاستفادة منه في أجزاء أخرى أو تقديم معادلة مألوفة ما في إعادات الصنع والأجزاء، الغاية أولًا وأخيرًا كانت صناعة أفضل فيلم ممكن أن يستحق اسم Blade Runner، وهذا ما حدث. لا إعادة للقصة بحوارات أُخرى، لا عودة لشخصيات قديمة بأسماء جديدة، ولا استسهال الاعتماد على تقديم إجابات الأسئلة التي تركها الأصل. بل نتاج ولع كلٍّ من الكتّاب بالقصة على مدى العقود القليلة الماضية، كل فكرةٍ شغلتهم وأثارتهم أثمرت، وبانسجامٍ استثنائيٍّ لا يجعل الغنى على حساب الدقة وحسن الترابط والبناء. فلا نجد شخصيّةً ظهرت على الشاشة وظيفتها تنحصر في دفع حدثٍ ما أو ما شابه، كلُّ من هنا ذو تاريخٍ مثيرٍ نمر على طريقه ولنا خيار المضيِّ فيه أكثر بخيالنا وأفكارنا، محققينَ ذلك بلمسةٍ عبقريّة على مدى معرفة أبطالهم لحقيقتهم وحقيقة ما حولهم، ففي الأصلِ لا يصدِّق من يملك ذكرى أنه لم يعشها من قبل، وهنا يسخر صاحب الذكرى من فكرة الحديث عنها كونه يعلمُ أنها لم تكن. حتى الحبُّ حاضرٌ بأكثر صوره موازنةً بين العقل والقلب، مع الحرص على أن يكون العقل واستكشاف وتطور الشخصيّات أساسُ ولادته والقلبُ نتيجة. الحبُّ والرّوحُ والعاطفة يسكنان كل خطٍّ دراميّ بأسئلةٍ عن الحقيقيِّ والمبرمج منها وما يجعله أحدهما، لا يشترك أيُّ سؤالٍ منها مع آخر بمصدره، لذلك يستحقُّ كلُّ منها مكانه ويضيف، في حين تشترك جميعها في الوجهة، وهي عقلك ووجهة نظرك وحالتك. هذا مع واحدة من أفضل التنويعات الممكنة على قصة المختار.

إخراج ديني فيلينوف يؤخذ بجاذبيّة المساحات البصرية الواسعة الآسرة التي خلقها مع مصمم الإنتاج الخبير دينيس غاسنر، فنؤخذُ ونؤسر، تحيط به مهابة إعادة ولادة العالم الذي سحر عشاق السينما لأكثر من 35 عامًا، فتغمرنا وتطمئننا لكوننا في أيدٍ أمينة تقدِّر ما تتعامل معه، لذلك نجده مثمِّنًا كل لحظة، ليس هناك لقطةٌ تأسيسيّة ثم قفزٌ إلى المهم، كل شيءٍ مهم، ودون الانزلاق في فخ الاستعراض، فاستغراقه مع اللحظات دومًا يمنحها ثقلًا فكريًّا وحسّيًّا أكبر، سواءً كان مع المواقع الاستثنائيّة وما تقوله عمن فيها ومن وما كان فيها وما يمكن أن يكون قد مر به العالم في الثلاثين عامًا الماضية، مع التفاعلات بين شخصيّاته وبينها وبين ما حولها في أوقات وحدتها، ومع الثواني التي تلي كشفًا أو انعطافًا أو ذروة، تلك التي تكون في أمس الحاجة إليها لاستيعاب وتقدير ما حدث، لهذا تخرج من الفيلم معيدًا مشاهدًا ولقطاتٍ في ذاكرتك سيكون من الصعب جدًّا نسيانُها، تقديم جوي، كل دخول لعالم نياندر والاس، الذكرى والحلم، صانعة الذكريات، القبلة الأولى تحت المطر، المشهد الجنسي الأغنى عاطفةً وقدرةً على ربط عقل المشاهد بقلبه لهذا العام، دخول المدينة الغارقة في الإشعاع النووي، يدٌ تستكشف خليّة نحل، سقوط الثلج الأخير، وكلمة “أحبُّك” في لحظةٍ تمنعها من أن تكون أُخرى. كل هذا على مدى أكثر من ساعتين ونصف لا يمر فيها إيقاع الفيلم بتلك التسارعات، بل يُحافظ على سويّة شبه ثابتة في تدفُّق الجمال والغنى البصريَّين والسمعيَّين، لثقةٍ بضخامة ما يُقدّم و قدرته على استثارة فكر وأحاسيس مشاهده بشكلٍ لن يحافظ على اهتمامه فقط، بل سيغريه بالعودة أكثر من مرة دون ندم.

أداءات ممتازة من أغلب فريق العمل، خاصةً رايان غوزلينغ بتعقيد تعاملاته مع الصدمة والعاطفة وقدرته على جعلنا ندرك ذلك التعقيد، آنا دي أرماس بصعوبة تفادي الوقوع في حبها.، في حين أفاد العمر في زيادة خبرة هاريسون فورد لكنه لم يعلمه الاجتهاد أكثر، لذلك نجده في لحظة مواجهة يُفترض أن تكون بين أعلى ذُرى الفيلم يتركنا خائبي الأمل، أما جارِد ليتو فلا يُقدّم ما يزيد عن المتوقع من ممثلٍ متوسّط يُمنح فرصة لأداء دورٍ كهذا، دورٍ كُتِب ليُذكر لكنه لم يحقق غايته كما يجب.

تصوير يليق بكاميرا روجر ديكنز أحد أكبر أساطير التصوير في زمننا. لا بُدَّ أن التعاون مع من مثله يُلغي وجود الحدود على خيال مصمم إنتاجٍ مثل غاسنر، فمع ديكنز لن يُهمل أدنى تفصيلُ جمالٍ في مواقعه، بس سيُضاعف أثره. مع موسيقى أضافت لمهابة التجربة وأكملت إشباع الحواس من بنجامين وولفيش وهانس زيمر.

حاز على 38 جائزة ورُشّح لـ 68 أخرى أهمها ثماني جوائز بافتا لأفضل تصوير، تصميم إنتاج، موسيقى تصويريّة، صوت، مؤثرات بصريّة، مونتاج، مكياج، وإخراج.

تريلر Blade Runner 2049

Thelma

“الإنسانيّةُ تغزو الرّعب”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج يواكيم ترير
المدة ساعة و56 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية وعري
الإرشاد العائلي (أميركي)  Not Rated
اللغة النرويجية
تقييم IMDB 7.4

“مبدأي حين أعمل هو أنني أنسى لدى الكتابة أنني المخرج. أحلُم، بسذاجة الطفل بداخلي. وبعد ذلك، وبما أنا عليه من قلة الحيلة، عليَّ أن أجد طريقةً ما لوضع ما كتبتُ على الشاشة. هذه العمليّة يمكن أن تكون معذِّبة، لكنني تعلمت بها الكثير مع هذا الفيلم. من الممتع دومًا صنع صورٍ جديدةٍ بالنسبة لك، هذا أحد أكثر الأجزاء المُجزية في صناعة الأفلام، وهناك الكثير من ذلك في Thelma “، هذا وصفٌ مُلخّص على لسان النرويجي يواكيم ترير لتجربة خوضه في ميدانٍ جديد مع هذا الفيلم. بعد ثلاثة أفلامٍ جمعها عمق الخوض في الحالة الإنسانيّة، يُطل ترير بتجربة إثارةٍ مع لمساتٍ من الرّعب، آخذًا معه إنسانيّته إلى نوعٍ سينمائيٍّ جديد.

لمحة عن قصة Thelma
ثيلما (إيلي هاربو) شابّةٌ تبدأ حياةً جديدة في الجامعة بعيدًا عن والدَيها تروند (إنريك رافايلسن) وأونّي (إلين دوريت بيترسن)، بعدٌ فيزيائيٌّ فقط، فما زالا حاضرَين وتربيتهما الدينيّة في أدنى تفاصيل يومها، مما يجعل انجذابها لفتاةٍ في صفّها بداية صراعات وتداعيات نفسية تتجاوز حدود جسدها.

كتب يواكيم ترير وإسكيل فوغت نص الفيلم، في قالبٍ مألوف من تقاطعات الماضي والحاضر لكشف الغموض، لكن بتميُّز توقيت ومحتوى تلك التقاطعات، وعدم كون غايتها ببساطة واستسهال “كشف الغموض”، يبثان روحًا جديدة في القالب. فهُنا تشغلك الشخصيّات أوّلًا، ثم غموض الأحداث الغرائبيّة التي تصادفها لأن لتلك الأحداث صلةً بمن تكونه تلك الشخصيّات. تشغلُك منذ تقديمها المُثير، وتستمر باكتشاف ما يُقرّبك منها أكثر ويُغريك بما لم يزل خافيًّا عنك. هذا كلُّه حتى نصل إلى الثلث الأخير، المكوّن من قسمَين أولهما غريبٌ عن ترير والفيلم ومكرِّرٍ لجزءٍ مللناه في أفلام الرعب، والثاني حسن الوجهة مضطرب الإعداد لعدم كفاية خلفيّات الأم والأب فيه، الأم تحديدًا.

إخراج يواكيم ترير يجد طريقه بين الأنواع دون عناءٍ ملموس، دراما البلوغ والعائلة وعلاقة الأب بالابنة، التوتّر الجنسي، الإثارة النفسيّة، والظواهر فوق الطبيعيّة. ليست هُناك لحظةٌ يقول لنفسه فيها يكفي من الدراما هُنا ولنفاجئهم بحدثٍ ما. مقدّمًا بالنتيجة متوالياتٍ انتقاليّةٍ ساحرة بين كل محطة سرديّة وأخرى تذوب فيها الأنواع ويبقى الجمالُ وإتقانُ مخاطبة البصر، من تمهيد النوبة الثّانية والنوبة، إلى دار الأوبرا، السيجارة المحشوّة، جلسة الموجات الدماغيّة، الاحتراق حتى الغرق، والانعتاق. صحيحٌ أن ترير يتغلّب على بعض القصور في الثلث الأخير بجمال صوره وحسن إدارته لممثليه، لكن يبقى البعض الآخر حاضرًا.

خاصّةً باختيارٍ خاطئ لـ إنريك رافايلسن لأداء شخصيّة الأب، أو ربّما الاختيار الخاطئ لهيئته، فـ رافايلسن لا يظلم شخصيّته لكنه لا يطبع صورتها في مخيّلتك كما تتوقع من شخصية كهذه، على عكس إيلي هاربو المثاليّة حضورًا والمجتهدة أداءً بما يضيف لإثارة ومتعة التجربة، وكايا ويلكنز المتميّزة في دور آنيا. في حين يجد تصوير ياكوب إيريه مكانه بين عناصر الفيلم المميزة، ويُقدّم أُولا فلوتوم موسيقى مناسبة.

حاز على 5 جوائز ورُشّح لـ 18 أُخرى.

تريلر Thelma

The Killing of a Sacred Deer

“الجرّاحُ دومًا هو المسؤولُ عن النتيجة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج يورغوس لانثيموس
المدة ساعتين
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية وعنف دموي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 7.7

الصدمة، هذا الأثر الذي يجتمع على اختباره محبو وكارهو أفلام اليوناني يورغوس لانثيموس، ومن هُنا يبدأ الانقسام حول جدوى هذه الصدمة، جدوى التطرّف في القسوة والدمويّة بشكل رئيسي، مما يخلق فريقَين رئيسيّين في جمهور هذه الأفلام، المقتنع بأهمّيّة القسوة ضمن السياق، والذي لا يجد لها مبرّرًا كافيًا. يتفرّع من كلّ فريقٍ ثلاثة، من يرى أن لانثيموس يمتلك أفكارًا وأسلوبًا مثيرَين، من يرى أنه لا يقدّم جديدًا على صعيد الأفكار لكنه يمتلك أسلوبًا يجعلها أكثر تأثيرًا، ومن لا يستطيع التواصل مع أسلوبه أساسًا. بالنسبة لهذا الفيلم فلا حل هنا لمشكلة القسوة، لكن استناده إلى تراجيديا إغريقيّة يصعب إيجاد من لا تثير اهتمامه وتؤثر فيه قد يقدم حلًّا جزئيًّا لمشكلة التواصل ويُقرّبك بعض الشيء إلى عالم لانثيموس، أما إن لم تكن غريبًا عن هذا العالم وأحببت جولاتك فيه حتى الآن فمن الجُرم تفويت هذا الفيلم.

لمحة عن قصة The Killing of a Sacred Deer
ستيفن (كولين فاريل) جرّاحُ قلبٍ ينعُم بحياةٍ مستقرّة  مع زوجته آنا (نيكول كيدمان) طبيبة العيون، وولديه كيم (رافي كاسيدي) وبوب (سَني سولجيك). تجمعه علاقة وصاية غريبة بـ مارتن (باري كيوان) المراهق يتيم الأب، تتطوّر في وقتٍ قصير إلى مصدر خطرٍ لا مهرب منه على حياته وحياة أسرته.

كتب يورغوس لانثيموس وإفثيميس فيليبّو نص الفيلم، بأفضل تقديم ممكن للشخصيّات، وكأنك رافقت أبطالهم في مجرّد يومٍ آخر لا يومٍ معدٍّ لتعرف عنهم أكثر، وفي أكثر نشاطات هذا اليوم روتينيةً واعتياديّة يمكنك بسهولة أن تقف على أول طريق معرفة ما يميز كلًّا منهم وما يميّز علاقاتهم، طريقٌ يزيد إثارةً مع كل خطوة، ثم تصبح وجهته أكثر ضبابيّةً وسوداويّةً مما تخيَّلته بعد منعطفٍ عبقريّ التوقيت، يتداخل بنتيجته العقل والجنون في تطوّرات الشخصيّات المرصودة بدقّة جرّاح، خاصّةً مع الحوارات الماكرة الذكيّة غير الحاملة لشيء تقريبًا في كلماتها والحاملة لمفاصلٍ سرديّة في توقيتها ضمن السياق. لكن للأسف تتوه وسط كل هذا شخصيّة آنا التي كانت قلب الفيلم بعدم استغلالها كما يجب وبقاء تفاصيل رحلتها العديدة مثيرةً للتأمُّل دون إشباع.

إخراج يورغوس لانثيموس يُدخلُك في الأجواء السوداويّة القاسية التي لا تعترف بحدود منذ البداية بافتتاحيّته الاستثنائيّة، ثم يمضي مع أبطاله بزوايا كاميرته الغريبة والمثيرة بشكلٍ يُجبرك على الانتباه لتفاصيل ما ترصده تلك الكاميرا بحركتها الغريبة، المحدّدة، والمُهيبة، مُسرعًا بترسيخ إحساسٍ بعدم الرّاحة يستمر بتدعيمه بهدوءٍ غالبًا، وبقفزاتٍ مؤلمة أحيانًا تُضيّق مساحة التأمُل والتحليل لسيطرة الضغط النفسي والتوتّر. وسط كل هذا هناك خيارٌ غريب لم يكن لالتزام لانثيموس به من قبل هذا الأثر المضطرب، وهو طريقة تعامل شخصياتهم مع بعضهم وتعبيرهم عما بداخلهم وورود أحاديثهم، الغرائبيّة والجافّة، ففي The Lobster مثلًا كانت الأحداث تجري في عالمٍ موازٍ إن صح التعبير، أما استمرار الطريقة نفسها هُنا يجعل من الصعب معرفة هل حضورها لمسة لانثيموسيّة أم تعليقٌ إجتماعيّ. في الحالتين لا يبدو أنها لصالح الفيلم، ففي الأولى تكون النتيجة تشويشًا لا حاجة إليه وسط الرمزيّات غير القليلة، وفي الثانية تُصبح مباشرةً في تقديم الشخصيات غير متناسبة مع ما تبقّى من الفيلم، خاصّةً أن السماح لاستثناءٍ كشخصيّة آنا بغزوها دون الإفادة من هذا الاستثناء يُغيّب أي غاية مُستحِقّة أُخرى.

أداءَين استثنائيَّين من باري كيوان الذي يُكسِب حضوره إثارةً مميّزة تستمر بالتطوّر، ونيكول كيدمان التي كانت القلب المُهمَل للفيلم بغنًى عاطفيٍّ مضبوط لا يجعلها غريبةً عمّن وما حولَها لكن ربما أقل شبهًا بهم، مع أداءات ممتازة من باقي فريق العمل، تصوير مُتقَن محسوب الإطار الواسع والحركة من ثيميوس باكاتاكيس، وموسيقى ذكيّة تُدعِّم الحالة ولا تُرشِد لأثر.

حاز على جائزتَين أهمهما جائزة أفضل نص في مهرجان كانّ، ورُشّح لـ19 أُخرى أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كانّ.

تريلر The Killing of a Sacred Deer

عن قلوبٍ نبضت لأكثر من روح – أفلام زراعة القلب

يوافق الخميس القادم مرور نصف قرن على وفاة لويس واشكانسكي، أول خاضع لعمليّة زراعة قلب بشري والذي توفّي بعد 18 يوم من العمليّة عاد فيهم لوعيه وحادث مُحبّيه، بينما أصبحت العمليّة قادرة اليوم على منح ما يصل إلى 5 سنين أخرى من الحياة للمريض. وكون القلب في جميع الثقافات مرتبط بالذاكرة الحسّيّة، أصبحت فكرة وجود قلب شخصٍ في جسد آخر مثيرةً للاستكشاف سينمائيًّا، وهذه أربعة من أبرز أفلام زراعة القلب التي أحسنت استغلال الفكرة.

الفيلم الأول:

21Grams – Alejandro G. Iñárritu

ثاني أجزاء ثلاثية الموت للكاتب غييرمو أرياغا والمخرج أليخاندرو غونثاليث إيناريتو، والذي كان عنه ترشيح نايومي واتس الأول وترشيح بينيسيو ديل تورو الثاني للأوسكار. ويروي قصة المتخصص في الرياضيّات بول ريفرز (شون بّين)، الزوجة والأم كريستينا بّيك (نايومي واتس)، والسجين السابق جاك جوردان (بينيسيو ديل تورو)، بعد أن يجمعهم حادثٌ مؤلم لا تسمح تداعياته لأيٍّ منهم بأن يعود إلى ما كانه قبله.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

Heal the Living – Katell Quillévéré

في مرةٍ طلب مني صديقي إعداد قائمة بأسماء مخرجات يجب أن يشاهد أفلامهنّ، وكان دافعه أنه شاهد أعمال لمخرجتَين أو ثلاث أسرته فيهم حساسية الكاميرا حين تُمثّل عين أنثى. حينها لم أكن أعرف الفرنسية كاتيل كيليفيريه، ولم أكن قد شاهدت فيلمها هذا الذي سرعان ما سيقفز إلى ذاكرتي من الآن فصاعدًا كأحد أبرز الأمثلة حين تُذكر المخرجات وحساسيّتهن تلك. ويبدأ الفيلم بحادثٍ مأساوي يجمع غُرَباءً على تجاربٍ حسّيّة وحياتيّة لا تُنسى.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Heal the Living لما فيه من حرق لأحداثه.

الفيلم الثالث:

Gods – Lukasz Palkowski

قصة جراح القلبيّة البّولندي زبينيو ريليغا (توماش كوت)، والذي أجرى في ثمانينيّات القرن الماضي أول عمليّة زراعة قلب في بّولندا في وقتٍ كان شعبها فيه بحاجةٍ لانتصارٍ إنسانيٍّ كهذا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

Seven Pounds – Gabriele Muccino

من صانع وبطل “The Pursuit of Happyness”، ويروي قصة بين (ويل سميث) الذي يسعى لتغيير حياة سبعة غرباء لسببٍ لا يعلمه إلا هو. قد لا يكون المنطق هو بطل الفيلم، لكن قلبه في المكان الصحيح في أغلب الأحيان.

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

Awake – Joby Harold

عمل جوبي هارولد الأول والأخير مخرجًا، والمستقبل بسخطٍ نقديٍّ لم يترافق مع نجاحٍ تجاريٍّ كافٍ لمنح هارولد فرصةً أخرى. لكن رغم كل ذلك ستجد نفسك في صف روجر إيبرت حين لم يجد الفيلم مستحقًّا لتلك الحدّيّة وكانت استجابته ببساطة: “ذهبت لمشاهدته دون معرفة أي شي عنه إلا أصداءه الكارثيّة، وجلست هناك لأجد نفسي مستغرقًا معه بالكامل. لم أنتظر المفاجآت، لم أنتظر تراكمهم الواحدة بعد الأخرى، وإنما وجدتُ إثارةً في التفاصيل الجراحيّة، ووجدتُ الميلودراما بالجودة التي يمكن أن تنتظرها من قصصٍ كهذه”.

ويروي الفيلم قصة كلاي بيريسفورد (هايدن كريستنسن) المحتاج لعملية زراعة قلب مع حبيبةٍ وأمٍّ وصديقٍ هو الجرّاح.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأهم أحداثه.

شُبّان وشابّات شرق آسيويّون يبدأون طريقهم السينمائي بالأوسكار!

خمسُ مرّاتٍ وصلت فيها أفلام آسيويّة للفوز بـ أوسكار أفضل فيلم أجنبي ، أربعةٌ منها لأفلام يابانية يفصل بين أولها وآخرها 59 عامًا، وواحدة لتايوانيّ، من بين ثلاثين ترشيحًا خلال عمر الجائزة البالغ أكثر من 60 عامًا، بينما مثلًا لـ إيطاليا وحدها 14 فوزًا. لكن يبدو أن هذا سيتغيّر وبالخطى الأولى لشُبّانٍ وشابّات نمر هنا على استجاباتهم وآمالهم حول ترشيح بلدانهم لأفلامهم وإمكانية وصول تلك الأفلام للجائزة الكبرى.

الفيلم الأول:

Birdshot – Mikhail Red

“اختياره أتى كمفاجأة كليًّا، نهاية رائعة لرحلة Birdshot الطويلة. كنا صبورين جدًّا مع هذا الفيلم؛ مضت ثلاث سنوات منذ بدأنا العمل على النص. علمنا من داعمنا الرئيسي TBA Studios أنهم دعموا الفيلم منذ البداية وسيستمرون حتى يتم توزيعه وعمل حملة دعائيّة له في أمريكا. نتمنى أن نستطيع عرض أفلام أكثر شجاعةً وجُرأة للإضافة لإرث السينما الفيليبّينيّة المتنوّع”. بهذا علق ميخيل ريد الشاب ذو الـ26 عامًا على اختيار فيلمه الثاني لتمثيل بلده في الأوسكار، والذي حقق في سنّه من الإشادة الاستثنائية ما يحلم به أصحاب مسيرةٍ وتاريخ.

ويروي فيلم الغموض والإثارة الفيليبيني قصة تبعات حادثة صيد غير شرعي لنسرٍ نادر في محمية طبيعيّة، والتي تقود لاكتشافاتٍ أخطر بكثير من مجرّد هويّة الصيّاد.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

Mad World – Chun Wong

“أتمنى أن يجعل تقديمه للأوسكار أناسًا أكثر تعلم بوجود Mad World، ليشاهده جمهورٌ أكبر ويستلهموا من القصة والشخصيّات فيه. هذا أملي الوحيد”، كلماتٌ صادقة من الهونغ كونغي تشَن يونغ خاصّةً بمعرفة أنها صادرةٌ عن ابن 29 عامًا وصاحب تجربة أولى وجد نفسه فجأة على أول طريق الأوسكار بتلك التجربة.

والتي تروي قصة سمسار مريض عقليًّا يحاول إعادة بناء علاقاته بأبيه شبه الغريب وخطيبته السابقة.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

Dearest Sister – Mattie Do

“لم أعلم حتى أن لاوس يمكن أن تقدم فيلمًا أو أن تملك لجنة اختيار قبل بضع سنواتٍ أخرى على الأقل. أنا مذهولة بالكامل بأني لم أقدم فيلمًا فقط، بل تم اختيار ما قدمت!”. ليس في تعليق اللاوسيّة ماتي دو أي مبالغة، فقد حققت به وبوقتٍ قليل إضافةً أخرى لرصيدها كسبّاقة إلى الإنجازات. أول مخرجة أفلام روائيّة لاوسيّة، صانعة أول فيلم رعب لاوسيّ وهو فيلمها الأول، والآن صانعة أول فيلم تقدّمه لاوس لسباق الأوسكار في التاريخ وهو فيلمها الثاني.

ويروي قصة قُرَويّة تسافر إلى العاصمة للاعتناء بقريبتها الغنيّة التي فقدت بصرها واكتسبت قدرة التواصل مع الأرواح.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

Pop Aye – Kristen Tan

“أنا بصراحة لا أملك الكثير من التوقّعات كوني مُمتنّة للدورة السّاحرة التي حققها منذ عرضنا العالميّ الأول في سندانس. مع بونغ الفيل كتميمة حظّنا أنا أتطلّع إلى المدى الذي يمكن أن يأخذنا إليه في سباق الأوسكار”. تعليق متواضع من كريستن تان السنغابّوريّة الثلاثينيّة التي نال عملها الإخراجي الأول هذا تقديرًا كبيرًا في كل محفلٍ وصل إليه.

ويروي قصة مهندس عمارة ذهبت أيام مجده، يُصادف فيل طفولته المفقود في أحد شوارع بانكوك ويُقرر اصطحابه إلى المزرعة حيث نشآ سويّةً.

تريلر الفيلم:

Atomic Blonde

“شارليز تيرون وموسيقى ثمانيناتيّة وأكشن حقيقي”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 6/10
المخرج ديفيد ليتش
المدة ساعة و55 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العري والعنف الدموي والمشاهد الجنسيّة
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.9

العناصر الثلاث السابقة موجودة بالفعل في فيلم ديفيد ليتش الأول هذا، وجعلها محور التجربة بقصة مباشرة بسيطة وحتى مكرّرة ودون أي تظاهر بأن القصة أكثر من ذلك سيُنتج تجربة توازي “John Wick” الذي شارك ليتش نفسه في إخراجه مُتعةً وجاذبيّة، لكن للأسف لم ير ليتش وكاتب النص كرت جونستاد ذلك كافيًا وأرادا الذهاب إلى أبعد مما يستطيعان الوصول إليه بكثير.

لمحة عن قصة Atomic Blonde
بعد قتل جاسوس بريطاني في ألمانيا إثر حصوله على قائمة بأسماء جميع العملاء أمثاله في برلين وسرقة ما لديه، تُرسَل العميلة لورين بروتون (شارليز تيرون) للتحقيق في الأمر والعثور على القائمة.

عن الرواية المصوّرة المتسلسلة “The Coldest City” لـ أنتوني جونستون وسام هارت كتب كرت جونستاد نص الفيلم، ككتلة من الفوضى تُثبت أن قصص الجاسوسيّة وتشابكاتها ومفاجآتها مُتطلّبة لما هو أكثر من خبرة عامة في كتابة النصوص، وإلا كان الناتج لا يُثير ويُفاجئ إلا كاتبه، كما حصل هنا. جونستاد لم يتُه بعد نصف الطريق، وإنما بدأ تائهًا بين شخصياته وما يعرفونه هم عن بعضهم وما يجب أن تعرفه ومتى، وبين لحظات الكشف وما يتم الكشف عنه واختيار الوقت المناسب لإدراجها لتملك الأثر المناسب. وفي النهاية، يبقى تائهًا.

إخراج ديفيد ليتش يبذل من الجهد أكثر مما هو بحاجةٍ إليه، وذلك بسبب أخذه نص جونستاد بجدّيّةٍ لا يستحقها ومنحه بالنتيجة وقتًا كبيرًا لتفاصيل الحبكة الهشّة وفاقدة الأهمية على حساب الأكشن الذي تشتاق له بين قتالٍ وآخر. ليتش اختصاصه أكشن مختلف ومُحاط بأجواء تُضيف لمتعته، وكل ابتعادٍ عن ذلك أضر بفيلمه، خاصةً مع غياب الموجِّه للهويّة البصريّة الصحيحة التي تحتاجها شخصيّاته والتي قد تعوّض اضطراب تقديمها في النص. لورين لا تستطيع أن تكون شخصيّة ورقيّة جذّابة يُمكن التضحية بأي شيء للمحافظة على صورتها الهادئة المدركة لكل ما حولها وشخصيّة حقيقية في نفس الوقت. حين يتنكر الجاسوس كمحامٍ يجب أن يكون محاميًا مقنعًا، أو يكون أمر الإقناع غير مهم لأن الحبكة غير مهمة، وليتش للأسف لم يستطع حسم أمره مما جعل استغلاله لموهبة بطلته مضطرب الغايات. أما الأكشن، فهذا ما لا يُمكن إنكار جودته وإثارته بالكاميرا النابضة بالحيويّة واللقطات الطويلة المُتطلّبة لاجتهادٍ كبير لم يبخل به أيٌّ من المشاركين وخاصةً تيرون، إلى جانب الألوان المُثيرة والاستخدامات الموسيقيّة الممتعة والمُعوَضة لجزء لا بأس به من ملل الحبكة.

أداء ممتاز آسر الحضور والثقة من شارليز تيرون وإن أُسيء توظيفه أحيانًا، مع أداء يليه تميُّزًا من جيمس مكافوي ضمن المساحة المتاحة، تصوير مُتقن من جوناثان سيلا، وموسيقى مناسبة من تايلر بيتس.

تريلر Atomic Blonde

Wind River

“الذئاب لا تأكل الغزلان قليلة الحظ، تأكل الضعيفة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج تايلر شيريدان
المدة ساعة و47 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي والعري والمشاهد الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.9

بعد عشرين عامًا من الأدوار الجانبيّة غير الملحوظة، أوشك تايلر شيريدان على الانتقال مع عائلته إلى حيث سيعمل كسائس خيول بدوام كامل، ثم راودته فكرة أن يقوم بمحاولة سينمائيّة أخيرة، لكن ليس في التمثيل هذه المرّة، بل في كتابة النصوص وإن لم يملك أي تجربة سابقة. بعد ستة أشهر أنهى ثلاثة نصوص سُمّيت أفلامها ثُلاثيّة الحدود الأمريكيّة، بيع اثنين منها وأصبحا Sicario وHell or High Water أحد أهم أفلام عاميهما كما رُشّح عن ثانيهما للأوسكار، أما الثالث فكان مُتردّدًا بشأنه بشكلٍ غريب خاصةً بعد النجاح الكبير لسابقَيه وكثرة العروض، شيريدان خَشي العبث برؤيته بحيث تصبح مُهينة لمن يحترمهم بها، “لا أعلم إن كنت أستطيع صناعة فيلمٍ جيّد، لكنني علمت أنني أستطيع صنع فيلمٍ يحترم الجميع”، لهذا قرّر أن يقوم بتجربته الإخراجيّة الأولى مع Wind River . والمفاجأة السارّة له ولنا أن ثلاثيّته اختُتمت أيضًا بأحد أقوى أفلام العام، والذي بلا شك يحترم من فيه.

لمحة عن قصة Wind River
كوري لامبرت (جيريمي رينر) صيّاد حيوانات مفترسة إن اقتربت من أماكن عيش البشر أو ماشيتهم، وفي إحدى مهمّاته يجد جثّة شابّة لم تقربها وحوش الغابة وإنما قتلها الخوف من البشر. تصل بالنتيجة العميلة الفدراليّة حديثة العهد جين بانر (إليزابيث أولسن) إلى مسرح الجريمة للنظر في ملابسات الأمر، ومعًا يمضيان في كشف الغموض المُحيط بآخر ساعات حياة الشابّة الصغيرة.

كتب تايلر شيريدان نص الفيلم المبني على “قصص” حقيقية، مُتعاملًا مع الإطار التقليدي في عدّة جوانب بجدّيّة فرضها احترامه للقصة، وأثمرت تماسُكًا وثقلًا حسّيَّين يطغيان على أي تقليديّة. قد لا تكون رحلة بطلهم الأولى من نوعها، لكن قلبها غير مستعار، قد لاتكون النتائج خارجة عن التوقعات المبنيّة على المألوف، لكن رعبها وألمها نداء استغاثة لا متاجرة، وقد لا تخلو الحوارات من بعض التجهيز للاقتباس أو غياب قدر معيّن من التلقائيّة أحيانًا، لكنها مُعدّة بالكامل لمخاطبة قلبك واحترام عقلك. رُبّما موضع القصور الأبرز هو كون شخصيّة جين صدى لشخصيّات شبيهة أكثر منها شخصيّة خاصّة بهذا الفيلم، وإن كان دخولها ضروريًّا، لكن المساحة الممنوحة لم تُستغل لجعل أهميتها لا تتوقف عند هذا الدخول.

إخراج تايلر شيريدان بشكل مفاجئ أفضل من نصّه، رُبّما هناك بعض المواضع المأخوذة كما هي بقوالبها، لكنها تذوب وسط الأجواء الجافّة الكئيبة، والمُدعّمة بالمساحات الواسعة المُغطّاة بثلجٍ لا تُفسد الكثير من الخطوات تراكُمَه، ناقلةً عُزلةً وحتى شعورًا بالبرد. مع إيقاعٍ يفرض هدوءه بعد إحاطتك بحجم المأساة، ولحظات دخول مُباغتة بذكاء للعنف تؤتي ثمارها كاملةً من شد الأعصاب وكسب الاهتمام الكامل المُستثار بشعورٍ بالخطر.

أداء قوي من جيريمي رينر يُحمّل ملامحه ماضيه وإن أُخطِئَ توجيهه في مرةٍ أو اثنتين، أداء مُلتزِم من إليزابيث أولسن اقتصر على منح شيريدان الانطباعات التي يريدها في اللحظات التي يريدها دون كثيرٍ من العمل على خلق خلفية للشخصيّة تُعوّض غياب تلك الخلفيّة في النص، مع أداءات جيدة من باقي فريق العمل، تصوير جيّد من بِن ريتشاردسون، وموسيقى تليق باسمي مُبدعَيها وارين إليس ونيك كيف ساهمت بشكل كبير في حالة الفيلم ووزنه الحسّي.

حاز على 4 جوائز أهمها أفضل مخرج في قسم نظرة ما في مهرجان كانّ، ورُشّح لـ3 أخرى أهمها الكاميرا الذهبية في مهرجان كانّ.

تريلر Wind River

It Comes at Night

“أنت شخصٌ جيّد، أنت فقط تحمي عائلتك”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج تري إدوارد شولتس
المدة ساعة و31 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب بعض الرعب الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.3

من أبرز مشاكل الأفلام المستقلّة تجاهل عدم توافق الإمكانيات المتاحة مع الطموح. أما تري إدوارد شولتس فمُدركٌ تمامًا لخطر الوقوع في فخٍّ كهذا، لا يعدك إلا بما هو قادرٌ على تقديمه، وقدرته هذه تشمل سيطرةً استثنائيّة على أعصابك رعبًا وإثارة، وأكثر مما يُرضيك من الأثر في قلبك والاستثارة لعقلك.

لمحة عن قصة It Comes at Night
في بيتٍ لا تجاوره إلّا الأشجار يُقيم بّول (جويل إدغرتون) مع زوجته ساره (كارمن إيجوغو) وابنه المراهق ترافيس (كيلفن هاريسون جونيور) للاحتماء من تداعيات وباءٍ لم يُبقِ كثيرًا من البشر. يومًا ما يقتحم بيتهم غريبٌ لا يعلمون عنه إلا أنه دليلٌ على أن آخرين بالقرب من منزلهم وقد يكونون محل ثقة وقد يكونون وراء هلاكهم والاستيلاء على مواردهم.

كتب تري إدوارد شولتس نص الفيلم، تاركًا ما يُرهق الكثيرين به أنفسهم دون داعي من ابتكار أسباب جديدة للوباء أو الخطر الذي سبّب انهيار الحضارة وفناء البشر والبحث وراء أساس الخيال العلمي، ومُركّزًا على النتائج، رُعب انتظار المجهول، “هل تؤمن بالفعل بذلك؟” تُجيب سارة زوجها حين يُعبّر عن ثقته بأن كل شيء سيصبح على ما يرام، حين لم تعلم إلى أين سيأخذهم فعل ما يلزم للنجاة، ليس لأن هناك نورًا في آخر النفق عليها أن تنجو ريثما تصل إليه، وإنما لأنه ربما يكون هناك نور. أفكارٌ كهذه قد تُدعّم بشخصيات وحوارات تضيف إليها وتزيد تفرعاتها وتشابكاتها بدرجات متفاوتة، خيارٌ يلجأ إليه أغلب من يجدون نفسهم في مكانه كي يعوضوا بإثارة خوض عقل المشاهد في تلك التشابكات آثار محدودية الميزانية، لكن شولتس حسم أمره بشأن ذلك ولا يُريد الذهاب إلى حيث قد يضل طريق رجعته، فاختار شخصياتٍ بسيطة بالغرائز الأساسية التي تبقيها ظروف مماثلة، وكذلك الحوارات العمليّة التي تعكس بيئةً كهذه.

إخراج تري إدوارد شولتس يُعيد لكل تقليديّات عالم قصته حيويّتها وأثرها الكامل ببدايةٍ صارمة حابسة للأنفاس تفرض عليك ذاك العالم وقسوته، ثم يستكشفه بكاميرا فضوليّة حذِرة، مانعًا إيّاك رغم هدوء حركته ورصده من إدراك الاتجاهات أو حجم وشكل المنزل الحصن وكيفية التنقّل فيه مما يرفع حدّة الترقّب، ويُحوّل ممرًّا طويلًا مظلمًا وبابًا أحمر إلى وحشٍ أكثر رعبًا من أغلب الأقبية والعلّيّات المسكونة، خاصّةً مع ذوبان كوابيس النوم بين كوابيس اليقظة بسلاسة تُضيف للحرق المتمهّل للأعصاب، المُفيد من الروابط حادّة الأطراف بين شخصيّاته سواءً الهشّة منها والمتينة، والمُثبت أن في ما لا تعرفه ولا تراه رُعبًا أكبر من ذاك المترافق مع معرفتك مصدر الخطر.

أداءات ممتازة من فريق العمل وخاصّةً كيلفن هاريسون جونيور، تصوير كان يد شولتس اليمنى بحركته المرسومة الناعمة وإفادته من عالمٍ بلا كهرباء لخيارات إضاءة مُلفتة الأثر داخل وخارج المنزل من درو دانييلز، وموسيقى تحرص على تكثيف انتباهك وحذرك دون أن تتولى مُهمّة المفاجأة من برايان ماكومبر.

تريلر It Comes at Night

Get Out

“رعب الأفكار ورعب التجربة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج جوردان بّيل
المدة ساعة و44 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي والإيحاءات الجنسيّة الصريحة
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.8

قال الناقد الرائع عماد العذري مرةً أن الرعب بشكل عام أكثر صنف سينمائي تتناسب فيه جودة النتيجة طردًا مع انخفاض الميزانيّة، وسنجد مثالًا قويًّا في فيلمنا هذا الذي بدأ منذ صدوره في شباط الماضي يُصبح مرشّحًا قويًّا لقوائم أفضل أفلام 2017 وتجاوزت إيراداته الـ 252 مليونًا من ميزانية قدرها أربع ملايين ونصف.

كريس (دانييل كالويا) شابٌّ أفرو-أمريكيّ في علاقةٍ مع روز (أليسون ويليامز) المنحدرة من عائلة “شديدة البياض”، يقرر على مضض الذهاب لمقابلة أبويّ روز دون علمهما بكونه من عرقٍ آخر. وهناك وسط الغابة، ينتظره استقبالٌ لم يحلم بمثله، وما كان ليرغب بحلمٍ كهذا.

كتب جوردان بّيل نص الفيلم، بالاستلهام من بعض كلاسّيكيّات الرعب وإضافة بعض الأفكار المثيرة إليها ثم وضع الناتج تحت عدسة الوضع السياسي الاجتماعي الرّاهن في الولايات المتحدة، عازمًا على أن لا يكون أبطاله دُمًى صمّاء لا تُحرّكها إلا تعليمات النص رغم كون هذا على ما يبدو معيارًا لأغلب أفلام النوع، وعلى إفساح المجال للسخرية شبه المبطّنة وبعض الكوميديا بما ينسجم والرعب. ربما لم يُثمر حرص بّيل على أن تكون شخصياته ممثلةً لشرائح من الناس أكثر منها شخصياتٍ مميزة بحد ذاتها بالقدر الذي يجعل ذاك الحرص مُضيفًا، وربما لم تنجُ جميع اللمسات الكوميديّة من الإقحام، لكن في النهاية، إيجاد هذا القدر من التميّز في تجربةٍ أولى يغفر أكثر من ذلك.

إخراج جوردان بّيل يضبط أجواء فيلمه بوجوه ممثّليه وردات فعلهم وكلماتهم، ومع إدارته المتقنة لهم يؤتي هذا الأسلوب ثماره بلا شك، سواءً من ناحية بناء الإثارة وتحقيق لحظات ومتواليات الرعب المفاجئة منها والهادئة لأثرها الكامل، أو من ناحية استثارة الاهتمام بالشخصيات حتى وإن لم تملك على الورق ما يميزها أفرادًا، ويُضيف لذلك مفاجآتٍ بصريّة سرياليّة مترافقة مع استخدامٍ ذكي للموسيقى تجعل الفيلم يرافق ذاكرتك لوقتٍ أطول مما توقّعت.

أداءات ممتازة وأهل للاعتماد عليها من فريق العمل، خاصّةً دانييل كالويا في أداء متطلب لردات فعل دقيقة بين البسيطة والمعقّدة حدّ التطرّف، كاثرين كينر مُهيبة الحضور الهادئ في دور السيدة ميسي أرميتاج، وبيتي غابرييل في دور جورجينا التي ملكت المشاهد التي تظهر فيها. مع تصوير جيّد من توبي أوليفر، وموسيقى تُضيف للأجواء والتأثير وتنتزع التقدير في متوالية الغرق الأولى من مايكل آبلز.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Get Out كونه لا يترك الكثير للفيلم نفسه.

Obsession

“بنكهةٍ كلاسّيكيّة”

السنة 1976
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج برايان دي بّالما
المدة ساعة و38 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب حساسية الموضوع
الإرشاد العائلي (أميركي)  PG
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.8

عندما أعاد برايان دي بّالما وصديقه (السابق للأسف) بّول شريدر مشاهدة رائعة هيتشكوك “Vertigo” غير المدركة القيمة وقت صدورها والتي أصبحت تُعد الآن من أهم 10 أفلام أمريكية في التاريخ، كانت قد غابت عن الأسواق والشاشات لقرابة ست سنوات، فأرادوا الاحتفاء بها وإعادتها إلى دائرة الضوء بصنع فيلمٍ مستلهمٍ منها، أرادوا مشاركة واستثارة الشغف. ورغم أن أساسًا كهذا يُبشّر بالكثير إلا أن الظروف شاءت أن ينشأ بين دي بّالما وشريدر خلافٌ حاسم حول ما سيصل إلى الشاشة من أفكار شريدر، وأن تؤثر حساسيّةُ بعضٍ مما تم تصويره إلى تغيير خطة المونتاج. كل هذا جعل ما بُني على شغف يأتي حاملًا نُدَبًا جعلته غير مكتمل الروح، لكن طبعًا، هذا لن يجعل دي بّالما وبِرنارد هِرمَنّ عاجزَين.

لمحة عن قصة Obsession
مايكل كورتلاند (كليفّ روبرتسون) رجل أعمال عاش أكثر من عقدٍ ونصف مع مأساةٍ أفقدته زوجته وابنته وقُدرته على أن ينسى ويعتاد، يذهب في رحلةٍ إلى إيطاليا حيث يمر بالكنيسة التي قابل فيها زوجته إليزابيث (جُنُفييف بوجولد) ويقابل شابّةً لا يعجز شبابها فقط عن تقوية صلته بالحاضر بل يُنعِش الماضي، بحلوه ومُرّه.

كتب بّول شريدر نص الفيلم عن قصته التي أعدها بالاشتراك مع برايان دي بّالما، قبل أن يعيد الأخير صياغته ببعض الحذف والاختصار والتّعديل بناءً على نصيحة هِرمَنّ ودون موافقة شريدر، والنتيجة حاملة لعناصر ذات قدرة على أن تبقى في الذاكرة لكن يصحب كلًّا منها “فقط لو”، لو بُنيَت الشخصيات بحيث تصبح أفعالها أكثر ارتباطًا بمن تكونه من ارتباطها بما أُريد لها أن تفعله، لو مُنحت العلاقة الرئيسيّة وقتًا أكبر يُكثّف أثر الحب حتى الهوس ويجعله مُعديًا، لو كان الكشفُ لـ كورتلاند بمستوى الكشف للمُشاهد لا مُقحمًا بشكلٍ صريح، لو تم التغلُّب على قصورٍ واحدٍ فقط مما سبق لتحقق النهاية أثرها الكامل. لكن رغم كل هذا لا تمضي الأفكار الرئيسيّة التي يُدينان ببعضها بكل فخرٍ لـ “Vertigo” ولا يُدينان بالآخر إلا لنفسيهما دون أثرٍ مستثيرٍ للعقل على الأقل.

إخراج برايان دي بّالما يحيل قصته إلى كابوسٍ هادئ، ذاك الذي لا يُنذِر ولا تصحو منه مذعورًا، ولا تُدرك أنه كابوسٌ إلا بعد انتهائه واعتدالك في جلستك بعد الاستيقاظ، وإيجادك إحساسًا بعدم الراحة يتسلل إليك عندما تقصُّه. خيارٌ ذكيّ يعوض ما لا بأس به من قصور النص بكون البيئة الحلميّة تسمح لبعض التفاصيل بالغياب ولبعض الميلودراما بالحضور. الحدث والزمن والتداعيات النفسية حقيقيّة، لكن ألوان وإضاءة الصورة وإيقاع السرد حلميّون، بالكاميرا المُراقبة، الجوّالة، الملاحقة، والمُركّزة على التفاصيل وزوايا الرؤية التي تحافظ على انتباهك. وكل هذا يبلغ ذروته الأسلوبية في متواليتيّ الكشف في المطار والنّهاية الحابسة للأنفاس بدرجة لا يُمكن تخيّلها مع ضعف التماسُك على الورق والذي شكّلت امتدادًا له. نهاية ميلودراميّة بالكامل، مثيرة بالكامل عقلًا وقلبًا، مؤثرةً بالكامل بالقلب دون العقل.

أداء متفاوت من كليفّ روبرتسون يبلغ ذُرًا مُثيرة للإعجاب حينًا ويُعاني من قلة التركيز حينًا آخر، أداء ممتاز من جُنُفييف بوجولد كان قلب الفيلم الأدائيّ، وأداءات جيدة من باقي فريق العمل. مع تصوير مُتقن منح الفيلم وأبطاله ذاك المظهر الحُلميّ الغامض من فيلموش جيغموند.

أما موسيقى بِرنارد هِرمَنّ فيصعب إيجاد ما لم يُقل فيها لدرجة اعتباره المؤلّف الأول للفيلم من قبل البعض. باختصار، موسيقى هِرمَنّ تروي بحد ذاتها وليست مُجرّد مساندةٍ للرّاوي.

حاز على 3 جوائز ورُشّح لاثنتين أهمها الأوسكار لأفضل موسيقى تصويريّة.

تريلر Obsession