أرشيف التصنيف: فانتازيا

Thelma

“الإنسانيّةُ تغزو الرّعب”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج يواكيم ترير
المدة ساعة و56 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية وعري
الإرشاد العائلي (أميركي)  Not Rated
اللغة النرويجية
تقييم IMDB 7.4

“مبدأي حين أعمل هو أنني أنسى لدى الكتابة أنني المخرج. أحلُم، بسذاجة الطفل بداخلي. وبعد ذلك، وبما أنا عليه من قلة الحيلة، عليَّ أن أجد طريقةً ما لوضع ما كتبتُ على الشاشة. هذه العمليّة يمكن أن تكون معذِّبة، لكنني تعلمت بها الكثير مع هذا الفيلم. من الممتع دومًا صنع صورٍ جديدةٍ بالنسبة لك، هذا أحد أكثر الأجزاء المُجزية في صناعة الأفلام، وهناك الكثير من ذلك في Thelma “، هذا وصفٌ مُلخّص على لسان النرويجي يواكيم ترير لتجربة خوضه في ميدانٍ جديد مع هذا الفيلم. بعد ثلاثة أفلامٍ جمعها عمق الخوض في الحالة الإنسانيّة، يُطل ترير بتجربة إثارةٍ مع لمساتٍ من الرّعب، آخذًا معه إنسانيّته إلى نوعٍ سينمائيٍّ جديد.

لمحة عن قصة Thelma
ثيلما (إيلي هاربو) شابّةٌ تبدأ حياةً جديدة في الجامعة بعيدًا عن والدَيها تروند (إنريك رافايلسن) وأونّي (إلين دوريت بيترسن)، بعدٌ فيزيائيٌّ فقط، فما زالا حاضرَين وتربيتهما الدينيّة في أدنى تفاصيل يومها، مما يجعل انجذابها لفتاةٍ في صفّها بداية صراعات وتداعيات نفسية تتجاوز حدود جسدها.

كتب يواكيم ترير وإسكيل فوغت نص الفيلم، في قالبٍ مألوف من تقاطعات الماضي والحاضر لكشف الغموض، لكن بتميُّز توقيت ومحتوى تلك التقاطعات، وعدم كون غايتها ببساطة واستسهال “كشف الغموض”، يبثان روحًا جديدة في القالب. فهُنا تشغلك الشخصيّات أوّلًا، ثم غموض الأحداث الغرائبيّة التي تصادفها لأن لتلك الأحداث صلةً بمن تكونه تلك الشخصيّات. تشغلُك منذ تقديمها المُثير، وتستمر باكتشاف ما يُقرّبك منها أكثر ويُغريك بما لم يزل خافيًّا عنك. هذا كلُّه حتى نصل إلى الثلث الأخير، المكوّن من قسمَين أولهما غريبٌ عن ترير والفيلم ومكرِّرٍ لجزءٍ مللناه في أفلام الرعب، والثاني حسن الوجهة مضطرب الإعداد لعدم كفاية خلفيّات الأم والأب فيه، الأم تحديدًا.

إخراج يواكيم ترير يجد طريقه بين الأنواع دون عناءٍ ملموس، دراما البلوغ والعائلة وعلاقة الأب بالابنة، التوتّر الجنسي، الإثارة النفسيّة، والظواهر فوق الطبيعيّة. ليست هُناك لحظةٌ يقول لنفسه فيها يكفي من الدراما هُنا ولنفاجئهم بحدثٍ ما. مقدّمًا بالنتيجة متوالياتٍ انتقاليّةٍ ساحرة بين كل محطة سرديّة وأخرى تذوب فيها الأنواع ويبقى الجمالُ وإتقانُ مخاطبة البصر، من تمهيد النوبة الثّانية والنوبة، إلى دار الأوبرا، السيجارة المحشوّة، جلسة الموجات الدماغيّة، الاحتراق حتى الغرق، والانعتاق. صحيحٌ أن ترير يتغلّب على بعض القصور في الثلث الأخير بجمال صوره وحسن إدارته لممثليه، لكن يبقى البعض الآخر حاضرًا.

خاصّةً باختيارٍ خاطئ لـ إنريك رافايلسن لأداء شخصيّة الأب، أو ربّما الاختيار الخاطئ لهيئته، فـ رافايلسن لا يظلم شخصيّته لكنه لا يطبع صورتها في مخيّلتك كما تتوقع من شخصية كهذه، على عكس إيلي هاربو المثاليّة حضورًا والمجتهدة أداءً بما يضيف لإثارة ومتعة التجربة، وكايا ويلكنز المتميّزة في دور آنيا. في حين يجد تصوير ياكوب إيريه مكانه بين عناصر الفيلم المميزة، ويُقدّم أُولا فلوتوم موسيقى مناسبة.

حاز على 5 جوائز ورُشّح لـ 18 أُخرى.

تريلر Thelma

أقوى أفلام الكوارث الطبيعية في الألفية الجديدة

رغم الثورة الكبيرة مُبهرة النتائج في مجال المؤثرات البصريّة نجد أحدث أفلام الكوارث الطبيعية بين المتوسطة وكارثيّة السوء، وفي حين يُستغرب الأمر للوهلة الأولى إلّا أنه من السهل ملاحظة الثورة في الاستسهال الموازية لثورة المؤثّرات، لذلك نجد محاولات صنعها المبكّرة المصحوبة بضعف الإمكانيّات أغنى شكلًا ومحتوًى وأقوى تأثيرًا، فحينها كان يتحتّم على صناعها تجاوز محدودية الإمكانيات بالإبداع والتجريب وبذل كل الجهود الممكنة. لكن لحسن الحظ، دومًا هناك استثناءات، كالأفلام التالية.

الفيلم الأول:

Beasts of the Southern Wild – Benh Zeitlin

أحد أروع التجارب الإخراجيّة الأولى على الإطلاق وأكثر المفاجآت السينمائيّة المستقلّة سحرًا، ملحمة الطفولة والإنسانيّة من بِن زايتلِن المرشحة لأربع أوسكاراتٍ لمخرجها وكتّابها وبطلتها التي ما زالت أصغر مرشحةٍ على الإطلاق للجائزة، وللفيلم كأفضل ما صدر في عامه، ويروي قصة الطفلة هَش-بَّبّي (كوفنزانيه واليس) التي تعيش مع أبٍ مريض في تجمّعٍ للمهمّشين الساكنين لبيوتٍ متداعية، في مواجهتها لظروف حياتها التي يُضاف إليها طوفان.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

The Impossible – J.A. Bayona

الفيلم الذي دخل به الإسباني ج.أ. بايونا هوليوود بعد فيلمه الأول الممدوح “The Orphanage”، مُديرًا نايومي واتس في أداءٍ نالت عنه ترشيحها الأوسكاريّ الثاني. ويروي القصة الحقيقية لعائلة من السياح شاء قدرهم أن تتزامن رحلتهم إلى تايلند مع وصول تسونامي.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأهم أحداثه.

الفيلم الثالث:

Aftershock – Feng Xiaogang

مُرشّح الصين لتمثيلها في أوسكار عام 2011، وأحد تجارب مخرجه فينغ شياوغانغ المعروف بكوميدياه ذات الشعبيّة مع الدراما. والنتيجة تسونامي مشاعر لن تندم على عدم مقاومتها. قد لا تكون المقاومة مستحيلة، لكن لا شك أن هذا الفيلم يستحق جعل تلك المقاومة بحدها الأدنى أكثر من الغالبية العظمى من أحدث أفلام النوع.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

Contagion – Steven Soderberg

من ستيفن سودربرغ أصغر فائز بسعفة كانّ الذهبية في التاريخ والفائز بأوسكار أفضل مخرج في عامٍ رُشّح فيه لاثنين محقّقًا إنجازًا تاريخيًّا آخر. يستعرض الفيلم أثر خروج انتشار وباء عن السيطرة على المسؤولين في المؤسسات الصحية والحكومية والناس. من بطولة فريق من النجوم يضم ماريون كوتيّار، كيت وينسليت، جود لو، مات ديمون، غوينيث بّالترو، لورنس فيشبرن وآخرين.

تريلر الفيلم:

A Ghost Story

“أجمل حلمٍ لهذا العام”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج ديفيد لاوري
المدة ساعة ونصف
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب بعض العُنف والإيحاء الجنسي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.7

“غاية صناعة الأفلام التجريبية في أغلب الأحيان تقديم الرؤية الخاصة لفنّان أو لفت النظر لتقنية جديدة أكثر من التسلية وتحقيق الربح”، هذه الكلمات من صفحة ويكيبّيديا المخصصة لمفهوم الفيلم التجريبي، وهذا فيلم تجريبي، مما يعني أن انتقاد ما يجعله تجريبيًّا من كونه غير مألوف البنية والأسلوب ووجود السرد من عدمه كانتقاد صلابة الحجر ورطوبة الماء. بوضع هذا الأمر جانبًا وبتوجيه الحديث لمن يملكون الرغبة لعيش تجربة جديدة أساسها الحالة التي عاشها صانعها والأفكار والأسئلة التي شغلته بنتيجتها لا القصة، ديفيد لاوري هُنا لم يُرِد التجريب بالأدوات السينمائية، التجريب هُنا كان نتيجةً لا غاية، هو فقط أراد التعبير عن حالة بأقرب وسيلة إلى قلبه والتي يُتقن التعامل معها، وهذا المستوى من الشخصية هو ما يجعل أثر A Ghost Story في روح حتى من لا يهتم لهذا النوع من الاختلاف أعمق مما يمكن أن يتخيل.

لمحة عن قصة A Ghost Story
ببساطة، الفيلم يروي ما يقوله عنوانه، قصة شبح رجلٍ توفّي حديثًا يعود إلى المكان العزيز على قلبه وحيث تقطن من أحب.

كتب ديفيد لاوري نص الفيلم، مُحكّمًا لا وعيه بشكلٍ شبه كامل، مما جعله يُنهي الكتابة في يومين، والتي بدأت بعد جدالٍ بينه وبين زوجته حول الانتقال من المنزل الذي يقيمون فيه، هذا الجدال، فكرة الموت، وصورة الشبح المتجسد في ملاءة ذات عينين أثمروا عشر صفحاتٍ في أول يوم أصبحوا ثلاثين في الثاني، دون ملامح واضحة أو مفهومة حتى بالنسبة لـ لاوري نفسه، لكنه فقط أحب أن يُكمل حتى النهاية حتى يفهم. قد يبدو أن في ذلك أنانية كونه ليس الوحيد الذي سيبذل مجهودًا في ذلك، لكن جميع المشاركين علموا بضبابية الصورة ومضوا لثقةٍ مُستحقّةٍ بـ لاوري. وبمجموعة المشاهد المشابهة لومضاتٍ في ذاكرة واعٍ متعبٍ وحالمٍ مُستغرق، وكليهما الواعي والحالم شخصٌ واحد يسكن قلبه حبٌّ وعقله أسئلةٌ كثيرة وأزمةٌ وجوديّة وروحه استشعارٌ وتوقٌ لمجهول سيقضي فترة ما بعد وفاته في استكشافه.

إخراج ديفيد لاوري حميميٌّ حُرّ، من الصعب إيجاد لقطةٍ تُشعرك أنها مخططة الطول وسط كل هذه اللقطات الطويلة المتأملة، يبدو الأمر كما لو أنه لا ينتظر حدوث أمرٍ مُعيّن سواءً انتهاء فترة زمنية أو القيام بفعل أو حركة مُعيّنَين لإيقاف التصوير، ينتظر أن يُحس أن هذه اللحظة المناسبة، ليست المناسبة للانتقال إلى التالي أو انتهاء ما سبق، وإنما المناسبة لإنصاف الحالة الخاصة التي كانت ولا تزال أساس المشروع، لإنصاف الجزء الذي يقوم بتصويره منها، مما جعل إيقاع الفيلم يولد عضويًّا خلال المونتاج الحريريّ الذي لا يُمكن أن يقوم به إلا لاوري، والذي كان حرفيًّا كوضع النقاط على الحروف، فجأة وجد لاوري ساعةً ونصف انسكبت فيها حالته وجميع تساؤلاته المرافقة لها تتدفق بشكلٍ مثاليٍّ يجعله يتشارك ما اختبره مع الملايين، فجأة وقع كل شيء في مكانه الصحيح، من فكرة الملاءة التي ستُثير السخرية في الحالة الطبيعية وما ملكتهُ هنا من أثرٍ يملك القلب والروح ويستقر في الذاكرة، إلى اللقطات المستغرقة دون قيدٍ إلا الحس، وما أجمله من قيد، إلى شكل إطار الصورة المُضيف للخصوصية وحالة الضياع الناتجة عن أسرٍ غير مفروض، إلى رحلة بطليه عبر الزمن، الشبح والمكان الذي يُقيم فيه الشبح هُم بطليه.. رحلةٌ مثاليّةٌ كاملة من عمق اللاوعي إلى الوعي.

أداءات رائعة من كيسي أفليك وروني مارا، كليهما يجعلان خيار الاستغناء عن الحوار في معظم الأحيان مُضيفًا لجماليّة الفيلم، فقط تأمل هذين الوجهين، وبالنسبة لـ أفليك تحت الملاءة، ليس أقل تأثيرًا على الإطلاق، وذلك بفضل – بالإضافة لموهبته الكبيرة – تصميم عبقري للزّي من أنيل برودور قفز فوق كل الانطباعات المسبقة بخفة مثيرة للإعجاب. مع تصويرٍ مُشبِع جمالًا وحالة من أندرو دروز باليرمو تحس معه أنك ما كنت لتُريد للصورة أن تحوي ورقة شجرٍ إضافية ولا أن تُنقَص ورقة شجر، وموسيقى مُهيبة رائعة من دانييل هارت تحرص على أن لا يبقى في وجدانك ما لا يحتويه الفيلم.

حاز على 4 جوائز ورُشح لاثنتَين آخرتين. حتى الآن.

لا أنصح بمشاهدة تريلر A Ghost Story ، من المهم أن تُشاهَد كل لحظة في الوقت المناسب.

Cemetery of Splendor

“الواقعية السحرية”

السنة 2016
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج أبيشاتبونغ ويراسيثاكول
المدة 122 دقيقة (ساعتين)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من إيحاءات جنسية صريحة
الإرشاد العائلي (أميركي)  Unrated
اللغة التايلندية
تقييم IMDB 6.9

قد لا يتفق الكثيرون على ما يأخذونه معهم من معلومات بعد انتهاء هذا الفيلم، لكن من السهل جدًّا أن يتفقوا على جاذبية التجربة وحالتها الحلمية التي تجعل تلبيتك الدعوة المفتوحة منذ بداية الفيلم للانضمام لتلك الحالة شبه مؤكدة.

لمحة عن قصة Cemetery of Splendor
في بلدة على ضفاف نهر ميكونغ في شمال تايلندا، وفي مدرسة سابقًا ومستشفى حاليًّا لاستقبالها الكثير من الجنود الذين أصيبوا بمرض نومٍ غريب، تعمل جينجيرا (جينجيرا بونغباس) كممرضة، والتي نرافقها عبر تجاربها الروحانية والحسّيّة في تلك البلدة ومع هؤلاء الجنود.

كتب التايلندي أبيشاتبونغ ويراسيثاكول نص الفيلم، بتوصيف بعض الصور من ذاكرته – سواءً كانت من أحلامٍ أو من ذكرياتٍ أو من خيالات – وضمها دون قيد، فقط ترتيبٌ يُعنى بالحالة والثيمات وانسجام استكشاف تلك الثيمات، مع شخصيات تتفاوت مساحتها حسب تكرار ظهورها في تلك الصور لا حسب مركزيتها كأبطالٍ للقصة غير الموجودة تقريبًا، وحواراتٍ قليلة تتكامل وتلك الصور.

إخراج أبيشاتبونغ ويراسيثاكول يشعرك أنه عائدٌ حديثًا من رحلة رياضة روحية جعلته يقدر أدق تفاصيل الحياة حوله أكثر، سواءً الملموسة أو تلك المرتبطة بالروحانيات ذات الصلة بالتاريخ أو بالثقافة الشعبية أو بكليهما، لذلك يتأمل باستغراقٍ وحب وكأنه يرى ما يمر به لأول مرة، دون أن يخلو الأمر من لحظاتٍ يقوده فيها التأمُّلُ إلى مساراتٍ مظلمة كانت ضمن أهداف عودته في المقام الأول. كاميرا ويراسيثاكول لا تطفو، لكنك تفعل، لذلك غالبًا ما يترافق الحديث عن عمل ويراسيثاكول هذا بأثر التنويم المغناطيسي، كاميرا ثابتة راصدة، واقع بالكامل، سحر بالكامل، شريط صوت يضم تفاصيل المحيط بحس عالي وشغف، ماضٍ وحاضر في اللحظة ذاتها، وبتقاطعاتٍ بين الحلم والكابوس المتنكّر كحلم يُربّت على كتف النائم في الوقت الخطأ برفقٍ كي يصحو.

لم يكن مطلوبًا من الممثلين تلك الأداءات بقدر ما كان مطلوبًا فهم أسلوب ويراسيثاكول، وفي هذا قام الجميع بواجبهم على أكمل وجه. مع تصوير دقيق حسّاس لالتقاط أكثر الصور واقعيةً وأكثرها سحرًا لمنح الفيلم حالته الخاصة من دييغو غارسيا.

حاز على 6 جوائز ورُشّح لـ 15 أخرى أهمها جائزة نظرة ما في مهرجان كانّ.

تريلر Cemetery of Splendor

Phantom of the Paradise

“لعشاق القراءة والموسيقى والسينما!”

السنة 1974
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج برايان دي بّالما
المدة 92 دقيقة (ساعة و32 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من رعب دموي
الإرشاد العائلي (أميركي) PG
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.4

هذا الفيلم سار في الاتجاه المعاكس، وعى الجماهير قيمته قبل النقّاد الذين هاجموه وقت صدوره، ليبدأوا بعد سنوات باستيعاب الجرعة المكثفة من الفن والاحتفاء بالفن ومختلف الأنواع السينمائية التي قدمها برايان دي بّالما فيه، خلال ساعة ونصف. الاحتفاء ذاته الذي سيصبح محل إعجاب في أعمال تارانتينو بعد عشرين عامًا تعلم خلالها نقاد Phantom of the Paradise من خطئهم متأخرين.

وينسلو ليتش (ويليام فينلي) موسيقيٌّ مؤلّفٌ وعازفٌ ومغنٍّ على وشك إنهاء عمله على قصة موسيقيّة غنائيّة مستندة إلى أسطورة فاوست الألمانية التي يبيع بطلها روحه للشيطان، يقدّم مؤلفاته لمنتجٍ موسيقيٍّ يُسمى “سوان” (بول ويليامز) في مقابل وعدٍ زائف تقوده معرفة حقيقته إلى طرقٍ مظلمة لاسترجاع ما سُلب منه.

كتب برايان دي بّالما نص الفيلم، بإتقانٍ قارب الذروة لما بدأه في تجاربه السينمائيّة الأولى، فهنا، لم يتخل عن حرية الذهاب لأي ميدانٍ يريد استكشافه، رؤيته لـ فاوست، ولعُه بصورة دوريان غراي المرسومة بكلمات أوسكار وايلد، إثارة ظلامية حكاية “شبح الأوبرا” الذي لم يتوقف عن زيارة السينما بين فترةٍ وأخرى بحلةٍ جديدة وتقديره لزياراتٍ محددةٍ له، الموسيقى التي كانت دافعه الرئيسي لكتابة النص حين سمع في أحد المصاعد إحدى روائع البيتلز وفوجئ بانعدام تقدير الأغنية لدرجة استخدامها بهذا الشكل، فردية الفنان في وسطٍ يُجرّم الفرديّة، العرفان بالجميل لبعضٍ من أهم روائع الرعب والجريمة وصناعها بين “كابينة الدكتور كاليغاري” وروبرت فاينه، “لمسة شر” وأورسون ويلز، إلى “سايكو” وألفريد هيتشكوك. لكن رغم كل هذه الحرية، تنسجم جميع النقاط والخطوط بسلاسة وتضيف كلٌّ منها للأخرى وترتقي بأثرها، مشكّلةً بالفعل قصةً واحدة لا يثقلها الغنى بل يزيد من جاذبيتها وحب العودة إليها أكثر من مرة، خاصةً مع شخصياتٍ استثنائيّة تُحب صحبتها الذاكرة بغرابتها وظلاميتها واستثارتها للفكر، وحواراتٍ جذّابة، السوداويُّ منها والدّيبّالمي السخرية.

إخراج برايان دي بّالما طاقةٌ معديةٌ مُذهلة، يتحرك بخفة بين الموسيقي الغنائي والرعب والكوميديا والفانتازيا، بين السوداوية وتدفّق الشّغف والعاطفة الذي سيفطر قلب كل مبدع، وبين احتفاءٍ عبقري التوقيت والانسجام بفن أحد صناع السينما الذين يحترمهم وآخر. ألوان كلاسيكيات الخمسينات والستينات الغنائية مع تعبيريّة رعب السينما الألمانية وروبرت فاينه ترسم القصة المصوّرة لتشويه بكريّةِ فنٍّ وروح مبدعه، في عالمٍ غرائبيٍّ باذخ يمنح القصة حالةً خاصّةً وأجواءًا فريدة، وتتسلل إليه سخرية دي بّالما في ملامح تشوُّه ذاك العالم، مختارًا دومًا الزاوية الأمثل للمس كل هذه التفاصيل وتكثيف أثرها، خاصةً بقدسية تقديمه للشخصيات ولحظات الانعطاف في تطورها، من اللقطة الدائريّة المحبة للشغف الذي تلتقطه في ظهور وينسلو الأول مع البيانو على المسرح، إلى هدوء رصد لحظات اكتشافه لحقيقة الوعد، تحول الكاميرا للحاق بثورته بتوتُّرٍ حركي ومونتاجي، العودة إلى الهدوء مع تسلل الظلامية إليه لجعله منذرًا بما يستحق الترقُّب، ثم رصد الجنون بجنون في نهايةٍ ملحميّة.

أداء رائع من ويليام فينلي لَم يكتفِ بكون ملامحه تجعله الخيار الأمثل (فمن يُمكن لإحدى عينيه أن تملك السلطة التي ملكتها عين فينلي هنا)، بل أفاد من إتقان رسم الشخصية ولحظات تطورها التي تقود لمنعطفات حادّة لجعل شخصيته الأكثر حقيقيّةً في عالمٍ فانتازيّ الشكل، أداء لا يقل عنه من بول ويليامز بطريقة كلامه ولكنته يجعل الهالة التي يضيفها دي بّالما على ظهوره مُستحقّة، وأداءات ممتازة من باقي فريق العمل مفيدة من كل فرصة وخاصةً جيسيكا هاربر التي استطاعت أن تكون آخر ملامح الجمال في هذا العالم.

تصوير جعل التعاون السينمائي الوحيد هذا بين دي بّالما ومديره لاري بّايزر لا يُنسى بحركته المضبوطة حتى في لحظات جنونها والألوان الساحرة وعدم تفويت أي لحظة تميُّز في الأداءات، تصميم إنتاج قوي الحضور في أثر التجربة من جون فيسك، وموسيقى وصلت من الروعة لحد اعتبار البعض أن مبدعها بّول ويليامز هو المؤلف الثاني للفيلم، خاصةً بأثرها الجوهري في خلود العمل ونمو قاعدة المهووسين به عبر أربع عقود، دورها في ضبط الإيقاع، وجعلها شريط الصوت يروي القصة بصوتٍ واحدٍ مع الصورة مما أنتج ساعة ونصف يصعب تصديق أنها مضت حين تمضي.

حاز على 3 جوائز ورُشّح لـ 5 أخرى أهمها الأوسكار لأفضل موسيقى تصويرية.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Phantom of the Paradise لما فيه من حرق لأحداثه.

غذاء الروح في أجمل أفلام الريف

قيل: “غذِّ روحك على الفن والطبيعة، عش في ضوء الشمس، وأحب في ضوء القمر”، ومع هذه الأفلام أقدم لكم الغذاء، ويبقى أن تعيشوا وتُحبّوا.

الفيلم الأول:

The Spirit of the Beehive – Victor Erice

سألني صديقٌ مرّة: “هل ترى السينما حاجةً بشرية؟”، وهذا الفيلم جواب سؤاله، فيلمٌ ينفض غبار الزمن عن روحك حتى تعود روح طفل، وما أن ينتهي تُمزِّق قلبك معرفة أن روحًا كتلك لا تصلح لسكنى جسدٍ كجسدك بعقلٍ كعقلك، إلا خلاله، وتتأكد أنك بحاجةٍ للسينما، لهذا الفيلم على الأقل.

في أحد القرى الإسبانية عام 1940 بعد نهاية الحرب الأهلية وتولي الدكتاتور فرانشيسكو فرانكو السلطة، يصل فيلم “Frankenstein” لـ جيمس ويل إلى دار عرض القرية، مشعلًا الفضول والحماس في نفوس صغارها، ومن بينهم الطفلة ذات السبع سنوات آنا (آنا تورنت)، جاهلةً أن فضولها سيقودها لتجربة رعبٍ وألمٍ يصعب فهمه ستغير حياتها.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأحداثه.

الفيلم الثاني:

The Color Purple – Steven Spielberg

“يمكنني رؤية عيوبه الآن بسهولةٍ أكبر من حين اخترته كأفضل فيلم لعام 1985، لكن يمكنني أيضًا فهم سبب تأثيره العميق بي، وسبب أن عظمة بعض الأفلام لا تعتمد على كمالها أو منطقها، وإنما على قلبها”، هذا ما قاله روجر إيبرت حين ضمن رائعة ستيفِن سبيلبرغ هذه والمرشحة لـ 11 أوسكارًا في قائمته لأعظم الأفلام بعد قرابة عقدين من صدورها، ورويها قصة أفريقيّةٍ أمريكية جنوبيّة تسعى لإيجاد هويتها بعد تعرضها للاضطهاد من قبل أبيها وغيره، على مدى أربعين عامًا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

Legends of the Fall – Edward Zwick

يمكن اقتباس ما قاله إيبرت عن الفيلم السابق هنا أيضًا، قد لا يكون إدوارد زويك ذاك الراوي السينمائي الثّوري، لكنه بلا شك يحب ما يفعل، ويعلم كيف ينقل هذا الحب بنسب نجاح متفاوتة، بلغت هنا إحدى ذراها، مع براد بيت، أنتوني هوبكنز، وحكاية عائلة من أبٍ وأبنائه الثلاثة مع الخيانة، التاريخ، الحب، الطبيعة، والحرب.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

Sunset Song – Terrence Davis

“قال رالف فون ويليامز عن سيمفونيته الرابعة: ‘لا أعلم إن كانت تعجبني، لكنها ما عنيته’، وأعتقد أن عليك التحلي بذلك. عليك التحلي بهذه الأمانة”، قالها والتزم بها البريطاني تيرانس ديفيس، وهذا ما كلّفه 18 عامًا من الانتظار للإتيان بالإقتباس السينمائي الذي يرضاه لأحد رواياته المفضّلة.

في بدايات القرن الماضي تعيش كريس (آغنيس دين) مع أبيها المزارع الاسكتلندي وأمها وأخيها، وسط أجواءٍ يغلب عليها التوتّر وسطوة الأب، ويروي الفيلم رحلة كريس المراهقة في زمنٍ كهذا ومنزلٍ كهذا حتى تصبح امرأة.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأحداثه.

الفيلم الخامس:

A River Runs Through It – Robert Redford

يحكي الفيلم قصة عائلة ماكلين الريفية التي تعيش في مونتانا في أمريكا، المؤلفة من أب قسيس وصياد سمك ماهر (توم سكيريت)، زوجة وأم محبة (بريندا بليثين)، وابنين يجمعهما عشق الصيد في أنهار مونتانا، ويميز كل واحد منهما عن الآخر قدر التزامه بالقواعد، فـ نورمان (كريج شيفر) يجد الراحة في ذلك الالتزام وتلك القواعد، أما بول (براد بيت) لا يهنأ له عيش إلا بكسرها، وللأخوين وأبويهما قصة مع الحياة والزمن يرويها لنا نورمان.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم السادس:

The Yearling – Clarence Brown

في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، يعيش الطفل جودي (كلود جارمان جونيور) الممتلئ بالفضول تجاه الطبيعة والولع بها الغضّين مع أبيه بيني (غريغوري بيك) وأمه أوري (جين وايمان)، متمنيًا أن يصادق أحد أبناء تلك الطبيعة، وأمرٌ ما يقع يسهل عليه أمر أن يكون ذاك الصديق غزالًا صغيرًا، لكن ليس بقدر ما قد يتمنى من سهولة.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

Wonder Woman

“تذكيرٌ ضروري بأسباب بحثنا عن بطلٍ خارق”

السنة 2009
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج باتي جينكنز
المدة 141 دقيقة (ساعتين و21 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) PG-13
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.8

جاء أبطال دي سي في البداية كاستجابة طفولية للحماس غير المسبوق الذي قوبل به أبطال مارفل، استعجال وتدخلات مكثفة ومبالغ بها من قبل المنتجين في كل تفصيل من عملية صناعة الفيلم تُجرّد المخرجين من رؤياهم أو تأتي بمخرجين لا يملكون تلك الرؤيا أساسًا لتسهل قيادتهم. لكن يبدو أن الطفل المتسرع بدأ يكبر ويراقب صديقه المحظوظ المحبوب، بدأ يلاحظ طريقة وصول صديقه مع من حوله إلى تسوية أو ما قد يظنونه تسوية في حين يبقى هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة. والدليل على ذلك اختيار بّاتي جينكينز التي كانت بدايتها بميزانية قدرها 4 ملايين ونصف، لإخراج فيلم بميزانية تبلغ 150 مليونًا بعد قرابة عقد ونصف من تلك البداية ودون أي تجربة سينمائية بينهما، باتي لم تُختر لاسمها أو لرصيدها، اختيرت لامتلاكها الرؤيا التي تُجسّد أفضل تسوية ممكنة، لا كثير من المغامرات، فقط حُسن إدراك لفكرة البطل الخارق، لكيفية خلق الحاجة إليه، وكيفيّة إشباع تلك الحاجة، رُبّما يبدو هذا بسيطًا، لكن عندما تشاهد Wonder Woman سُتدرك كم اشتقنا لذاك الإدراك البسيط.

ديانا (غال غادوت) أميرة الأمازونيات اللواتي بُعثن إلى الأرض لإحلال السلام الذي دمره البشر بتحريضٍ من أريس إله الحرب، تُستثار بما تعلمه عن حال البشر بعد مقابلتها لأحدهم، وتقرر تحقيق ما خُلق قومها من أجله.

عن قصة ويليام مورتون مارستون أعد زاك سنايدر، جيسون فوكس، وآلان هاينبرغ نص الفيلم وكتب الأخير نصّه، تاركين فراغاتٍ مخيّبة في كل قسم وكل شخصية بأخذ الإمكانيّات التي استغلوا بعضها بعين الاعتبار، فتستبشر ببدايتهم على الجزيرة لتجد الاستعجال الذي يقفز إلى النتائج يسارع لإيقاف البُشرى، لكنه لا يؤثر لحسن الحظ على شخصية بطلتهم التي تمنحهم طبيعتها مرونة كبيرة أحسنوا تقديرها في أغلب الأحيان لصالح بعض الكوميديا، وبشكل رئيسي لصالح عملية اكتشاف طبائع البشر. كذلك الأمر لكن بشكل معكوس في حالة شخصية ستيف الذي يُقدَّم فَرْضًا تقليديًّا بينما يتطور فيما بعد لشخصية تستحق الاهتمام، أمرٌ لا يجمعه بالشخصيات الثانويّة التي تبدأ وتنتهي هشّة، لكن يبلغ الفرض أقصاه وأكثر لحظاته استسهالًا في تحديد أطراف الحرب. والذي لم يمتد لحسن الحظ إلى اختيار العدوّ، والذي وإن لم تخل المواجهة معه من تقليديّة فقد أُحسن اختيار ما سبقها ويقود إليها وبعض الحوارات ضمنها بحيث لا يكون أثرها تقليديًّا.

إخراج بّاتي جينكينز مليء بحماسها للمشروع الذي حلمَت به طويلًا، استعراضات قتالية لا يُفقدها تصميمها شبه الراقص ملحميّتها بل يُضيف للمتعة، ولعٌ بنجمتها يُفيد من جاذبيتها، تقدير للحظات التميُّز الأدائيّ، والأقوى أثرًا من كل ما سبق هو فهمها لما يجعلنا نأمل بوجود البطل الخارق والذي يجذبنا لتلك القصص، ما يجعله بطلًا ولماذا يجب أن يكون خارقًا، فهمٌ يبلغ ذروته في متوالية الأرض المُحرّمة الحابسة للأنفاس، لا شك أننا لم نشهد ولادة بطلٍ خارق بهذا الزخم منذ سنين.

أداء متميز الحضور من غال غادوت ناتج عن اختيارها الذكي في المقام الأول، ببنيتها ومناسبة ما تستطيعه مع المطلوب منها، ثم عن اجتهادها لجعل اجتماع ذلك مع شخصيتها يبلغ قمة الانسجام، مع أداء ممتاز من كريس باين يضيف للأثر الحسّي، أداءات جيدة من باقي فريق العمل، وموسيقى مناسبة وإن لم تضف الكثير من روبرت غريغسون-ويليامز.

تريلر Wonder Woman

The BFG

“أولئك من لا يؤمنون بالسحر، لن يجدوه أبدًا”

السنة 2016
تقييم أفلام أند مور 7/10
المخرج ستيفن سبيلبرغ
المدة 117 دقيقة (ساعة و57 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) PG
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.4

لكاتب الرواية التي اقتُبِست في هذا الفيلم أربعة أعمال في قائمة مجلة “School Library Journal” لأفضل 100 رواية للأطفال وهي من بينهم، أكثر من أي كاتب آخر. ومن أجل اقتباس تلك الرواية عادت قلب الطفولة الكبير وكاتبة النصوص المبدعة ميليسا ماثيسون من تقاعدها لصعوبة مقاومة دفء وسحر ما قرأت، وعاد ستيفن سبيلبرغ من جولاته التاريخية الحربية في الأفلام الثلاثة الأخيرة إلى عوالمٍ قلما وُجد من ينافسه فيها والتي ترتبط بذكريات قراءته القصص لأطفاله. الكثير من الحب هنا، الكثير من الطفولة.

صوفي (روبي بارنهيل) فتاةٌ يتيمة تُعاني من صعوبةٍ في النوم، تقوم في أحد الليالي بكل ما لا يفترض عليها فعله لتكون النتيجة اختطافها من قبل عملاقٍ (مارك رايلانس) يسكن أرضَا بعيدة ويزور البشر ليلًا لأسبابٍ مجهولة. لكن ربما هذا ليس أسوأ ما قد تمر به، ربما يكون الأفضل.

عن رواية روالد دال كتبت ميليسا ماثيسون نص الفيلم، مانحةً تركيزها الكامل للعلاقة الرائعة بين الطفلة والعملاق، ولشخصية العملاق تحديدًا اهتمامًا تفصيليًّا تستحقّه ونطلبه، أمرٌ لم يمتد للأسف لباقي العمالقة رغم امتلاكهم ما يؤهلهم ليتحولوا إلى شخصيات كلاسيكيّة صاحبة عبارات ومواقف كوميدية لا تُنسى، لكن جزءًا لا بأس به من ذلك تم تعويضه بخفة ظل طبيعة شخصية العملاق ومعجمها الخاص وميلها الطفولي للحصول على البهجة بطرق غريبة.

إخراج ستيفن سبيلبرغ حديث العهد بأساليب العمل في أفلام مماثلة يُبدع في توظيف تلك الأساليب، من الشغف المُعدي باستعراض العلاقة، إلى روعة توظيف المساحات المعتنى بتفاصيلها التي خلقها فريقه والحرص على الحصول على أكثر التعابير والانفعالات واقعيةً بالإفادة من إمكانية دمج صور أبطاله الحاسوبية وصور ملامحهم الحقيقية، إلى عنايته في اختيار أصحاب تلك الملامح وتوجيههم وخاصةً مارك رايلانس الذي يُعتبر السبب الرئيسي لخروج هذا العمل إلى النور بعد 25 عامً من الانتظار، وذلك بما رآه منه سبيلبرغ في الاستراحات بين لقطات “Bridge of Spies” من روحٍ تلامس القلب عرف أنه بها وجد بطل فيلمه. لكن بكون سبيلبرغ يدخل ميدانًا جديدًا بعد أكثر من نصف قرن من العمل في صناعة الأفلام لا بُد أن يُفقده ذلك بعضًا من السلطة التي اعتادها على المُنتج النهائي، وما فقده هنا السلطة على الخلفية، على كيفية بث روح عمله فيها والإفادة منها، مما نتج عنه بعض الجفاف حيث قد نتوقع العكس.

جفافٌ يفقد الكثير من أثره السلبي بحيوية أداء مارك رايلانس وغناه الحسي الآسر، عملاق رايلانس بريء، مفعم بالعاطفة، خفيف الظل، بسيط في رؤيته لما حوله، ومُخلصٌ وصادقٌ في استجابته لبساطة ما يرى، وهذا بالإضافة لحماس وفضول روبي بارنهيل يُشكّل ثُنائيًّا تصعب مقاومته. مع تصوير مُتقن كالعادة من يانوش كامينسكي، وموسيقى قد لا تكون أفضل أعمال جون ويليامز لكنها تليق باسمه.

حاز على جائزتين ورُشّح لـ19 أخرى أهمها بافتا تصويت الأطفال لأفضل فيلم.

تريلر The BFG

Stephen King’s It

“عندما تكبر تكف عن التصديق”

السنة 1990
تقييم أفلام أند مور 7/10
المخرج تومي لي والاس
المدة 192 دقيقة (ثلاث ساعات و12 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب الرعب والدموية
الإرشاد العائلي (أميركي) TV-14
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.9

لم يجد تومي لي والاس جديدًا في ما تمحورت حوله الانتقادات لاقتباسه التلفزيوني لرواية المُرعب الكبير ستيفِن كينغ، عَلِم بوضوح محدودية الميزانية الذي وصل في النهاية لما يستحيل تداركه، عَلِم أن تجنبه قراءة الرواية قبل صناعة الفيلم لم يكن الخيار الأفضل لما تحمله من غنًى وإلهام كانا سيرتقيان بعمله، لكنه علم أيضًا أن لديه تيم كَري، وأنه باستغلال ما سكن ملامحه من روح ستيفِن كينغ الظلاميّة قادرٌ على صُنع كابوسٍ لا يُنسى.

طفلةٌ تُقتل بوحشيّة، وصورةٌ في مسرح الجريمة عمرها 30 عامًا، وسبعُ أصدقاءٍ تجمعهم ذكرى تلك الصورة، الذكرى الدمويّة، والتي تحمل معها وعدًا يتطلّب اجتماعهم مرةً أخرى لمواجهة صانع تلك الذكرى، لمواجهة المهرّج الرّاقص بّيني-وايز (تيم كَري).

كتب لورنس د. كوهين وتومي لي والاس نص الفيلم، مواجهَين بالطبع صعوباتٍ كبيرة في اختيار ما سيبقى وما سيُعدّل وما سيُتخلّى عنه من الرواية البالغ طولها 1138 صفحة بحيث تكون النتيجة متماسكة وقائمة بذاتها، ولا يمكن القول أنهما حققا ذلك، لكنهما اقتربا بدرجةٍ جيدة في القسم الأول بتقديم شخصيات الأطفال وبناء علاقاتهم ودخول بيني-وايز حياتهم، وبدرجة مقبولة في أحسن الحالات في القسم الثاني الواضح الفجوات والفاقد للاهتمام بالعلاقات الذي يميز الأول، مع اختيارات مضطربة للنهاية.

إخراج تومي لي والاس مُجتهد في ابتكار ما يجعل الشعور بعدم الارتياح لا ينتظر لحظات الرعب بل يسبقها ويضيف إليها ويستمر بعدها، باللقطات الطويلة، المستكشفة، المتتبّعة والمُطارِدة، لكن ليس دائمًا، وإن كان من الصعب لومه بشكلٍ كامل على ضعف المؤثرات البصرية حتى بمقاييس وقت صدور الفيلم لمحدودية الميزانية خاصةً في النهاية التي قام بتصويرها غير راضٍ عنها لضيق الوقت، لكن يمكن لومه على إدارةٍ مضطربة لممثليه أتت بأفضل النتائج مع الأطفال وكانت شبه غائبةٍ مع الكبار، مع عدم إنكار حسن استغلاله لعبقرية مهرّجه.

أداء رائع يسهل تصديق أن باقي الممثلين كانوا يتجنبون صاحبه في موقع التصوير لتقمّصه الشخصية بشكلٍ مُقلق من تيم كَري، والذي برؤية نتيجة رفضه للمبالغة في المكياج الذي سيحجب ملامحه يمكن القول أنه قام بأحد الأدوار التي خُلِقَ لها، ما قدمه كَري هو الشيء الوحيد الذي تحدّى الزمن هنا. وفي حين رافقته أداءات بين الجيدة والممتازة من الأطفال وخاصةً جوناثان برانديس وبراندون كرين، أتت أداءات الكبار بمعظمها مصطنعة باهتة الأثر. مع تصوير مُتقن من ريتشارد ليترمان، وموسيقى مضيفة للحالة من ريتشارد بيليس.

حاز على 3 جوائز أهمها برايم-تايم إيمي لأفضل موسيقى تصويرية لمسلسل قصير، ورُشّح لجائزتين آخرتين.

تريلر Stephen King’s It

Bab’Aziz

“عُد لتغمُر جسدي بالرّمال”

السنة 2005
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج ناصر خِمير
المدة 96 دقيقة (ساعة و36 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة الإيرانيّة، العربيّة
تقييم IMDB 7.6

“الصحراء مجالٌ أدبيّ ومجالٌ للتجريد في الوقت ذاته. إنها أحد الأماكن النادرة التي يتلاقى فيها المتناهي في الصِّغَر كحبّة رمل مع المتناهي في الكِبَر ككثيبٍ مكوَّنٍ من بلايين الحبات، وفيها أيضًا يمكن للإنسان تقدير حجم الكون. الصحراء تستثير اللغة العربيّة الحاملة لذاكرة جذورها، في كل كلمةٍ عربيّة هناك حفنةٌ من الرمل المتدفّق، وهي المصدر الرئيسي لأشعارِ الحب العربيّة. في كلٍّ من أفلامي الثلاثة، الصحراء شخصيةٌ بحد ذاتها”، هكذا يرى ناصر خمير الصحراء، وهكذا ستراها بعد مشاهدة ثلاثيته التي جعل مسك ختامها هذا الفيلم المُهدى إلى والحامل لـ روح والده.

بابا عزيز (بارفيز شاهينخو) درويشٌ (الدراويش هم زُهّاد بعض الطرق الصوفية شديدي الفقر والمتقشّفين عن اقتناع وإيمان. وهم يعيشون على إحسان الآخرين زُهدًا بامتلاك أيّ أملاك مادية) عجوزٌ أعمى يطوف الصحراء مع حفيدته إيشتار (مريم حميد) باحثًا عن المكان الذي سيجري فيه اجتماع الدراويش الذي يتم كل 30 عامًا مرّة، لا يهتدي إلّا بقلبه وإيمانه، ويغذي حماس حفيدته للمسير برواية قصّةٍ لا تلبث أن ترافقها أخرى ثم أخرى بما يصادفانه على الطريق.

كتب ناصر خمير نص الفيلم، بالاشتراك مع من عمل مع ثيودوروس أنجلوبّولوس، أندريه تاركوفسكي، ميكلأنجلو أنطونيوني، وفيديريكو فيلّيني من بين أعلام آخرين، السيناريست الإيطالي الكبير تونينو غويرا، مُعتمدًا بُنيةً وأسلوبًا أبسط وأقل غنًى ممّا قدّم سابقًا، بخطوطٍ قليلة واضحة الرسم والتلاقي لا تذوب في اجتماعها رغم إثبات خمير قبل ذلك قدرته الاستثنائية على خلق انسجامٍ ساحر مهما كثُرت العناصر وتعقّد تشابكها. ربما كان ذلك بسبب سعيه لتضمين تعليقات سياسيّة لإيمانه بأن ذلك واجبه. لكن في جميع الأحوال يبقى خمير، القاصّ الكبير بمختلف الوسائل، وتبقى حواراته حاملةً لشغفٍ وروحانيةٍ واطّلاعٍ لا يُكتفى منهم.

إخراج ناصر خمير كعادته يُسكر العين والروح باستعراضاته لسِعَة وسحر الصحراء، ويفيد منها لتشكيل روح قصته، آخذًا ثنائيته المعهودة من بالغٍ وطفل إلى أروع ما وصلته من الحميمية والتكامل والقرب إلى القلب، مستغلًّا لتحقيق ذلك تراكم خبرته في إدارة ممثليه، ليجعل تعلقنا بهم هو المسؤول الأول هنا عن ضبط الإيقاع.

أداءات ممتازة من بارفيز شاهينخو والطفلة مريم حميد، وطبعًا غُلشيفته فراهاني بمرورها لطيف الأثر، تصوير رائع بثقة وتأمليّة بصيرة بابا عزيز في الجمال من محمود كالاري، يرافقه موسيقى صوفية لا تخطئ الروح من أرماند أمار ليصبح اشتياقك إلى مسيرٍ هادئٍ في عرض تلك الصحراء محتومًا.

حاز على 3 جوائز أهمها جائزة ذكر خاص في مهرجان نانت للقارّات الثلاث في فرنسا، ورُشّح لجائزة أخرى.

تريلر Bab’Aziz :