أرشيف الوسم: أفلام دينية

Silence

“معاناتهم ثمنُ كبريائك”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج مارتن سكورسيزي
المدة 161 دقيقة (ساعتين و41 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.5

في ثانوية كاردينال هايز درس مارتن سكورسيزي ليصبح قسًّا، لكن سرعان ما وجد في معبد السينما منبرًا لم يجد مثله في الكنائس، ولطالما وجدت نزاعاته الروحية الدينية طريقها إلى عبقريته السينمائية لتثمر روائعًا وتفاصيًا تُدرّس، وهنا، في ملحمة الإيمان والشك التي كانت رحلته على طريق خلقها أطول من رحلة أبطاله يمكن القول أن سكورسيزي المؤمن وسكورسيزي أحد أهم وجوه صناعة السينما وصلا ذروة توازنهما.

في القرن السابع عشر وحين أصبح الدين المسيحي مخالفًا للقانون في اليابان، تصل أخبار الأب فيريرا (ليام نيسون) آخر مبعوث تبشيري متأخرةً لأعوام، وحاملةً أنباءً تؤكد أن نتائج بعثةٍ أخرى لن تكون أكثر إفادةً لانتشار المسيحية أو أقل أثرًا على دموية التعامل مع معتنقيها من سابقاتها، لكن رودريغيز (أندرو غارفيلد) وغاروبي (آدم درايفر) تلاميذ الأب فيريرا يرفضان تلك الأنباء ويقرران أن يتبعا أستاذهما إلى ما اعتُبر جحيم الدعوة.

بناءً على رواية الياباني شوساكو إيندو التي قرأها سكورسيزي منذ 29 عامًا وجعل نسختها السينمائية التي ستحمل اسم كاتبها واسمه حلمًا، كتب الحالم وصديقه جاي كوكس المسودة الأولى لنص الفيلم عام 1991، واستمرت المسودات تتوالى للـ 15 عامًا اللاحقة، لتبلغ النتيجة مستويات من الدقة والحساسية والتوازن صارخة التميز والانضباط، من الطبيعة الرصدية الصادقة لخط سير الأحداث، إلى الغنى الكبير في طبيعة الشخصيات وتنوعها واستبعاد الإجابات السهلة لدوافع أي تصرف، فكلٌّ يملك أسبابه وقناعاته وثقافته، ما دخل منها في إيمانه وما خلقه ذاك الإيمان، إلى استعراض اختباراتٍ دينيةٍ روحانيةٍ جدلية واستثارة أخرى بالسير على جمر الوعظية والتقليدية أو حتى ظهور محاولات تفاديهما مفيدين من تحول الحبر الذي استُعمل خلال كل تلك الكتابات إلى جدولٍ يطفئ انسيابه ذاك الجمر، ويروي ظمأنا لرحلةٍ سكورسيزيّةٍ بهذا الزخم.

إخراج مارتن سكورسيزي الشاب بحماسه وشغفه والأستاذ السينمائي السبعيني بعبقرية إتقانه لمشاركة ذاك الشغف يحبس الأنفاس، لا راحة لك طالما لا راحة لبطله، ولا راحة لبطله طالما سكورسيزي مصمّمٌ على أن لا يسمح لولعه بحكايته أن يدفعه لمساعدته أو مساعدتنا، اختباراته اختباراتُنا، ضيقه ضيقنا، “صلِّ بأعينٍ مفتوحة”، يقولها ظانٌّ أنه يرى لمن يظنُّ أن الحقيقة فيما لا يراه، ويصغي إليها سكورسيزي من وراء الكاميرا، ويجعل عينيك المقصودة طالما تمثلها كاميرته، وحين اشتداد المنافسة بين الصمت وصرخات العذاب التي تكسره سترغب بالصلاة، دون أن تصبح تلبية تلك الرغبة بالسهولة التي اعتدتها، خاصةً مع أثر ذاك الصمت الذي يثقل على قلبك تدريجيًّا بإيقاعٍ لم يخطئ غاية مبدعَيه سكورسيزي وثيلما شونميكر من قبل، المساحة التأملية في غنى وجمال الصورة، والإدارة والتوظيف الحسّاسين جدًّا لفريق ممثليه الكبير ليصل بهم إلى أن يصبحوا الركن الذي لا تقوم التجربة دون وصوله ما وصل من التميز والفهم لحجم المنتظر منهم.

أداء رائع يُشكّل ذروة ما قدمه المُثبت دومًا غنى قدراته أندرو غارفيلد بذل فيه كل ما يستطيعه ليقدم الصورة التي حلم بها سكورسيزي على مدى ثلاثة عقود، وكانها وكان على قدر الحمل المترتب عليه بالنتيجة على طول الرحلة، وكانت كلماته صدًى لملامحه لا مفسرةً لها، مع أداءات ممتازة من باقي فريق العمل وخاصّةً يوسوكيه كوبوزوكا في دور كيتشيجيرو، إيسي أوغاتا في دور المحقق إينويه، يوشي أويدا في دور إيتشيزو، شينيا تسوكاموتو في دور موكيتشي، وتادانوبو أسانو في دور المترجم، مما جعل تواضع أداء ليام نيسون يبرز كقصورٍ لا يُمكن مقاومة تخيل غيابه إن حل محلّه من يقدّر فرصةً كهذه.

من رودريغو برييتو تصوير لا يفوت فرصةً للإحاطة بكل ما يستطيعه من جمال وخلق لحظاتٍ للذكرى من الضباب المنذر ومن يخبؤهم خلفه وطريقة ظهورهم، من الليل الذي تكسر النار ظلامه لا نور القمر، ومن غنى الملامح التي يمر عليها.

حاز على 6 جوائز ورُشّح لـ 40 أخرى أهمها الأوسكار لأفضل تصوير.

تريلر Silence :

حقائق قد لا تعرفها عن The Passion of the Christ (الجزء الثاني)

عن المكياج وصعوباته وأثره في صناعة الفيلم، إصابات وحوادث أوشكت أن تودي بحياة جيم كافيزل، ميل غيبسون ونهجه في صناعة الفيلم والحدود التي ذهب إليها للحرص على واقعية وثقل أثره، استلهامٌ من مايكل أنجلو، تعليق على معاداة السامية، أثر الفيلم الحياتي المصيري في طاقم عمله وفي جمهور العرض الأول، مشاركة غيبسون أمام الكاميرا وتعليقه على ذلك، وخطةٌ لجزءٍ ثانٍ سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة The Passion of the Christ .

.

.

فيما يلي حرق لبعض أحداث الفيلم:

.

.

.

لم تكفِ روعة الأداءات بالطبع لتصوير الحدث كما يجب، فقد كان لقسم المكياج نصيب الأسد من أثر التجربة، بالبديل المطاطي القادر على التنفُّس الذي أُعِدَّ لمنح كافيزل فرصةً للراحة في مشهد الصلب قلما نالها، وساعات المكياج العشر في كل يومٍ من أيام تصوير مرحلة ما بعد الجَلد، لدرجة أنه عندما يتضح أن الظروف الجوية لا تسمح بالتصوير في يومٍ تم فيه وضع المكياج كان ينام كافيزل بمكياجه لتوفير إعادة العملية في اليوم التالي.

إلا أن صبر كافيزل على كرسي المكياج لساعاتٍ طويلة لا يعني أنه نجح في تجاوز الأسوأ، فربما تكون إصابته بالبرق أسوأ، والتي تبعها اثنتين كانا من نصيب مساعد المخرج جان ميشيليني، أو انخلاع كتفه بفعل سقوط الصليب عليه في مشهدٍ وجد طريقه إلى النسخة النهائية، أو تلقي ضربتين حقيقيتين بالسوط عن طريق الخطأ تبع الثانية تسببه لنفسه بالإضافة لندبتها بجروحٍ في معصمه لسحبه يديه بتوترٍ من الأغلال، أو إصابته بانخفاض حرارة الجسم الذي جعل لون جسمه يميل إلى الزرقة بفعل الصقيع الذي جرى خلاله التصوير.

وبالإضافة لكل هذا، يأتي اليوم التالي، ويتم عرض ما صوِّر في سابقيه، فيتنفس كافيزل الصعداء سعيدًا بالنتيجة وبأنها تستحق العناء، وفجأة، “لا يمكننا استعمالها” تصدر عن غيبسون، “ماذا تعني لا يمكننا استعمالها؟!” يقول كافيزل صائحًا، “إن انصب تركيزهم على الصليب سيخسره المسيح، سينظرون إلى الشيء المتمايل جيئةً وذهابا. انس الأمر، سنعيد التصوير” كان هذا جواب غيبسون الذي سبّبه اشتداد الرياح خلال التصوير وعبثها بثبات الصليب، وخمس أسابيعٍ من الإعادة لمشاهد الصلب وحدها كانت النتيجة.

حتى الموسيقى التصويرية طالتها الإعادة، فبعد إعداد ليزا جيرارد موسيقى شبه كاملة أخذتها التزاماتٌ أخرى فسُلِّم الأمر إلى جون ديبني لتكون النتيجة ترشيحه الأول والأخير حتى الآن للأوسكار، وبالإضافة لكل هذه العناية بالدقة ونتائجها المرهقة تم تصوير الفيلم بأكثر من 24 صورة في الثانية، لخلق حالة الحركة البطيئة في أغلب المشاهد لزيادة الثقل الدرامي، تم استشارة القس وعالم اللاهوت ومن أعد لاحقًا كتابًا عن صناعة الفيلم جون بارتونيك في إعداد كل مشهد تقريبًا، كما تم مونتاج الفيلم بناءً على أنه لن يكون مرفقًا بأي ترجمة أو موسيقى تصويرية، وستتولى الصورة كل شيء.

نعم هذه كانت نية غيبسون الأساسية، “ليس لـ لوحات كارفاجيو ترجمة، كذلك باليه كسارة البندق، لكنها تعبر إلى الناس، أعتقد أن الصورة ستتغلب على حواجز اللغة، هذا ما أتمناه” هذا كان جوابه عن سبب تفكيره في الاستغناء عن الترجمة، لكن النتيجة الكاملة وما بنيت عليه من نصٍّ أوليٍّ لا تعوزه الحوارات نبهته إلى أن خيار الاستغناء عن الترجمة كان يجب أخذه في عين الاعتبار منذ خُطَّ أول حرفٍ في النص، وطالما أن ذلك لم يتم وجب التنازُل ووضع ترجمة، لكن ليس كاملة، على الأقل لا تشمل جملة “سيكون دمه علينا وعلى أولادنا” المذكورة في الإنجيل والتي وردت في الفيلم بالآرامية على لسان العبرانيين، تجنُّبًا لتأييد مزاعم معاداة السامية.

وبالحديث عن لوحات كارفاجيو فإن اللقطة الطويلة للمسيح ممدّدًا بين ذراعي أمه بعد إنزاله من على الصليب قد استُلهِمت من تمثال مايكل أنجلو الشهير “لا بييتا”، وبالحديث عن معاداة السامية لا بد من ذكر تعليق الناقد جيمس ساوثهول على الاتهامات بقوله: “هذا يشبه القول أن Patton يعادي الألمانية”.

العديدون من طاقم الفيلم اعتنقوا الكاثوليكية نتيجة تجربتهم في صنعه ومنهم من قام بدور يهوذا الإسخريوطي ومن كان ملحدًا في الأصل لوكا ليونيلّو، بينما أصيبت امرأةٌ في السادسة والخمسين من عمرها تُدعى بيغي سكوت بسكتة قلبية خلال مشاهدتها للصلب في أول يوم لعرض الفيلم في أربعاء الرماد، ليتم نقلها إلى المستشفى حيث توفيت.

“أنا من وضعه على الصليب، كانت خطاياي من وضعته هناك” مما قاله غيبسون عن مشاركته في الفيلم كيدين تدقان المسامير في جسد المسيح، “المسيح مثيرٌ للجدل الآن كما كان في كل عصر، لم يتغير الكثير بعد 2000 عام” وهذا مما قاله كافيزل عما أحدثه الفيلم بمسيرته.

في حزيران الماضي تم إعلان أن غيبسون يعمل على استكمال ما بدأه منذ 12 عامًا بفيلمٍ عنوانه “Resurrection” يروي قصة قيام المسيح يشاركه كتابة نصه كاتب “Braveheart” راندال والاس، وسيستغرق صنعه ثلاثة أعوامٍ على الأقل لأنه سيكون إنتاجًا ضخمًا.

“أردته صادمًا بالدرجة القصوى، كي يروا عظمة تلك التضحية، ليروا أن هناك من يحتمل كل هذا ويعود بالحب والغفران، حتى عبر ألمٍ لا يُطاق ومعاناةٍ وسخرية”~ ميل غيبسون.

حقائق قد لا تعرفها عن The Passion of the Christ (الجزء الأول)

اتُّهم بمعاداة السامية وعدَّ سببًا لغضبٍ وجّه ضربةً لمسيرة صانعه لم تتعاف منها إلا الآن بعد 12 عامًا من صدوره، يحتل المركز الأول على قائمة Entertainment Weekly لأكثر الأفلام إثارةً للجدل في التاريخ، الفيلم المستقل والفيلم غير الناطق بالانكليزية الأكثر أرباحًا في التاريخ، لم يُعرض في إسرائيل لأن أحدًا فيها لم يجرؤ على التسويق له، وفيه ذُكر اسم ميل غيبسون لأول مرة كاتبًا للنص، The Passion of the Christ وقصة صنعه.

عام 1994 حين كان ميل غيبسون في قمة نجوميته التي جعلت استغلالها بأن يكون بطلًا لـ”Braveheart” شرطًا للسماح له بإخراجه، ومتأثرًا بكتاب “The Dolorous Passion of Our Lord Jesus Christ” لـ آن كاثرين إمريك الذي قرأه بالصدفة، أحس بحاجةٍ ملحّة إلى تجربةٍ يتحد فيها فنه مع إيمانه الذي وجد فيه المنقذ من ضياعٍ مُغرٍ بمرافقته للنجومية، وبدأ ينمو داخله حلم صناعة فيلم عن آخر 12 ساعة في حياة السيد المسيح والتي كانت فيها ذروة عذاباته.

وطبعًا لم يتوقع أن يكون مشروعٌ كهذا في المستقبل القريب خاصةً بنيته المسبقة بعدم الاعتراف بأية حدودٍ لا يضعها هو، واحتياج المشروع لدعمٍ مادّيٍّ كبير قد تصبح شركة الإنتاج التي أسسها “Icon Pictures” قادرةً على تقديمه يومًا ما، وبدأ العمل على نصه بالاشتراك مع بينيديكت فيتزجيرالد بهدوء مستعينًا بعدة علماء لاهوت، وإن كان الهدوء في حال الاقتراب من موضوعٍ كهذا حلمًا بعيد المنال.

ترجم ويليام فولكو البروفسور في جامعة لويولا ماريماونت النص إلى اللاتينية والآرامية وبعض العبرية بناءً على طلب غيبسون الذي أراد أخذ مشاهديه إلى الماضي السحيق بكل واقعيته وقسوته لا تكييفه مع حاضرهم، ولدى اكتمال النص كما ارتآه بدأ الإنتاج بشركته مغامرًا بـ 45 مليونًا من خزينتها، 30 منهم لإنتاج الفيلم و15 لتسويقه، مبررًا ذلك حين سُئل عن سبب هذه المغامرة عام 2002: “هذا فيلمٌ عن أمرٍ لا أحد يريد الاقتراب منه، صُوِّر بلغتين منقرضتين، في لوس أنجلس يظنونني مجنونًا، ربما أنا بالفعل كذلك.”، واستمر الأمر حتى قام غيبسون بتسويق الفيلم بنفسه عن طريق شركة “Newmarket Films” بعد احتشاد مظاهرات احتجاجية بمجرد عرض الفيلم على “20th Century Fox” لتوزيعه جعلتها لا تُفكر حتى في الأمر.

كان ماكولاي كالكين الخيار الأول لدور البطولة لكن تم استبعاده بعد تجربة أداء اتضح منها أنه أصغر مما يجب، ليعبر الدور من اقتراحٍ إلى اقتراح حتى يصل إلى جيم كافيزل، والذي ما إن عُرض عليه الدور قَبِل، فاتصل به غيبسون بعد خروجه من اجتماعهما بـ20 دقيقة متوسّلًا إياه أن يفكر مليًّا مرجّحًا الرفض لأن هذا الفيلم سيكون نهاية المسيرة التي يحلم بها، فحسب قوله، هوليوود لن تغفر له ذلك، وبالفعل، حتى الآن لم تفعل، وحتى الآن لم يندم كافيزل على قراره، “على كلٍّ منا أن يعانق صليبه” قالها كافيزل ردًّا على قول غيبسون: “لن تعمل في هذه البلدة مرةً أخرى.”.

لحسن الحظ لم يكن هذا مصير الرومانية مايا مورغنسترن التي كان الفضل في انضمامها للمسؤولة عن اختيار الممثلين والتي لم يعنها لسانٌ أو لون وإنما كانت غايتها الأولى والأخيرة الموهبة والقدرة شايلا روبين، فـ مورغنسترن لا تعنيها هوليوود، وإنما يعنيها ما ترك فيها فنها من بصمةٍ لا تُنسى، “أردتها أن تختبر المعاناة مع درجةٍ معينة من القبول، مفجوعةً لكن دون أن يجد ذلك سبيلًا إلى انهيارها، أردت فيها صلةً وفهمًا روحيَّين لما يجري، وبهذا الفهم ستحتمل ما لا يحتمله بشر. لفعل ذلك تحتاج إلى ممثلةً تفيض عاطفةً وروحانية، ومايا بالطبع هي تلك الممثلة، كانت بلا شك مثالية”، من كلمات ميل غيبسون عن تجربته مع مورغنسترن.

عن المكياج وصعوباته وأثره في صناعة الفيلم، إصابات وحوادث أوشكت أن تودي بحياة جيم كافيزل، ميل غيبسون ونهجه في صناعة الفيلم والحدود التي ذهب إليها للحرص على واقعية وثقل أثره، استلهامٌ من مايكل أنجلو، تعليق على معاداة السامية، أثر الفيلم الحياتي المصيري في طاقم عمله وفي جمهور العرض الأول، مشاركة غيبسون أمام الكاميرا وتعليقه على ذلك، وخطةٌ لجزءٍ ثانٍ سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة The Passion of the Christ .