أروع أفلام وأداءات دانييل داي-لويس

بعد صدور آخر أفلام دانييل داي-لويس عام 2012 أطلقت مجلة Time العريقة عليه لقب أعظم ممثل في العالم، أمرٌ سبقها إليه ملايين من عشاق السينما، والذين يتحسرون اليوم على روائعٍ لن تُصنع لأنها لن تجد أبطالها إلا في داي-لويس بعد إعلان قرار اعتزاله وأن عمله القادم مع بول توماس أندرسون سيكون آخر أعماله، وهنا، سنمر على أكثر تلك الأعمال التصاقًا بالذاكرة وتأكيدًا على حجم الخسارة إن كان قرار الأسطورة البريطانية بالفعل نهائيًّا.

الفيلم الأول:

There Will Be Blood – Paul Thomas Anderson

الفيلم الذي يحتل المركز الثالث في قائمة BBC لأفضل أفلام القرن الواحد والعشرين، المركز 51 في قائمة Entertainment Weekly للكلاسيكيات السينمائية الجديدة، اندرج نصه في القائمة السوداء لأروع النصوص غير المنفذة لعام 2006، الفيلم الأكثر نجاحًا نقديًّا وجماهيريًّا وتجاريًّا في مسيرة صانعه، وفيه الأداء الذي اعتُبر العلامة التمثيلية التاريخية الأبرز منذ بداية الألفية. ويروي قصة أحد المنقبين عن البترول في مطلع القرن الماضي مارًّا بفضل شخصيته الاستثنائية على ثيمات العائلة والدين والإنسانية والجنون.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

In the Name of the Father – Jim Sheridan

ثاني فيلم جمع جيم شيريدان وداي-لويس بين ثلاثةٍ جعلت لـ شيريدان النصيب الأكبر لمخرج من مسيرة داي-لويس، ويروي القصة الحقيقية لمتهمٍ بالإكراه بتفجيرات لا يعلم حتى سببها لكنه كان كبش الفداء الأسهل لحمل مسؤوليتها، عبر رحلته مع أبيه خلف القضبان لإثبات براءتهما.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

Gangs of New York – Martin Scorsese

من أوائل أحلام مارتن سكورسيزي المُسنّة التي تحولت إلى حقيقةٍ خالدة، أول تعاونٍ بينه وبين ليوناردو ديكابريو والذي ما زال يُثمر روائعًا حتى الآن، وفيه قدّم دانييل داي-لويس أحد أكثر شخصياته أيقونيةً، بيل الجزّار الذي يجهل استهدافه بثأرٍ قديم.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

My Left Foot – Jim Sheridan

القصة الحقيقية للرسام الذي لم يملك سلطةً إلا على أحد أطرافه وهو القدم اليسرى، والذي لن ينصف ما اختبره إلّا مجنونٌ كـ داي-لويس يقضي لأجل الدور طوال مدة التصوير على كرسيي مدولب لا يأكل إلا إن وجد من يطعمه فلا يد له تمسك بالملعقة!!

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

Lincoln – Steven Spielberg

حتى شخصيةٌ جُسّدت أكثر من مرة من قبل ومن الصعب أن يتوقف ظهورها على الشاشة الفضية استطاع داي-لويس احتكارها، في الفيلم الذي يروي قصة المرحلة الأكثر حرجًا في حكم لينكولن، والذي لم ولن يُبعث حيًّا كما فعل بجسد داي-لويس.

تريلر الفيلم:

الفيلم السادس:

The Unbearable Lightness of Being – Philip Kaufman

رُبما كان تحدي اقتباس روايةٍ كهذه لكاتبٍ كـ ميلان كونديرا هو أصعب ما واجه فيليب كوفمان، وربما بكسبه التحدي كسب في تاريخه العمل الأكثر خلودًا له، والذي تبدأ أحداثه في أواخر ستينات القرن الماضي لدى لقاء رجلٍ وامرأة لا يجمعهما الميل للاستقرار، وتدخل الحرب لتضع أمامهما وبينهما صعوباتٍ جديدة.

تريلر الفيلم:

الفيلم السابع:

The Age of Innocence – Martin Scorsese

\

نيويورك القرن الثامن عشر والطبقات والعوائل والسُّمعة، يقع فيها مُحامٍ خطب حديثًا في حب الشخص الخطأ في الزمن الخطأ، ربما لم نشاهد داي-لويس كثيرًا في ثوب العاشق المُتيّم، لكنه عندما يكون سنعلم أن الثوب خلق لمثله.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثامن:

The Last of the Mohicans – Michael Mann

آخر أبناء قبيلة من الأمريكيين الأصليين يتورطون في الصراع الفرنسي الهندي لدى تكليفهم بحماية بنات كولونيل بريطاني، وطبعًا ليكون داي-لويس أهلًا لتلك الحماية سبق فريق التصوير إلى الغابة بأشهر لم يأكل خلالها إلا من صيده بالإضافة لتعلمه بناء الزوارق.

تريلر الفيلم:

الفيلم التاسع:

The Boxer – Jim Sheridan

مسك ختام ثنائي شيريدانداي لويس والذي يروي قصة ملاكمٍ يعود بعد قضاء 14 عامًا في السجن لجمع شتاته ومحاولة الاعتماد عليها في إعادة بناء حياته.

تريلر الفيلم:

في هذه القائمة أكثر من نصف أعمال دانييل داي-لويس ، ربما لا بد أن يترافق كونك أعظم ممثل في العالم مع كونك الممثل الأكثر انتقائية. سنشتاق إليك دانييل بلينفيو، جيري كونلون، بيل الجزار، كريستي براون، أبراهام لينكولن، توماس، نيولاند آرتشر، هوكاي، داني فلين.. سنشتاق إليك دانييل داي-لويس .

Chûshingura

“الملحمة اليابانية الأكثر خلودًا”

السنة 1962
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج شوجيت سيركار
المدة 207 دقيقة (ثلاث ساعات و27 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة اليابانية
تقييم IMDB 7.8

تُعتبر قصة الـ47 ساموراي بلا سيّد أشهر ملحمة في تاريخ اليابان والحاملة والملهمة لروح المجتمع الياباني ومبادئه، لذلك هناك عشرات المحاولات منذ بدايات السينما الآسيوية للقبض على ما يُكسب تلك الملحمة مكانتها باستغلال لا محدودية قدرات الوسيط السينمائي، لكن حين قام هيروشي إيناغاكي أحد أهم واضعي أسس نوع أفلام دراما العصور القديمة في السينما اليابانية بتقديم رؤيته هذه للقصّة سرعان ما كسبت كل مقارنة واحتلت مكانتها كأفضل تجسيد للقصّة على الشاشة الكبيرة منذ صدورها وحتى اليوم.

في عام 1701 في حقبة إيدو في اليابان والمشهورة بالنزاعات، يُكلّف أسانو (يوزو كاياما) أحد أسياد عشائر الساموراي باستقبال وفد إمبراطوري في قصر القائد الأعلى للجيش، أمرٌ يذهب الخطأ فيه بحياة المخطئ وأتباعه، لذلك يجب عليه التقيد بتعليمات كيرا (شوشا إيتشيكاوا) خبير المراسم، والذي لا تروق له مواقف أسانو مما يعني وضع مصير عشيرة كاملة على المحك.

كتب توشيو ياسومي نص الفيلم، بعنايةٍ كبيرة في البناء الدرامي لما سبق اللحظة التي أطلقت الصراع، لكن بشكلٍ غريب تتناقص تلك العناية انطلاقًا من تلك اللحظة، ففي حين ملك فرصًا كبيرة لاستكشاف شخصيات استثنائية والظروف النفسية التي أدات لاتخاذها قرارًا تاريخيًّا، انشغل بخطوطٍ درامية ثانوية لا يقدم أيٌّ منها ما يطمح إليه، على العكس تتحول بعد حدٍّ معين إلى مجرد تشويش لصعوبة متابعتها وربطها بالحدث الرئيسي.

إخراج هيروشي إيناغاكي يمنح التجربة مهابةً تدفعك لإكمال الفراغات التي تركها نص ياسومي بأفضل ما يمكن أن تتخيله، خاصةً بالإيقاع العذب بشكلٍ غريب، والغرابة فيه أن عذوبته لا تخدم بالضرورة السرد، فأنت لا تشعر بالقطع والانتقال، لكنك ورغم عدم فقدانه اهتمامك لا تشعر بالزمن – والذي يُشكّل عنصر جوهري في القصة –  كما يجب، في حين تؤسر بغنى الصورة من الألوان إلى الأزياء إلى رسم الحركة ضمن المشهد إلى وزن الإسهام الدرامي لتلك الصورة والتي تصنع مشاهدًا تذكارية، بالإضافة طبعًا للمعركة الأخيرة، مما يُكثّف أثر حتى الخطوط الثانوية قدر المستطاع.

أداءات جيدة من فريق العمل يبرز بينها أداء القديرة سيتسوكو هارا وكوشيرو ماتسوموتو، مع تصوير ساحر من كازوو يامادا استغل كل فرصة، الزهور التي قطفتها الرياح، ظلال الليل وتمايلها مع الريح، معركة الثلج، وكل هذا مع موسيقى تليق وترتقي بالصورة من أكيرا إيفوكوبيه.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Chûshingura لما فيه من حرق لأحداثه.

أصدق الصور السينمائية لـ إبادة الأرمن

“من يذكر الآن إبادة الأرمن ؟”، قالها هتلر لرجاله ليؤكد لهم أن خطته لإبادة اليهود ستنجح، لكنه نسي أمرًا مهمًّا، نسي أن المحارق ومعسكرات الاعتقال قادرةٌ على تذكير الناس، بينما لم يكن في صف الأرمن إلّا رمال الصحراء، وهذه تحتفظ بأسرارها لنفسها إلى الأبد. أو إلى أن تستطيع عدسةٌ سينمائية التلصص لرصد تلك الأسرار، كعدسات صنّاع هذه الأفلام.

الفيلم الأول:

The Cut – Fatih Akin

“فيلم The Cut لـ فاتح أكين ملحمةٌ صادقة يدوية الصنع، من النوع الذي لم يعد هناك من يصنعه الآن. بكلماتٍ أُخرى، استجابةٌ شخصيّة عميقة لواقعةٍ تاريخيّةٍ مأساويّة، بغنًى كبير، جمال، وزخمٍ آسر. هذا العمل عزيزٌ عليّ على عدة مستويات”، من كلمات مارتن سكورسيزي في أحد الأعمال المعدودة التي مرت على مذابح الأرمن، والأول في التاريخ الناتج عن تعاون تركيٍّ وأرمنيّ.

في عام 1915 وصل تداعي الإمبراطورية العثمانية مراحلًا دفعتها إلى اتخاذ خطواتٍ دفاعيّة يائسة بقدر دمويّتها، منها ما وصل باب الأرمني نازاريت مانوجيان (طاهر رحيم) الزوج والأب لابنتين بنداء تجنيدٍ إجباريٍّ مستعجل في منتصف الليل أخذه لمصيرٍ مجهولٍ وسط الصحراء، حيث تبلغ إحدى مذابح الأرمن حنجرته ليوقفها قدرٌ عن إكمال طريقها ويمنحه فرصة إكمال طريقه لجمع شتات ما فقد.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر The Cut لما فيه من حرق لأحداثه.

الفيلم الثاني:

Don’t Tell Me the Boy Was Mad – Robert Guédiguian

في ثمانينيات القرن الماضي يُعاد إيقاظ قضية التجاهل العالميّ لإبادة الأرمن لكن هذه المرة بنتيجة تشكيل حراكٍ مُسلّح، والذي يأمل آرام (سيروس شهيدي) بالانضمام إليه لانتزاع الاعتراف بمعاناتهم بالقوة طالما حُرموا منه طوال أكثر من نصف قرن ركنوا فيه للسّلم، وأوّل مشاركاته في ذاك الحراك تُخلّف آثارًا كارثيّة قد تغير كل شيء.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

1915 – Garin Hovannisian, Alec Mouhibian

سيمون (سيمون أبكاريان) مخرجٌ مسرحي يعود بعد غيابٍ دام سبع سنوات وفي الذكرى السنوية المئة لإبادة الأرمن لتقديم مسرحية تمر على أحداث تلك الإبادة، مؤمنًا أنه بإيجاد الطاقم الأمثل سيستطيع استدعاء أشباح الماضي إلى خشبة المسرح.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

Ararat – Atom Egoyan

رافي (ديفيد ألبي) شابٌّ كنديٌّ من أصولٍ أرمنيّة يشترك في صناعة فيلم عن مذابح الأرمن في الحرب العالميّة الأولى في محاولة للتعرُّف على ما خسر أبوه حياته في سبيله.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

Don’t Tell Me the Boy Was Mad

“الفلسطينيون الجُدد”

السنة 2015
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج روبير غيديغيان
المدة 134 دقيقة (ساعتين و14 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب بعض الإيحاءات الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة الفرنسية
تقييم IMDB 6.9

“جاءت والدتي الألمانية من شعبٍ قاتِل، ووالدي الأرمني من شعب قتيل. هذا الهاجس الذي رافقني طويلًا، جعلني محصّنًا ضدّ كلّ أشكال العنصرية والتمييز. أنا ميّال إلى الإنسان على نحو غير مشروط”، من كلمات المخرج الفرنسي روبير غيديغيان في إحدى مقابلاته، والتي يُشكل هذا الفيلم دليلًا قاطعًا على صحتها، إنسانية غيديغيان هي روح هذا الفيلم.

مُلخّص قصة Don’t Tell Me the Boy Was Mad
في ثمانينيات القرن الماضي يُعاد إيقاظ قضية التجاهل العالميّ لإبادة الأرمن لكن هذه المرة بنتيجة تشكيل حراكٍ مُسلّح، والذي يأمل آرام (سيروس شهيدي) بالانضمام إليه لانتزاع الاعتراف بمعاناتهم بالقوة طالما حُرموا منه طوال أكثر من نصف قرن ركنوا فيه للسّلم، وأوّل مشاركاته في ذاك الحراك تُخلّف آثارًا كارثيّة قد تغير كل شيء.

عن السيرة الذاتية لـ جوزيه أنطونيو غورياران كتب روبير غيديغيان وجيل توران نص الفيلم، جامعين أربعة أجيالٍ من الأرمن، الناجون، أبناؤهم الذين ورثوا أزمة الشتات وإيجاد أرضٍ يأمنون على أنفسهم بها في أوطانٍ غريبة، الأحفاد الذي حملوا راية الثأر بعد إزاحة حمل السعي للجدران والسقف واللقمة عن ظهورهم بأيدي آبائهم، ومن ما زالوا على براءتهم الأولى والجاهلون بما يمكن أن يفعله الإنسان بأخيه. وفي حين رافق المرور على الأجيال الأربعة سلاسة وحسن تقديم ومساحة مُنصفة من الاستكشاف، جاعلين تعدّد الخطوط الدرامية لصالح الشخصيات لا على حسابها، إلا أن الأمر لم يخلُ من تسييرٍ واضح بين حينٍ وآخر وخطوطٍ ثانويةٍ دخيلة.

إخراج روبير غيديغيان عماده واقعية الإعداد وإدارة ممثليه وروعة استغلاله لهم، فحتى حين ترد المواقف المقحمة تمر بسلاسة محدثةً تأثيرها المرغوب بشكلٍ شبه كامل، فالأمكنة والناس وطريقة تعاملهم وكلماتهم وملامحهم كلها حقيقية، وهذا مع إيقاعٍ دراميٍّ متأنّي يمنح الفرصة للشخصيات للتعبير عن نفسها يضمن وزنًا حسيًّا يُنصف قصته، وإن لم يقف ذاك الإيقاع في صفه دائمًا، فهو لا يتخلى عنه حتى في ذروة لحظات التوتر مما يجعل أثر تلك اللحظات مضطربًا.

أداءات في قمة الإتقان من سيمون أبكاريان وأريان أسكاريد تلغي تقريبًا وجود الحاجز بيننا وبين دواخل شخصياتهم المتعبة بين الماضي والحاضر والمستقبل، وأداءات ممتازة من باقي فريق العمل يتأخر عنها ببعض الخطوات أداء غريغوار لوبرانس-رانغيه. مع تصوير لا يضيف الكثير من بيير ميلون، وموسيقى متواضعة من أليكساندر ديسبلا.

تريلر Don’t Tell Me the Boy Was Mad

Ararat

“كيف يمكنهم أن ينكروا كرهنا، ثم يكرهوننا أكثر”

السنة 2002
تقييم أفلام أند مور 7/10
المخرج أتوم إيغويان
المدة 115 دقيقة (ساعة و55 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من عري ومشاهد جنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية، الأرمنية، الفرنسية
تقييم IMDB 7.4

حين تُذكر أفلام الهولوكوست قلما تُذكر الأعمال المبكرة، إنما يُذكر “Schindler’s List” لـ ستيفن سبيلبرغ و”The Pianist” لـ رومان بولانسكي، وذلك لأن الغالبية العظمى من المحاولات الأولى تمنعها سيطرة العاطفة من النضوج، أمرٌ تجاوزه سبيلبرغ وبولانسكي بعد كثرة الأفلام التي صدرت عن الموضوع وضرورة أن يتفاديا أخطاءها ويستكشفا أراضٍ مختلفة عنها، لكن هذا للأسف ليس حال الأفلام التي مرت على مذابح الأرمن رغم أنها سبقت الهولوكوست بأكثر من عقدين، فالنُّدرة المحيّرة لتلك الأفلام تجعل المسؤولية وخطر الانسياق وراء العاطفة أكبر، والمهمة أصعب بغياب الأمثلة الأعلى، أو غياب الأمثلة عامّةً. ورغم صعوبة تصديق الأمر، هذا الفيلم الذي صدر بعد قرابة 87 عامًا من الإبادة العرقيّة للأرمن هو أحد المحاولات الأولى التي لا تخلو من قصورٍ سببه الأول ثقل المسؤولية والعاطفة.

رافي (ديفيد ألبي) شابٌّ كنديٌّ من أصولٍ أرمنيّة يشترك في صناعة فيلم عن مذابح الأرمن في الحرب العالميّة الأولى في محاولة للتعرُّف على ما خسر أبوه حياته في سبيله.

كتب الكندي أتوم إيغويان نص الفيلم، مُكثّفًا الخطوط الدرامية ومعقّدًا البنية التي تمر عليها بشكلٍ من الصعب رؤية اتفاقه والموضوع، خاصّةً أن تلك التعقيدات في البنية لم تترك مجالًا لأيٍّ من أركانها ليُحقق الأثر المرغوب لانشغال المشاهد بترتيب ما مر عليه حتى الآن، وحتى الغِنى الذي يُشكّل الغاية الأساسيّة لكل التقاطعات والشخصيات والفيلم ذاخل الفيلم لم يبلغ ما يكفي لتبرير الاستماتة في السعي إليه، لكنه بلا شك بلغ ما يكفي لكسب اهتمام المشاهد واستثارة رغبته لمعرفة المزيد، ومس قلبه في عدة لحظات.

إخراج أتوم إيغويان مُجتهد في محاولة خلق سلاسة في السرد خاصّةً خلال التنقلات والتداخلات بحيث يحول البنية إلى نقطة قوة لا ضعف، وإن لم ينجح في ذلك فقد نجح إلى حد كبير في التفوق على القصور وجعل التأثير يصل رغمًا عنه وإن لم يكن بأحسن حالاته، أمرٌ وقفت في صفه طبيعة الموضوع لتحقيقه كون إدارته المتعجّلة لممثّليه وضعت عائقًا آخر أمام التجربة، تجاوزه أغلب ممثّلوه بحكم خبرتهم، ودعّمه بطله الشاب حديث العهد.

وذلك يظهر بوضوح حين يجمع حظ ديفيد ألبي السيء بين مشاهده ومشاهد كريستوفر بلامر ليُبرز تميز الأخير تواضع ما يقدّمه الأوّل. بتصوير عادي من بول ساروسي، وموسيقى ساعدت بالتغلّب على التشوّش الذي يقابله الأثر الحسي من مايكل دانا.

حاز على 12 جائزة رُشّح لـ13 أخرى.

تريلر Ararat

The Cut

“رحلةٌ إلى جذورٍ مبتورة”

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 7/10
المخرج فاتح أكين
المدة 138 دقيقة (ساعتين و18 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من عنف دموي ومشاهد جنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة الانكليزية، التركية، العربية
تقييم IMDB 6.3

“فيلم The Cut لـ فاتح أكين ملحمةٌ صادقة يدوية الصنع، من النوع الذي لم يعد هناك من يصنعه الآن. بكلماتٍ أُخرى، استجابةٌ شخصيّة عميقة لواقعةٍ تاريخيّةٍ مأساويّة، بغنًى كبير، جمال، وزخمٍ آسر. هذا العمل عزيزٌ عليّ على عدة مستويات”، من كلمات مارتن سكورسيزي في أحد الأعمال المعدودة التي مرت على مذابح الأرمن، والأول في التاريخ الناتج عن تعاون تركيٍّ وأرمنيّ.

في عام 1915 وصل تداعي الإمبراطورية العثمانية مراحلًا دفعتها إلى اتخاذ خطواتٍ دفاعيّة يائسة بقدر دمويّتها، منها ما وصل باب الأرمني نازاريت مانوجيان (طاهر رحيم) الزوج والأب لابنتين بنداء تجنيدٍ إجباريٍّ مستعجل في منتصف الليل أخذه لمصيرٍ مجهولٍ وسط الصحراء، حيث تبلغ إحدى مذابح الأرمن حنجرته ليوقفها قدرٌ عن إكمال طريقها ويمنحه فرصة إكمال طريقه لجمع شتات ما فقد.

كتب ألماني المولد تركي الأبوين فاتح أكين نص الفيلم بالاشتراك مع مارديك مارتن العائد بعد غياب 34 عامًا منذ شارك سكورسيزي نص “Raging Bull”، طامحًا للكثير الكثير إخلاصًا لمن يروي قصّتهم، لكنّه في سبيل تحقيق كل ما يطمح إليه نسي أهمية مقولة “اليد التي تؤلمك اقطعها”، فتأخر عن كلِّ مسعًى جاعلًا همّه الأول اجتماع غاياته، وفي حين لم يملك ذلك تقريبًا أي أثرٍ سلبيّ على النصف الأول من الفيلم الذي يحقق أثرًا مبشرًا بالكثير، تبدأ التداعيات في النصف الثاني حين يذهب بعيدًا في استعراض الشّتات بمحاولاتٍ غير ناجحة لجعل الأمر تلقائي التدفق، بل ويزيد وضوح تدخُّل قلمه مع كل منعطف. لا شك في إنسانية الغاية، وتقديرها ذاته هو سبب الخيبة بالتأخر عنها وإن كان ما تم الوصول إليه ليس أبدًا بالقليل.

إخراج فاتح أكين واثقٌ أكثر من نصّه لكن ليس بما يكفي، ففي حين بدأ بقسوةٍ لا مساومةَ فيها مفيدًا من سحر الصحراء ورعب المجهول فيها وسعة الاحتمالات الشاملة لما خالطه أملٌ وما خالطه يأس، ومحسنًا إدارة واستغلال ممثليه، يبدأ القلق بالتسلل شيئًا فشيئًا عند كل منعطف بالغًا ذروته في النصف الثاني. قَلَقٌ من خسارة بعض شرائح الجمهور ينتج عنه بعض المباشرة في السرد والعاطفة وخيار لغوي لا يتسق والامتداد الجغرافي للقصة باستبدال الأرمينية بالانكليزية، وقلقٌ من مبالغاتٍ عاطفية تقلل من احترام القصة ينتج عنه كتمٌ حتى للعاطفة المباشرة، والنتيجة مضطربة الإيقاع والأثر. لكن نتيجة غياب التوازن في عمل بهذه الضخامة وهذا الصدق أقل سلبيّةً بكثير مما قد تعتقد، لذلك – ورغم كل ما ذكرت – تغادر متأكدًا أنك لن تنسى نازاريت مانوجيان في وقتٍ قريب.

خاصةً مع أداء يُغني بصدق عاطفته عن الكلمات من طاهر رحيم، أداءات مُتقنة من باقي فريق العمل، تصوير لا يفوته غنًى وجمال من رينر كلاوسمان، وموسيقى ذكية لا نألفها في أفلامٍ من هذا النوع يُشعرنا مبدعها أليكساندر هاكه بروعة ما يمكن أن تُضيفه.

حاز على جائزتين ورُشّح لـ6 أخرى أهمها أسد البندقية الذهبي.

لا أنصح بمشاهدة تريلر The Cut لما فيه من حرق لأحداثه.

خمسة أفلامٍ في معاناة المهاجرين

لدى بحثي عن اقتباسٍ حول الهجرة كان في أغلب ما صادفته كلماتٌ كـ دخلاء، كائنات، أو ما شابه، اضطررت لإضافة كلمة “إنسانية” بعد “اقتباسات” لِأجد ما أبحث عنه، وحتى بعد ذلك لم أجد الكثير. وسط الحذر الشديد من التضمينات العنصرية واللا إنسانية في التصرفات والكلمات لسرعة انتشار كل شيء في عصرنا وأهمية الصورة أمام العامة، لم يجد المهاجرون مكانهم بين الحالات الإنسانية التي يُخجل من الإشارة إليها باحتقارٍ ودونيّة بما يكفي، لكنهم بلا شك وجدوا مكانهمُ المنصف في هذه الأفلام.

الفيلم الاول:

Dheepan – Jacques Audiard

ديبان (جيسوثاسان أنتونيثاسان)،  ياليني (كالياسواري سرينيفاسان)، والطفلة إيلايال (كلودين فيناسيثامبي) ذات التسع سنوات، ثلاثة سريلانكيين غرباء عن بعضهم هاربين من الحرب في بلادهم إلى فرنسا بجوازات سفر عائلة قضى أفرادها في تلك الحرب.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

The Immigrant – James Gray

إيفا (ماريون كوتيار) تختار العيش فتهاجر مع أختها عن طريق البحر إلى نيويورك في الولايات المتحدة بحثُا عن الحلم الأمريكي وهربُا من الموت الذي حلت ظلاله على بلدها بولندا بنتيجة الحرب العالمية الأولى، وعندما وصلوا لجزيرة إليس يكتشف الأطباء أن أختها مصابة بالسل فيأخذونها للمستشفى ويضعونها تحت الحجر الصحي، أما إيفا فيقررون ترحيلها، وتقابل وهي في انتظار الترحيل برونو (واكين فينيكس) الذي يبحث عن فتيات متقنات للانكليزية ليعملوا في مسرحه الترفيهي وعاهرات لمن يستطيع الدفع، وترجوه أن يساعدها جاهلةً بالعواقب، إلى متى ستعمل لديه لتنقد أختها؟ لتنقذ نفسها؟ إلى متى ستعيش هذا “الحلم” الأمريكي؟

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

Interrogation – Vetrimaaran

في أحد الحدائق العامة تقيم مجموعة من الشبان المهاجرين أملًا بمستقبلٍ أفضل، كون ذاك المستقبل ما يزال أبعد من أن يملكوا سقفًا فوق رؤوسهم، وفي ليلةٍ ما يجدون أنفسهم متهمين في قضيةٍ لا يعرفون طبيعتها وملابساتها، لكن يعرفون أن كل ساعةٍ إضافية تمضي وهم في مركز الشرطة تعني آلامًا لا تُحتمل.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

The Promise – Jean-Pierre Dardenne, Luc Dardenne

إيغور (جيريمي رينييه) فتىً مراهق يعمل ميكانيكي في ورشة للسيارات، كما يعمل مع أبيه روجر (أوليفييه جورميه) في تأجير المنازل للمهاجرين غير الشرعيين، وفي إحدى جولات التفتيش الرسمية للبحث عن هؤلاء المهاجرين وخلال هربهم في محاولةٍ للاختباء يقع حادث خطير لأحدهم، حادث سيغير حياة إيغور ويجعل على عاتقه مسؤولية أكبر من عمره، ووعد سيضطره للحظات قرار ومواجهة قد لا يكون هو الأنسب لخوضها، وقد يكون..

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

Frozen River – Courtney Hunt

قبل عيد الميلاد بأيام يترك أبٌ زوجته راي (ميليسا ليو) وولديه تي-جاي (تشارلي ماكديرموت) وريكي (جيمس رايلي)، ويتجه إلى حيث لا يعلم إلا هو، وليس وراءه إلا الديون التي يصعب اعتبارها هديته لـ عيد الميلاد، الأمر الذي يجعل على الزوجة والأم وحدها مهمة النهوض بأسرتها وإنقاذها، بأي شكلٍ ممكن.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

Jackie

“ناتالي بورتمان، درسٌ أدائيّ”

السنة 2016
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج بابلو لارين
المدة 100 دقيقة (ساعة و40 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب بعض العنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.9

“احترافية فنّها غير اعتيادية. عندما تستحوذ الشخصية على الممثل وتصبح النتيجة مصقولة لدرجة أن تأخذك حرفيًّا إلى عالمٍ آخر، هذا أمرٌ غير اعتيادي. بقدر ما كنتُ داخل الشخصية في مشاهدي معها، بقدر ما لم أستطع كبح جزءٍ مني يستمتع في مشاهدتها بكل الاحترام والإعجاب”، هذا وصف بيلي كرودب لتجربته مع ناتالي بورتمان في هذا الفيلم.

إثر اغتيال الرئيس الأمريكي جون ف. كينيدي (كاسبر فيليبسون) وقعت على كاهل زوجته جاكلين (ناتالي بورتمان) مسؤولية جمع شتات نفسها وأطفالها والأمّة المصدومة بما لم يسمعوا بمثله منذ 62 عامًا، والحرص على أن يشاركها الجميع ذكرى من صبغت دماؤه ملابسها.

كتب نواه أوبنهايم نص الفيلم، دون كثيرٍ من المغامرة، بنية مألوفة وآمنة من اللحظات المنتقاة والمرتبة بعناية، لا تقدم الكثير في اتجاه أنسنة بطلته وإنما تعطينا لمحة أكثر قربًا لمأساتها، وبالتالي لبعض ملامحها، مُلقيًا حملًا كبيرًا على من ستؤدي الشخصية، داعمًا إياها بحوارات تشكّل نقطة التميز الأبرز في نصه.

إخراج التشيلي بابلو لارين يعطي فرصة استغلال مكان كاميرته كالعين الوحيدة التي استطاعت الاقتراب من تفاصيل قلب الحدث الأولوية القصوى، يتابع بطلته بشغف وإعجاب وتعاطف، يقترب منها مستغلًّا الجاذبية والعبقرية الأدائية لنجمته لملئ الفراغات التي قد يتركها النص حول جاكلين الشابة ذات الـ 34 عامًا التي ووجهت بتغيراتٍ حياتية استثنائية صعودًا وهبوطًا في عامين، ودون إهمال المحيط الذي يتكلم بلغة الحقبة، لكن وسط كل هذا يفقد أحيانًا إيقاع السرد المهم جدًّا في حالة فيلمٍ كهذا ليس من السهل كسبه اهتمام مشاهده.

أداء مضبوط غني من ناتالي بورتمان التي من الواضح أن ما قامت به من البحث في تاريخ الشخصية لا يقل عما قام به كاتب النص، كل الحلقات المفقودة في وجهها، ولا تكتفي أبدًا بما يرد على شفاهها دليلًا لما تعيشه، تجبرك أن تصغي بعينَيك وأذنيك قلبك. مع أداءات جيدة من باقي فريق العمل، تصوير شكّل ثُنائيًّا في قمة الانسجام مع ناتالي بورتمان من ستيفان فونتين، تصميم أزياء زاد الصورة جمالًا والأثر مصداقيةً من مادلين فونتين، وموسيقى انكسارية مهيبة من ميكا ليفي.

حاز على 36 جائزة أهمها أفضل نص في مهرجان البندقية، ورُشّح لـ 141 أخرى أهمها ثلاث أوسكارات لأفضل ممثلة (ناتالي بورتمان)، أفضل تصميم أزياء وأفضل موسيقى تصويرية، وأسد البندقية الذهبي.

تريلر Jackie :

The Assassination of Jesse James by the Coward Robert Ford

“إنه مجرد إنسان.”

السنة 2007
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج أندرو دومينيك
المدة 160 دقيقة (ساعتين و40 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي والإيحاءات الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.5

اعتبر براد بيت هذا الفيلم الأقرب إلى قلبه من بين كل ما قدمه، اعتبر روجر ديكنز مشهد سرقة القطار فيه أحد ذُُرى مسيرته كما ابتكر لتصويره تقنياتٍ جديدة، قضى رون هانسن مؤلف الرواية الأصل أسبوعًا في موقع التصوير وساعد في المونتاج ووجد أن كيسي آفليك قدّم رؤيته الخاصة للشخصية وقدم ما أشعره أنه وُلد لها، أمرٌ اتفق فيه مع سليلي جيسي جيمس الحقيقي الذين وجدوا أيضًا أن ما في هذا العمل هو أصدق صورة للأحداث الحقيقية. الجميع اتفقوا هنا على تقديم أفضل ما عندهم وعلى أن يكونوا جزءًا في بث الروح التي أرادها أندرو دومينيك لعمله، روحٌ لا مبالغة في القول أنها خالدة.

جيسي جيمس (براد بيت) زعيم إحدى أخطر وأشهر العصابات في الغرب الأمريكي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مما يجعله طبعًا بطلًا للعديد من القصص والأساطير المتداولة، والتي لطالما كان روبرت فورد (كيسي آفليك) مولعًا بها وبتجميعها من الألسنة وأقاصيص الصحف والقصص المطبوعة، إلى أن أتته فرصة أن يكون جزءًا من عصابة جيسي، وبدأت صورة بطله في ذهنه تصبح أكثر تعقيدًا.

عن رواية رون هانسن كتب أندرو دومينيك نص الفيلم، مكثّفًا تركيزه على دراسة شخصياته، وآتيًا بنتائجٍ مجزيةٍ حد الكمال في حالة روبرت فورد باهتمامٍ كبير بتوقيت لحظات ظهوره وما تحمله معها من تطورٍ في شخصيته وفي معرفتك بها، ومقاربةٍ للكمال في حالة جيسي جيمس لمبالغةٍ بسيطة في الغموض حوله والذي يبدأ ضروريًّا وفي مكانه الصحيح لكنه لا يستمر كذلك حتى النهاية، وفي الحالتين لا تتوقف طوال الفيلم عن السعي لكشف تفاصيلٍ جديدة في ملامحهم لا يُقدّمها دومينيك على طبق، بل بلقاءاتٍ ذكية غنية بالتفاصيل تحضيرًا وبناءً وحوارًا.

إخراج أندرو دومينيك واضح التحكم بجميع مفاصل الفيلم، لكن ليس بحيث يحول الأمر لاستعراض عضلاتٍ على حساب ما يرويه، على العكس، دومينيك يبذل كل ما يستطيعه لجعل كل ما ومن يظهر أمام كاميرته وكل من يقف خلفها مضيفًا للحالة التأملية مهيبة الوقع والمستثيرة للفكر التي يجتهد في تدعيمها طوال الفيلم بثقةٍ بما يبذله لا بتجريبٍ قلق، ثقةٍ يثبت مرةً تلو الأخرى أنها في محلها، بأسلوبه الهادئ الاستثنائي في بناء التوتّر لجعل الحبل بينك وبين ما تشاهد متينًا بقدر ما هو مشدود، بحساسية عدسته للتفاصيل سواءً في المحيط الساحر الحامل لروح ووحشية العصر وروح قصته بغموضها وحلوها ومرّها، أو في ملامح ممثليه ولغتهم الجسدية التي قلما نجد اهتمامًا بها كما نجد هنا، مترافقًا طبعًا ليؤتي ثماره مع إدارةٍ متميزة، وبتحدٍّ يكسبه بأن ما يقوله عنوان الفيلم والذي يُعتبر عادةً سرًّا يزيد الإثارة لن يستطيع أن يضعف أثر وقوعه أمامك، ولحظة فوزه بذاك التحدي ستكون من أروع ما شاهدت.

أداء رائع، كثيف الأثر وقوي السلطة على الذاكرة من كيسي آفليك يُسلّم جسده فيه لـ روبرت فورد بالكامل لا مُجرّد بعض ملامحه وكلماته، يرافقه أداء ملؤه الجاذبية والغموض ومهابة الحضور يرتقي بمسيرة براد بّيت، مع أداءات ممتازة من باقي فريق العمل وخاصةً سام روكويل.

تصوير إعجازي من أحد أكبر أساتذة النور والظلام في عصرنا روجر ديكنز يُفيد من كُل ما وصلته تقنيات عصرنا للعبور إلى عصر القصة بمتوالياتٍ مُسكِرة جمالًا واستثنائيةً في تفاصيل التكوين والقدرة على استغلال المساحة والإضاءة الموجودة لصالحه، ومن الصعب إيجاد ما يليق بالصور الناتجة إلا أن موسيقى نيك كيف ووارين إيليس تجاريها وتضيف إليها ولحالة الفيلم وتزيد من مُدة مرافقته لك بعد انتهائه.

حاز على 25 جائزة أهمها كأس فولبي لأفضل ممثل في مهرجان البندقية (براد بّيت)، ورُشح لـ67 أخرى أهمها أوسكارين لأفضل تصوير وأفضل ممثل بدور مساعد (كيسي آفليك).

تريلر The Assassination of Jesse James by the Coward Robert Ford :

أفلامٌ تحيي الأحلام المؤجّلة

هل تذكر آخر مرةٍ مضى فيها عامٌ حققت فيه ما خططت لتحقيقه؟ هل تذكرُ آخر خطوةٍ اتخذتها على طريق حُلُمِك؟ هل تذكر حُلُمَك؟، من المُبهر والمحزن التفكير في كم ما سمعناه من أنفسنا وممن حولنا من أحلامٍ وخططٍ للمستقبل لم تصمد أمام اختبارات الدنيا والزمن، سواءً أكانت تلك الاختبارات بالفعل لا يمكن تجاوزها أو كان الأمر ضعفًا فينا وخوفًا من أي مجازفة، ولهذه الأحلام والخُطط اختير اليوم كمناسبةٍ عالمية تُسمى “يوم الـ بلا بلا بلا”، وهو اليوم الذي يجب فيه الالتفات إلى خططنا المؤجلة واتخاذ خطوات حقيقية لتحقيقها حتى لا تبقى مجرد “بلا بلا بلا” وردت على ألسنتنا فيما ورد، وللتذكير بما أجلناه وقيمته والتحفيز على السعي إليه اخترتُ لكم هذه الأفلام.

الفيلم الأول:

Ikiru – Akira Kurosawa

أكيرا كوروساوا أحد الأسماء التي تهتز لذكرها شاشات السينما العالمية وتنحني أمامه هامات عظمائها، يقدم درسًا في فلسفة الحياة بأسلوبه الذي يعتبر أحد أهم مدارس الفن السابع، ويروي قصة موظف خمسيني بيروقراطي يكتشف أن عنده سرطان في المعدة، ويقرر البحث في ماتبقى له من أيام عن جواب عدة أسئلة أهمها: من سيذكرني؟ لماذا عشت حتى تفارقني الحياة الآن؟ هل يستحق ما مضى أن يمضي؟ هل أستطيع فعل شيءٍ الآن؟ ما مغزى الحياة وما السعادة؟..

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

 Cinema Paradiso – Giuseppe Tornatore

ربما يكون الحب من النظرة الأولى خرافة، لكن الوقوع في حب السينما من فيلمٍ واحد حقيقةٌ بالتأكيد، والسينمائي الإيطالي الرائع جوسيبيه تورناتوريه قدم الدليل القاطع على ذلك، وهو هذا الفيلم، وإن كان في الدنيا ما يسمى دمعًا حلوًا فهو الذي يجري على خديك حين تشاهده، لفرحٍ كان أم لحزن، وفقط حين ينتهي، فقط عندها يصبح الدمع مالحًا ومرًا، لأنه انتهى..

سالفاتوريه الشهير بـ توتّو (جاك بيرين) رجلٌ في أربعينياته هجر بلدته منذ غادرها في شبابه باحثًا عن مستقبله، يصله خبر وفاةِ أحد معارفه هناك، ولهذا الراحل في حياة سالفاتوريه أثرٌ يجعله يستعيد جميع ذكرياته هناك، مذ كان طفلًا شقيًّا يعشق شعاع النور الذي تُطفأ لأجله جميع الأنوار في صالة السينما ليبث الحياة في كل صورة ميتة تمر أمامه.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لأن من الخطأ مشاهدة أي لحظةٍ منه للمرة الأولى خارج سياقها.

الفيلم الثالث:

La La Land – Damien Chazelle

من النادر أن ينفر فتيٌّ من هوليوود، لا بد أن تكون المرحلة الأولى على طريق السينما لأنها الأسهل وتأتي إليك على طبق، ولأنها أرض الأحلام التي تبشّرنا بأننا سنحقق كل ما نؤمن به ونبذل كل ما نستطيعه في سبيله، لكن عامًا بعد عام وتجربةً حياتيّةً بعد أخرى، تجد نفسك غالبًا في شبه مفترق طرق، إما التعاطي مع الواقع وخيباته بما يقتضيه وجعل شاشات هوليوود مهربًا تلجأ إليه في الأوقات المستقطعة إلى أحلامٍ أدركت أن أغلبها أوهام، وإما النفور ممن تاجر بأحلامك ومشاعرك ورسم طريقًا لك إليها لن تجده في أي أرض، لكن هناك طريقٌ آخر في ذاك المفترق، لذاك الذي يُقدّر الصدق عند من يُلامس الواقع، وعند الحالمين، سواءً أبُني على واقع أم على خيال، صدقه هو الأهم بقدرته على تغذية ما يشاركك فيه، حب الحلم، وهذا ما تجتمع على امتلاكه أغلب كلاسيكيات هوليوود التي تحدت الزمن، وعاش الكثيرون على صورها ومنهم من أصبح جزءًا منها، كـ داميان شازيل، والذي يقوم الآن برد الجميل لمن أعانوه على احتمال الحياة بأن يؤمن بغَدِه كما آمنوا، مقاربًا سحر عالمهم إلى عالمنا، في أحد أروع سينمائيات الغزل من عاشقٍ للسينما لمعشوقته.

في زحام لوس أنجلس، قدرٌ يجمع سيباستيان (رايان غوزلينغ) المهووس بموسيقى الـ جاز وإحياء أيام مجدها، وميا (إيما ستون) الطامحة لتكونَ نجمةً كمن عشقتهم في الأفلام التي نشأت عليها، ليُغير مصائرهم وسُبُلهم إلى تلك المصائر كما لم يتخيلا.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

Everlasting Moments – Jan Troell

جان ترويل من الأسماء العريقة في تاريخ السينما السويدية والعالمية، ومن المهيب والمثير مشاهدة عمل حديث له كهذا، ومن المفرح جدًّا أن تجد العمل بقدر مهابة اسم مخرجه وأكثر، فنان كبير مثله يروي قصة مولد الفن في كيان صانعه، وقصة كهذه لا يكفي الحس الصادق ليعطيها حقها، يجب أن يجتمع الحس وسعة وعمق الخبرة الفنية كما في حالة الرائع ترويل ليصبح الفيلمم رحلةً تنسيك نفسك خلالها لتعيش سحر الفن.

في أوائل القرن العشرين وحين كان تردي الأوضاع الاجتماعية والمعيشية في السويد في أوجه، تعيش في السويد ماريا لارسون (ماريا هيسكانين) الفنلندية المتزوجة من سويدي والأم لأولاده، ويومًا ما تصل لمرحلة من العوز تجعلها تبحث عن أي شيء تبيعه لتستطيع الحصول بثمنه على بعض الطعام، فتجد لديها كاميرا قديمة لا تعرف كيفية استعمالها وتقرر بيعها، لكن حين تدرك ما يمكن أن تفعله بها، يصبح الاحتفاظ بها أغلى من أي شيء، فماذا سيكلفها قرار الاحتفاظ بكاميرتها في ظل الظروف الراهنة؟ هل فعلًا تستحق أن تحارب لأجلها؟ ومن ستحارب؟

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

Paterson – Jim Jarmusch

أحسد جيم جارموش على قدرته على جعلك تحب ما يحب، ودون كثيرٍ من العناء، فقط يستعرض حبه بموهبةٍ سينمائيةٍ متفرّدة تُحمِّل لقطاته حبه واسمه وصوته، وفي حالة هذا الفيلم تُحمّل تفاصيل يومنا جمالياتٍ وشاعريةً أغلبنا لا يعلمون حتى بوجودها.

يستعرض الفيلم أسبوعًا في حياة باترسون (آدم درايفر)، سائق باص نقلٍ عام ومولعٌ بالشعر وحبيبٌ ومحبٌّ لـ لورا (غُلشيفتِه فَراهاني) التي تُلهمه وتحرص على تقدير نتائج ذاك الإلهام.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم السادس:

After Life – Hirokazu Koreeda

من الصعب مجرد تخيل أن يتوقف أحد أكثر المخرجين العالميين إنسانيةً إن لم يكن أكثرهم هيروكازو كوريدا عن الإبداع والإتيان دومًا بجديد، لسببٍ بسيط وهو أننا مصدر إبداعه، يعشق الحديث عنا، عن علاقاتنا ببعضنا، عما يجعلنا من نحن وعما يغيرنا وعماا نعيش لأجله، عما نمر به في رحلة الحياة، حتى عما بعد نهاية هذه الرحلة، يأتينا كوريدا هنا ليسألنا عما نريد أن نأخذه منهاا معنا إلى الأبدية!

تدور أحداث الفيلم بين الموت وبين انتقال الروح إلى العالم الآخر، حيث يملك الميت مهلةً قدرها أسبوع يستعرض خلالها ما يذكره من سنين حياته ليختار ذكرى واحدة يأخذها معه إلى الأبد، ولا يأخذ غيرها..

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم السابع:

Once – John Carney

مخرج هذا الفيلم الأيرلندي جون كارني كان عازف باص غيتار في فرقة بطله غلين هانسارد، والذي كان بمثابة الأب الروحي لبطلته ماركيتا إرغلوفا فنّيًّا مذ عرفته بعد بلوغها الثالثة عشرة، السن الذي بدأ فيه بالعزف في الشوارع. صوّر هؤلاء في شوارع دبلن دون تصاريحٍ لم يملكوا الوقت ولا المال للحصول عليها ودون إعلام المارّة بما يفعلون، صوّروا في منازلهم وبالإضاءة الطبيعية.. قدّم المخرج لبطليه أجره لتكفي الميزانية فيلمهم، قدّم البطلين الكلمات والموسيقى لأغاني الفيلم عدا واحدة، وقدّم الثلاثة نتاجج كل هذا الشغف في 17 يومًا تم خلالها تصوير الفيلم مستغلين عدم وجود مدير تنفيذي لمجلس الأفلام الأيرلندي والذي جعلهم ينالون موافقة منحهم الميزانية المحدودة لفيلمهم من إداريٍّ أقل مرتبة. حتى القدر شاركهم شغفهم، ومن الصعب جدًّا أن تكون من لا يفعل ذلك.

مغنٍّ في شوارع دبلن وبائعة ورود تعد لقاءهما أغنية، يتضح أنها ليست عابرةً وليست الأخيرة.

ويمكنكم قراؤة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأهم أحداثه.