أرشيف الوسم: أفلام مبنية على أحداث حقيقية

حقائق قد لا تعرفها عن Dog Day Afternoon (الجزء الثاني)

عن ارتجالاتٍ تاريخيّة يُذكر بها الفيلم وما قاد إليها، تصوير مشهد المكالمة بين سوني وليون، أجواء التصوير وإدارة الجموع، نهج سيدني لوميت واهتمامه بواقعيّة الحالة والحدود التي ذهب إليها لتحقيق ذلك، نتائج سرعة عمل لوميت والتصوير بالتسلسل الزمني، ومشهدَين كانا مسؤولَين عن انضمام كلٍّ من لوميت وآل باتشينو للفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Dog Day Afternoon

لم تتوقف الارتجالات على ما أعيدت كتابته في البروفات، بل استمرت خلال التصوير بنتائجٍ رائعة. أبرزها إجابة جون كازال لسؤال آل باتشينو حول المكان الذي يرغب بالسفر إليه، لم يعلم باتشينو ما سيقوله كازال مما أنتج مفاجأةً حقيقيّة على وجهه. كذلك الاقتباس التاريخي على لسان باتشينو لإثارة الجموع “!Attica! Attica” الذي دخل قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأفضل الاقتباسات في تاريخ السينما في المركز 86، فقد كان فكرة مساعد المخرج برت هاريس التي همس بها لـ باتشينو، مما جعل ردة فعل تشارلز درنينغ في دور الملازم موريتي تلقائيّة لكونه لم يعلم ما يتوجّب عليه فعله في هذه اللحظة.

.

.

فيما يلي حرق لبعض أحداث الفيلم:

.

.

.

حتى لوميت دفع الارتجال خلال التصوير في المشهد الذي يلي إطلاق سال النار بعد ظنه أن الشرطة يتسللون من الخلف، حين يخرج سوني لتفقد الأمر ويُقابل بصراخ الملازم موريتي. اتفق وقتها لوميت مع درنينغ على الارتجال وأن يحاول دفع سوني على الفور لوضعية الدفاع، وجهّز ثلاث كاميرات لالتقاط أدنى تفاصيل النتيجة، مما يُبرّر مدى التقائيّة والارتباك لدى الممثلَين، وإن كانت على الأغلب محاولة لوميت الاولى والأخيرة من نوعها.

ويبقى الارتجال الأهم والأشهر هو المكالمة بين سوني وليون التي أعيدت كتابتها خلال البروفات وأُضيفَ إليها خلال التصوير من قبل باتشينو وكريس ساراندون. حينها أصر لوميت لأهميتها ووزنها التمثيلي على تصويرها بلقطةٍ واحدة، رغم أن بكرة الفيلم لا تستطيع التقاط أكثر من عشر دقائق والمكالمة أطول من ذلك، فثبّت كاميرا أخرى ملاصقة للأولى يتم تشغيلها لحظة انتهاء العشر دقائق الأولى. عمليّةٌ استمرّت ليومٍ كامل استغرقه تصوير المشهد. وحين قدّم باتشينو الأداء الأمثل، طلب منه لوميت الإعادة، مُستغلًّا وصول باتشينو إلى أقصى الإرهاق بتصوير المشهد ذاته ليومٍ كامل دون أي مكيف هواء، إرهاقٌ يقابل الذي يمر به سوني بعد حصاره في البنك تحت ضغطٍ نفسي وتوتّر كبيرَين وفي يومٍ شديد الحرّ لـ 14 ساعة.

وإن لم تكن أجواء تصوير المشاهد الخارجيّة حارّة، بل بالبرودة التي تجعل الممثلين يُطلقون بُخارًا من أفواههم حين يتحدّثون، مما جعلهم يضعون ثلجًا في أفواههم قبل كل مشهد خارجي. كمَشاهد التجمّعات خارج البنك التي أثنى فيها لوميت على جهود الكومبارسات المحترفين في إدارة جمع من 300 كومبارس وجعلهم يتصرّفون بالطرق الصحيحة، كما كان شاكرًا للأهالي الذين عُرض عليهم أن يقضوا أيام التصوير في فنادق بعيدة عن مكان التصوير ريثما ينتهي فاختاروا البقاء والالتزام بتعليمات لوميت حول ما قد يفعله من هم في مكانهم في ظروفٍ كهذه من طريقة التحديق من شبابيكهم بحشريّة وبله.

مساعدةٌ احتاجها مع الصعوبات التي اختارها بنفسه لخروج الفيلم بصورته الأمثل. فمثلًا، يجري هذا الفيلم في ثلاث مواقع، البنك، الشارع بجانب البنك، ومحل الحلّاق في الطرف الآخر من الشارع. في الحالة الاعتيادية يتم تصوير مشاهد الشارع في موقع حقيقي، أما باقي المشاهد ففي استديوهات مجهّزة خصّيصّا لذلك تُسهّل أمر الإضاءة والحركة وما إلى ذلك. لكن لوميت يُريد استمراريةً أكثر واقعيّة وأعمق أثرًا بالنتيجة، يُريد للداخل إلى البنك أن يصل إليه عبر الشارع لا بابٍ لموقعٍ في استديو، لذلك استمر بالبحث حتى وجد تلك المواقع وعمل على التكيُّف مع التصوير بالإضاءة الطبيعيّة بأقل الإضافات، ومع التعاون المذكور من الأهالي وصل الأمر لتصديق بعض الناس أن هذا بنك ودخولهم لفتح حسابات.

جهودٌ كانت نتيجتها انتهاء التصوير في سبع أسابيع، قبل الموعد المحدد بثلاث أسابيع، وكفاية ليلة واحدة سُمح لفريق التصوير بها في مطار كينيدي، كالمعتاد من لوميت من سرعة وساعات عمل طويلة، ورغم ذلك صوّر تقريبًا بالتسلسل الزمني للأحدث، فصحيحٌ أنه كان ينهي تصوير كافة المشاهد التي تجري في أحد المواقع الثلاثة الرئيسيّة ثم ينتقل للموقع التالي، لكن كانت المشاهد في الموقع الواحد تُصوّر بتسلسلها الزمنيّ.

ومشهدين بين كل تلك المشاهد كانا حاسمَين بالنسبة لـ لوميت وباتشينو. لوميت وافق على إخراج الفيلم من أجل مشهد وصيّة سوني ورفض فكرة كاتب النص بّيرسون بحذفه. وباتشينو أراد مشهد المكالمة أن يبرُز كأهم مشاهد الفيلم ورفض لأجله مشهدًا كان في النص يجري فيه وداعٌ مؤثر بين سوني وليون ينتهي بقبلة، مبرّرًا ذلك بأن المشهد قد يستحوذ على الانتباه الذي يجب أن يتركز في المكالمة. فكان على بّيرسون حذف الوداع.

“عليَّ أن أكرهكم، لكنني ضحكت هذه الليلة أكثر مما ضحكت في أسابيعٍ ماضية. أصبح بيننا نوعًا ما صداقةٌ حميمة”، هذا ما قاله مدير البنك الحقيقي لـ وُجتويتش وناتورال في نهاية يوم السطو الذي اقتُبِست منه أحداث Dog Day Afternoon ، بينما قالت أمينة الصندوق شيرلي بيل: “لو كانوا ضيوفي في ليلة سبت، لفاضت بالضحكات”.

حقائق قد لا تعرفها عن Dog Day Afternoon (الجزء الأول)

صنفت مجلة بريميير أداء آل باتشينو فيه كرابع أفضل أداء تمثيلي في تاريخ السينما. في قائمة روجر إيبرت لأعظم الأفلام. اختير للحفظ في سجل الفيلم الوطني من قبل مكتبة الكونغرس الأمريكي لأهميته الثقافيّة، التاريخيّة، أو الجماليّة. أصبحت الحادثة الحقيقية التي استند إليها جزءًا مهمًّا في تدريس كيفية التعامل مع حالات الرهائن والجموع الخارجة عن السيطرة في كليات الشرطة. الفيلم الفائز بأوسكار أفضل نص الذي احتوى نصّه ربما الكمية الأكبر من الارتجالات لفيلمٍ فائزٍ بالجائزة. Dog Day Afternoon وقصة صنعه.

عام 1972 نُشِرت مقالة لـ بـ.فـ. كلوج وتوماس مور في مجلة لايف بعنوان “The Boys in the Bank”، تتحدث عن سطو مسلّح على بنك تشيس في بروكلين، من قبل جون وُجتويتش وسال ناتورال، واصفَين وُجتويتش – الذي خطط للسرقة للحصول على المال اللازم لعمل عملية تغيير جنس لحبيبه – على أنه شابٌّ أسمر، نحيل، مع ملامحٍ لا تحمل تلك الوسامة متفرقةً وإنما تملك جاذبيّةً بانسجامها، كتلك التي لـ داستن هوفمان وآل باتشينو، مما جعل البعض ممن قابلهم باتشينو بعد الحادثة يمازحونه بفكرة أن شخصية هذا السارق قابلةٌ لتصبح دورًا سينمائيًّا رائعًا له.

طبعًا حملت القصّة احتماليّة نجاح كبيرة على شاشة السينما فسارعت Warner Bros بالطلب من فرانك بّيرسون المرشّح لأوسكارَين عن نصَّي “Cool Hand Luke” و”Cat Ballou” أن يُعد نص الفيلم، والذي عانى كثيرًا لدى بحثه عن نقاط ارتكازٍ مثيرة وقويّة الترابط، خاصّةً أنه لم يستطع مقابلة وُجتويتش لعدم توصُّل الأخير لاتفاقٍ مُرضي مع المنتجين بعد، لدرجة تفكيره بالتخلي عن المشروع لولا أنه صرف المُقدّم الذي دُفِع له لدى موافقته على كتابة النص.

فمضى بّيرسون في بحثٍ مُكثّف قابل فيه الكثيرَين ممن كان لهم صلة قريبة أو بعيدة بـ وُجتويتش، ناتورال، أو السرقة، مما أوصله لما أراد باكتشافه أن كل من عرف وُجتويش – الذي أصبح سوني في نص بّيرسون – ملك قصةً مختلفةً عنه، في حين أكّد الجميع أمرًا واحدًا، وهو أنه كثيرًا ما يقول: “سأعتني بك. سأجعلك سعيدًا”، حينها علم بّيرسون أنه وجد مدخله للقصّة. وانطلق في الكتابة جاعلًا نصّه مكوّنًا من 12 متوالية رئيسيّة فقط في أماكن محدودة.

ثم لجأ المنتجون إلى سيدني لوميت لإخراج الفيلم، أحد القلائل الذين أتقنوا المعادلة الصعبة حيث لا مساومة فنيّة، وقابليّة جماهيريّة عالية تضمن النجاح التجاري، ففكر لوميت على الفور بـ آل باتشينو الذي عمل معه في رائعتهما “Serpico” لدور البطولة ووافق الأخير، لكن حين اقترب وقت التصوير وكان باتشينو قد أنهى من فترةٍ قريبة عمله على “The Godfather: Part II” أخبر لوميت أنه يريد الانسحاب، لأنه بدرجة من الإرهاق لن تسمح له بالوصول لحالة شبه هستيريّة في كل يوم تصوير كونه يعتمد على أسلوب التمثيل المنهجي في عمله وتطلُّب الأسلوب لضغط نفسي كبير مع كل دور ومضاعفة هذا الصغط في حالة دور سوني، فوافق لوميت منزعجًا من الاضطرار لتغيير خططه في آخر لحظة وأرسل النص لـ داستن هوفمان، منافس باتشينو الرئيسي وقتها على أكثر من دور، مما جعل باتشينو يغيّر رأيه ويقبل بالإرهاق بدل خسارة فرصة أخرى لصالح هوفمان.

قرارٌ كلفه الكثير، من نومٍ لا يتجاوز الساعتَين يوميًّا خلال التصوير، أكلٍ بالكاد يسد رمقه، وحماماتٍ باردة، بحيث يحافظ على مظهر سوني الفوضويّ، المُرهَق، والمتوتّر. مما جعل حالته الصحّيّة تتراجع تدريجيًّا حتى أصبح بحاجة لدخول المستشفى لبضعة أيام، وقرّر بعد انتهائه من التصوير أن يتوقّف عن صنع الأفلام لفترة ويعود للمسرح. هذا يفسّر غيابه لعامَين بعد هذا الفيلم رغم أنه كان يحافظ على حضور سنوي منذ عام 1971، حتى أنه لم يصدر له إلا فيلمَين منذ صدور هذا الفيلم عام 1975 وحتى عام 1979.

انضمام باتشينو للفيلم لم تكن نتيجته فقط الأداء التاريخي، بل جلب معه الرائع جون كازال بإصراره على أن يُمنح دور سال، رغم أنه يُفترض أن عمر سال 18 عامًا بينما كان عمر كازال وقتها 39 عامًا. ورغم معارضة لوميت للأمر قبل بعمل تجربة أداء كازاللـ ، تمكّن الأخير في أول خمس دقائق منها بالفوز بموافقة وحماس لوميت. كما فعل كريس ساراندون الذي كانت هنا تجربته السينمائيّة الأولى بحصوله على دور ليون متفوّقًا على المرشّح الآخر للدور لانس هنريكسن. حائزًا بالنتيجة ترشيحه الأوسكاريّ الأول والأخير حتى الآن.

بعد اجتماع الأمثل لأدوارهم، بدأ لوميت بروفاته التي استمرّت لثلاث أسابيع، ولما شهده من حماسٍ وإثارةٍ فيها قرّر التراجع عن عدم تفضيله للارتجال هذه المرّة، ومنح ممثليه لأدوار السارقين والشرطة والرهائن فرصة المشاركة في تكوين وتقديم شخصيّاتهم وصياغة تفاعلاتهم وحواراتهم، وأعاد كتابة الأقسام التي أحب ارتجالهم لما فيها بشكلٍ غير الذي كُتِب.

عن ارتجالاتٍ تاريخيّة يُذكر بها الفيلم وما قاد إليها، تصوير مشهد المكالمة بين سوني وليون، أجواء التصوير وإدارة الجموع، نهج سيدني لوميت واهتمامه بواقعيّة الحالة والحدود التي ذهب إليها لتحقيق ذلك، نتائج سرعة عمل لوميت والتصوير بالتسلسل الزمني، ومشهدَين كانا مسؤولَين عن انضمام كلٍّ من لوميت وآل باتشينو للفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Dog Day Afternoon

Bad Genius

“سَطوٌ على أجوبة امتحان”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 7/10
المخرج ناتوات بّونْبّيريا
المدة ساعتين و10 دقائق
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي)  لا يوجد
اللغة التايلندية
تقييم IMDB 7.9

في أحد المقابلات مع التايلندي ناتوات بّونْبّيريا قال أن أكثر ما شغله خلال عمله على هذا الفيلم هو سؤال: “كيف يُمكن رواية قصّة عن طلبة يقومون بأكثر نشاط ممل على سطح الأرض وهو تقديم الامتحانات، بشكلٍ مُثيرٍ بالفعل؟”. من الواضح أنه وجد الإجابة الصحيحة، وقدم بالنتيجة الفيلم الأكثر نجاحًا في شبّاك التذاكر في تاريخ السينما التايلندية.

لمحة عن قصة Bad Genius
لين (كوتيمون تشوينغتشاروِنسوكيِنغ) طالبةٌ متفوّقةٌ منذ صغرها، ليس التفوّق المألوف الناتج عن اجتهادٍ كبير وحفظ، وإنما الناتج عن ذكاء فطري تحقق به أفضل النتائج دون بذل الكثير من الجهد. ينقلها أبوها (ثانيث واراكَلنوكرو) إلى مدرسةٍ جديدة مُكلفة وتضمن مستقبل جيّد لابنته في المنح الدراسية، حيث تكتشف لين أساليبًا لم تخطر لها من قبل لكسب المال من ذكائها.

كتب ناتوات بّونْبّيريا نص الفيلم، مُركّزًا جهوده في اتجاهٍ واحدٍ بلغ وجهته فيه، وهو إبقاء الأحداث مشوّقةً ومثيرةَ التفاصيل دون الاعتماد على التلاعبات الزمنيّة منتهية الصلاحيّة في أفلام السرقات. في حين استغنى عن كل فرصة يُمكن أن تُشكل مخاطرًا إيقاعيّة، فنجده يُقدّم عناوين لأفكار بدل تقديم الأفكار نفسها، لتفادي الدخول في خطوط ثانويّة ليس من السهل التعامل معها وجعلها تنسجم مع إيقاع الفيلم الذي أراده أن يبدأ وينتهي متسارعًا، مما يجعل حتى تلك العناوين تبدو موضوعةً اضطراريًّا كي لا تعتبر فرص تعليقاتٍ اجتماعيّة ضائعة، في حين تصبح في النتيجة الدليل على ضياع تلك الفرص، خاصةً مع التساهل في اختيار الشخصيّات بتنميطها المُضر بأي رسالة أخلاقيّة يُمكن استخلاصها من الفيلم، ضررٌ يُدعّم بسذاجة تقديم الرسالة الأخيرة.

إخراج ناتوات بّونْبّيريا يُبدع في اختيار التفاصيل التي سيضمّها بمونتاجٍ حسّاسٍ يحقق به أعلى إفادة منها، دون إهمال أداءات ممثليه في تنقلاته، مع حرص آتى ثماره على جعل كل امتحان وطريقة غش أكثر إثارةً. كُل هذا بإيقاع سريع مضبوط لا يُمكن معه أن تفقد انتباهك، مما يُفيد في جانب الإثارة، لكنه لا يترك وقتًا للمشاهد للتفكير في عناوين الأفكار الموضوعة هُنا وهُناك وملئ فراغات الخطوط الثانوية التي أمكن أن ترتبط بها، فتُنسى فور مرورها.

أداءات ممتازة من فريق العمل خاصةً كوتيمون تشوينغتشاروِنسوكيِنغ، تصوير مُتقن من فاكلاو جيراونغكونكون، وموسيقى مناسبة من ويتشايا واتاناسابت.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Bad Genius لما فيه من حرص على حرق أبرز أحداثه.

Loving Vincent

“ساعة ونصف عبر عينَي فان جوخ”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج إيلدِكو إنيِدي
المدة ساعة و34 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من عُري ومشاهد جنسيّة
الإرشاد العائلي (أميركي)  لا يوجد
اللغة الهنغاريّة
تقييم IMDB 8.0

عندما لا تكون من أوائل من يتحدّثون عن فيلمٍ كهذا ستحاول الابتعاد عن تكرار المعلومة التي وردت في كلِّ حديثٍ عنه، لكن في حالة هذا الفيلم لا يجب الاكتراث لذلك، ويجب إعادة أن شغف مخرجَين بأعمال فينسنت فان غوخ وصل لدرجة جمع 125 رسّامًا لإعداد أكثر من 65 ألف لوحة زيتيّة مرسومة على قماش مشدود، لصنع فيلمٍ عن فان غوخ كلُّ صورةٍ فيه لوحة مرسومة يدويًّا بالكامل بأسلوب فان غوخ. لا أعتقد أن هناك برهانًا أكبر على حب وتقدير صناع هذا الفيلم لمن يتحدثون عنه ولفنه، ورغبتهم باستثارة حبٍّ وتقديرٍ مماثلَين عند من سيشاهدون فيلمهم بعينَي من يحبّون.

لمحة عن قصة Loving Vincent
بعد محاولاتٍ فاشلةٍ عِدّة لإيصال رسالة فان غوخ الأخيرة لأخيه، يُقرّر ساعي بريده جوزيف رولان (كريس أوداود) إرسال ابنه أرمان (دوغلاس بوث) للقيام بالمهمّة، مما يضع أرمان على طريق لغز وفاة فان غوخ (روبرت غولاتشيك) المأساويّة.

كتب ياتسيك دينيل، هيو ويلتشمان، ودوروتا كوبيِلا نص الفيلم، متفادين إعادة تكرير الأفلام العديدة التي روت قصّة فان غوخ، ولاجئين إلى بساطة كبيرة ومُجزية في اختيار وجهة النظر الجديدة. بطل فيلمهما هُنا ليس فان غوخ، وإنما عابرٌ يسأل عنه، ضيفٌ على بقايا عالمه اعتاد أن يسمع عن جنونه ووجد نفسه يومًا ما يُصغي لما يسمع، كمشاهد الفيلم. لكن للأسف كانوا صريحين أكثر من اللازم في أن وظيفة بطلهم هي تمثيل الانطباعات التي يريدون الحصول عليها من مشاهديهم، فـ أرمان كان يُعلن في ردات فعله أنه موجَّهٌ لغياب بناء مكتمل لشخصيّته، بناءٌ رُبّما لم تكن هناك حاجة حقيقيّة إليه مع باقي الشخصيّات التي يقابلها على الطريق، لكن في حالته فلا مُبرّر إلا أن الكاتب أراد ذلك، أو لم يستطع إدراج أكثر من ذلك لقيودٍ وضعها خيار الرسم اليدوي ونجهلها.

إخراج دوروتا كوبيِلا وهيو ويلتشمان ساحر التأطير والتحريك والانتقال والحرص على أن لا تمر أيُّ لحظةٍ في معرض صورهما مرورَ الكرام، بإيقاعٍ هادئ يُمتع الأعين باللوحات الزيتيّة آسرة التفاصيل والغنى بالعاطفة، ويتفاديان به جعل توالي تلك اللوحات مُرهِقًا مُدّعيًا، حتى يصبح من السهل التقاط الاحتفاءات بأشهر أعمال الفنّان الكبير، ومن المغري أن تعاود التجربة أكثر من مرّة. التجربة الوحيدة من نوعها، فكم مرّةً مُنِحت عينَي فان غوخ لترى بهما ما رآه وخلده من جمال؟

أداءات صوتيّة ممتازة من فريق العمل وخاصّةً سيرشا رونان، وموسيقى تُدعّم استغراقك بالعمل منذ البداية من كلينت مانسيل.

حاز على 8 جوائز ورُشّح لـ30 أخرى أهمها الـ غولدن غلوب لأفضل فيلم أنيميشن.

تريلر Loving Vincent

Poorna

“قصة مُلهِمة، أُخرى”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 5/10
المخرج راهول بوز
المدة ساعة و40 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي)  Not Rated
اللغة الهندية
تقييم IMDB 7.9

قال من لُقِّب بـ سوبر ستار السينما الفنّيّة الهنديّة راهول بوز أنه لم يسمع من قبل بقصةٍ مُلهمةٍ أكثر من قصّة بّورنا، لذلك قرّر العودة إلى الإخراج بعد 15 عامًا من أوّل أعماله الإخراجيّة. لكن للأسف إعجابه بالقصة ورغبته أن يكون من يقصُّها هما السببين الوحيدَين لعودته تلك، لا كونه يُريد أن يروي القصة بشكلٍ مختلف.

لمحة عن قصة Poorna
في محافظة تالانغانا في جنوبيّ الهند، تعيش بّورنا (أديتي إينامدار) المولودة بثلاث عقباتٍ حياتيّة لا يفكّر من هم مثلها بتجاوزها، أوّلها كونها أديفاسي (من السكان الأصليين والذين يُشكّلون أقليّات مهمّشة)، ثانيها أنها فتاةٌ في مجتمعٍ قد تُزوَّج فيه قبل أن تستطيع حتى فهم الزواج، والثّالثة أنها لم تتلقّ بعد التعليم الذي توجّبَ أن تكون قد حصّلته بسبب فقرها ورداءة المؤسسات التعليمية حيث تعيش. لكنَّ صدفةً تمنحها قوّةً لم تعرفها من قبلُ في نفسها، وتضعها على طريق قمّة إيفرست حيث لم تصل من قبلُ فتاةٌ بعمرها.

كتب براشانت باندي وشريا ديف فيرما نص الفيلم، بكسلٍ ولجوءٍ إلى كل كليشيه في النوع بشكلٍ يضرُّ حتى بما هو جيّد في عملهم، فحين تُسر بغياب الأشرار حيث لا حاجة لهم، تجد السبب بروباغاندا سياسيّة ساذجة، وحين تأسرك علاقة بّورنا وصديقتها بّريا تجد السبب في الإتيان بأكثر منعطف نمطي شكلًا وحوارًا على الإطلاق، وفيما عدا ذلك، ليس هُناك حرفٌ غير منقول أو ناتج عن المحفوظ لكثرة تكراره.

إخراج راهول بوز يُعطي كل الأجوبة الممكنة لسؤال: “لماذا لم يُخرج عملًا آخر خلال كل تلك السنين؟”. مثلًا، لأنه لا يملك رؤية خاصّة به ويستعين بأكثر ما شاهده تكرارًا في تقديم كل شخصيّة وكل منعطف، لأنه ينسى المحيط ويقفز مع كل قفزةٍ في النص ناسيًا أهميّة الصّورة في جعل شخصيّاتٍ لم يتجاوز ذكرُها بضعة أسطر على الورق تسترجع أهمّيّتها في سياق الأحداث، كالأبوَين مثلًا، ولأنه حين أراد نقل التوتّر على الجبل بشكلٍ مختلف أعلن أن من خلف الكاميرا مبتدئٌ يُجرّب حظّه.

لولا أدائَي أديتي إينامدار وس. ماريّا في دور بّريا لاستطاعت مواضع الضعف السابقة جعل الفيلم غير قابل للمشاهدة، إينامدار تحديدًا قدّمت ما يُبدي عدم استحقاق فقر ما كتباه باندي وفيرما لغنى ملامحها. في حين فوّت سوبهراسنو فُرَصًا ذهبيّة في استعراض تصويره سواءً في القرية أو على الجبل، ولم يُضف تانوج تيكو الكثير بموسيقاه.

تريلر Poorna

عن قلوبٍ نبضت لأكثر من روح – أفلام زراعة القلب

يوافق الخميس القادم مرور نصف قرن على وفاة لويس واشكانسكي، أول خاضع لعمليّة زراعة قلب بشري والذي توفّي بعد 18 يوم من العمليّة عاد فيهم لوعيه وحادث مُحبّيه، بينما أصبحت العمليّة قادرة اليوم على منح ما يصل إلى 5 سنين أخرى من الحياة للمريض. وكون القلب في جميع الثقافات مرتبط بالذاكرة الحسّيّة، أصبحت فكرة وجود قلب شخصٍ في جسد آخر مثيرةً للاستكشاف سينمائيًّا، وهذه أربعة من أبرز أفلام زراعة القلب التي أحسنت استغلال الفكرة.

الفيلم الأول:

21Grams – Alejandro G. Iñárritu

ثاني أجزاء ثلاثية الموت للكاتب غييرمو أرياغا والمخرج أليخاندرو غونثاليث إيناريتو، والذي كان عنه ترشيح نايومي واتس الأول وترشيح بينيسيو ديل تورو الثاني للأوسكار. ويروي قصة المتخصص في الرياضيّات بول ريفرز (شون بّين)، الزوجة والأم كريستينا بّيك (نايومي واتس)، والسجين السابق جاك جوردان (بينيسيو ديل تورو)، بعد أن يجمعهم حادثٌ مؤلم لا تسمح تداعياته لأيٍّ منهم بأن يعود إلى ما كانه قبله.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

Heal the Living – Katell Quillévéré

في مرةٍ طلب مني صديقي إعداد قائمة بأسماء مخرجات يجب أن يشاهد أفلامهنّ، وكان دافعه أنه شاهد أعمال لمخرجتَين أو ثلاث أسرته فيهم حساسية الكاميرا حين تُمثّل عين أنثى. حينها لم أكن أعرف الفرنسية كاتيل كيليفيريه، ولم أكن قد شاهدت فيلمها هذا الذي سرعان ما سيقفز إلى ذاكرتي من الآن فصاعدًا كأحد أبرز الأمثلة حين تُذكر المخرجات وحساسيّتهن تلك. ويبدأ الفيلم بحادثٍ مأساوي يجمع غُرَباءً على تجاربٍ حسّيّة وحياتيّة لا تُنسى.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Heal the Living لما فيه من حرق لأحداثه.

الفيلم الثالث:

Gods – Lukasz Palkowski

قصة جراح القلبيّة البّولندي زبينيو ريليغا (توماش كوت)، والذي أجرى في ثمانينيّات القرن الماضي أول عمليّة زراعة قلب في بّولندا في وقتٍ كان شعبها فيه بحاجةٍ لانتصارٍ إنسانيٍّ كهذا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

Seven Pounds – Gabriele Muccino

من صانع وبطل “The Pursuit of Happyness”، ويروي قصة بين (ويل سميث) الذي يسعى لتغيير حياة سبعة غرباء لسببٍ لا يعلمه إلا هو. قد لا يكون المنطق هو بطل الفيلم، لكن قلبه في المكان الصحيح في أغلب الأحيان.

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

Awake – Joby Harold

عمل جوبي هارولد الأول والأخير مخرجًا، والمستقبل بسخطٍ نقديٍّ لم يترافق مع نجاحٍ تجاريٍّ كافٍ لمنح هارولد فرصةً أخرى. لكن رغم كل ذلك ستجد نفسك في صف روجر إيبرت حين لم يجد الفيلم مستحقًّا لتلك الحدّيّة وكانت استجابته ببساطة: “ذهبت لمشاهدته دون معرفة أي شي عنه إلا أصداءه الكارثيّة، وجلست هناك لأجد نفسي مستغرقًا معه بالكامل. لم أنتظر المفاجآت، لم أنتظر تراكمهم الواحدة بعد الأخرى، وإنما وجدتُ إثارةً في التفاصيل الجراحيّة، ووجدتُ الميلودراما بالجودة التي يمكن أن تنتظرها من قصصٍ كهذه”.

ويروي الفيلم قصة كلاي بيريسفورد (هايدن كريستنسن) المحتاج لعملية زراعة قلب مع حبيبةٍ وأمٍّ وصديقٍ هو الجرّاح.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأهم أحداثه.

Wind River

“الذئاب لا تأكل الغزلان قليلة الحظ، تأكل الضعيفة”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج تايلر شيريدان
المدة ساعة و47 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي والعري والمشاهد الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.9

بعد عشرين عامًا من الأدوار الجانبيّة غير الملحوظة، أوشك تايلر شيريدان على الانتقال مع عائلته إلى حيث سيعمل كسائس خيول بدوام كامل، ثم راودته فكرة أن يقوم بمحاولة سينمائيّة أخيرة، لكن ليس في التمثيل هذه المرّة، بل في كتابة النصوص وإن لم يملك أي تجربة سابقة. بعد ستة أشهر أنهى ثلاثة نصوص سُمّيت أفلامها ثُلاثيّة الحدود الأمريكيّة، بيع اثنين منها وأصبحا Sicario وHell or High Water أحد أهم أفلام عاميهما كما رُشّح عن ثانيهما للأوسكار، أما الثالث فكان مُتردّدًا بشأنه بشكلٍ غريب خاصةً بعد النجاح الكبير لسابقَيه وكثرة العروض، شيريدان خَشي العبث برؤيته بحيث تصبح مُهينة لمن يحترمهم بها، “لا أعلم إن كنت أستطيع صناعة فيلمٍ جيّد، لكنني علمت أنني أستطيع صنع فيلمٍ يحترم الجميع”، لهذا قرّر أن يقوم بتجربته الإخراجيّة الأولى مع Wind River . والمفاجأة السارّة له ولنا أن ثلاثيّته اختُتمت أيضًا بأحد أقوى أفلام العام، والذي بلا شك يحترم من فيه.

لمحة عن قصة Wind River
كوري لامبرت (جيريمي رينر) صيّاد حيوانات مفترسة إن اقتربت من أماكن عيش البشر أو ماشيتهم، وفي إحدى مهمّاته يجد جثّة شابّة لم تقربها وحوش الغابة وإنما قتلها الخوف من البشر. تصل بالنتيجة العميلة الفدراليّة حديثة العهد جين بانر (إليزابيث أولسن) إلى مسرح الجريمة للنظر في ملابسات الأمر، ومعًا يمضيان في كشف الغموض المُحيط بآخر ساعات حياة الشابّة الصغيرة.

كتب تايلر شيريدان نص الفيلم المبني على “قصص” حقيقية، مُتعاملًا مع الإطار التقليدي في عدّة جوانب بجدّيّة فرضها احترامه للقصة، وأثمرت تماسُكًا وثقلًا حسّيَّين يطغيان على أي تقليديّة. قد لا تكون رحلة بطلهم الأولى من نوعها، لكن قلبها غير مستعار، قد لاتكون النتائج خارجة عن التوقعات المبنيّة على المألوف، لكن رعبها وألمها نداء استغاثة لا متاجرة، وقد لا تخلو الحوارات من بعض التجهيز للاقتباس أو غياب قدر معيّن من التلقائيّة أحيانًا، لكنها مُعدّة بالكامل لمخاطبة قلبك واحترام عقلك. رُبّما موضع القصور الأبرز هو كون شخصيّة جين صدى لشخصيّات شبيهة أكثر منها شخصيّة خاصّة بهذا الفيلم، وإن كان دخولها ضروريًّا، لكن المساحة الممنوحة لم تُستغل لجعل أهميتها لا تتوقف عند هذا الدخول.

إخراج تايلر شيريدان بشكل مفاجئ أفضل من نصّه، رُبّما هناك بعض المواضع المأخوذة كما هي بقوالبها، لكنها تذوب وسط الأجواء الجافّة الكئيبة، والمُدعّمة بالمساحات الواسعة المُغطّاة بثلجٍ لا تُفسد الكثير من الخطوات تراكُمَه، ناقلةً عُزلةً وحتى شعورًا بالبرد. مع إيقاعٍ يفرض هدوءه بعد إحاطتك بحجم المأساة، ولحظات دخول مُباغتة بذكاء للعنف تؤتي ثمارها كاملةً من شد الأعصاب وكسب الاهتمام الكامل المُستثار بشعورٍ بالخطر.

أداء قوي من جيريمي رينر يُحمّل ملامحه ماضيه وإن أُخطِئَ توجيهه في مرةٍ أو اثنتين، أداء مُلتزِم من إليزابيث أولسن اقتصر على منح شيريدان الانطباعات التي يريدها في اللحظات التي يريدها دون كثيرٍ من العمل على خلق خلفية للشخصيّة تُعوّض غياب تلك الخلفيّة في النص، مع أداءات جيدة من باقي فريق العمل، تصوير جيّد من بِن ريتشاردسون، وموسيقى تليق باسمي مُبدعَيها وارين إليس ونيك كيف ساهمت بشكل كبير في حالة الفيلم ووزنه الحسّي.

حاز على 4 جوائز أهمها أفضل مخرج في قسم نظرة ما في مهرجان كانّ، ورُشّح لـ3 أخرى أهمها الكاميرا الذهبية في مهرجان كانّ.

تريلر Wind River

حقائق قد لا تعرفها عن Hacksaw Ridge (الجزء الثاني)

عن تيريزا بالمر وطريقها إلى دور دوروثي، فينس فون ودور الرقيب هاول، الراحل جيمس هورنر وجون ديبني مؤلف الموسيقى التصويريّة لـ The Passion of the Christ وعلاقتهما بموسيقى الفيلم، صرامة تعامل غيبسون مع كمال عناصر فيلمه وتجاوز الميزانيّة المشروع، مصادر استلهامه مشاهد المعارك، استجابة ابن ديزمُند دوسّ للفيلم وأداء أندرو غارفيلد فيه، وقائع من أيام دوسّ في المعركة استُبعدت من الفيلم والسبب، ودافع غيبسون وغارفيلد الرئيسي لصناعة الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Hacksaw Ridge

أما دوروثي فقد جاءت شخصيًّا إلى غيبسون قبل أن يسعى إليها. تيريزا بالمر أرادت المشاركة في فيلم غيبسون القادم بأي ثمن، فسجلت تجربة أداء على الموبايل وأرسلته إلى غيبسون، والذي لم يبعث بأي رد قبل مُضي ثلاث شهور تواصل معها بعدها عبر سكايب مُعلنًا فوزها بدور دوروثي زوجة دوسّ. في حين ذهب دور الرقيب هاول إلى فينس فون بعد تنازُل غيبسون عنه للتركيز في مهام الإخراج.

وربّما أمِل جون ديبني أن يكون خروجه من المشروع تنازُلًا كهذا أو انسحابًا لا استغناءً عن جهوده. فبعد اختيار الأسطورة جيمس هورنر لتأليف موسيقى الفيلم ووفاته المفاجئة، اختير ديبني وباشر بالأمر وبعد انتهائه وتقديمه لـ غيبسون رُفِضَ وتم استبداله بـ روبرت غريغسون-ويليامز الذي وصلت موسيقاه إلى النسخة النهائية.

تصرّفٌ يمكن فهمه بلا شك مع حساسيّة موقف غيبسون الذي حورب في هوليوود طوال عشر سنوات وسيكون الجميع بانتظار أن ينالوا من فيلمه، مما جعله يحرص على كمال كل عنصر بنفسه وإن كلفه ذلك الدفع من ماله الخاص، كشرائه كاميرتَي يد بـ3000 دولار للمساعدة في مشاهد المعارك وإضافة واقعيّة أكبر لها. المشاهد التي استلهمها من كوابيسٍ لازمته طفلًا، أطلقتها قصص أبيه الجُنديّ السابق في الحرب العالمية الثانية التي كان يرويها عن تجاربه في الحرب في كل ليلة لطفله قبل أن ينام.

رُبّما كان لـ دوسّ عادةٌ مشابهة، فآثار تجربته ما زالت حاضرةٌ في ذاكرة ابنه ديزمُند جونيور، والذي بكى إثر العرض الأول متأثّرًا بدقّة أداء غارفيلد لدور أبيه، وأكّد أن دقة الفيلم كانت لترضي حتى أباه الذي كان مانعه الرئيسي من قبول بيع حقوق قصته هو ألّا تُروى كما هي.

وكان على حق بلا شك، فهي تبدو آتيةً من مبالغات فيلم بطولة ودعاية سياسيّة دون أي إضافات، مما يجعل فكرة مشاهدة أي اجتهادات هوليوودية مُرعبة. غيبسون لم يتجنب فقط الإضافة، بل تخلّى عن مفاصل مهمة في القصة كي يتفادى عدم التصديق واعتبارها مبالغات للابتزاز العاطفي.

.

.

فيما يلي حرق لأهم أحداث الفيلم:

.

.

.

فمثلًا، دوسّ لم يُصب ويُخلى بعد هجومٍ صباحي على جرف هاكسو، وإنما أُصيب بعد ثلاثة أسابيع من حملة أوكيناوا خلال هجوم ليلي بالقرب من شوري، بقنبلة سبّبت جروحًا في ساقيه اضطُر لمحاولة مداواتها بنفسه خلال خمس ساعات انتظرها ريثما وصل إليه حاملو النقّالة، والذين هاجمتهم دبّابة أثناء نقلهم له فترك النقّالة وطلب ممن أتوا للمساعدة أن ينقلوا أحد زملائهم المصابين بشدّة أكبر منه أولًا ثم يعودوا من أجله، لكن قبل تلك العودة وخلال مساعدة أحد الجنود له للانتقال لمكان أكثر أمانًا أصابه قنّاص في يده مُسبّبًا كسرًا كبيرًا في يده حاول تجبيره بدعامة حربة، ثم زحف لقرابة 300 مترًا إلى أحد محطات الإسعاف للعلاج.

خلال تلك الأسابيع التي سبقت إصابة قدميه أنقذ دوسّ 75 رجلًا بإنزالهم كما شاهدنا في الفيلم، لكن هُناك ما يقرب عددهم إلى 225 بين من داواهم بحيث يستطيعون التراجع دون مساعدته ومن عادوا إلى الهجوم بعد مساعدته. بالفعل أمرٌ صعب التصديق. وهذا ما أبكى غارفيلد عندما قرأ النص لأول مرة وجعله يزور منزل دوسّ ويتأمل ويتلمّس مقتنياته محاولًا لمس بعضٍ من روحه.

الروح التي كانت سببه وغيبسون الأوّل للمضي في صناعة Hacksaw Ridge ، كليهما اتفقا على أن أكثر ما جذبهما للعمل على المشروع هو أنه عن بطلٍ خارقٍ حقيقيّ، وأضاف غيبسون أنه لو كان دوسّ حيًّا لطلب منه أن يكون رئيس الولايات المتحدة.

حقائق قد لا تعرفها عن Hacksaw Ridge (الجزء الأول)

قضت فكرته نصف قرن قبل أن تتحول لخطوةٍ بدأت 14 عامًا من الخُطى تقدُّمًا وتراجُعًا حتى وصل إلى الشاشة الكبيرة. أول فيلم يُخرجه ميل غيبسون بعد عقدٍ من آخر أعماله وراء الكاميرا. والنتيجة، وقفةُ تصفيقٍ وتقدير لعشر دقائق في مهرجان البندقيّة بعد عرضه الأوّل، دخوله في قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأفضل 10 أفلام في عامه، وست ترشيحاتٍ أوسكاريّة متضمّنة أفضل فيلم ومخرج وممثل بدور رئيسي. Hacksaw Ridge وقصة صنعه.

لم يكُن ديزمُند دوسّ (أوّل مُعترض على حمل السلاح بدافع الضمير يُمنح ميدالية الشرف) ممن لا تُعرف قصصهم إلا بعد رحيلهم، لذلك كانت أولى محاولات نقل قصّته إلى شاشة السينما في خمسينيّات القرن الماضي بعد سنوات قليلة من نهاية الحرب العالميّة الثانية التي شهدت على بطولاته، وكان وراءها المنتج هال بـ. واليس (منتج Casablanca وThe Maltese Falcon وSergeant York) مُعتزمًا منح دور البطولة لـ أودي مرفي الجُندي الأمريكي الشهير صاحب أكبر عدد من الأوسمة في الحرب العالميّة الثانية، لكن دوسّ لم يقبل خشية تحويل قصته إلى فيلم هوليوودي تقليدي آخر خاصّةً أنهم مانَعوا قبول شرط الدقة الكاملة.

استمرت المحاولات جيئةً وذهابًا لعقود، وبعد وفاة دوروثي زوجة دوسّ عام 1991 أعاد ستان جينسن التابع لـ كنيسة اليوم السابع السبتيّة التي يتبع لها دوسّ المناقشات حول الموضوع واقترحه على المخرج والمنتج غريغوري كروزبي (حفيد بينغ كروزبي)، والذي نجح في إقناع دوسّ عام 2001 وأعدّ مسودّةً أولية قدمها للمنتج ديفيد بيرمُت يبدوا أنها لم تُثر الحماس للمضي في المشروع أكثر من ذلك.

عام 2004 استطاع المخرج تيري بينيديكت شراء حقوق صناعة فيلم وثائقي عن دوسّ بعنوان “The Conscientious Objector”، ووجد الفرصة سانحة فاشترى حقوق صناعة فيلم روائي. عام 2006 توفّي دوسّ واشترى المنتج بيل ميكانيك الحقوق من بينيديكت، ثم باعها لشركة “Walden Media” التي تعاونت مع بيرمُت أول منتج وضع المشروع بين يديه للمضي بصناعة الفيلم، مُصرّةً على أن تكون المعارك بتقييمٍ عمريّ لا يتجاوز PG-13، أمرٌ عَلِمَ ميكانيك أنه سيضر بالفيلم فحاول استعادة الحقوق مرة أخرى.

وفور الحصول عليها تواصل مع ميل غيبسون طالبًا منه ملحمة عنفٍ وإيمان كالتي قدّمها في “The Passion of the Christ“، لكن الأخير رفض العرض مرّتين خلال قرابة عقد من الزمان مر فيه الفيلم على راندال والاس (كاتب Braveheart ومخرج We Were Soldiers وSecretariat) للقيام بمهام المخرج والكاتب ثم آرون شنايدر كمخرج، حتى وافق غيبسون في نوفمبر من عام 2004، الشهر ذاته الذي أعلن فيه فوز أندرو غارفيلد بدور البطولة، فمنذ شاهده غيبسون في “The Social Network” أراد العمل معه ووجدها الفرصة الأنسب.

عن تيريزا بالمر وطريقها إلى دور دوروثي، فينس فون ودور الرقيب هاول، الراحل جيمس هورنر وجون ديبني مؤلف الموسيقى التصويريّة لـ The Passion of the Christ وعلاقتهما بموسيقى الفيلم، صرامة تعامل غيبسون مع كمال عناصر فيلمه وتجاوز الميزانيّة المشروع، مصادر استلهامه مشاهد المعارك، استجابة ابن ديزمُند دوسّ للفيلم وأداء أندرو غارفيلد فيه، وقائع من أيام دوسّ في المعركة استُبعدت من الفيلم والسبب، ودافع غيبسون وغارفيلد الرئيسي لصناعة الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Hacksaw Ridge

حقائق قد لا تعرفها عن Patton (الجزء الثاني)

عن خلافٍ بين فرانكلين ج. شافنر وجورج ك. سكوتّ وسببه وكيفية تعامل شافنر معه، ثقة سكوتّ المهزوزة في جودة ما يقدّمه واستجابته للترشيح الاوسكاري والفوز، صلات مباشرة بين حرب الواقع والحرب على الشاشة، بّاتون وقصيدةٌ وفروسيةٌ وخيل، وأثر الفيلم في الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وإرثه المستقر في متحفٍ حربي والسبب سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Patton

هُدّدت فرصة شافنر في تولي مهمة الإخراج بما سبّب انسحاب ويليام وايلر من المشروع وهو الخلاف مع سكوتّ، وكان حول افتتاح الفيلم بالخطبة التي يعتبرها بعض المؤرخين من أفضل الخطَب الملهمة في التاريخ، سكوتّ رأى أن ذلك سيضر باستقبال أدائه لأنه سيُنتظر منه ما يرتقي لتلك الخطبة طوال الفيلم، فما كان من شافنر إلا أن طمأنه وأخبره أنه سينقل الافتتاحية إلى الخاتمة دون نية حقيقية لفعل ذلك.

لم يكف ذلك سكوتّ القلِق من حجم المسؤوليّة، بل كان يُكثر من الاعتذار لـ شافنر خلال التصوير كونه لم يشعر أنه نجح في الإحاطة بتعقيد الشخصية. هذا كان همه الوحيد، لا إثبات تفوقه، لدرجة أنه رفض فكرة ترشيحه للأوسكار أساسًا ورفض استلام الجائزة في حدثٍ هو الأول من نوعه في التاريخ، فالمنافسة والمقارنة في رأيه غير منصفتَين. ربما هو على حق، لكن الأكيد أنه قدّم دورًا للتاريخ.

كذلك المارشال برنارد لو مونتغومري الذي قام بدوره مايكل بيتس في الفيلم لم يؤمن بالمنافسة، لكن لأسباب مختلفة، لسببٍ مختلفٍ وهو ثقته العمياء بتفوقه وبأن لا طرق صحيحة إلا التي يسلكها، كما كان مونتغومري الحقيقي، فالمشهد الذي يستبدل فيه مونتغومري خطط الجنرال بخططه وقع بالفعل.

وكثيرٌ من المشاهد المنقولة من الواقع لم تكن بحاجة للرخصة الإبداعية للتعديل، كالمشهد الذي يخبر فيه بّاتون الجنرال هارولد أليكساندر (جاك غويليم) أنه كان في جيش نابليون بونابرت، كإشارةٍ إلى القصيدة التي كتبها بّاتون بعنوان “Through A Glass Darkly” التي يمر فيها على ذكرياتٍ ضبابيّة لستّ حيواتٍ عاشها من قبل، من رجل الكهف إلى أحد جنود الإمبراطوريّة الرومانيّة إلى أحد جنود نابليون، في كلٍّ منهم كان جنديًّا. وحادثة الصفع التي جُرّد فيها بّاتون من صلاحيّاته القياديّة لـ11 شهرًا رغم اعتذاره ممّن صفعهما. لكن تسريب الأمر للصحافة اضطر المسؤولين لمعاقبته بهذا الشكل.

والمشهد الذي يقول فيه كودمان (بّول ستيفنز) لـ بّاتون أن الجنرال أليكساندر أخبره أن لا يستولي على باليرمو، الحادثة ذاتها وقعت حين غزا بّاتون ألمانيا ووصلته أوامر بتجاوز بلدة ترَيَر، فأجاب: “استوليت على ترَيَر بكتيبتَين، أتريدني أن أُرجعها؟”. والمشهد الذي يأمر فيه بّاتون القسّيس أن يصيغ دُعاءً لحالة الطقس، فحينها صاغ القسّيس الدُّعاء على مضض، ثم أخذه بّاتون وطبعه على بطاقاتٍ بريديّة وزّعها على جنوده، وحين انجلى الطقس كافأ القسّيس بنجمةٍ برونزيّة.

حتى المقابلة التي يُجريها بّاتون من على ظهر جواد كانت احتفاءً بدوره في إنقاذ فصيل حصان الليبيزانر الذي تشتهر به مدرسة ركوب الخيل الإسبانيّة بالإضافة لما فيها من خيولٍ عربيّة، فـ بّاتون هو من حرص على أن لا يجعل السوفييت المتقدّمين من الأحصنة طعامًا لهم مما كان سيقضي على حصان الليبيزانر إلى الأبد. لا يُستغرب أمرٌ كهذا من أحد أقوى المبارزين والمصمّم لسيفٍ حربيٍّ سُمّي باسمه، من أحد الفرسان.

هذه بعض الأحداث الاستثنائيّة العديدة التي شكّلت شخصيّة Patton غير سهلة الفهم وجعلتها مغريةً للاستكشاف سينمائيًّا، جعلتها ملهمةً لـ الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون الذي كان يشاهد الفيلم قبل اتخاذه أي قراراتٍ عسكريّةٍ حاسمة، وجعلت المنتج فرانك ماكارثي يستمر في محاولة تقديم بّاتون على الشاشة لعشرين عامًا اختتمت بفوزه بأوسكار أفضل فيلم وتبرعه به لمتحف الجنرال جورج ك. مارشال الذي أشاد ونستون تشرشل بدوره في الحرب العالمية الثانية، وكان ماكارثي قائد لواءٍ تحت إمرته. ما زال أوسكار ماكارثي في المتحف حتى هذا اليوم.