أرشيف الوسم: أفلام عربية

الأحلام الكبيرة والحياة

السفر إلى بلدٍ أفضل حيث تُقدّر مواهبك وجهودك، تأسيس فرقة موسيقية، الانضمام لفريق كرة قدم، التمثيل، افتتاح معرض للوحاتك، أن تحب، وأن تتزوج ممن تحب. أحلامٌ تراها تنتهي فيمن حولك في معظم الأحيان إلى فشل محاولات الحصول على تأشيرة، ثلاثين مشاهدة للفيديو الوحيد للفرقة الموسيقية على اليوتيوب الذي نُشر منذ خمس سنوات، كرش يحاكي حلم كرة القدم بكرويّته المتينة، انحصار التمثيل في مقالب التظاهر بموت أحدهم، دفتر رسمٍ ضاع وضاعت معه الحاجة للإتيان بغيره، ولقاء غير مريح بين حبيبين سابقين يسأل فيه كل واحدٍ منهم الآخر عن آخر تطورات الأحلام، دون جواب. بعض هؤلاء فضلوا انتظار الفرصة، بعضهم بذل كل ما يستطيع لصنعها ولم تجد الحياة كل ما يستطيعه كافيًا، بعضهم اكتشف أنه وذويه بحاجةٍ للطعام والشراب أكثر من أي شيء، وبعضهم لم يجد ذويه أنه قادرٌ على تحمل مسؤولية أن يحلم فاختاروا له أحلامًا أفضل. هذه نبرة واقعية وليست تشاؤمية، فالأولى تجعلك أقرب ما يمكن للقلة الذين يبلغون أحلامهم، والثانية تجعلك ممن ينمو لهم كرشٌ وهم ينتظرون الفرصة خلال مشاهدتهم مسلسلًا تركيًّا مدبلجًا. ومن أجل تعزيز الاولى اخترتُ لكم هذه الأفلام.

الفيلم الأول:

Requiem for A Dream – Darren Aronofsky

أحد أكبر انتصارات السينما المستقلة فنيًّا وجماهيريًّا، ضمن قائمة مجلة Premiere لأخطر 25 فيلم في التاريخ، فيه الأداء الذي اعتبرته صاحبته القديرة إيلين برستين أهم إنجازٍ في مسيرتها، غزت موسيقاه ذاكرة الملايين ممن لم يشاهدوه حتى، وكان نقطة تحول تاريخية لمخرجه الشاب بعد أن أنقذه من أدراج الاستديوهات الضخمة التي قلما يخرج نصٌّ استقر فيها مرة. ويروي قصة أربعة أشخاص تتنوع علاقاتهم بين أمٍّ وابنٍ وصديقين وحبيبين مع الإدمان.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

La La Land – Damien Chazelle

من النادر أن ينفر فتيٌّ من هوليوود، لا بد أن تكون المرحلة الأولى على طريق السينما لأنها الأسهل وتأتي إليك على طبق، ولأنها أرض الأحلام التي تبشّرنا بأننا سنحقق كل ما نؤمن به ونبذل كل ما نستطيعه في سبيله، لكن عامًا بعد عام وتجربةً حياتيّةً بعد أخرى، تجد نفسك غالبًا في شبه مفترق طرق، إما التعاطي مع الواقع وخيباته بما يقتضيه وجعل شاشات هوليوود مهربًا تلجأ إليه في الأوقات المستقطعة إلى أحلامٍ أدركت أن أغلبها أوهام، وإما النفور ممن تاجر بأحلامك ومشاعرك ورسم طريقًا لك إليها لن تجده في أي أرض، لكن هناك طريقٌ آخر في ذاك المفترق، لذاك الذي يُقدّر الصدق عند من يُلامس الواقع، وعند الحالمين، سواءً أبُني على واقع أم على خيال، صدقه هو الأهم بقدرته على تغذية ما يشاركك فيه، حب الحلم، وهذا ما تجتمع على امتلاكه أغلب كلاسيكيات هوليوود التي تحدت الزمن، وعاش الكثيرون على صورها ومنهم من أصبح جزءًا منها، كـ داميان شازيل، والذي يقوم الآن برد الجميل لمن أعانوه على احتمال الحياة بأن يؤمن بغَدِه كما آمنوا، مقاربًا سحر عالمهم إلى عالمنا، في أحد أروع سينمائيات الغزل من عاشقٍ للسينما لمعشوقته.

في زحام لوس أنجلس، قدرٌ يجمع سيباستيان (رايان غوزلينغ) المهووس بموسيقى الـ جاز وإحياء أيام مجدها، وميا (إيما ستون) الطامحة لتكونَ نجمةً كمن عشقتهم في الأفلام التي نشأت عليها، ليُغير مصائرهم وسُبُلهم إلى تلك المصائر كما لم يتخيلا.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

الكومبارس – نبيل المالح

سالم (بسام كوسا) حالمٌ مضى على خطوته الأولى في طريق حلمه أكثر مما يجب ولم تتبعها بعد أخرى، فما زال يعمل ككومبارس في المسرح، وعاملٍ في محطة للوقود، لكن أمراً يهون كل هذا، وهو حبه للأرملة ندى (سمر سامي)، والتي سيستطيع للمرة الأولى قضاء بعض الوقت برفقتها دون أن يشعروا أن كل عينٍ حولهم خُلقت لتراقب تحركاتهم.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً وتحميل الفيلم من هنا.

لا يوجد تريلر للفيلم للأسف.

الفيلم الرابع:

Hazaaron Khwaishein Aisi – Sudhir Mishra

“كانوا شعراء بشكلٍ ما، في حياتهم نوعٌ من الشّاعريّة، وأحسست أنه قد حان الوقت لإخبار أطفالهم عن حياة آبائهم. لأن أطفالهم هم شباب اليوم. سأحب أن أن تأتي الأمهات وبناتهن والآباء وأبنائهم لمشاهدة الفيلم مع بعضهم. ليعلموا عن الوقت الذي وقع فيه آباؤهم في الحب، حين كان للحياة معنًى والتغيير ممكنًا. حين لم تكن توافق على كل شيء. حين لم تكن المعارضة كلمةً سيئة. حين لم تقبل حال بلدك الذي أورثه لك آباؤك، وحين كان لديك أفكارك الخاصة”، بهذه الكلمات وصف سودهير ميشرا دوافعه لصنع هذا الفيلم الذي عُدّ كـ أغنية البجعة للأحلام غير المحققة.

لمحة عن قصة Hazaaron Khwaishein Aisi
عام 1969 حين كانت حركة الناكسالايت اليسارية المتطرفة المتبنية للشيوعية بشكل رئيسي في بداياتها وعلى طريق الانتشار السريع، يجمع القدر سيدهارث (كاي كاي مينون) وفيكرام (شايني أهوجا) على حب غيتا (شيترانغدا سينغ)، في حين يفرقهم فكريًّا بين ناكسالايتيٍّ  معصّب، وباحثٍ عن مكانٍ يضمن له حياةً مترفةً مستقرّة لم يعرفها من قبل بغض النظر عن السلطة الموجودة. ويروي الفيلم قصة هؤلاء الثلاثة وافتراق طريقهم وتقاطعها على مدى عقدٍ من الزمان.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

Kai po che! – Abhishek Kapoor

أول فيلم هندي يُعرض في قسم بانوراما السينما العالمية في مهرجان برلين حيث كان عرضه الأول. ويروي قصة ثلاث أصدقاء في مطلع الألفية يحاولون تأسيس أكاديمية لتدريب الكريكيت بحيث تكون مشروعهم الحياتيّ وتُقدّم للهند أبطالها القادمين في الرياضة التي عُرفت بها.

لا يوجد تريلر مترجم للفيلم للأسف.

Lost Collar of the Dove

“يلهثُ الناس خلف حلمٍ ثم يلقونه ولا يعرفون”

السنة 1991
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج ناصر خِمير
المدة 86 دقيقة (ساعة و26 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة العربية
تقييم IMDB 7.2

بدأ التونسيّ ناصر خِمير ثلاثيته التي تُعد من أثمن الجواهر في تاج السينما العربية بباحثينَ عن كنزٍ لا يدركون ماهيته وما يحمله طريقه لهم، في حين عرف مشاهدوا الفيلم أن الكنز هو اكتشاف خِمير نفسه والطريق غير المألوف الذي ابتدعه بسينماه مُفيدًا من هويته المرتبطة بالأساطير والحكايا وقصص ألف ليلةٍ وليلة، واستمرت ثيمة البحث محورًا لخطاه القادمة، وهنا، يبحث خمير عن معنى الحب.

حسن (نافين تشودري) طالبٌ خطّاط شغلته الكلمة التي تسكن كل قصةٍ وكل كتاب، الحب، فبدأ بالبحث عن معناها عن طريق جمع كل كلمةٍ في اللغة العربية ترتبط بها، وفي طريقه يعثر على بقايا حلمٍ في ورقةٍ نصف محروقة فيها بعضٌ من صورةٍ وبضع كلماتٍ ستغير حياته.

كتب ناصر خِمير نص الفيلم، مسحورًا بعصرٍ لا يسعى لتأريخه، متأثّرًا بآلام واقعٍ لا يُبصرها الكثيرون فيأتي بما غاب بسببها ليفتح أبصارهم، وحالمًا عاشقًا لكن ليس فقط لبشر، والنتيجة مرتكزةٌ إلى كل ما سبقَ وأكثر دون وضوح أي خطٍّ فاصلٍ بين ركنٍ وآخر، فالشخصيات بين التاريخية والفانتازية، الأحداث بين الحقيقية سهلة الربط بتجاربٍ وتأملاتٍ نختبرها والخيالية غير البعيدة عن خيالاتٍ وأحلامٍ نشأنا على مثلها، والحوارات تتناسب وما سبق ليصبح ورود أبسط الكلمات وأكثرها فصاحةً وفلسفةً متسقًا ولا إقحام فيه، محسنًا استغلال مواطن غنى وشاعرية الفصحى.

إخراج ناصر خِمير بإيقاعه الناعم كحواف الحرف المسافر لا يترك شغفًا ملكه إلّا ومرَّ عليه ليملك قلبنا به، دكاكين الورّاقين في الأندلس وهي في قمة زهوّها، قباب وأعمدة المساجد المزخرفة، المخطوطات وتفاصيل الجدران والأعمدة في الحارات والممرات الحاملة جميعها لغزلٍ بالخط العربي وانحناءاته، واللوحات البصرية التي يخلقها من التكوينات التي تستعرض ما سبق كلًّا على حدة أو باجتماعٍ آسر الدقة والعناية، وعلى عكس فيلمه السابق الذي لم تملك فيه كاميرته حدودًا في الصحراء الواسعة، هنا أغلب أحداث الفيلم بين الجدران وخلف الأبواب، كأسرار المحبين، لكن هذا لا يقف أمام كاميرته ليجعل تلك الأماكن المحدودة عالمًا يفيض شعرًا يذيب حدوده، وحين تنتقل الأحداث إلى خارج تلك الجدران والأبواب نرى من لطالما كان مولعًا بها تبادله التقدير، نرى الصحراء وقد هذبت بعض معالمها لتناسب رقة ما يروي، وتشارك طبعًا بالبطولة.

لكن لسببٍ أجهله، وبعد كل هذا، يقوم خِمير بخيارٍ غريب يُضرّ بمحور عمله، الدبلجة بإلقاءٍ شبه كارتونيّ بدل الإتيان بمن يتقنون اللغة التي لم تُصَغ لها قصيدةٌ سينمائية بهذا المستوى من قبل.

أداءات جيدة جدًّا من فريق العمل، تصوير ساحر أنصف شاعرية وغنى رؤية خِمير من جورج بارسكي، والذي ما كان ليجد كل ذاك الجمال المُلهم أمامه لولا تصميم إنتاج إنريكو فيورنتيني وتصميم أزياء نعمة جازي ومود بيرل، مع موسيقى استطاعت أن تكون رُكنًا في العمل لا مُجرّد مرافقٍ لصوره من جان-كلود بوتي ستذكرها وتهمهم بها طويلًا.

حاز على الجائزة الخاصة للجنة التحكيم في مهرجان لوكارنو.

لا يوجد تريلر للفيلم للأسف.

Wanderers of the Desert

“لا يدخلها إلا المُحبّون”

السنة 2016
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج ناصر خمير
المدة 95 دقيقة (ساعة و35 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة العربية
تقييم IMDB 6.9

هناك حكمة طوارقيّة تقول: “هناك أراضٍ ملأى بالماء لصحة الجسد، وأراضٍ ملأى بالرمال لصحة الروح”، وهذا ينطبق بشكلٍ آسر ومبهر على فيلم الكاتب والشاعر والخطّاط الذي نُشر له 12 كتابًا، الرسّام والنّحّات الذي أقام معرضًا لـ260 لوحة و409 من أعماله النحتيَّة، الناشئ على حكايات ألف ليلة وليلة والمولع بها بشكلٍ معدٍ جعله يُدعى لقصّها على خشبة مسرح شايّو الوطني في فرنسا، والسيناريست والمخرج والممثل، التونسيّ ناصر خِمير.

يُبعث أستاذٌ (ناصر خمير) إلى قريةٍ نائيةٍ في الصحراء لا يجد لها دالّين أو عارفين، وهناك يُشغل عن غاية إرساله بقصصٍ وظواهرٍ لا سبيل إلى لمس الخط الفاصل بين حقيقتها وخيالها، باحثٌ عن كنزٍ أسطوريّ، حاجٌّ (عبدالعظيم عبدالحق) يروي ما يصعب فهمه، هائمون طائفون مترنّمون يُخشى لقاؤهم بقدر ما يُرغَب، وفتاةٌ (سونيا إيشتي) ساحرة وغامضة الحضور لا يصدر عن شفاهها إلا ما صاحبه نغم.

كتب ناصر خِمير نص الفيلم، مستعينًا بصلة روحه بالصحراء، والتي عُرِفَ عنها تَجَلّيها فيما يتجلى للتائه فيها من شخصياتٍ من خياله يسترشد بها، بينما هو في الحقيقة يقترب من فهمٍ أكبر لنفسه ككلٍّ وجزءٍ من كل، وتلك الشخصيات أبطال فيلمه، الأبطال المرئيون، أما البطل الحقيقي فهو الصحراء وما لها فيهم، وبقدر ما يظهر أن لا حدود للأفكار والخيوط الدرامية التي يمكن الإتيان بها من ذاك الإطار، بقدر ما يستطيع خِمير ضبط حكايته كمفسّرٍ لحلم، حيث يرسي دعائمها في واقع الحالم ويجعل حدود ما يرتكز لتلك الدعائم السماء، لذلك تبدو المشاهد كما لو أنها ومضاتٌ في خيال حالمٍ أنهى لتوه قراءة آخر حكايا ألف ليلة وليلة، لكنها أيضًا متكاملةٌ باجتماعها وتفاعلات الشخصيات ضمنها وترتيبها.

ومضاتٌ في خيال حالم، يمكن أن تعطي قراءة المشاهد في نص خِمير ذاك الانطباع لدى تحويل القارئ لها لصورٍ في خياله، لكن لا يمكن لخيال القارئ تصور إمكانية أن تصبح تلك الصور حقيقةً مرصودةً بكاميرا، وهذا بالفعل لم يحدث، ما حدث أن خِمير صنع صورًا أجمل وأكمل وأكثر قدرةً على نقلك لعالمٍ آخر، مع تصميم إنتاج روبرت ناربون وتصميم أزياء مود بيرل اللائقين بالأسطورة غير المحدودة بزمن التي يريد خِمير خلقها، ومع الكثبان الرملية وما تحمله منها الريح وما تشارك فيه الشمس من تدرّجاتٍ لونيّة، مع الصحراء، تصبح روحانية الصلة بين أبطاله وأساطيرهم وحكاياهم وهويتهم مرئية، وبالإيقاع التأمُّلي المستغرق يصبح مستكشفًا معك لا راويًا لما عرفه، مستكشفًا طامعًا دومًا بالمزيد، كالهائمين، كمن ستجد نفسك بينهم بعد أن يحل ظلام الصورة الأخيرة.

أداءات ممتازة من فريق العمل عدا خِمير نفسه الذي لم يُضف شيئًا تقريبًا لأي مشهدٍ له بشكلٍ غريب، على عكس الفتى المتميّز سفيان مَكني، مع تصوير مُتقن من جورج بارسكي يُسهّل استدراجك إلى الصحراء، وموسيقى كترنُّم الأجداد أضافت لصوفيّة الحالة من فتحي زغوندا.

حاز على السعفة الذهبية في مهرجان فالنسيا.

تريلر Wanderers of the Desert :

أقوى أفلام الجرائم التي شرّعتها المجتمعات العربية

احترام العادات والتقاليد، المحافظة على الشرف والأخلاق، وجوب إطاعة أولي الأمر، اتقاء شر ألسنة الناس، وأبوابٌ أخرى كثيرة حين تدخل منها أكبر الجرائم في مجتمعاتنا تصبح بطولات، بينما تأطير أي فعلٍ بكلماتٍ كالعيب والحرام والعار أو ما شابه يحيله جريمة، فنرى الواحد من أطفالنا يتباهى أمام أبويه بعراكٍ كسبه لحقٍّ كان أم لباطل، بينما يرتجف خوفًا إن سأله أحدهما: “هل تحب ابنة الجيران؟”، ولذلك نجد الأفلام التالية تُمنع في بعض البلدان العربية أو تُحذف منها بعض المشاهد، وتوصف في أخرى بالجريئة، فهي تروي واقعًا من “العيب” مناقشته.

الفيلم الأول:

دعاء الكروان – هنري بركات

3- دعاء الكروان

يروي الفلم قصة عائلة بدوية مكونة من أم (أمينة رزق) وصبيتين هنادي (زهرة العلا) وآمنة (سيدة الشاشة العربية: فاتن حمامة)، بعد أن قتل الأب نتيجة تعرضه لنسوة في القرية ذهبت حمية أهلهم بروحه، وطرد أهل بيته بعد موته من القرية بقرار من خالهم، فلن يتركهم يعيشون بسلام وعار أبيهم يغطيهم وإن حماهم فسيغطيه، والأم التي لا تملك إلا البنات تذهب بهم إلى مكان ريفي غزا التمدن ملامحه،  وهناك تذبح كل يوم وهي ترى بناتها ذاهبات للعمل خادمات في بيوت لا تعرف أصحابها ولا تأمنهم، لكن هنا في المدينة إما التمسك بالتقليد والعرف وإما التمسك بالحياة، ولكن بماذا ستأتي خيانة العرف؟ وإلى من اللجوء؟ إلى الخال الذي شرد وغرب؟ إلى القرية التي لم يلقي أهلها السلام عليهم حين تركوا فيها طفولتهم وسقفًا حماهم من الدنيا؟ أم إلى الرمال التي ستؤوي أجسادهم بعد أن تفارقها الروح في جملة ما فارقوه؟

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً والحصول على رابط مشاهدة الفيلم من هنا.

الفيلم الثاني:

الحرام – هنري بركات

2- الحرام

طفل رضيع لم يكمل من الحياة ساعة، ميت على كومة قش بجانب شجرة، لكن لون جسده لا يدل على أنه موت طبيعي، وظروف قتل كهذه تؤكد أن قاتله ما هو إلا المرأة ذاتها التي أخرجته للحياة، أي قلب ملكت؟، أي امرأة هذه التي تقتل ابنها حتى إن كانت لا تريده، لِمَ لَمْ تتركه بسلام؟، ربما فعلت “الحرام” حتى حملت به واعتقدت أنها بهذا قتلت ذنوبها، كل هذه افتراضات حتى الآن، فهل يمكننا افتراض سيناريوهات أخرى أم أننا تعلمنا واحدًا؟؟ سيناريو “الحرام”..

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً والحصول على رابط مشاهدة الفيلم من هنا.

الفيلم الثالث:

الطوق والإسورة – خيري بشارة

cover2

تجري أحداث الفلم في قرية الكرنك في مصر عام 1933،ويحكي عن امرأة اسمها حزينة (فردوس عبدالحميد) وحتى الاسم لا يكفي ما بها، وعائلتها المكونة من زوج مريض (بخيتعزت العلايلي) وصبية (فهيمةشريهان) تنهشها عيون أهل القرية لجمالها، وابن سافر ذات يوم ليجد طريقه إلى المستقبل في السودان ولكن دون أن يعلموا ميعاد رجوعه، وحين تظن حزينة أن الفرح قد تذكرها حين زوجت ابنتها، تجد زوج ابنتها يعاني من علة تؤخر حبل فهيمة وفي مجتمع كهذا لا علة في رجل، فمولد الأنثى نذير وتربيتها عذاب وبلوغها غضب من الرب لا يُتَّقَى إلا بتزويجها لأول طالب، لا تفرحي يا حزينة فأمامك مصاب جديد..

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً والحصول على رابط مشاهدة الفيلم من هنا.

الفيلم الرابع:

يا خيل الله – نبيل عيوش

4- يا خيل الله

ياشين (الفتى: أشرف أفير– الشاب: عبدالحكيم رشيد) الفتى الذي يأمل أن يصبح حارس مرمى يعيش تحت حماية أخيه حميد (الفتى: سعيد العلمي – الشاب: عبدالإله رشيد) ذو الشخصية العنيفة المتسلطة في أحد أحياء سيدي مؤمن حيث يصعب العيش بلا تبعية لأحد العصابات أو حماية ممن يستطيع الوقوف في وجههم، نبيل (الفتى: زهير صبري – الشاب: حمزة صويدق) هو صديق ياشين الأقرب والذي يعيره أبناء الحي بأمه التي تعمل في الدعارة، فؤاد (الفتى: بوشعيب سعكين – الشاب: أحمد الإدريسي العمراني) صديق الأخوين ومعيل لأخته وجدته المريضة، هل يمكن لهؤلاء الأربعة ان يكونو بذرة جيدة لجهاديين وانتحاريين؟

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

3000 ليلة

“مجرد فيلم..”

السنة 2016
تقييم أفلام أند مور 5/10
المخرج مي المصري
المدة 103 دقيقة (ساعة و43 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من عنف وحساسية الموضوع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة العربية
تقييم IMDB 7.5

قد يحمل الفيلم الروائي الطويل الأول للفلسطينية مي المصري بعض البشرى بما يمكن أن تقدمه، لكن المشكلة أنها جعلت البحث عن تلك البشرى أمرًا مضنيًا وسط الخيبات التي تملأ عملها وتؤكد أنه مجرد فيلم، ولا داعي للتأثر به أكثر مما ينبغي.

ليال (ميسا عبدالحميد) مدرسة أطفال في الضغة الغربية يتم القبض عليها إثر إسعافها لمصاب بتهمة مساعدة إرهابيين، ويروي الفيلم قصة أيامها وراء القضبان والقرارات المصرية التي اضطرت لاتخاذها هناك.

بناءً على قصة حقيقية كتبت مي المصري نص الفيلم، لا تعرف شخصياتها فلا نعرفهم، أسماءٌ على ورق لا ملامح لأصحابها وإنما بجانب كل اسمٍ صفة تتألف من كلمة واحدة بسيطة هي إحدى اثنتين: “طيب – شرير”، قيل لبعض الممثلين أن يتظاهروا بأنها أسماؤهم وأن يقوموا بكذا وكذا وكذا، بغض النظر عن وجود الدافع المنطقي لقيامهم بذلك إلا كونه بقمة النمطية والسذاجة السائدة، مع حوارات تدعم هذه النمطية والسذاجة، مما يجعل اتجاهها الوعظي قاصرًا عن أن يحقق أي أثر.

إخراج مي المصري أحسن حالًا من نصها لكن ليس بكثير، التميز فيه لا يعدو كونه تفريغ لبضع صورٍ جميلةٍ شاهدتها في بعض الأفلام فأعادت تكوينها، ودون مراعاة إدراجها في اللحظة المناسبة أحيانًا، أما ما تبقى فمحاولاتٌ خجولة لخلق ضغط نفسي ناتج عن تواتر عالي للمشاهد المؤلمة، لكنها خجولة بحيث تفشل في معظمها في تحقيق أي أثر، خاصةً مع وضوح خوفها من خدش ممثليها لدرجة إخراج المشاهد من الحالة كليًّا عدة مرات، كما تضيع فرصًا عظيمة نراها بوضوح، ونرى ضياعها بوضوح.

أداءات جيدة نسبيًّا من فريق العمل كون شخصياتهم فقيرة حتى على الورق، وتصوير جيد من جيل بورت.

حاز على جائزتين ورشح لـ3 أخرى أهمها جائزة أفضل فيلم روائي طويل أول في مهرجان لندن.

تريلر الفيلم:

عشى ليلي

“ثلاث دقائق وسنين وبضع صور..”

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج غفران ديروان
المدة 3 دقائق
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة العربية
تقييم IMDB لا يوجد

موجة من الإعجاب والتقدير سرت بين جماهير العديد من المهرجانات السينمائية العربية بعد ثلاث دقائقٍ أمام شاشة عرضٍ للأفلام القصيرة، وذلك لأثرٍ استثنائيٍّ حققته صانعة الفيلم ذو الدقائق الثلاث ذاك لا يختبرون مثله كثيراً، حققته السورية “غفران ديروان” بهذا الفيلم، بتجربتها الأولى!

كانت هي كاتبتها ومخرجتها وأبطالها بضعة أيدي وأدوات طعام، أبطالها أفكارٌ مصادرها معقدة، فتحل تلك العقد بشوكٍ وملاعق وتقدمها وجبةً يستسيغها العقل، ولا تقوم بنفسها بتلقيمه إياها، بل تترك تفاصيلها تعبر من عينيه بصورٍ معدةٍ ومرتبةٍ بعناية بمساعدة المصور “هيثم عباس”، تصاحبها موسيقى مختارة بحس جميل، وإنسانية ما يعبر مع تلك الصور بسلاسة يدعم استمرارية ورقي أثرها، إلا أن الأمر لا يخلو من بعض الاضطراب في رسم الحركة يجعل التجربة على بعد خطوةٍ أو اثنتين من غايتها كاملةً.

شارك الفيلم في عدة مهرجانات للأفلام القصيرة أبرزها: مشكال والفيلم العربي القصير في لبنان، خطوات في اللاذقية بسوريا، أيام المثنى والقمرة بالعراق، الخرطوم في السودان، والاسكندرية بمصر.

الكومبارس

“شو يعني لأنو مواطن لازم يموت؟!”

السنة 1993
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج نبيل المالح
المدة 100 دقيقة (ساعة و40 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب الإيحاءات الجنسية وبعض المشاهد
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة العربية
تقييم IMDB 7.5

فيلمٌ كهذا يمكن أن يحل سوء التفاهم الذي يحصل عندما يسأل أحدهم: “ما سبب فقر السينما العربية؟”، فغالبًا نجد الجميع يتسابقون لقول الإجابة الشهيرة “ليس لدينا إمكانيات هوليوود”، وكأن من يسأل يقصد عدم امتلاك العرب لسوبر مانهم وبات مانهم الخاصّين، بينما جل ما يتمناه أن نصنع أفلامًا كهذا، المزيد منها، إن لم يكن العبقري السوري الراحل نبيل المالح بحاجةٍ لأكثر من منزلٍ وممثلَين لصنع هذه الرائعة، فهل لم يعد لدينا منازلٌ وممثلين؟!

سالم (بسام كوسا) حالمٌ مضى على خطوته الأولى في طريق حلمه أكثر مما يجب ولم تتبعها بعد أخرى، فما زال يعمل ككومبارس في المسرح، وعاملٍ في محطة للوقود، لكن أمراً يهون كل هذا، وهو حبه للأرملة ندى (سمر سامي)، والتي سيستطيع للمرة الأولى قضاء بعض الوقت برفقتها دون أن يشعروا أن كل عينٍ حولهم خُلقت لتراقب تحركاتهم.

كتب نبيل المالح نص الفيلم، وأبدع في اختيار شخصيتيه الرئيسيتين بحيث تكونان قادرتين على حمل عبئ زخم أفكاره، وعبقريته بأنه لم يقم بذلك بجعلهما فيلسوفين ساخرين، على العكس تماماً، قمة البساطة وقمة الغنى، وحوارٌ لا شك في تلقائيته يقود القصة، ولا شك في ذكاء ومكر صياغته، فتحار أقيل ما سمعت فعلاً أم أنك تسمع أكثر مما يقال، حتى تدرك أن كلاهما صحيح.

إخراج نبيل المالح يخلق جاذبية وحميمية استثنائيتين للمساحة الضيقة التي يتحرك ضمنها، وبدل أن يجعلك المراقب الذي هرب بطليه منه يجعلك مثلهما هاربًا، وذلك بدفءٍ تحسه قربهم يتسرب إليك عبر تفاصيل المالح، سواءً بطريقة تهيئة المكان وطريقة رسم التنقلات ضمنه وتوزيعها بين فتحات النور، أو بمدى البعد عن أبطاله والقرب وحينهما محققًا أفضل استغلالٍ لمواهبهم.

أداءات رائعة من بسام كوسا وسمر سامي تجعل لصحبتهم متعةً تثير اشتياقًا لها بعد انتهاء الفيلم ببضع لحظات، تصوير جيد من حنّا ورد، وموسيقى دافئة من فاهيه دمرجيان وسمير حلمي.

حاز جائزة أحسن إخراج من مهرجان القاهرة، جائزتي التمثيل من مهرجان السينما العربية في باريس، وأحسن سيناريو من مهرجان فالنسيا وفضية مهرجان ريميني.

روابط مشاهد الفيلم كاملًا:

فيلم “الزمن الباقي” نموذجاً للسينما الفلسطينية

كتبت دانا بحيص

يقول المثل الصيني : ” إن صورة واحدة تعادل عشرة آلاف كلمة”، وهذا ما يمكنني البدء به في حديثي عن الصورة بشكل خاص وعن السينما بشكل عام. حيث أن العمل السينمائي الواحد وهو الفيلم على اختلاف أنواعه ما هو إلا سلسلة من الصور التي تم تركيبها ودمجها في مقاطع مصورة لإنتاج مشهد درامي يعالج حدثاً أو لحظة معينة. وبالتالي إن الأعمال السينمائية هي انعكاس للواقع في كثير من الأحيان، ولكن لتلك الانعاكاسات اتجاهات مختلفة، فمن المخرجين من يحب أن يرى الواقع بصورته الحقيقة في فيلم يخرجه، ولكن مخرجين آخرين يفضلون الخيال في تصوير الواقع وهذا ما قد ينتج عنه مشاهد لاواقعية لحدث حقيقي الوجود. وبالتالي فإن العين السينمائية قد تبتعد كل البعد عن العين المجردة، وقد يصل بها الطريق نحو الاتجاه لرؤية ما ليس قابلا للرؤية بشكل ملموس في الحياة اليومية لأن يكون ملموسا من خلال عمل سينمائي تترواح مدته 90 دقيقة.

إن أفق العين المجردة لدى الفلسطينيين أضيق من غيرهم نظراً لضيق أفق العيش اليومي، حيث أن الواقع اليومي الذي يعيشه الفلسطيني يفرض عليه تعقيدات تحد من مخططاته وأحلامه نظراً لعدم وجود ما يضمن آلية تنفيذها على أرض الواقع. وبالتالي قد تكون العين السينمائية لدى الفلسطيني ملجأه ومهربه في محاولة البحث عن انعكاسات لواقع أقل صعوبة، وأكثر انسجاماً واتساقاً مع الأحلام والأفكار التي تتداولها الأجيال واحدا تلو الآخر. وعند تعدداها تكاد القائمة لا تنتهي، من الحلم بالحرية والعودة والخلاص والإبداع والتصالح والبناء والثورة والتحضر والتصوف والعديد من المفاهيم والمصطلحات التي تتوه بها المخيلة ولا تستطيع فرضها على الواقع إلا من خلال عمل سينمائي.

وفي محاولة البحث عن السينما في فلسطين، تتداخل الآراء في هذا السياق، فهناك من يرى أن ما يوجد من إنتاجات سينمائية في فلسطين لا يمكن اعتباره عملاً فلسطينياً خالصاً، ويؤكد ذلك أحد أساتذة علم الاجتماع في جامعة بيرزيت، علاء العزة، الذي يعتقد أن هناك العديد من الأمور التي تبقي مفهوم السينما الفلسطينية بعيداً عمّا يتواجد من أعمال سينمائية في فلسطين. حيث أن قضية الحدود الفلسطينية وامتداد الأراضي الفلسطيني أمران ضبابيان بالنسبة للعديدن، فعند افتراضنا أن الفيلم “فلسطيني” هل نعني بذلك أن المخرج فلسطيني الجنسية ويسكن في “الأراضي الفلسطينية”؟، وهل الإنتاج تم بجهود وتمويل فلسطيني بحت؟ وهل نستطيع اعتبار العمل السينمائي الذي يتناول القضية الفلسطينية هو عملاً سينمائياً فلسطينياً على الرغم من اختلاف جنسية المخرج أو الممثلين؟. هذا جزء بسيط من الأسئلة التي يتم طرحها في سياق البحث عن الوجود السينمائي الفلسطيني، وبالتالي هناك صعوبة في تصنيف “الأعمال السينمائية الفلسطينية”.

هذا لا يعني أن سلسلة التساؤلات قد انتهت، ولكن في حال أردنا أن نبني تكهنات معيّنة حول ما نراه من إنتاجات سينمائية في فلسطين، هل ينبغي علينا إيجاد مفهوم آخر يستوفي إجابات الأسئلة السابقة جميعها، كأن نقول مثلاً أن ما يجري هو “فلسطنة” للسينما أي أنها أقرب لأن تكون فلسطينية من ناحية لغوية. فما نراه من أعمال سينمائية في فلسطين تكون مصادر التمويل فيها خارجية، ويتم الإنتاج بتعاون فلسطيني- أمريكي مثل فيلم “شباك العنكبوت” (إخراج رفعت عادي سنة 2010)، أو فلسطيني – (فرنسي، ألماني، مغربي)، مثل “يد إلهية” (إخراج إيليا سليمان سنة 2001).

ولكن من جهة أخرى إن ما تحمله تلك الإنتاجات السينمائية من دلائل درامية واجتماعية، يجب الوقوف عنده أيضاً وسيتم البحث فيما قدّمته هذه السينما، وفيما حاولت إثباته وترسيخه، وهل قامت هذه الأعمال بترك بصمة معيّنة ميزت ما يعتبر عملاً سينمائياً فلسطينياً عن غيره من الأعمال السينمائية الدولية؟ فما يمكن ملاحظته في البداية أن بعض الإنتاجات السينمائية الفلسطينية عبّرت عن الواقع الجمعي الفلسطيني من خلال الصيغة المفردة أو بتعبير آخر من خلال تجربة ذاتية مفردة، وهذا ما قد يختلف مع أغلب الإنتاجات الدولية، مثل فيلم “الجنة الآن” 2005 لهاني أبو أسعد، وفيلم “المر والرمان” 2009 لنجوى نجار وغيرها من الإنتاجات، حيث قامت تلك الأفلام بإسقاط القضايا الجمعية على تجارب فردية محددة تم من خلالها إيصال المعاناة الجمعية.

وهنا ينبغي تحديد مفهوم “السينما الفلسطينية” التي سنتحدث عنها هنا، هي تلك الإنتاجات السينمائية التي يكون موضوعها القضية الفلسطينية أو أي طابع فلسطيني قد يحمله الفيلم، وأن يكون المخرج فلسطينياً بغضّ النظر عن مكان إقامته، وسيتم وضع قضية التمويل بعيداً عن تصنيف تلك الأعمال، ففي الحالة الفلسطينية نرى أن موضوع التمويل شائكا جدا ولم نستطع إلى الآن بناء نظام حكومي مستقل بذاته يكون تمويل السينما جزءا من مهامه، وبالتالي نرى أن أغلب المخرجين يتجهون للجهات الدولية لتمويل أفلامهم. ولذلك سيتم تخصيص مفهوم “السينما الفلسطينية” في تلك التصنيفات البسيطة التي تم الحديث عنها. وبناء على ذلك التصنيف نستطيع الجزم بأن هناك إنتاجات سينمائية فلسطينية بحق، بالرغم من الإشكاليات التي يواجهها القطاع السينمائي.

نبذة تاريخية

يقول الناقد السينمائي سيرج لوبيرون أن “السينما جزء لا يتجزأ من الذاكرة الفلسطينية، ذاكرة انفجرت في الزمان والمكان شظايا صغيرة.. إنها نتف من روايات التقتطتها أشرطة من أفلام ينبغي إعادة تجميعها وتصنيفها وحفظها.. لأنها أكبر برهان عن وجود له ماض، وعلامة الهوية”. وبالرجوع زمنياً إلى ثلاثينات القرن الماضي نجد أن بدايات السينما الفلسطينية انطلقت أنذاك، حيث قام السينمائي ابراهيم حسن سرحان بتصوير فيلم قصير يسجّل زيارة الملك سعود إلى فلسطين. أما فيما يتعلق بتواجد القضية الفلسطينية في السينما العربية في الفترة ما بين 1948و 1986 فهو إنتاج ضئيل، ولم يتناول أسباب النكبة والدور العربي في تصدي المخططات الاستعمارية في ذلك الوقت، على الرغم من تجاوز الأفلام المنتجة العربية التي تتناول القضية الفلسطينية (150) كتاباً أنذاك. وهنا ينبغي الإشارة أنه عند استعراض الإنتاج السينمائي الصهيوني في تلك الفترة نجد أنه حمل أولويات عديدة منها الدفاع عمّا يسمى الدولة الناشئة، والمساهمة في إيحاء بوجود ثقافة إسرائيلية، بالإضافة إلى تبرير احتلال فلسطين.

وتشير العديد من الأدبيات إلى حقيقة انعدام أي أسس أو قواعد للسينما الفلسطينية قبل 1967، حيث بدأ العمل بالفعل على خلق نهضة سينمائية تواكب الثورة في ذلك الحين من خلال إنجاز بعض المواد الخاصة بالثورة من خلال إحدى خريجات المعهد العالي للسينما في القاهرة. ويظهر التاريخ أن عدداً لا بأس به من قادة الفصائل الفلسطينية أبدوا اهتماماً ملحوظاً بإنشاء أقسام للإنتاج السينمائي عام 1970 منها وحدة أفلام فلسطين، ودائرة الإعلام والثقافة، ومؤسسة صامد للإنتاج السينمائي ومؤسسات أخرى. ولم تبدأ السينما الفلسطينية في الأساس كسينما متخصصة، إنما كانت تجريبية من خلال أناس غير متخصصين.

ثم وصولاً إلى مطلع التسعينات، حيث لم تعد السينما الفلسطينية ذات المدلول ذاته “سينما الثورة”، وإنما الانتقال إلى نمط “سينما البورتريه”، وهو ذلك النمط الذي يفتح المجال أمام شخصية ما للتحدث وتقديم تجربتها بنفسها، ومثال ذلك فيلم “حنان عشراوي .. امرأة قي زمن التحدي” (إخراج مي المصري عام 1995).

ميزات الأعمال السينمائية الفلسطينية

حاولت العديد من الأعمال السينمائية الفلسطينية على إبقاء الصلة بين الأرض والمواطن، ولقد كان من الضروري أن تحافظ تلك الأعمال على قضية الارتباط بالأرض، نظرا لما تحمله هذه القضية من أهمية في المخيال الفلسطيني. ومن القضايا الأخرى التي اهتمت بها السينما الفلسطينية هي حق العودة، وذلك انطلاقا من إيمان الكثيرين بأنه الحل الجذري في التعامل مع قضية اللاجئين، ولقد أكدت الأعمال السينمائية على هذا الشعار وحرصت على تعزيز قناعة الفلسطيني بحقه في العودة، على عكس العديد من الأعمال السينمائية العربية التي حاولت التعتيم على هذه القضية عند التطرق للوضع الفلسطيني.

وتتمتع الأعمال السينمائية الفلسطينية بخصوصية ثقافية وطنية، وإن كانت أغلب الأعمال المنتجة سابقا غير قادرة على مساعدة الشخصية الفلسطينية لتبقى شديدة الخصوصية.

الزمن الباقي

فيلم “الزمن الباقي” هو فيلم روائي طويل أُنتج عام 2009، قصة وإخراج إيليا سليمان، وبطولة علي سليمان، أفي كلينبرغر، ناني رافتيز، صالح بكري، وإيليا سليمان. يروي الفيلم السيرة الذاتية للمخرج من خلال عدة أجزاء تمتد من حياة عائلة فلسطينية من عام 1948 إلى أيامنا هذه، وحاول سليمان في فيلمه هذا المزج ما بين ذكرياته الخاصة وذكريات والديه عن الحياة اليومية التي عايشها الفلسطينيون من ذلك الزمن إلى الآن. إن كل جزء من الفيلم يتكون من مجموعة من الصور والمشاهد التي تلخّص فترة زمنية محددة في حياة المخرج، وقام بالفصل بينها باستخدام الإظلام التدريجي ثم الشاشة الخالية لبرهة قبل العودة إلى الضوء تدريجياً مرة أخرى مع مشهد آخر.

The_Time_that_Remains_quad_

على الصعيد الدولي

استُقبل الفيلم في دور السينما الدولية بحفاوة كبيرة، لا سيما في فرنسا، وتعامل النقاد مع فيلم “الزمن الباقي” على أنه اكتشاف نظراً لما يقدمه من وصف جديد يعكس حجم المأساة الفلسطينية، فصحيفة “لو فيجارو” على سبيل المثال عنونت مقالها “الزمن الباقي: يوميات الكارثة الفلسطينية”، أما صحيفة “لوموند” فعنونت: “الزمن الباقي: الجمع بين المضحك والظريف على خلفية حزينة إلى ما لا نهاية”. كما اهتم العديد من نقاد السينما العرب بالفيلم أمثال صلاح هاشم وأمير العمري اللذين رشحاه لنيل “السعفة الذهبية”.

منطق الفيلم

جمعت مشاهد الفيلم ما بين الصمت والفكاهة اللاذعة، وهو ما نستطيع وصفه بالكوميديا السوداء، ونلاحظ هنا أن سليمان قد قارب في إخراجه ما يشبه أفلام “شارلي شابلن” و “جاك تاتي” ولقد عمل سليمان على تفكيك القصة التي يستخدمها في فيلمه وتحويلها إلى لوحات مصورة يغلب عليها الصمت. كما ركّز على عنصر الصمت لدرجة يشعر المشاهد بعد كل مشهد بأن لحظة الصمت هي بمثابة توقيع أو بصمة تركت لهذا المشهد حتى يعيد المشاهد التفكير في ما رآه مسبقاً في اللقطات المصورة.

من ناحية أخرى يرى بعض النقاد أن أسلوب إيليا سليمان في فيلمه هذا وفي أعماله السابقة يسير على نهج بعض المخرجين العالميين أمثال بوستر كيتون، المخرج والممثل الأمريكي الذي شارك في بعض أعمال شارلي شابلن، أو جاك تاتي، الممثل والمخرج الكوميدي الفرنسي، الذين امتازت أعمالهما بأنها تعتمد على التهريج بأسلوب حزين في عرض تفاصيل الحياة اليومية.

عنوان الفيلم

لقد حمل الفيلم عنواناً رئيسياً هو “الزمن الباقي” وآخر فرعياً هو” سيرة الحاضر الغائب”، وفي قرائتنا للعنوان الأول، تأرجح تحليل المقصود بالعنوان بين أن يكون المخرج قد عمد لاعتبار ما قد ما مضى من ذكريات قديمة هي ذكريات حاضرة وباقية ولن تختفي باختفاء زمانها، وبين أن يكون هذا الزمن الباقي هو ما سيكون من ذكريات في المستقبل، حيث أن مسيرة الأحداث التي تم عرضها في الفيلم هي مسيرة لامتناهية كما تبدو، وبالتالي فالزمن الباقي كعنوان تساؤلي عن ماهية ما سيكون مستقبلاً وعمّا تبقى من أحداث.

أما العنوان الآخر فهو تمثيلاً لما يحتويه الفيلم كونه سيرة حياة المخرج وعائلته، سيرته هو باعتباره حاضراً وسيرة من قد رحل من ذويه، أو أن يكون المقصود بالحاضر الغائب هي تلك الذكريات القديمة، أو ذلك التاريخ الذي على الرغم من مرور الزمن عليه إلا أنه حاضراً في الأذهان آثاره لا زالت حاضرة في الحياة الفلسطينيين اليومية. وبالتالي كلا العنوانين يحملان احتمالات متعددة قابلة للتأويل بما يخدم سياق الأحداث التي يتعامل معها المخرج، ولقد حمل العنوانان طابعا غامضا أقرب إلى الحزن والأسى من أي انطباعات إيجابية أخرى.

لغة الفيلم

لقد اعتمدت لغة الفيلم على الصمت كركيزة أساسية، ويبدو أن الصمت بالنسبة لسليمان هي لغة المقاومة الأكثر فاعلية في الأحداث التي يتناولها. ولاحظت الباحثة أن لقطات الصمت الكثيرة في الفيلم ساهمت في إعطاء المشاهد القدرة على النظر عميقا في أبعاد المشاهد والصور المعطاة من خلال ما يراه، وبالتالي لقد تمكن القارىء من الغوص في قراءة عميقة للمشهد لفهم ما يقوله المخرج عن ذاته أو عن الآخر. ومن ناحية أخرى كانت لحظات الصمت بعد أغلب مشاهد الفيلم هي أبلغ وصفا أو أدق تعليقا يمكن وضعه بعد ما تعرضه المشاهد من حقائق أليمة عن تاريخ الفلسطيني ومأساته في وطنه. ولقد فرض على المشاهد من خلال استخدام الصمت كلغة سينمائية أن يحاول استنتاج ما يحاول المخرج إيصاله من خلال لحظات الصمت تلك، لا سيما التفكير أكثر بتلك الأحداث من منظور ذاتي، تدفع المشاهد لأن يقوم بإسقاط الحالة التي يراها على واقعه هو ويتذكر ما ينبغي تذكره، وبالأخص أن تلك المشاهد على الرغم من عرض المخرج لها على أنها مشاهد بتجربة شخصية إلا أنها قابلة للتعميم في واقعنا نحن.

الكوميديا العابسة

بعد الفيلم بهدف التحليل تبين أن الفيلم لم يهدف للترويح عن النفس أو التسلية، إن استخدام المخرج لأسلوب الكوميديا والسخرية المؤلمة كان بهدف لفت نظر المشاهد للتأمل في المشهد وأبعاده وعلى عكس كافة الأفلام التي تعتبر كوميدية بهدف التسلية، لقد كان “الزمن الباقي” فيلما كوميديا محزنا حد البكاء والألم. فالعديد من المشاهد التي أتت بطابع كوميدي تركت لدى المشاهد ملامح حزن وألم على وجهه لشدة مصداقيتها وصراحتها، وهذا ما كانت عليه ظروف الفلسطينين منذ وقت خلا. ونلاحظ من خلال المشاهد البصرية المتقنة في تكوينها أنه تم توظيف العناصر السينمائية بشكل دقيق فيما يتعلق بالديكور والضوء في كادر التصوير، ولقد اجتمعت تلك العناصر لخلق حالة حزينة فيها نوع من التهكم والسخرية وقد كانت الخلفيات الصوتية المستخدمة من أغاني لفيروز ومحمد عبد الوهاب دورا مهما في تجميع الصورة بشكل لافت يثير تعاطي المشاهد مع أحداث الفيلم.

بعض المشاهد

Time-remains-500

في هذا المقهى بالذات تعددت المشاهد وتكرر استخدام هذا المكان، ففي هذا المشهد يأتي أحد أفراد الجيش العربي وهو عراقي يريد الذهاب لطبريا حتى يشارك في الثورة، ولكنه لا يعرف الطريق، وهنا دلالة رمزية على حال الجيوش العربية في ذلك الحين، وقد يكون مشابها إلى حد كبير حال الدول العربية حاليا التي لا تخدم القضية الفلسطينية ولا تساندها. وفي مشهد آخر في نفس المقهى يمر صبي يبيع الجرائد مرددا عبارة ساخرة ولكنها أيضا مؤلمة يقول فيها :” الوطن بشيكل، وكل العرب ببلاش” وهي أسماء لصحف في ذلك الوقت، وما قد يظهره هذا المشهد هو ما وصلت إليه الحال بعد الاحتلال وما حل بالبلاد بعد ذلك الخراب. و من خلال هذا الموقف يستعرض المخرج ذكريات والده في ذلك الوقت وإن كان فيها طابعا ذاتيا إلا أنها عبرت عن واقعا كاملا عاشه الفلسطينيون أنذاك لا تزال ذكراه قائمة إلى الآن.

 

 

في مشهدين آخرين حاول إيليا سليمان التعبير عما يشاهده بعينه المجردة من واقع يومي والذي يختلف بشكلٍ كبير عما كان يعايشه في الماضي، ففي المشهد الأول يظهر أحد الشبان وهو خارجاً من منزله لإلقاء القمامة وأمامه دبابة إسرائيلية ولكن ذلك لم يمنعه من الخروج وقطع الطريق مرات عدة بينما فوهة الدبابة تتوجه نحوه وتلاحقه ولكنه لا يبالي بها، وفي مشهد آخر مشابه تجتمع مجموعة من الشباب داخل مطعم ويستمرون بالاحتفال والرقص بالرغم من وجود سيارة عسكرية بالقرب من المطعم، تنطلق منها التنبيهات بمنع التجول وهنا أيضاً يبدو أن الشباب الفلسطيني لا يبالي بما يحدث حوله. وما حاول المخرج لفت النظر إليه هنا هي حالة التناقض التي يعيشها هذا الجيل من الشباب الفلسطيني، فهو يحاول جاهداً العيش منفصلاً عن الواقع المحيط به، وإن كانت تلك المحاولة بهدف التغلب على ذلك الواقع أو قلة اهتمام به.The Time That Remains - tank

وهنا تبرز الفجوة أكبر من ناحية تعاطي الأجيال الفلسطينية مع وقائع المعاناة الفلسطينية. ولقد برز التناقض في المشهد الأول عند مقارنة كل من الجسمين الظاهرين فيه، حيث أن الحجم الصغير للشاب مقارنة بحجم الدبابة الكبير من المفترض أن يكون مرتبطا بالقوة المرتبطة بالحجم ولكن في لامبالاة الشاب تناقضا مع حجم الدبابة، ويذكر أن الصورة التي تلتقطها الكاميرا هي بعين سليمان نفسه، فهو الذي ينظر إلى كل من الشاب والدبابة، وفي كادر الصورة تم اختيار الزاوية التي يظهر من خلالها ظلا للشاب بينما لا يظهر ظلا للدبابة، وهي دلالة على أن تواجد الدبابة هو تواجدا فعليا على أرض الواقع ولكن دون ذلك التأثير الكبير الذي يمكن ربطه بحجم الدبابة نفسها. وهذا ما يمكن فهم انعكاساته في المشهد الثاني ولكن بشكل مختلف، حيث أن حجم السيارة العسكرية الصغير مقارنة بالحجم الكبير للمطعم ومن فيه يعكس أيضا حالة التناقض واللامبالاة.

كما أن اختيار التوقيت في المشهد الثاني يعكس التحدي الذي يحاول الشبان الفلسطينيون فرضه في ماmqdeult يجمعهم مع الاحتلال وما يرتبط بحالة الخزف والقلق الذي يعكسه الليل، ففي هذا المشهد يبدو الجيل الفلسطيني الشاب في حالة التغلب على كل ما قد يمنعهم من العيش والاستمرارية في الحياة.

 

تميّزت المشاهد التي جمعت ما بين سليمان وأمه بأنها مشاهد جميلة ومرهفة على الرغم من الصمت الذي كان يغلب عليها، ولقد تكرر ظهور المشاهد التي تظهر فيها والدته وكأنه يريد إظهارها كرمز آخر غير كونها الأم. ومن خلال حديث إيليا سليمان في إحدى جلسات النقاش التي تتناول أعماله، أشار إلى العلاقة المميزة التي جمعته بوالديه، وأنه حاول دائماً إدخال شخصيتيهما في أعماله السينمائية، وذكر سليمان خلال اللقاء أن خالته هي من أدّت دور أمه في هذا الفيلم، أي أنه عمد لأن تكون الصورة مقاربة فعلاً للواقع ولتجربته الذاتية، ولم يستعن بممثلين آخرين.0

إن كادر الصورة وإن اختلف في المشاهد إلا أن الأم كانت مركز المشهد وأول ما قد يلفت الانتباه عند النظر. حيث قام سليمان من خلال توظيف هذه المشاهد بعكس العلاقة التي تجمع أي شخص بوالدته إذ لا يمكن التطرّق إلى سيرة حياة أي فرد دون التطرق إلى إحدى أهم المحطات التي يعايشها الإنسان بما يتعلق بالعلاقة مع الأم،

ينهي المخرج فيلمه بحضوره هو وبلقطة خيالية نوعا ما، ففي محاولة منه للتغلب على الواقع الذي يعيشه يظهر سليمان وهو يؤدي قفزة كرياضي يقوم بالقفز العالي باستخدام عصا، ففي هذا المشهد يستعرض سليمان إحدى أشكال المقاومة الذهنية والأقرب للأسطورة، قد يكون القصد في هذا المشهد هو الرغبة في التخلص من كافة أشكال الاحتلال المتواجدة على الأراضي الفلسطينية، أو استعراضا لحالة اليأس التي قد يصل لها المواطن الفلسطيني فيحاول ابتداع صور خيالية من خلالها يتفوق فيها على صعوبات حياته اليومية.tumblr_mbc5i1fDX51qzg2mso1_500

ولقد كان هذا المشهد توقيعاً مميزاً اعتدنا على تواجده في أعمال إيليا سليمان فهو يحاول دائما توظيف الخيال وما لا يتطابق مع الحقيقة في أفلامه حتى بات ذلك بصمة يضعها في أعماله دعوة منه للمشاهد بأن يكون فكره ذو أفق متسع. ففي هذا المشهد نستذكر جميعنا رغبتنا في التغلب على العديد من المعيقات التي نواجهها نحن الفلسطينيون في حياتنا ونسعى دائما لإيجاد حلول لها، حتى وإن كانت تلك الحلول الخيالية الذهنية، وبالتالي عند تفكيرنا في هذا السياق نلاحظ أن سليمان قام باستخدام مخيلته الشخصية والتي نجدها قريبة جدا من مخيلة أغلب الفلسطينيين في محاولتنا دائما للتخلص من هواجسنا المرتبطة بوجود الاحتلال في أراضينا.

ملخص المشاهد التي تم تحليلها

في محاولة لربط المشاهد التي تم تحليلها سابقاً، نجد أن تلك المشاهد تعبر عن محطات تاريخية يستعرض من خلالها المخرج سيرة حياة عائلته وحياته هو، ولقد ساهم التناقض والتكرار الذي غلب على طابع المشاهد في ترك انطباعات متناقضة لدى المشاهد، وفي أسلوب تعاطيه وتجاوبه مع الأحداث التي تم عرضها. كما نرى أن تلك المشاهد كان لها دلالات سينمائية عميقة قد لا يستدلّ عليها بسهولة أو بمجرد المشاهدة، وإنما من خلال التأمل أكثر المختلط بصمت الممثلين وقلة الكلام المستخدم في المشاهد.

ولقد كانت الصورة أكثر بلاغاً من الكلام في تلك المشاهد، وهو ما قد يؤكد أن الذاكرة الفلسطينية قد يصعب التعبير عنها بمجموعة من المفردات، وإنما الصورة البصرية قد تكون كفيلة في عرض الألم وخيبات الأمل التي امتلأت بها تلك الذاكرة.

النتائج

يتبيّن لنا أن المخرج إيليا سليمان استطاع من خلال سيرته الذاتية المصوّرة عرض سيرة قضية بأكملها، أو بمعنى آخر سرد السيرة التاريخية الفلسطينية بشكل أوسع. على عكس ما اعتدنا عليه في الأفلام الأخرى التي تحاول إسقاط القضايا الجمعية على التجربة الذاتية، كانت تجربة سليمان الفردية ناجحة في شرح التجربة الجمعية وتقديمها.

حيث استطاع إيليا سليمان أن يساهم في بعض الإضافات على شكل الأفلام الروائية التي تتناول السير الذاتية لأشخاص معينين، وبالتالي استطاع الخروج عن المألوف فيما تعارف عليه السينمائيون من أن تكون عين الممثل هي نفسها عين الراوي في الفيلم.

كما كان لبعض التقنيات التي تم استخدامها الأثر الكبير في إيصال الصورة التاريخية للواقع الفلسطيني، حيث أن التكرار والتناقض والصمت هي الصفات التي ارتبطت بالمحطات التاريخية الفلسطينية، بدءاً من النكبة وصولاً إلى زمن إنتاج الفيلم. وبالتالي نجحت تلك العناصر في عكس الهاجس الجمعي من خلال توظيفها بشكل فردي في مشاهد الفيلم.

من خلال الأسلوب المختلف التي امتازت به أعمال إيليا سليمان، وفيلم الزمن الباقي بشكل أخص، أصبح المشاهد مطلعاً على إنتاجات سينمائية أكثر تعقيداً مما اعتاد عليه من أعمال تعرض القضايا بشكل سطحي، حيث أن سليمان اعتمد على مفاجأة المشاهد دائماً في المشاهد، بحيث لا يكون قادراً على التنبؤ بتسلسل أحداث القصة التي يحاول الفيلم طرحها. ومن خلال هذه الآلية أصبح المشاهد قادراً على التأمل أكثر بما وراء الصور البصرية التي يشاهدها.

ونستطيع أيضاً التأكيد على وجود “سينما فلسطينية” مع الأخذ بعين الاعتبار ما تم التطرق إليه في مقدمة المقال، من معيقات ومحددات لمفهوم السينما الفلسطينية.

توصية

يجب أن تقوم المؤسسات الثقافية المحلية بتعزيز الجانب النقدي لدى الباحثين فيها، وخصوصاً في الحقل السينمائي الفلسطيني، وذلك نظراً لشح الأدبيات المرتبطة بالإنتاجات السينمائية الفلسطينية.

كما يجب أن تقوم الجهات المعنية والمهتمة بالسينما بتعزيز المعرفة الفردية لدى الفلسطينين بالإنتاجات السينمائية التي تتواجد في فلسطين، أي أن ترفع من مستوى إدراك المواطنين لما حققه السينمائيون الفلسطينيون من نجاحات في هذا المجال.

كما يمكن للسينمائيين الفلسطينين الاستفادة من تجربة إيليا سليمان التي استطاع من خلالها استحداث أسلوب جديد في المعالجة السينمائية للقضايا السياسية والتاريخية، وبأن يكونوا على ثقة بأن التجارب التي قد يروونها بأنفسهم ويعبروا عنها بعينهم شخصياً قد تكون أكثر بلاغة وتعبيراً من تلك التجارب التي يعبّرون عنها بلسان المجموعة.

وعلينا الابتعاد قليلاً عن انتقاد الأعمال السينمائية الفلسطينية بناءً على مصدر التمويل الذي اعتمدت عليه، لأن واقعنا لا يسمح لنا بتوفير مصادر تمويل محلية. كما أنه لا ضرر في التمويل الخارجي ما دام يخدم إيصال فكرة فنية أو ثقافية تعبر عن واقعنا الفلسطيني الذي يحتاج للإنتاجات السينمائية حتى يتم تسليط الضوء عليه بشكل مختلف.

هذا المقال هو جزء من بحث بعنوان: “كيفية إبراز “السينما الفلسطينية” للقضايا الجمعية من خلال التجربة الفردية، فيلم “الزمن الباقي” نموذجاً”، من إعداد: دانا محمود بحيص، وإشراف: د. إيهاب بسيسو و د. علاء العزة – 2012.

Ave Maria

“خفيف الظل لطيف الأثر”

السنة 2015
تقييم أفلام أند مور 7/10
المخرج باسل خليل
المدة 15 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة العربية، الانكليزية، العبرية
تقييم IMDB 6.9

غالباً عندما نسمع عن فيلم عربي “جديد” يقدم موضوعاً مشابهاً لموضوع فيلم الفلسطيني “باسل خليل” هذا لا نحس بأي تفاؤل، وقد نتأفف لكثرة ما مللنا من أفلامٍ مشابهة لم يكن لجميعها تقريباً أي فائدةٍ ترجى، فقط استعراضات لما يمكن بلوغه من ابتذال وسذاجة، وربما هذا ما أحسه “خليل” نفسه عندما شاهد تلك الأفلام، وقرر أن يرى ماذا يمكن أن يحدث إن استبدل الابتذال والسذاجة بالصدق والشغف، وكان هذا الناتج.

تصدم سيارة عائلة يهودية إسرائيلية ملتزمة بأحد تماثيل دير يقع في الضفة الغربية في فلسطين، والذي اتخذت راهباته عهداً بالتزام الصمت، في حين بدأت ساعات يوم السبت المقدسة لدى اليهود والتي يحرم فيها القيام بأي أمرٍ عدى العبادة، وعلى أحدٍ ما إيجاد حل.

كتب الأخوين “دانييل يانيز خليل” و”باسل خليل” نص الفيلم، بحرص شديد على تفادي أي أسلوب وعظي، فقط حادث بسيط وشخصيات خفيفة الظل بتصرفاتها وحواراتها، مع بعض الإشارات الإنسانية التي يجعل إخراج “باسل خليل” لمشاهدتها متعةً مميزة، كما يزيد كوميديا نصهم أثراً وخاصةً بإدارة ممثليه الممتازة، ليقدم لك ربع ساعة قادرة على تغيير مزاجك إلى الأفضل ومداعبة أفكارك.

أداءات لطيفة من فريق العمل وخاصةً “شادي سرور”، تصوير جيد من “إريك مزراحي”، وموسيقى مناسبة من “جيمي سيرافي”.

حاز على 4 جوائز ورشح لـ12 أخرى أهمها الأوسكار لأفضل فيلم قضير.

تريلر الفيلم:

Theeb

“قصةٌ من الصحراء العربية.. من وعن أهلها هذه المرة!”

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج ناجي أبو نوار
المدة 100 دقيقة (ساعة و40 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) لليافعين لما فيه من عنف
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة العربية

لطالما اعتدنا أن تكون الصحراء العربية أبرز الأماكن التي يتم فيها تصوير أضخم الأفلام الأجنبية، خاصةً الحربية والتاريخية، لتميز معالمها الطبيعية، لكن من يحقق أعلى إفادة من تلك المواقع الآن أردنيٌّ اسمه “ناجي أبو نوار” وفي فيلمه الأول، ليأسر بصر مشاهدي فيلمه حول العالم وقلبهم، فهم يرون هذه المرة ابناً لتلك الأرض يحكي عنها، يلمسون في تلك الصحراء الحارقة الروح التي لا يحرقها لهيب رمالها بل يقويها فهو وطنها، ويروي قصةً أهل ذاك الوطن مصدرها وأبطالها.

تجري أحداث الفيلم خلال الحرب العالمية الأولى في مقاطعة الحجاز الخاضعة للاحتلال العثماني، ويروي قصة “ذيب”(جاسر عيد الحويطات) الابن الأصغر لزعيم قبيلةٍ بدويةٍ، يأتيهم طالبون لخبرتهم ليدلوهم على مكانٍ محدد، وفضول “ذيب” يمنعه من ألا يتبعهم في تلك الرحلة، لكن ما خبأته لهم الصحراء ستجعل هذه المغامرة منعطفاً مصيرياً في حياته.

كتب “ناجي أبو نوار” و”باسل غندور” نص الفيلم، صاغوا فيه شخصية “ذيب” وعلاقتك بها وبما تمثله من الطفل فيك ببضع تصرفاتٍ بسيطة ومختارة بذكاء، وبنوا على ذلك تطورها بدقة جعلته مستحقاً ليكون محور الفيلم، وقدموا باقي الشخصيات بحيث لا تعرف عنها أكثر مما قد يعرفه بطله الصغير، أما بالنسبة لخط سير الأحداث فيحسب عليهم أنهم كانوا يرون وجهتهم بوضوح ويدفعون أبطالهم إليها بوضوح، وإن كانت الوجهة تستحق، مع إبقاء الحوارات بالشكل الأمثل كثافةً ومحتوى فتفسح المجال الأكبر للصورة.

إخراج “ناجي أبو نوار” يراقب بكاميرته بشكلٍ يستثير نوعاً من الفضول لديك يجعلك تشبه به بطله الصغير، فأنت لا ترى بعين “ذيب”، ولا ترى بعين الكبار، بل بعين الفتى الشقي فيك، ولذلك تفهم “ذيب” أكثر مما تفهم باقي الشخصيات، تفهم ما أتى منه حين يأتي وليس قبل ذلك، وتكتسب منه القدرة على رؤية تلك الأراضي المقفرة والجبال الحجرية الموحشة بشكلٍ آخر، فتجد فيها جمالاً استثنائياً، ولا تعود إحاطتها لذاك الطفل مخيفةً بل مثيرة، بالإضافة لإدارة جيدة لممثليه.

أداء جيد من فريق العمل المكون بأغلبه من ممثلين بدوٍ بالفعل ويظهرون أمام الكاميرا لأول مرة وبالأخص الفتى “جاسر عيد الحويطات”، تصوير ممتاز من “فولفغانغ ثالر”، وموسيقى ممتازة من “جيري لين” أضافت لحالة الفيلم.

حاز على 9 جوائز أهمها جائزة آفاق لأفضل مخرج في مهرجان البندقية، ورشح لـ11 أخرى أهمها جائزة آفاق لأفضل فيلم في مهرجان البندقية.

تريلر الفيلم: