أرشيف الوسم: أفلام حائزة على جوائز

حقائق قد لا تعرفها عن Dog Day Afternoon (الجزء الثاني)

عن ارتجالاتٍ تاريخيّة يُذكر بها الفيلم وما قاد إليها، تصوير مشهد المكالمة بين سوني وليون، أجواء التصوير وإدارة الجموع، نهج سيدني لوميت واهتمامه بواقعيّة الحالة والحدود التي ذهب إليها لتحقيق ذلك، نتائج سرعة عمل لوميت والتصوير بالتسلسل الزمني، ومشهدَين كانا مسؤولَين عن انضمام كلٍّ من لوميت وآل باتشينو للفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Dog Day Afternoon

لم تتوقف الارتجالات على ما أعيدت كتابته في البروفات، بل استمرت خلال التصوير بنتائجٍ رائعة. أبرزها إجابة جون كازال لسؤال آل باتشينو حول المكان الذي يرغب بالسفر إليه، لم يعلم باتشينو ما سيقوله كازال مما أنتج مفاجأةً حقيقيّة على وجهه. كذلك الاقتباس التاريخي على لسان باتشينو لإثارة الجموع “!Attica! Attica” الذي دخل قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأفضل الاقتباسات في تاريخ السينما في المركز 86، فقد كان فكرة مساعد المخرج برت هاريس التي همس بها لـ باتشينو، مما جعل ردة فعل تشارلز درنينغ في دور الملازم موريتي تلقائيّة لكونه لم يعلم ما يتوجّب عليه فعله في هذه اللحظة.

.

.

فيما يلي حرق لبعض أحداث الفيلم:

.

.

.

حتى لوميت دفع الارتجال خلال التصوير في المشهد الذي يلي إطلاق سال النار بعد ظنه أن الشرطة يتسللون من الخلف، حين يخرج سوني لتفقد الأمر ويُقابل بصراخ الملازم موريتي. اتفق وقتها لوميت مع درنينغ على الارتجال وأن يحاول دفع سوني على الفور لوضعية الدفاع، وجهّز ثلاث كاميرات لالتقاط أدنى تفاصيل النتيجة، مما يُبرّر مدى التقائيّة والارتباك لدى الممثلَين، وإن كانت على الأغلب محاولة لوميت الاولى والأخيرة من نوعها.

ويبقى الارتجال الأهم والأشهر هو المكالمة بين سوني وليون التي أعيدت كتابتها خلال البروفات وأُضيفَ إليها خلال التصوير من قبل باتشينو وكريس ساراندون. حينها أصر لوميت لأهميتها ووزنها التمثيلي على تصويرها بلقطةٍ واحدة، رغم أن بكرة الفيلم لا تستطيع التقاط أكثر من عشر دقائق والمكالمة أطول من ذلك، فثبّت كاميرا أخرى ملاصقة للأولى يتم تشغيلها لحظة انتهاء العشر دقائق الأولى. عمليّةٌ استمرّت ليومٍ كامل استغرقه تصوير المشهد. وحين قدّم باتشينو الأداء الأمثل، طلب منه لوميت الإعادة، مُستغلًّا وصول باتشينو إلى أقصى الإرهاق بتصوير المشهد ذاته ليومٍ كامل دون أي مكيف هواء، إرهاقٌ يقابل الذي يمر به سوني بعد حصاره في البنك تحت ضغطٍ نفسي وتوتّر كبيرَين وفي يومٍ شديد الحرّ لـ 14 ساعة.

وإن لم تكن أجواء تصوير المشاهد الخارجيّة حارّة، بل بالبرودة التي تجعل الممثلين يُطلقون بُخارًا من أفواههم حين يتحدّثون، مما جعلهم يضعون ثلجًا في أفواههم قبل كل مشهد خارجي. كمَشاهد التجمّعات خارج البنك التي أثنى فيها لوميت على جهود الكومبارسات المحترفين في إدارة جمع من 300 كومبارس وجعلهم يتصرّفون بالطرق الصحيحة، كما كان شاكرًا للأهالي الذين عُرض عليهم أن يقضوا أيام التصوير في فنادق بعيدة عن مكان التصوير ريثما ينتهي فاختاروا البقاء والالتزام بتعليمات لوميت حول ما قد يفعله من هم في مكانهم في ظروفٍ كهذه من طريقة التحديق من شبابيكهم بحشريّة وبله.

مساعدةٌ احتاجها مع الصعوبات التي اختارها بنفسه لخروج الفيلم بصورته الأمثل. فمثلًا، يجري هذا الفيلم في ثلاث مواقع، البنك، الشارع بجانب البنك، ومحل الحلّاق في الطرف الآخر من الشارع. في الحالة الاعتيادية يتم تصوير مشاهد الشارع في موقع حقيقي، أما باقي المشاهد ففي استديوهات مجهّزة خصّيصّا لذلك تُسهّل أمر الإضاءة والحركة وما إلى ذلك. لكن لوميت يُريد استمراريةً أكثر واقعيّة وأعمق أثرًا بالنتيجة، يُريد للداخل إلى البنك أن يصل إليه عبر الشارع لا بابٍ لموقعٍ في استديو، لذلك استمر بالبحث حتى وجد تلك المواقع وعمل على التكيُّف مع التصوير بالإضاءة الطبيعيّة بأقل الإضافات، ومع التعاون المذكور من الأهالي وصل الأمر لتصديق بعض الناس أن هذا بنك ودخولهم لفتح حسابات.

جهودٌ كانت نتيجتها انتهاء التصوير في سبع أسابيع، قبل الموعد المحدد بثلاث أسابيع، وكفاية ليلة واحدة سُمح لفريق التصوير بها في مطار كينيدي، كالمعتاد من لوميت من سرعة وساعات عمل طويلة، ورغم ذلك صوّر تقريبًا بالتسلسل الزمني للأحدث، فصحيحٌ أنه كان ينهي تصوير كافة المشاهد التي تجري في أحد المواقع الثلاثة الرئيسيّة ثم ينتقل للموقع التالي، لكن كانت المشاهد في الموقع الواحد تُصوّر بتسلسلها الزمنيّ.

ومشهدين بين كل تلك المشاهد كانا حاسمَين بالنسبة لـ لوميت وباتشينو. لوميت وافق على إخراج الفيلم من أجل مشهد وصيّة سوني ورفض فكرة كاتب النص بّيرسون بحذفه. وباتشينو أراد مشهد المكالمة أن يبرُز كأهم مشاهد الفيلم ورفض لأجله مشهدًا كان في النص يجري فيه وداعٌ مؤثر بين سوني وليون ينتهي بقبلة، مبرّرًا ذلك بأن المشهد قد يستحوذ على الانتباه الذي يجب أن يتركز في المكالمة. فكان على بّيرسون حذف الوداع.

“عليَّ أن أكرهكم، لكنني ضحكت هذه الليلة أكثر مما ضحكت في أسابيعٍ ماضية. أصبح بيننا نوعًا ما صداقةٌ حميمة”، هذا ما قاله مدير البنك الحقيقي لـ وُجتويتش وناتورال في نهاية يوم السطو الذي اقتُبِست منه أحداث Dog Day Afternoon ، بينما قالت أمينة الصندوق شيرلي بيل: “لو كانوا ضيوفي في ليلة سبت، لفاضت بالضحكات”.

Blade Runner 2049

“رائعةٌ تُكمِلُ رائعة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج ديني فيلينوف
المدة ساعتين و44 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية وعري
الإرشاد العائلي (أميركي)   R
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 8.3

أغلب الأفلام التي تحقق نجاحًا جماهيريًّا كبيرًا وقت صدورها تفشل في اختبار الزمن، والتي تجتاز الاختبار منها هي ما تصبح كلاسّيكيّات. لكن هناك أفلامٌ لا صلة لجماهيريّة ما تقدّمه بخلودها، حتى حين نرى ارتقاء مكانتها مع الزمن لا نستطيع تفسير ذلك بأنها أصبحت مناسبةً للأجيال التي تلت صدورها، لم تصبح أبسط، لم تتكرر ليسهل هضمها، ولم تعد إلى دارة الضوء للاستعانة بها في حركةٍ سياسيّةٍ ما، بل هي ببساطة انتصرت فنّيًّا. Blade Runner أحد هذه الأفلام، فيلمُ خيالٍ علميٍّ صدر في بداية الثمانينات تغلّب على كل العوائق التقنيّة الممكن تواجدها بجماليّاتٍ وفنيّاتٍ أصبحت اليوم مدرسة، بين موسيقى الكبير فانغليس، التصوير الإعجازي من جوردان كروننويث، تصميم إنتاجٍ ملأ المساحات أمام كاميرا كروننويث بالعجائب البصريّة من لورنس ج. بول، نص ينضح غنًى وحساسيّة لضخامة أفكاره من هامبتون فانشر وديفيد ويب بيبلز، أداء روتغر هاور الاستثنائي، وإخراج ريدلي سكوتّ في ذروة إبداعه ومغامرته. هذا كله لا يُمكن إعادته، لا يمكن تقليده، ومن عدم الاحترام لإرثه أي مُحاولة لشرحه وتسطيحه ليُناسب شريحةً أكبر. بهذا نستثني أي احتمالية لإعادة صنع ناجحة. كيف إذًا يُمكن أن نروي ظمأنا لجولةٍ أخرى في ذاك العالم؟، بأن يكون صانعُ الجولةِ عاشقًا آخر لـ Blade Runner، علمَ أن غنى عالمه يستحقُّ اسكتشاف زوايا جديدةٍ فيه تجعل جولته أكثر بكثيرٍ من مجرد زيارة للمحطات السابقة، تجعلها امتدادًا لما أخذنا إليه سكوتّ يُقدّم لنا نكهاتٍ فكريّةٍ جديدة واستهدافًا لمواضع مختلفة من القلب مع المحافظة على روح الأصل. عاشقٌ كـ ديني فيلينوف، ليصنع لنا فيلمًا كـ Blade Runner 2049

لمحة عن قصة Blade Runner 2049
إنه عام 2049، بعد ثلاثين عامًا من مغامرة ريك ديكارد (هاريسون فورد) مع مطاردة البشر الصناعيّين الهاربين للعثور على طريقة لزيادة عمرهم الافتراضي الذي لا يتجاوز 4 سنوات. أصبح جيل البشر الصناعيّين المتواجد الآن ذو عمرٍ غير محدّد ومُطيعٍ بقدرٍ يجعله خادم البشر الأمثل، كـ كاي (رايان غوزلينغ) الذي يقوم بمهمة القضاء على من تبقى من أجيال بني جنسه السابقة الهاربة وغير المطيعة. في إحدى مهام كاي يعثر على بقايا أحدٍ دُفِنَ بعنايةٍ فائقة، امرأةٍ توفّيت وهي تلد طفلها الأول، لكنها ليست بشرًا، هي صناعيّةٌ مثله وحملت رحمها المعجزة الأولى من نوعها، طفلٌ وليد لامرأةٍ صناعيّة، خطرٌ يُهدد بجنونٍ وحربٍ لا أحد متأكّدٌ فيها ما الذي يجعله بالفعل إنسانًا بـ روح.

كتب هامبتون فانشر ومايكل غرين نص الفيلم بمساعدة ريدلي سكوتّ، وكما ذكر كلُّ منهم، لم تكن الغاية في أية مرحلة من مراحل صناعة الفيلم بناء عالمٍ يُمكن الاستفادة منه في أجزاء أخرى أو تقديم معادلة مألوفة ما في إعادات الصنع والأجزاء، الغاية أولًا وأخيرًا كانت صناعة أفضل فيلم ممكن أن يستحق اسم Blade Runner، وهذا ما حدث. لا إعادة للقصة بحوارات أُخرى، لا عودة لشخصيات قديمة بأسماء جديدة، ولا استسهال الاعتماد على تقديم إجابات الأسئلة التي تركها الأصل. بل نتاج ولع كلٍّ من الكتّاب بالقصة على مدى العقود القليلة الماضية، كل فكرةٍ شغلتهم وأثارتهم أثمرت، وبانسجامٍ استثنائيٍّ لا يجعل الغنى على حساب الدقة وحسن الترابط والبناء. فلا نجد شخصيّةً ظهرت على الشاشة وظيفتها تنحصر في دفع حدثٍ ما أو ما شابه، كلُّ من هنا ذو تاريخٍ مثيرٍ نمر على طريقه ولنا خيار المضيِّ فيه أكثر بخيالنا وأفكارنا، محققينَ ذلك بلمسةٍ عبقريّة على مدى معرفة أبطالهم لحقيقتهم وحقيقة ما حولهم، ففي الأصلِ لا يصدِّق من يملك ذكرى أنه لم يعشها من قبل، وهنا يسخر صاحب الذكرى من فكرة الحديث عنها كونه يعلمُ أنها لم تكن. حتى الحبُّ حاضرٌ بأكثر صوره موازنةً بين العقل والقلب، مع الحرص على أن يكون العقل واستكشاف وتطور الشخصيّات أساسُ ولادته والقلبُ نتيجة. الحبُّ والرّوحُ والعاطفة يسكنان كل خطٍّ دراميّ بأسئلةٍ عن الحقيقيِّ والمبرمج منها وما يجعله أحدهما، لا يشترك أيُّ سؤالٍ منها مع آخر بمصدره، لذلك يستحقُّ كلُّ منها مكانه ويضيف، في حين تشترك جميعها في الوجهة، وهي عقلك ووجهة نظرك وحالتك. هذا مع واحدة من أفضل التنويعات الممكنة على قصة المختار.

إخراج ديني فيلينوف يؤخذ بجاذبيّة المساحات البصرية الواسعة الآسرة التي خلقها مع مصمم الإنتاج الخبير دينيس غاسنر، فنؤخذُ ونؤسر، تحيط به مهابة إعادة ولادة العالم الذي سحر عشاق السينما لأكثر من 35 عامًا، فتغمرنا وتطمئننا لكوننا في أيدٍ أمينة تقدِّر ما تتعامل معه، لذلك نجده مثمِّنًا كل لحظة، ليس هناك لقطةٌ تأسيسيّة ثم قفزٌ إلى المهم، كل شيءٍ مهم، ودون الانزلاق في فخ الاستعراض، فاستغراقه مع اللحظات دومًا يمنحها ثقلًا فكريًّا وحسّيًّا أكبر، سواءً كان مع المواقع الاستثنائيّة وما تقوله عمن فيها ومن وما كان فيها وما يمكن أن يكون قد مر به العالم في الثلاثين عامًا الماضية، مع التفاعلات بين شخصيّاته وبينها وبين ما حولها في أوقات وحدتها، ومع الثواني التي تلي كشفًا أو انعطافًا أو ذروة، تلك التي تكون في أمس الحاجة إليها لاستيعاب وتقدير ما حدث، لهذا تخرج من الفيلم معيدًا مشاهدًا ولقطاتٍ في ذاكرتك سيكون من الصعب جدًّا نسيانُها، تقديم جوي، كل دخول لعالم نياندر والاس، الذكرى والحلم، صانعة الذكريات، القبلة الأولى تحت المطر، المشهد الجنسي الأغنى عاطفةً وقدرةً على ربط عقل المشاهد بقلبه لهذا العام، دخول المدينة الغارقة في الإشعاع النووي، يدٌ تستكشف خليّة نحل، سقوط الثلج الأخير، وكلمة “أحبُّك” في لحظةٍ تمنعها من أن تكون أُخرى. كل هذا على مدى أكثر من ساعتين ونصف لا يمر فيها إيقاع الفيلم بتلك التسارعات، بل يُحافظ على سويّة شبه ثابتة في تدفُّق الجمال والغنى البصريَّين والسمعيَّين، لثقةٍ بضخامة ما يُقدّم و قدرته على استثارة فكر وأحاسيس مشاهده بشكلٍ لن يحافظ على اهتمامه فقط، بل سيغريه بالعودة أكثر من مرة دون ندم.

أداءات ممتازة من أغلب فريق العمل، خاصةً رايان غوزلينغ بتعقيد تعاملاته مع الصدمة والعاطفة وقدرته على جعلنا ندرك ذلك التعقيد، آنا دي أرماس بصعوبة تفادي الوقوع في حبها.، في حين أفاد العمر في زيادة خبرة هاريسون فورد لكنه لم يعلمه الاجتهاد أكثر، لذلك نجده في لحظة مواجهة يُفترض أن تكون بين أعلى ذُرى الفيلم يتركنا خائبي الأمل، أما جارِد ليتو فلا يُقدّم ما يزيد عن المتوقع من ممثلٍ متوسّط يُمنح فرصة لأداء دورٍ كهذا، دورٍ كُتِب ليُذكر لكنه لم يحقق غايته كما يجب.

تصوير يليق بكاميرا روجر ديكنز أحد أكبر أساطير التصوير في زمننا. لا بُدَّ أن التعاون مع من مثله يُلغي وجود الحدود على خيال مصمم إنتاجٍ مثل غاسنر، فمع ديكنز لن يُهمل أدنى تفصيلُ جمالٍ في مواقعه، بس سيُضاعف أثره. مع موسيقى أضافت لمهابة التجربة وأكملت إشباع الحواس من بنجامين وولفيش وهانس زيمر.

حاز على 38 جائزة ورُشّح لـ 68 أخرى أهمها ثماني جوائز بافتا لأفضل تصوير، تصميم إنتاج، موسيقى تصويريّة، صوت، مؤثرات بصريّة، مونتاج، مكياج، وإخراج.

تريلر Blade Runner 2049

حقائق قد لا تعرفها عن Dog Day Afternoon (الجزء الأول)

صنفت مجلة بريميير أداء آل باتشينو فيه كرابع أفضل أداء تمثيلي في تاريخ السينما. في قائمة روجر إيبرت لأعظم الأفلام. اختير للحفظ في سجل الفيلم الوطني من قبل مكتبة الكونغرس الأمريكي لأهميته الثقافيّة، التاريخيّة، أو الجماليّة. أصبحت الحادثة الحقيقية التي استند إليها جزءًا مهمًّا في تدريس كيفية التعامل مع حالات الرهائن والجموع الخارجة عن السيطرة في كليات الشرطة. الفيلم الفائز بأوسكار أفضل نص الذي احتوى نصّه ربما الكمية الأكبر من الارتجالات لفيلمٍ فائزٍ بالجائزة. Dog Day Afternoon وقصة صنعه.

عام 1972 نُشِرت مقالة لـ بـ.فـ. كلوج وتوماس مور في مجلة لايف بعنوان “The Boys in the Bank”، تتحدث عن سطو مسلّح على بنك تشيس في بروكلين، من قبل جون وُجتويتش وسال ناتورال، واصفَين وُجتويتش – الذي خطط للسرقة للحصول على المال اللازم لعمل عملية تغيير جنس لحبيبه – على أنه شابٌّ أسمر، نحيل، مع ملامحٍ لا تحمل تلك الوسامة متفرقةً وإنما تملك جاذبيّةً بانسجامها، كتلك التي لـ داستن هوفمان وآل باتشينو، مما جعل البعض ممن قابلهم باتشينو بعد الحادثة يمازحونه بفكرة أن شخصية هذا السارق قابلةٌ لتصبح دورًا سينمائيًّا رائعًا له.

طبعًا حملت القصّة احتماليّة نجاح كبيرة على شاشة السينما فسارعت Warner Bros بالطلب من فرانك بّيرسون المرشّح لأوسكارَين عن نصَّي “Cool Hand Luke” و”Cat Ballou” أن يُعد نص الفيلم، والذي عانى كثيرًا لدى بحثه عن نقاط ارتكازٍ مثيرة وقويّة الترابط، خاصّةً أنه لم يستطع مقابلة وُجتويتش لعدم توصُّل الأخير لاتفاقٍ مُرضي مع المنتجين بعد، لدرجة تفكيره بالتخلي عن المشروع لولا أنه صرف المُقدّم الذي دُفِع له لدى موافقته على كتابة النص.

فمضى بّيرسون في بحثٍ مُكثّف قابل فيه الكثيرَين ممن كان لهم صلة قريبة أو بعيدة بـ وُجتويتش، ناتورال، أو السرقة، مما أوصله لما أراد باكتشافه أن كل من عرف وُجتويش – الذي أصبح سوني في نص بّيرسون – ملك قصةً مختلفةً عنه، في حين أكّد الجميع أمرًا واحدًا، وهو أنه كثيرًا ما يقول: “سأعتني بك. سأجعلك سعيدًا”، حينها علم بّيرسون أنه وجد مدخله للقصّة. وانطلق في الكتابة جاعلًا نصّه مكوّنًا من 12 متوالية رئيسيّة فقط في أماكن محدودة.

ثم لجأ المنتجون إلى سيدني لوميت لإخراج الفيلم، أحد القلائل الذين أتقنوا المعادلة الصعبة حيث لا مساومة فنيّة، وقابليّة جماهيريّة عالية تضمن النجاح التجاري، ففكر لوميت على الفور بـ آل باتشينو الذي عمل معه في رائعتهما “Serpico” لدور البطولة ووافق الأخير، لكن حين اقترب وقت التصوير وكان باتشينو قد أنهى من فترةٍ قريبة عمله على “The Godfather: Part II” أخبر لوميت أنه يريد الانسحاب، لأنه بدرجة من الإرهاق لن تسمح له بالوصول لحالة شبه هستيريّة في كل يوم تصوير كونه يعتمد على أسلوب التمثيل المنهجي في عمله وتطلُّب الأسلوب لضغط نفسي كبير مع كل دور ومضاعفة هذا الصغط في حالة دور سوني، فوافق لوميت منزعجًا من الاضطرار لتغيير خططه في آخر لحظة وأرسل النص لـ داستن هوفمان، منافس باتشينو الرئيسي وقتها على أكثر من دور، مما جعل باتشينو يغيّر رأيه ويقبل بالإرهاق بدل خسارة فرصة أخرى لصالح هوفمان.

قرارٌ كلفه الكثير، من نومٍ لا يتجاوز الساعتَين يوميًّا خلال التصوير، أكلٍ بالكاد يسد رمقه، وحماماتٍ باردة، بحيث يحافظ على مظهر سوني الفوضويّ، المُرهَق، والمتوتّر. مما جعل حالته الصحّيّة تتراجع تدريجيًّا حتى أصبح بحاجة لدخول المستشفى لبضعة أيام، وقرّر بعد انتهائه من التصوير أن يتوقّف عن صنع الأفلام لفترة ويعود للمسرح. هذا يفسّر غيابه لعامَين بعد هذا الفيلم رغم أنه كان يحافظ على حضور سنوي منذ عام 1971، حتى أنه لم يصدر له إلا فيلمَين منذ صدور هذا الفيلم عام 1975 وحتى عام 1979.

انضمام باتشينو للفيلم لم تكن نتيجته فقط الأداء التاريخي، بل جلب معه الرائع جون كازال بإصراره على أن يُمنح دور سال، رغم أنه يُفترض أن عمر سال 18 عامًا بينما كان عمر كازال وقتها 39 عامًا. ورغم معارضة لوميت للأمر قبل بعمل تجربة أداء كازاللـ ، تمكّن الأخير في أول خمس دقائق منها بالفوز بموافقة وحماس لوميت. كما فعل كريس ساراندون الذي كانت هنا تجربته السينمائيّة الأولى بحصوله على دور ليون متفوّقًا على المرشّح الآخر للدور لانس هنريكسن. حائزًا بالنتيجة ترشيحه الأوسكاريّ الأول والأخير حتى الآن.

بعد اجتماع الأمثل لأدوارهم، بدأ لوميت بروفاته التي استمرّت لثلاث أسابيع، ولما شهده من حماسٍ وإثارةٍ فيها قرّر التراجع عن عدم تفضيله للارتجال هذه المرّة، ومنح ممثليه لأدوار السارقين والشرطة والرهائن فرصة المشاركة في تكوين وتقديم شخصيّاتهم وصياغة تفاعلاتهم وحواراتهم، وأعاد كتابة الأقسام التي أحب ارتجالهم لما فيها بشكلٍ غير الذي كُتِب.

عن ارتجالاتٍ تاريخيّة يُذكر بها الفيلم وما قاد إليها، تصوير مشهد المكالمة بين سوني وليون، أجواء التصوير وإدارة الجموع، نهج سيدني لوميت واهتمامه بواقعيّة الحالة والحدود التي ذهب إليها لتحقيق ذلك، نتائج سرعة عمل لوميت والتصوير بالتسلسل الزمني، ومشهدَين كانا مسؤولَين عن انضمام كلٍّ من لوميت وآل باتشينو للفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Dog Day Afternoon

Thelma

“الإنسانيّةُ تغزو الرّعب”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج يواكيم ترير
المدة ساعة و56 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية وعري
الإرشاد العائلي (أميركي)  Not Rated
اللغة النرويجية
تقييم IMDB 7.4

“مبدأي حين أعمل هو أنني أنسى لدى الكتابة أنني المخرج. أحلُم، بسذاجة الطفل بداخلي. وبعد ذلك، وبما أنا عليه من قلة الحيلة، عليَّ أن أجد طريقةً ما لوضع ما كتبتُ على الشاشة. هذه العمليّة يمكن أن تكون معذِّبة، لكنني تعلمت بها الكثير مع هذا الفيلم. من الممتع دومًا صنع صورٍ جديدةٍ بالنسبة لك، هذا أحد أكثر الأجزاء المُجزية في صناعة الأفلام، وهناك الكثير من ذلك في Thelma “، هذا وصفٌ مُلخّص على لسان النرويجي يواكيم ترير لتجربة خوضه في ميدانٍ جديد مع هذا الفيلم. بعد ثلاثة أفلامٍ جمعها عمق الخوض في الحالة الإنسانيّة، يُطل ترير بتجربة إثارةٍ مع لمساتٍ من الرّعب، آخذًا معه إنسانيّته إلى نوعٍ سينمائيٍّ جديد.

لمحة عن قصة Thelma
ثيلما (إيلي هاربو) شابّةٌ تبدأ حياةً جديدة في الجامعة بعيدًا عن والدَيها تروند (إنريك رافايلسن) وأونّي (إلين دوريت بيترسن)، بعدٌ فيزيائيٌّ فقط، فما زالا حاضرَين وتربيتهما الدينيّة في أدنى تفاصيل يومها، مما يجعل انجذابها لفتاةٍ في صفّها بداية صراعات وتداعيات نفسية تتجاوز حدود جسدها.

كتب يواكيم ترير وإسكيل فوغت نص الفيلم، في قالبٍ مألوف من تقاطعات الماضي والحاضر لكشف الغموض، لكن بتميُّز توقيت ومحتوى تلك التقاطعات، وعدم كون غايتها ببساطة واستسهال “كشف الغموض”، يبثان روحًا جديدة في القالب. فهُنا تشغلك الشخصيّات أوّلًا، ثم غموض الأحداث الغرائبيّة التي تصادفها لأن لتلك الأحداث صلةً بمن تكونه تلك الشخصيّات. تشغلُك منذ تقديمها المُثير، وتستمر باكتشاف ما يُقرّبك منها أكثر ويُغريك بما لم يزل خافيًّا عنك. هذا كلُّه حتى نصل إلى الثلث الأخير، المكوّن من قسمَين أولهما غريبٌ عن ترير والفيلم ومكرِّرٍ لجزءٍ مللناه في أفلام الرعب، والثاني حسن الوجهة مضطرب الإعداد لعدم كفاية خلفيّات الأم والأب فيه، الأم تحديدًا.

إخراج يواكيم ترير يجد طريقه بين الأنواع دون عناءٍ ملموس، دراما البلوغ والعائلة وعلاقة الأب بالابنة، التوتّر الجنسي، الإثارة النفسيّة، والظواهر فوق الطبيعيّة. ليست هُناك لحظةٌ يقول لنفسه فيها يكفي من الدراما هُنا ولنفاجئهم بحدثٍ ما. مقدّمًا بالنتيجة متوالياتٍ انتقاليّةٍ ساحرة بين كل محطة سرديّة وأخرى تذوب فيها الأنواع ويبقى الجمالُ وإتقانُ مخاطبة البصر، من تمهيد النوبة الثّانية والنوبة، إلى دار الأوبرا، السيجارة المحشوّة، جلسة الموجات الدماغيّة، الاحتراق حتى الغرق، والانعتاق. صحيحٌ أن ترير يتغلّب على بعض القصور في الثلث الأخير بجمال صوره وحسن إدارته لممثليه، لكن يبقى البعض الآخر حاضرًا.

خاصّةً باختيارٍ خاطئ لـ إنريك رافايلسن لأداء شخصيّة الأب، أو ربّما الاختيار الخاطئ لهيئته، فـ رافايلسن لا يظلم شخصيّته لكنه لا يطبع صورتها في مخيّلتك كما تتوقع من شخصية كهذه، على عكس إيلي هاربو المثاليّة حضورًا والمجتهدة أداءً بما يضيف لإثارة ومتعة التجربة، وكايا ويلكنز المتميّزة في دور آنيا. في حين يجد تصوير ياكوب إيريه مكانه بين عناصر الفيلم المميزة، ويُقدّم أُولا فلوتوم موسيقى مناسبة.

حاز على 5 جوائز ورُشّح لـ 18 أُخرى.

تريلر Thelma

حقائق قد لا تعرفها عن Les Misérables (الجزء الثاني)

عن انضمام سامانثا باركس، ساشا بارون كوهين، إيدي ريدماين، وآن هاثاواي لفريق العمل والمرشّحين لأدوارهم. آن هاثاواي والأغنية الأيقونيّة وزمن تصويرها. أصول شخصيّة فانتين في رواية فيكتور هوغو الأصل. أسباب اختيار توم هوبّر للغناء أمام الكاميرا بدل المزامنة. وأسلوب تسجيل صنع التاريخ في نوع الأفلام الغنائيّة ونتائجه في الأداءات سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Les Misérables

بالنسبة لـ سامانثا باركس، بعد أشهرٍ من تجارب الأداء لدور إيبّونين الذي قدّمته على مسرح ويست إند في لندن، منافسةً مرشّحاتٍ كـ هايدن بّانيتيير، سكارلت جوهانسون، ليا ميشيل، إيميلي براونينغ، لوسي هيل، وإيفان رايتشيل وود، وقع الاختيار عليها، لكن هذه المرّة بحدثٍ كبير، فخلال مشاركتها في عرضٍ لمسرحيّة “!Oliver” فوجئت بـ كاميرون ماكنتوش يصعد إلى الخشبة ويُعلن أمام الجمهور أنها اختيرت لدور إيبّونين، مفاجأةٌ وصفتها باركس بأنها أروع لحظة في حياتها.

لم يواجه ساشا بارون كوهين تلك الصعوبات ريثما فاز بدور ثيرناندييه، بل فُضّل على أسماءٍ كـ روان أتكينسون (مستر بينبيلي كريستال، ريكي غيرفيه، ستيف مارتن، روبن ويليامز، وجيوفري رَش. كذلك إيدي ريدماين الذي تقدّم لدور إنجلورا في البداية كون هوبّر يُريد فتًى في السابعة عشرة من عمره وريدماين أكبر من ذلك، لكنه سُرعان ما نال الإعجاب الذي جعله الأنسب للدور.

أما آن هاثاواي فقد تمكّنت بحسب من حضروا تجربة أدائها من إبهارهم والتأثير فيهم حتى الدّموع، بارزةً كالمُرشّح الأهم لدور فانتين بين أخرياتٍ كـ إيمي آدامز، جيسيكا بيل، ماريون كوتيّار، كيت وينسليت، إيميلي بلانت، وريبيكا هول. لا يعني هذا أنها كانت جاهزة لتقديم مشهد أغنية “I Dreamed a Dream” الأيقوني مع اللقطة الأولى، بل قضت ثماني ساعات في الإعادات لأنها أرادت الوصول إلى الغنى العاطفي الأعمق والأمثل، واعتُمِدت المحاولة الرابعة في النسخة النهائيّة.

ربّما كان لجذور شخصيّة فانتين الحقيقيّة دور في شغف هاثاواي بالشخصية وإخلاصها في تقديمها بصورةٍ لا تُنسى بعدها، والتي تعود إلى وقتٍ كان يتمتع فيه فيكتور هوغو بشهرةٍ متواضعة، حين رأى في طريقه إلى ناشره بائعة هوى يتحرّشُ بها شابّ، وحين مانعته قبض كتلةً كبيرةً من الثلج وضعها داخل ثوبها ثم رماها على الأرض، وحين دافعت عن نفسها بيديها نادي الشرطة ليعتقلوها بتهمة الاعتداء عليه بالضرب، ليتدخّل هوغو لصالح الشابّة ويحررها من قبضة الشرطة. كانت درجة الظلم التي وقعت على الشابّة مُرعبةً بالنسبة لـ هوغو خاصّةً بوجود احتماليّة أنها الداعم الوحيد لبعض الأطفال، وبهذا ولدت شخصيّة فانتين.

“أحسست فقط أنه في النهاية، هذه كانت الطريقة الطبيعية لفعل الأمر. حين يقول الممثلون حواراتهم، لديهم الحرية في الوقت، الحرية في إيقاع ورود كلماتهم. يمكنهم التوقف في أي لحظة، أو يمكنهم الإسراع. أنا ببساطة أردت منح الممثلين الحريات التي يتمتعون بها عادةً. إذا احتاجوا لبعض الوقت لتشكُّل إحساس أو عاطفة في أعينهم قبل أن يغنّوا، يمكنني منحهم ذاك الوقت. إن بكوا، يمكنهم البكاء خلال الغناء. أما حين تفعل ذلك بالمزامنة، فأنت مضطرٌّ لإعادة كل شيء في كل جزء من الثانية. ليس لديك حرية اللحظة، والتمثيل هو وهم أن تكون حرًّا في هذه اللحظة”، هكذا برّر توم هوبّر قراره لجعل ممثليه يغنّون أمام الكاميرا بدل تسجيل الأغاني مسبقًا والمزامنة معها خلال التصوير.

هذه ليست أول مرة يقوم فيها أحدٌ بذلك، لكن طريقة فعل ذلك وشمله كل أغاني الفيلم عدا واحدة (أغنية Look Down في بداية الفيلم لصعوبة الحصول على تسجيل بوضوحٍ كافي مع كثرة أصوات الضجيج المحيطة) هما ما جعل الناتج هو الأول من نوعه في التاريخ. ففي Les Misérables كانت هناك سمّاعات صغيرة في أذنَيّ كل ممثلٍ يُغنّي، يسمع من خلالها عزف بّيانو للحن الأغنية لضمان أن لا يخرج عن النغمة، لكن بدل أن يُتابع هو سُرعة العزف ووقفاته وإيقاعه وطبقته الصوتيّة، يقوم العازف بمتابعة هذه التفاصيل في أداء الممثل والتكيّف معها، أي تحقيق ما ذكره هوبّر بالفعل، منح الممثل الحرّيّة التي تكون له عادةً مع الحوارات غير المغناة، والحصول بالنتيجة على أكثر أداء صادق وتلقائي ممكن. مما ترك مساحةً للارتجال وُسّعت بمساحة ارتجال الحركة، كمونولوج فالجان الأول الذي تم تصويره بالـ ستيدي-كام الملاحِقة لـ هيو جاكمان لمنحه حرّيّة المُضي مع الحركة التي يراها الأنسب للتعبير عما بداخله.

“قد تحقق!”، هذه كانت أولى كلمات آن هاثاواي حين فازت بالأوسكار عن أدائها لدور فانتين التي غنت “راودني حُلُمْ”.

The Killing of a Sacred Deer

“الجرّاحُ دومًا هو المسؤولُ عن النتيجة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج يورغوس لانثيموس
المدة ساعتين
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية وعنف دموي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 7.7

الصدمة، هذا الأثر الذي يجتمع على اختباره محبو وكارهو أفلام اليوناني يورغوس لانثيموس، ومن هُنا يبدأ الانقسام حول جدوى هذه الصدمة، جدوى التطرّف في القسوة والدمويّة بشكل رئيسي، مما يخلق فريقَين رئيسيّين في جمهور هذه الأفلام، المقتنع بأهمّيّة القسوة ضمن السياق، والذي لا يجد لها مبرّرًا كافيًا. يتفرّع من كلّ فريقٍ ثلاثة، من يرى أن لانثيموس يمتلك أفكارًا وأسلوبًا مثيرَين، من يرى أنه لا يقدّم جديدًا على صعيد الأفكار لكنه يمتلك أسلوبًا يجعلها أكثر تأثيرًا، ومن لا يستطيع التواصل مع أسلوبه أساسًا. بالنسبة لهذا الفيلم فلا حل هنا لمشكلة القسوة، لكن استناده إلى تراجيديا إغريقيّة يصعب إيجاد من لا تثير اهتمامه وتؤثر فيه قد يقدم حلًّا جزئيًّا لمشكلة التواصل ويُقرّبك بعض الشيء إلى عالم لانثيموس، أما إن لم تكن غريبًا عن هذا العالم وأحببت جولاتك فيه حتى الآن فمن الجُرم تفويت هذا الفيلم.

لمحة عن قصة The Killing of a Sacred Deer
ستيفن (كولين فاريل) جرّاحُ قلبٍ ينعُم بحياةٍ مستقرّة  مع زوجته آنا (نيكول كيدمان) طبيبة العيون، وولديه كيم (رافي كاسيدي) وبوب (سَني سولجيك). تجمعه علاقة وصاية غريبة بـ مارتن (باري كيوان) المراهق يتيم الأب، تتطوّر في وقتٍ قصير إلى مصدر خطرٍ لا مهرب منه على حياته وحياة أسرته.

كتب يورغوس لانثيموس وإفثيميس فيليبّو نص الفيلم، بأفضل تقديم ممكن للشخصيّات، وكأنك رافقت أبطالهم في مجرّد يومٍ آخر لا يومٍ معدٍّ لتعرف عنهم أكثر، وفي أكثر نشاطات هذا اليوم روتينيةً واعتياديّة يمكنك بسهولة أن تقف على أول طريق معرفة ما يميز كلًّا منهم وما يميّز علاقاتهم، طريقٌ يزيد إثارةً مع كل خطوة، ثم تصبح وجهته أكثر ضبابيّةً وسوداويّةً مما تخيَّلته بعد منعطفٍ عبقريّ التوقيت، يتداخل بنتيجته العقل والجنون في تطوّرات الشخصيّات المرصودة بدقّة جرّاح، خاصّةً مع الحوارات الماكرة الذكيّة غير الحاملة لشيء تقريبًا في كلماتها والحاملة لمفاصلٍ سرديّة في توقيتها ضمن السياق. لكن للأسف تتوه وسط كل هذا شخصيّة آنا التي كانت قلب الفيلم بعدم استغلالها كما يجب وبقاء تفاصيل رحلتها العديدة مثيرةً للتأمُّل دون إشباع.

إخراج يورغوس لانثيموس يُدخلُك في الأجواء السوداويّة القاسية التي لا تعترف بحدود منذ البداية بافتتاحيّته الاستثنائيّة، ثم يمضي مع أبطاله بزوايا كاميرته الغريبة والمثيرة بشكلٍ يُجبرك على الانتباه لتفاصيل ما ترصده تلك الكاميرا بحركتها الغريبة، المحدّدة، والمُهيبة، مُسرعًا بترسيخ إحساسٍ بعدم الرّاحة يستمر بتدعيمه بهدوءٍ غالبًا، وبقفزاتٍ مؤلمة أحيانًا تُضيّق مساحة التأمُل والتحليل لسيطرة الضغط النفسي والتوتّر. وسط كل هذا هناك خيارٌ غريب لم يكن لالتزام لانثيموس به من قبل هذا الأثر المضطرب، وهو طريقة تعامل شخصياتهم مع بعضهم وتعبيرهم عما بداخلهم وورود أحاديثهم، الغرائبيّة والجافّة، ففي The Lobster مثلًا كانت الأحداث تجري في عالمٍ موازٍ إن صح التعبير، أما استمرار الطريقة نفسها هُنا يجعل من الصعب معرفة هل حضورها لمسة لانثيموسيّة أم تعليقٌ إجتماعيّ. في الحالتين لا يبدو أنها لصالح الفيلم، ففي الأولى تكون النتيجة تشويشًا لا حاجة إليه وسط الرمزيّات غير القليلة، وفي الثانية تُصبح مباشرةً في تقديم الشخصيات غير متناسبة مع ما تبقّى من الفيلم، خاصّةً أن السماح لاستثناءٍ كشخصيّة آنا بغزوها دون الإفادة من هذا الاستثناء يُغيّب أي غاية مُستحِقّة أُخرى.

أداءَين استثنائيَّين من باري كيوان الذي يُكسِب حضوره إثارةً مميّزة تستمر بالتطوّر، ونيكول كيدمان التي كانت القلب المُهمَل للفيلم بغنًى عاطفيٍّ مضبوط لا يجعلها غريبةً عمّن وما حولَها لكن ربما أقل شبهًا بهم، مع أداءات ممتازة من باقي فريق العمل، تصوير مُتقَن محسوب الإطار الواسع والحركة من ثيميوس باكاتاكيس، وموسيقى ذكيّة تُدعِّم الحالة ولا تُرشِد لأثر.

حاز على جائزتَين أهمهما جائزة أفضل نص في مهرجان كانّ، ورُشّح لـ19 أُخرى أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كانّ.

تريلر The Killing of a Sacred Deer

حقائق قد لا تعرفها عن Les Misérables (الجزء الأول)

الاقتباس السينمائي الغنائي الأوّل للمسرحية الغنائيّة صاحبة العدد الأكبر من العروض في تاريخ لندن وثاني أكبر عدد من العروض لمسرحيّة في التاريخ. ثاني اقتباس لرواية البؤساء يُرشّح لأوسكار أفضل فيلم بعد أكثر من 75 عامًا من الأوّل، وأول فيلم غنائي يُرشّح للجائزة خلال العشر سنوات التي سبقت صدوره. أحد الأفلام الغنائيّة المعدودة التي يُسجّل الغناء فيها أثناء التصوير لا قبله. Les Misérables وقصة صنعه.

بعد إطلاق أول مسرحيّة غنائيّة مقتبسة من رواية البؤساء لـ فيكتور هوغو في فرنسا عام 1980، تبعتها نسختين بالإنكليزيّة أولاهما على مسرح ويست إند في لندن والثانية على مسرح برودواي في أمريكا، محقّقتَين نجاحًا تاريخيًّا، مما أشعل حماس منتج النسخة البريطانيّة لفكرة إنتاج نسخة سينمائيّة في بداية التسعينات، وهو كاميرون ماكنتوش الذي وصفته صحيفة نيويورك تايمز بـ: “المنتج المسرحي الأكثر نجاحًا، تأثيرًا وقوّةً في العالم”.

كان قد سبقه إلى الفكرة بعض المنتجين الامريكيّين عام 1988 واختاروا آلان بّاركر (صانع The Wall وMidnight Express وThe Life of David Gale) مخرجًا للنسخة السينمائيّة دون كثيرٍ من التقدُّم، ثم وقعوا عقدًا مع بروس بيريسفورد (صانع Driving Miss Daisy وTender Mercies) لإخراج الفيلم عام 1991 وكان هذا آخر تقدُّم حقيقي. انتقل الأمر إلى يد ماكنتوش عام 1992 وأعلن أن شركة “TriStar” ستشارك في إنتاج الفيلم، لكن مرة أخرى دخل المشروع في جحيم ما قبل الإنتاج حتى نُسي، إلّا من قِبَل ماكنتوش الذي عاد لإحيائه عام 2005، معلنًا أنه يُريد مخرجًا صاحب رؤية قادرة على نقل فريق العمل المسرحيّ إلى الشاشة الكبيرة، وبث روحٍ منعشة كالتي كانت لكل عرض.

مرت أربع سنوات ريثما أبدت شركة “Working Title Films” البريطانيّة اهتمامها بالمشروع وبدأت المفاوضات مع ماكنتوش لشراء حقوق الفيلم، وفي بداية عام 2011 أصبحت مشاركةً مع ماكنتوش في الإنتاج وكُلّف ويليام نيكلسون بكتابة النص ليُنهي المسودّة الاولى بعد ستة أسابيع، اختير بعدها توم هوبّر لإخراج الفيلم، ليجد هيو جاكمان يتواصل معه على الفور للتقدُّم لدور جان فالجان، واقتراح بّول بيتاني لدور جافير الذي ذهب لاحقًا لـ راسل كرو.

وقتها كان دور فالجان قد مرَّ على عشرات المرشّحين منذ ولادة الفكرة عام 1988، أبرزهم وارين بيتي، توم كروز، روبرت دينيرو، مايكل دوغلاس، ريتشارد دريفوس، هاريسون فورد، مِل غيبسون، جين هاكمان، توم هانكس، داستن هوفمان، ويليام هارت، كيفن كلاين، جاك نيكلسن، آل باتشينو، روبرت ريدفورد، وكريستوفر ووكن. صحيحٌ أن هوبّر لم يستقر على جاكمان بسهولة كونه الخيار الأول المعروض، لكنه وجد بعد عدة تجارب أداء أنه كان محظوظًا بقدوم الشخص الأنسب إليه بنفسه، والذي كان جاهزًا للقيام بحمية غذائيّة استثنائيّة استعانت بخبرته فيها آن هاثاواي فيما بعد، والصيام عن الماء لـ 36 ساعة بعد خسارة الوزن ليظهر الجفاف حول عينَيه وفي خدّيه لتصوير مشاهد السجن، مما دفع هوبّر للانتهاء من تلك المشاهد في البداية رحمةً بـ جاكمان حتى يعود لحالته الطبيعيّة ويتابع.

أما في حالة أماندا سيفرايد فربّما كان الإرهاق الذي سبق قبولها للدور أكثر من الذي واجهته في تحضيرها بعد القبول. أربعُ شهورٍ قضتها في صدٍّ ورد مع اختبارات الأداء دون علمها أن هناك أخريات يتقدمن للدور في الفترة ذاتها، مصممةً دومًا على العودة لاختبارٍ آخر بعد إخبارها أكثر من مرة أنها لا تصلح لهذا الفيلم، والعمل على دورَي فانتين وكوسيت على التّوازي بالإضافة للخضوع لتدريبات صوتيّة صارمة. في النهاية وبعد اختيار هاثاواي لدور فانتين فازت سيفرايد بدور كوسيت متفوّقةً بذلك على مرشحاتٍ كـ إيما واتسون، شايلين وودلي، ميراندا كوزغروف، إيميلي ماري بالمر، ليلي راينهارت، بورتيا دبلداي ودانييل هوبّ.

عن انضمام سامانثا باركس، ساشا بارون كوهين، إيدي ريدماين، وآن هاثاواي لفريق العمل والمرشّحين لأدوارهم. آن هاثاواي والأغنية الأيقونيّة وزمن تصويرها. أصول شخصيّة فانتين في رواية فيكتور هوغو الأصل. أسباب اختيار توم هوبّر للغناء أمام الكاميرا بدل المزامنة. وأسلوب تسجيل صنع التاريخ في نوع الأفلام الغنائيّة ونتائجه في الأداءات سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Les Misérables

Loving Vincent

“ساعة ونصف عبر عينَي فان جوخ”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج إيلدِكو إنيِدي
المدة ساعة و34 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من عُري ومشاهد جنسيّة
الإرشاد العائلي (أميركي)  لا يوجد
اللغة الهنغاريّة
تقييم IMDB 8.0

عندما لا تكون من أوائل من يتحدّثون عن فيلمٍ كهذا ستحاول الابتعاد عن تكرار المعلومة التي وردت في كلِّ حديثٍ عنه، لكن في حالة هذا الفيلم لا يجب الاكتراث لذلك، ويجب إعادة أن شغف مخرجَين بأعمال فينسنت فان غوخ وصل لدرجة جمع 125 رسّامًا لإعداد أكثر من 65 ألف لوحة زيتيّة مرسومة على قماش مشدود، لصنع فيلمٍ عن فان غوخ كلُّ صورةٍ فيه لوحة مرسومة يدويًّا بالكامل بأسلوب فان غوخ. لا أعتقد أن هناك برهانًا أكبر على حب وتقدير صناع هذا الفيلم لمن يتحدثون عنه ولفنه، ورغبتهم باستثارة حبٍّ وتقديرٍ مماثلَين عند من سيشاهدون فيلمهم بعينَي من يحبّون.

لمحة عن قصة Loving Vincent
بعد محاولاتٍ فاشلةٍ عِدّة لإيصال رسالة فان غوخ الأخيرة لأخيه، يُقرّر ساعي بريده جوزيف رولان (كريس أوداود) إرسال ابنه أرمان (دوغلاس بوث) للقيام بالمهمّة، مما يضع أرمان على طريق لغز وفاة فان غوخ (روبرت غولاتشيك) المأساويّة.

كتب ياتسيك دينيل، هيو ويلتشمان، ودوروتا كوبيِلا نص الفيلم، متفادين إعادة تكرير الأفلام العديدة التي روت قصّة فان غوخ، ولاجئين إلى بساطة كبيرة ومُجزية في اختيار وجهة النظر الجديدة. بطل فيلمهما هُنا ليس فان غوخ، وإنما عابرٌ يسأل عنه، ضيفٌ على بقايا عالمه اعتاد أن يسمع عن جنونه ووجد نفسه يومًا ما يُصغي لما يسمع، كمشاهد الفيلم. لكن للأسف كانوا صريحين أكثر من اللازم في أن وظيفة بطلهم هي تمثيل الانطباعات التي يريدون الحصول عليها من مشاهديهم، فـ أرمان كان يُعلن في ردات فعله أنه موجَّهٌ لغياب بناء مكتمل لشخصيّته، بناءٌ رُبّما لم تكن هناك حاجة حقيقيّة إليه مع باقي الشخصيّات التي يقابلها على الطريق، لكن في حالته فلا مُبرّر إلا أن الكاتب أراد ذلك، أو لم يستطع إدراج أكثر من ذلك لقيودٍ وضعها خيار الرسم اليدوي ونجهلها.

إخراج دوروتا كوبيِلا وهيو ويلتشمان ساحر التأطير والتحريك والانتقال والحرص على أن لا تمر أيُّ لحظةٍ في معرض صورهما مرورَ الكرام، بإيقاعٍ هادئ يُمتع الأعين باللوحات الزيتيّة آسرة التفاصيل والغنى بالعاطفة، ويتفاديان به جعل توالي تلك اللوحات مُرهِقًا مُدّعيًا، حتى يصبح من السهل التقاط الاحتفاءات بأشهر أعمال الفنّان الكبير، ومن المغري أن تعاود التجربة أكثر من مرّة. التجربة الوحيدة من نوعها، فكم مرّةً مُنِحت عينَي فان غوخ لترى بهما ما رآه وخلده من جمال؟

أداءات صوتيّة ممتازة من فريق العمل وخاصّةً سيرشا رونان، وموسيقى تُدعّم استغراقك بالعمل منذ البداية من كلينت مانسيل.

حاز على 8 جوائز ورُشّح لـ30 أخرى أهمها الـ غولدن غلوب لأفضل فيلم أنيميشن.

تريلر Loving Vincent

On Body and Soul

“لم تشهد حبًّا كهذا من قبل”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج إيلدِكو إنيِدي
المدة ساعة و56 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من عُري ومشاهد جنسيّة
الإرشاد العائلي (أميركي)  لا يوجد
اللغة الهنغاريّة
تقييم IMDB 8.0

18 عامًا تفصل بين آخر أفلام الهنغارية إيلدِكو إنيِدي وهذا الفيلم، ليس لأنها قررت التوقف ثم تراجعت عنه، وليس لأنها كانت ممانعةً التنازل عن رؤيتها ثم استسلمت، بل لأنها ببساطة لم تجد خلال تلك الفترة ممولًا يُشاركها الإيمان بموهبتها وأفكارها، حتى الآن، والنتيجة دفقٌ من الحساسيّة والحُب يجعلاننا أسعد منها بعودتها وأكثر منها إحساسًا بقدر ما فوّتناه في غيابها.

لمحة عن قصة On Body and Soul
أندريه (غيزا مورتشاني) مُديرٌ لمسلخ لا حياة اجتماعيّة حقيقيّة لديه، إلا في ماضيه الذي لم يبق منه إلا بعض زيارات الأولاد المتباعدة. تلفت نظره في إحدى الأيام ماريّا (ألكساندرا بوربيه) شابّةٌ جديدة قدمت لتعمل كمراقبة جودة، وتتميز بسلوك اجتماعي يُشابه سلوك مرضى التوحُّد. ليكتشف الاثنَين لاحقًا أن ما يجمعهما أكثر من إثارة اللقاء الأوّل، يجمعهما حُلم، حرفيًّا.

كتبت إيلدِكو إنيِدي نص الفيلم، عازمةً على بناء عالمٍ خاص، فيه من الفانتازيا ما ستُحب الاستسلام لسحره، من الواقعيّة والحساسيّة العالية في تقديم العلاقة والتفاعلات بين بطلَيها ما سيضمن تعلُّقَكَ بـ الغريبَين حتى يغفوا، ومن خفة الظل ما يصل بطيف ردات فعلك سواءًا في المشاعر أو تعابير الوجه حد الإشباع. كل هذا عن طريق شخصيّات غير مكتملة، ليست بالاستثنائيّة التي تجعل الشاشة مكانها الوحيد، وليست بغنى التفاصيل الواقعيّة التي تجعلنا نميّز فيها أنفسنا أو أناسًا نعرفهم، هي تُرينا وجهًا واحدًا منهم، ترى فيه كل الغنى وتُجعلُنا نرى، وجهًا بسيطًا من مشاعرٍ وبضع كلماتٍ وبضع لمسات، يُصبح بعنايتها بملامحه هذه كاملًا.

إخراج إيلدِكو إنيِدي يُكثّف المشاعر ويزيد من حجمها وعمق أثرها، ليس بالمبالغة أو ملحميّة الموسيقى أو ما شابه، وإنما فقط بدقّة الملاحظة، لا تمُرُّ لمسةٌ أو حركة يد أو ردّة فعل دون جعلها تنطق بما تحمله من مشاعر، مُحقّقةً ذلك بعنصرين متلازمَين متكاملَين، أولهما حساسيّة كاميرتها لتلك التفاصيل، وثانيهما جاذبيّة حالة وخصوصيّة عالمها المُدعّمة بإيقاع السّرد، فهُنا، لا يسعى من نشاهدهم لإثارة اهتمامنا، لديهم ما يشغل كل تفاصيل حياتهم ويمنحها طعمًا جديدًا، وما يشغلنا لأنه حُبٌّ يعبر إلى زوايا غير تقليديّة في قلوبنا. في هذه الحالة لا نُريدُ من الإيقاع تصاعدًا أو منعطفاتٍ تنعشه، لا نُريدُ القفز إلى “المهم”، هُنا كل شيءٍ مهم، لحظات خلوة أندريه وماريّا، لحظات انتظارهم لـ وتفكيرهم بـ اللقاء، ما يخفونه عن بعضهما ولا يستطيعان إخفاءه عنا، كل شيءٍ مهمٌّ عزيز الأثر.

أداءات آسرة من ألكساندرا بوربيه وغيزا مورتشاني كانا بها جسد الفيلم وجُزءًا كبيرًا من روحه، تصوير رائع من ماتيه هيرباي بصوره الناعمة المشرقة وصاحبة الدور الجوهري في جاذبيّة وخصوصيّة ما نشاهده، وموسيقى رقيقة من آدم بالاج.

حاز على 8 جوائز أهمها الدب الذهبي في مهرجان برلين ورُشّح لـ8 أخرى.

تريلر On Body and Soul

Columbus

“أفضل صحبة يمكن أن تقضي برفقتها مئة دقيقة في 2017”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج كوغونادا
المدة ساعة و40 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من إيحاءات جنسية
الإرشاد العائلي (أميركي)  Not Rated
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 7.4

هناك نوع محبّب جدًّا من الألفة تحسّه لدى مشاهدة تجربة إخراجيّة أولى كهذه، في تصريحها عن شغف صانعها بسينما هذا السينمائي الكبير أو ذاك، في الحوار المثير الذي تخلقه معك على لسان مخرجها، وفي الإحساس الناتج عن ذلك من كونك أمام تجربة صديقٍ لك، يشاركك الشغف السينمائيّ ذاته والذي كان محرّكه الأساسي ليشارك في خلق ما يحب. وحين يتأكّد إحساسك بمعرفة أن صانع هذا الفيلم هو كوغونادا أحد أهم مُقدّمي الأطروحات المصوّرة عن الحركات السينمائيّة والمخرجين والذي تعاون مع “The Criterion Collection” ومجلة “Sight and Sound” البريطانية تزيد رغبتك باحتضان مُنجزٍ كهذا للصديق الشغوف استحق مكانته كأحد أفضل أفلام عامه.

لمحة عن قصة Columbus
في كولومبوس، إنديانا، أحد أهم القُبَل لعاشقي وممارسي فن العمارة تلتقي كيسي (هالي لو ريتشاردسون) الشابّة العاشقة للإبداعات المعماريّة حولها والتي نالت شهادتها الثانويّة منذ عام دون أن تفكر بوجهةٍ جامعيّة محدّدة حتى الآن، بـ جين (جون تشو) المُترجِم الكوري القادم من سيول إثر معرفته بمرض أبيه المُحاضِر في هندسة العمارة وغير الناجح في إنماء حب فن العمارة في قلب ابنه.

كتب كوغونادا نص الفيلم الذي قال جون تشو لدى قراءته له: “من سيخرج هذا؟!”، سأل عن هويّة المخرج لا عن قابليّة ما قرأ ليُصبح عملًا استثنائيًّا. نصٌّ مُعتمد على مجموعة حوارات ولحظات خلو لشخصيّات جذّابة بالفعل لا على الشاشة، مع اللمسات التي تجعل تلك الشخصيات تتنفس هواءنا، والإفادة من هذه اللمسات في تطور الشخصيات والحوارات. إن ذكّرتك الملامح السابقة بثلاثية ريتشارد لينكليتر الرائعة وسرّك ذلك فأنت على الطريق الصحيح.

إخراج كوغونادا مُغرمٌ بشخصيّاته وبـ كولومبوس، ولا يفرض عليك ذلك بل يستدرجك للوقوع في حب من وما أحب. كاميرته لا تبحث، تعلم دومًا ما تريده وحيث تجده، لكنها تتميز بحساسيّةٍ عالية للحضور والغياب، ففي حين تستمر متعتك بالتزايد خلال الجولة بين العجائب المعماريّة الساحرة خاصةً بهندسة تأطير الصورة للخروج بأفضل توليفة ممكنة بين شكل حدود كاميرته وما تحتويه تلك الحدود، هناك ثقل واضح لحضور العنصر الإنساني في الصورة، يُضيف لجاذبيّة مرافقة نجمَيه والإصغاء إليهما بشكلٍ تحس معه أنك في إحدى المرات القليلة التي تصادف فيها شخصيّات تثيرك وتُحب السهر معها والتمشية فقط للحديث، مع الإيقاع المضيف للجاذبيّة لورود الأحاديث وتدفّق الصور، بلقطات طويلة مستغرقة حيث تحب أن تستغرق وترفض القطع دون الحساسيّة اللازمة لزمنه والأخذ بعين الاعتبار ما يأخذك منه وما يأخذك إليه.

أداءات مُتقنة لا يُمكن معها تخيُّل طريق أفضل للشخصيات بين الورق والشاشة، لا يُمكن أن تُصبح أقرب إلى القلب وأكثر إغراءًا لمرافقتها مما كانته حين سكنت ملامح هالي لو ريتشاردسون وجون تشو. مع تصوير ممتاز من إليشا كريستيان حقق أفضل إفادة من جمال ما يستقر حولها بمنظورٍ للرؤية لا أظن أنه كان ليرغب مبدعوا ما صوّرته بمنظورٍ أفضل منه للاستمتاع بأعمالهم، وموسيقى بسيطة ومُجزية من هاموك.

حاز على 6 جوائز أهمها جائزة لجنة التحكيم في مهرجان الروح المستقلة، ورُشّح لـ 18 أخرى.

تريلر Columbus