أفلام البحث عن الحقيقة التي تقود أنت بها البحث

أفلام الغموض الجيدة لا تقدم بالضرورة “نهايات غير متوقعة”، حالة الغموض بحد ذاتها تثيرنا، عندما تكون جالساً مع أصدقائك وواحدٌ منهم يهمس في أذن الآخر يصبح أحد أهم أهدافك في الحياة معرفة ما دار بينهم، وكلما زاد الأمر صعوبةً كلما زاد إثارةً، فإن كان يستحق العناء شعرت بلذة النصر، وإن كان لا يستحق تمنيت لو لم تعرفه واستمرت إثارة الغموض، ولذلك اخترت لكم الأفلام التالية والتي لا تكتفي بقص اللغز، بل تمنحك فرصة المشاركة في حلِّه وعيش الحالة التي لطالما أثارت حماسك.

الفيلم الأول:

Gone Girl  – David Fincher

من الصعب جداً أن تجد من ينافس نفسه، “ديفيد فينشر” يهيمن على أبرز أفلام الإثارة والتشويق في العقدين الأخيرين، ودائماً خطوته الجديدة تكون للأمام متخطياً في أغلب الأحيان نفسه وخاصةً في كونه على قمة صناع أفلام النوع، ومقترباً من عرش “هيتشكوك”.

كقصص الفارس والحسناء تبدأ قصة حب “نيك”(بين آفليك) و”إيمي”(روزاموند بايك) التي تتوج بزواجهما، وبعد 5 سنين نجد أننا نجهل ما الذي يحتضر في تلك العلاقة الساحرة، هل هو جمال الحسناء أم فروسية الفارس، إنه عيد زواجهما الخامس لكن عندما يعود “نيك” إلى المنزل يجد بابه مفتوحاً على مصراعيه وبعض الفوضى في الأثاث ولا أثر لـ”إيمي”، وبمجيء الشرطة وتحول القصة للحدث الرئيسي لكل وسائل الإعلام يختفي باختفاء “إيمي” أي أثر لبراءته.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

The Aura – Fabián Bielinsky

يزداد إيجاد الأصالة في الأفلام صعوبةً يوماً بعد يوم، وكم من البؤس نراه على وجه آملٍ بالإتيان بما لم يؤت به من قبل في عالم السينما حين يخبره أحدُ بأن فكرته مكررة أو تكاد تكون منسوخة من أفلامٍ أخرى، خاصةً إن لم يحدث هذا عن عمد، لكن الأفلام التي شاهدها شكلت جزءاً من تفكيره، وكون أغلبها هوليوودية تسير وفق خط واحد، فتجده مهما ابتعد يبقى حول ذاك الخط، لكن الأرجنتيني “فابيان بييلينسكي” لم يفعل ذلك، والدليل في هذا الفيلم، وفيلمه السابق له، إلا أن مخرجنا الاستثنائي لم يعش طويلاً لنرى أدلةً أخرى..

“إيستيبان”(ريكاردو دارين) خبير في تحنيط الحيوانات يملك ذاكرة استثنائية مزدحمة بأدق التفاصيل، والتي يوظفها لصياغة فانتازيات إجرامية يكون فيها مرتكب الجريمة الكاملة، لكن واقعاً ما يتقاطع مع فانتازياته!

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

Tell No One – Guillaume Canet

الهارب البريء أصبح ثيمةً مشهورة مضمونة النجاح في أغلب الأحيان، فالجميع يحب رؤية البريء يستميت في إثبات براءته رغم كل ما سيقاسيه في سبيل ذلك، لأن كل واحد منا يحس بأنه ذاك الرجل باختلاف أشكال الظلم الواقعة عليه، ولذلك عند صدور فيلم من هذا النوع ينتابنا القلق من كونه لم يستغل إلا رواج هذه الثيمة، وما تبقى لا يستحق الوقت الذي سنمضيه في مشاهدته، حسناً مع “جيوم كانيه” وفي هذا العمل بالذات يمكنك أن تكون مطمئناً، فهو يحترم أدواته، ويحترمك.

“أليكساندر بيك”(فرانسوا كلوزيه) طبيب أطفال قتلت زوجته بطريقة بشعة منذ 8 سنين، لكن يظهر في موقع الجريمة جثتان لرجلين يبدو أنهما قُتِلا في وقت قريب من ذاك الوقت، ويظهر بالنتيجة أدلة جديدة تعيد فتح القضية التي كان وقتها “أليكساندر” المشتبه الأول فيها، وتتزامن هذه الاحداث مع استقباله إيميلاً مرتبطاً بزوجته قد يغير دنياه كلها، فما الذي وُجد مع الجثتين ليثير هذه السلسلة من الأحداث المتلاحقة بما فيها ظهور طرف ثالث مجهول التبعية ومجهول الهدف الذي يبدو أن طبيب الأطفال طريقهم إليه.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

Marshland – Alberto Rodríguez

قد يرى البعض أن هذا من الأفلام التي يميزها الأسلوب ولا تملك غيره لتقديمه، وقد يصح هذا إن لم يكن لأحداثه خلفيةٌ تاريخية تجعل وقعها يختلف عن وقع مثيلتها في أفلامٍ أخرى، مما يعني أن الإسباني “ألبرتو رودريغير” رأى في قصةٍ مألوفة السبيل الأنسب لعرض أفكاره ورسالته، ومن المؤكد أنك بعد مشاهدة الفيلم لن تلومه على هذا ولن يشغلك الأمر حتى!

في ثمانينيات القرن الماضي في أحد القرى في إسبانيا كثرت حالات إيجاد جثث مراهقات بعد اختفائهن بأيام، فتم استدعاء محققي جرائم قتل “خوان”(خافيير غوتييريز) و”بيدرو”(راوول أريفالو) لإيجاد القاتل، لكلٍّ منهم أسلوبه، لكلٍّ منهم قناعاته، وليس من السهل أن يعمل اثنين مثلهما سوياً خاصةً أنه لم يمر الكثير على سقوط دكتاتورية “فرانكو” والذي لا يتفق الجميع على أنه أفضل ما حدث.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

The Aura

“ثاني أفلام “فابيان بييلينسكي” وآخرها.. ومن المؤكد أننا سنفتقد صانع هذا الفيلم!”

السنة 2005
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج فابيان بييلينسكي
المدة 134 دقيقة (ساعتين و14 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) لليافعين بسبب بعض العنف
الإرشاد العائلي (أميركي) Unrated
اللغة الإسبانية

يزداد إيجاد الأصالة في الأفلام صعوبةً يوماً بعد يوم، وكم من البؤس نراه على وجه آملٍ بالإتيان بما لم يؤت به من قبل في عالم السينما حين يخبره أحدُ بأن فكرته مكررة أو تكاد تكون منسوخة من أفلامٍ أخرى، خاصةً إن لم يحدث هذا عن عمد، لكن الأفلام التي شاهدها شكلت جزءاً من تفكيره، وكون أغلبها هوليوودية تسير وفق خط واحد، فتجده مهما ابتعد يبقى حول ذاك الخط، لكن الأرجنتيني “فابيان بييلينسكي” لم يفعل ذلك، والدليل في هذا الفيلم، وفيلمه السابق له، إلا أن مخرجنا الاستثنائي لم يعش طويلاً لنرى أدلةً أخرى..

“إيستيبان”(ريكاردو دارين) خبير في تحنيط الحيوانات يملك ذاكرة استثنائية مزدحمة بأدق التفاصيل، والتي يوظفها لصياغة فانتازيات إجرامية يكون فيها مرتكب الجريمة الكاملة، لكن واقعاً ما يتقاطع مع فانتازياته!

كتب “فابيان بييلينسكي” نص الفيلم، وقدم فيه شخصيةً يكفي غموض وإثارة تفاصيلها لإبقائك مشدوداً طوال مدة دراستها الذكية عبر أحداث الفيلم، ومن تلك الشخصية تنطلق أفكار “بييلينسكي”، بكل ما فيها من أصالة وعبقرية تشغلك وتجعلك لا تفكر حتى بأن تسبق الحدث الذي لن تستطيع وإن أردت أن تسبقه، وليس لأنه يتذاكى، لأنه فقط لم يرد أن يفكر كالجميع.

إخراج “فابيان بييلينسكي” يستغل كل ما بين يديه أفضل استغلال، من أصالة قصته ليعطي أجواءاً مميزةً ومغرية لأحداثها، إلى مكان تلك الأحداث ومافيه من طبيعةٍ آسرةٍ حيناً وموحشةٍ أحياناً أخرى، إلى كون نصه لا يتبع خطاً مألوفاً فيأتيك بالصدمة ببرودٍ خبيث، إلى تميز شخصيته الرئيسية والممثل الذي يؤديها فيمنحه مساحةً ممتازة ليبدع، ويبدع هو في توظيف ذاك الإبداع ليزيد سرده عمقاً وإثارة.

أداء ممتاز طبعاً من “ريكاردو دارين” ينسب إليه جزءٌ كبير من الفضل في تميز العمل، وأداءات جيدة من باقي فريق العمل، تصوير جيد من “تشيكو فاريسيه”، وموسيقى مناسبة من “لوسيو جودوي”.

حاز على 11 جائزة، ورشح لـ7 أخرى أهمها جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان سندانس.

تريلر الفيلم:

Man Facing Southeast

“الفائدة الوحيدة للنسخة الهوليوودية هو الترويج لهذه الرائعة!”

السنة 1986
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج إليزيو سوبييلا
المدة 105 دقيقة (ساعة و45 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية وعري
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الإسبانية

لطالما عُرِفَ الأرجنتيني إليزيو سوبييلا بصنع أفلامٍ عظيمة تستثير الفكر والحس بميزانيات منخفضة، لا يحتاج الكثير بجانب أصالة فكره واجتهاده ليحدث أثرًا، وفيلمه الروائي الطويل الثاني هذا خير دليل، فيلمٌ يحترم عقلك ويجعله شريكًا في الطريق لكشف الحقيقة، ليكون ما كسبته في الرحلة أكبر مما ستكسبه إن وصلت للحقيقة، أما بالنسبة للنسخة الأمريكية التي صنعت بعد 15 عامًا فيثبت صناعها أن فكر سوبييلا وفلسفته ما زالت تسبقهم بعقود.

الدكتور خوليو دينيس (لورينزو كوينتيروس) يعمل في مستشفى للأمراض العقليه في بوينوس آيريس فاقدًا أي اهتمام أو إيمان بمهنته ومدى فاعليتها وقدرتها بالفعل على أن تعيد المرضى من العالم الذي يعيشون فيه، يومًا ما يفاجأ بظهور مريض جديد رانتيس (أوجو سوتو) لا يعلم أحد هويته ومن أين جاء وكيف دخل، وحين سؤاله يقول أنه من عالمٍ آخر لا يعرفه أهل الأرض، وأنه نسخةٌ شكليةٌ فقط عن البشر، هل هذا صحيح؟ وإن كان كذلك فكيف يمكننا التأكد من صدقه؟

كتب إليزيو سوبييلا نص الفيلم، ومن الواضح أنه لم يترك لفرحة الإتيان بفكرة عبقرية كاملة الأصالة أن تجعله يرمي بثقل فيلمه كله على الفكرة المجردة دون صياغتها بالشكل الصحيح، كما يجري في أغلب الحالات، بل اعتنى بكل تفصيل، من بناء الشخصيات بحيث تشغلنا كلماتهم وأفعالهم وتزيد من اهتمامنا لمعرفة المزيد عنهم ومراقبة خطاهم وخاصةً الشخصية الرئيسية، إلى رسم خطوط سيرهم وكل ما يمرون به بشكل لا يعطي مجالًا للاستغناء عن أي حدث فلجميعهم مكانٌ لا يبلغ الفيلم ما بلغه دونه، إلى صياغة الحوارات التي تترك صدًى لا يمكن التخلص منه بسهولة.

إخراج إليزيو سوبييلا يجعل الفيلم يشبه حوارًا مع النفس، هو لا يلقي أفكاره ولا يجيب على الأسئلة، هو يريدنا أن نفكر معه، أن نفكر بالأسئلة المطروحة وأن نسأل أنفسنا وإياه أسئلةً أخرى، لا يهم الإجابة الكاملة، الأهمية الأكبر تكمن في السؤال، في التفكير الذي يدفعنا لذاك السؤال، يخلق أجواءًا غريبةً قلقةً ومثالية لتحفيز العقل وجعل الكلمات والأحداث لا تمر مرور الكرام، ويبدع في حسن إدارة ممثليه واستغلال تميز ما قدموه.

أداء ممتاز من أوغو سوتو وأداءات جيدة من باقي فريق العمل، تصوير جيد من ريكاردو ديانييليس، وموسيقى تشكل عاملًا مهمًا في تميز كون أجواء العمل ما كانته من بيدرو أزنار.

حاز على 13 جائزة أهمها جائزة النقاد العالمية في مهرجان تورونتو، ورشح لـ2 أخرى.

تريلر الفيلم:

Jauja

“تفوقٌ بعدة عناصر فنية لا يصحبه تفوقٌ سينمائي يفترض أن يكون غايته.”

السنة 2006
تقييم أفلام أند مور 5/10
المخرج ليساندرو ألونسو
المدة 109 دقيقة (ساعة و49 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للبالغين بسبب الإيحاءات الجنسية الصريحة
الإرشاد العائلي (أميركي) Not Rated
اللغة الإسبانية، الدنماركية

 

مشاهدة فيلم تجريبي تعني أن لا تحضر نفسك لأي شيء، لا تنتظر أي شيء، لكن أعطه حقه من الانتباه ودع الحس يقودك، فصانعه قام بما قام به من جهد لصنعه ليس إلا لأنه يريد أن يقدم شيئاً يؤمن بأنه سيضيف لفن السينما، ولهذا لا يمكن التعاطي مع هذه النوعية كغيرها، فمهما كان حكمك على نتيجة الجهد يجب أن تقدره، وهنا يقدم “ليساندرو ألونسو” عملاً ذهب بالتجريب فيه إلى حد أبعد من اللازم، ربما لم تكن النتيجة بقدر الجهد المبذول لتقديم رؤياه بهذا الشكل، لكن لا يمكن إنكار أنه قدم شيئاً مختلفاً، قد يستفيد به آخرون لم يكن ليخطر لهم ما يشبهه ويقدمون اعتماداً عليه نتاجاً أغنى مما قدمه “ألونسو”، أو ربما يكون هو من يفعلها، أتمنى ذلك.

في أحد المواقع العسكرية الأرجنتينية في صحراء “بتاغونيا” في أواخر القرن التاسع عشر حين كانت تتم عمليات إبادة للسكان الأصليين، يقوم الدنماركي “غنار”(فيغو مورتينسين) بالإشراف على عملية هندسية للجيش الأرجنتيني هناك، مصطحباً معه ابنته “إنغبورغ”(فيلبجورك مالينغ آغر)، الأنثى الوحيدة في الموقع، والتي تصبح بالطبع مطمعاً، لكن يبدو أن هذه الأطماع ليست الخطر الوحيد الذي يجب أن يخشاه الأب، ويوماً ما يستيقظ ليجدها قد هربت مع أحد الجنود، فينطلق في تلك الصحراء باحثاً عن الشخص الوحيد الذي يهمه على هذه الأرض.

كتب نص الفيلم “ليساندرو ألونسو” و”فابيان كاساس”، كما لو يروون حلماً، شخصيات ضبابية تحمل معانٍ وصفات إنسانيةٍ حيناً ويصعب توصيفها حيناً آخر، ولها مساعٍ نرى ظاهرها وباطنها يقترب من السطح شيئاً فشيئاً لكنه يتطلب منك أن تقترب مسافةً مماثلة، ولا يكمل طريقه نحو السطح لنهايته، يطوعون الزمان والمكان بطريقةٍ تخدم منطق حلمهم، ويقتصدون في الكلمات معتمدين على صور “ألونسو” لتجعل لهذا الاقتصاد أسبابه.

إخراج “ليساندرو ألونسو” للأسف يجعل المتفرج يحس بمدى كون الكاميرا جماداً، يجفف صوره من كل حس وحركة، يجعل فيلمه يميل نحو كونه تجميع صور فوتوغرافية ووضعها على شريط فيديو يعرضها بتسلسلٍ معين لتشبه الأفلام، لكنها لن تكون إلا مجموعة صور ولن تكون أبداً عملاً سينمائياً، حتى الطبيعة الآسرة التي يظهرها بأروع شكل ميتة وجمالها شكلٌ لا روح فيه، ولا يعطينا فرصة الاقتراب من ممثليه بدرجة تبني بيننا وبينهم أي رابط سواءً نفهمهم من خلاله أو نحسهم.

أداءات جيدة بقدر ما ظهر منها بأخذ المسافة التي يبقيها “ألونسو” بيننا وبين أبطاله بعين الاعتبار، تصوير رائع من “تيمو سالمينين” ويحمل كل ثقل العمل، موسيقى جيدة من “فيجو مورتينسين” كانت ستخدم العمل بشكل أكبر لو لم تقتصر على ظهورين أو ثلاث.

حاز على 3 جوائز أهمها جائزة الفيبرسكي في مهرجان كان، ورشح لجائزتين أخريتين.

تريلر الفيلم:

Wild Tales

“منذ متى تمتص غضبك؟ هل فعلًا تمتصه؟ أم أنك تدَّخره؟!، في الحالتين أتاك داميان سيفرون بما سيحررك من ضغط كل ما تحملته!”

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج داميان سيفرون
المدة 122 دقيقة (ساعتين)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للبالغين بسبب بعض المشاهد الجنسية والعنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الإسبانية

ما أجمل مفاجآت كهذه تصادفها كلما خرجت من هوليوود، فتدرك حجم ما فاتك ويفوتك وسط الزخم الإعلاني للسينما الأمريكية والذي لا قبل لسينماتٍ أخرى به ولا تتقنه حتى للأسف، ومن المحزن معرفة أن فيلمًا كهذا كان من الصعب جدًّا أن يصل لأغلب مشاهديه لولا ذكر اسمه في حفل الأوسكار من بين خمسة أسماء قلما حكم وجودها تقدير الفن وحده، بالتأكيد اسم داميان سيفرون يستحق أكثر بكثير من مجرد ذكرٍ عابر، رجلٌ عرى الحضارة وكسر القيود ووضعنا في مواجهة مرآة ترينا الحقيقة كما هي وليس كما تبدو.

حينما تكون في مركز حكومي أو ما شابه وينفجر أحدهم غاضبًا لسببٍ ما متعلق بإحساسه بعدم المساواة أو بالظلم والتعب والضغط ويقوم بتصرفات جنونية تعتبره رجلًا همجيًّا وغير متحضر، حسنًا فكم عرض الخط الفاصل بينك وبين الانفجار حتى الآن؟ هل فعلًا من الصعب أن تتجاوز هذا الخط؟ هل أنت متأكد أنك لن تفعل؟، ولنفرض أنك فعلت، ولتتخيل النتيجة، من منكما همجيٌّ أكثر؟ أنت في الواقع الافتراضي؟ أم من شاهدته وصدمك سلوكه؟، هذا الفيلم المؤلف من ست قصص مختارة يروي حكاية الناس الذي عبروا ذلك الخط، وحتى الآن تكلمت بافتراض أنك لست منهم، أن الاغلبية ليست منهم، وربما أكون مخطئًا!

كتب الأرجنتيني داميان سيفرون نص الفيلم، صائغًا قصصه بواقعية تهز مفاهيم الحضارة والتحضر وتذيب الزيف الشمعي الذي يغلف حياتنا، شخصيات رائعة تجعلك تصرخ عدة مرات خلال الفيلم قائلًا “هذا أنا!”، مهللًا ومشجعًا لأفعال ستستغرب أنك مجدتها، وحوار بمنتهى العبقرية والجرأة يمس منا ما قد يشعرنا بالريبة من حجم درايته بنا يحيطه إطار من الكوميديا السوداء المجنونة فيلغي بذلك احتمال الحاجة لأية عنصر يكمل روعة هذا النص.

إخراج داميان سيفرون لا يشعرك بالوقت ويجعل لجولة المتعة ظلامًا كما النور، خفة متقنة ودقيقة في التقديم والانتقال، لا يترك لك الوقت للتفكير، لكنه يعطيك كل الوقت اللازم لذلك، كيف؟ شاهد واكتشف، الكوميديا لديه تجعلك تضحك وتغرق في الضحك من أمر تستغرب أصلًا أنه يضحكك، لكنك تضحك، فتفكر في السبب، وتصدمك الإجابة بقدر ما تسعدك وترضي شغف فكرك، بالإضافة لتوجيه رائع لممثليه ينسيك أصلًا أن تفكر بالتباين في الأداءات أو كونها بلغت ما ينبغي أن تبلغه أم لا، فكل شيء تلقائي حقيقي وفي مكانه الصحيح.

قائمة يطول ذكرها من ممثلين قدموا أداءات ممتازة عفوية وخفيفة الظل، تصوير رائع ورشيق الحركة من خافيير خوليا، موسيقى جوستافو سانتاأولايا جزء أساسي من أجواء الفيلم.

حاز على 20 جائزة، ورشح لـ37 أخرى أهمها الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي لعام 2014.

تريلر الفيلم: