أرشيف الوسم: أفلام عام 1974

Alice in the Cities

“هنا بدأ كل شيء”

السنة 1974
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج فيم فيندرز
المدة 110 دقيقة (ساعة و50 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي)  Not Rated
اللغة الألمانية
تقييم IMDB 8.0

بعد إخراجه أول فيلمين روائيين اعتبرهما شبه خاليَين من الأصالة ومعتمدَين على تأثّره بـ وحبه لـ جون كاسافيتس وألفريد هيتشكوك، ودخوله إنتاجًا تاريخيًّا ضخمًا في وقتٍ مبكّر مع فيلمه الثالث “The Scarlet Letter” لتكون النتيجة تجربة مأساوية، وصل الألماني الشاب فيم فيندرز إلى شبه قناعة بأنه يجب أن يترك صناعة السينما. لكن خلال إحدى أيام مونتاجه لـ”The Scarlet Letter” وصل إلى مشهدٍ بين روديغر فوغلر والطفلة يِلّا روتلاندر تمنّى لو استطاع جعل الفيلم كاملًا بروعته، خاصّةً بترافقه مع أغنية “Memphis” لـ تشاك بيري التي تتردد في ذهنه منذ الصباح، وولدت فكرة: “ماذا لو صنع فيلمًا بالفعل كذاك المشهد؟!”، فيلمًا بصوتٍ لا يُشبه إلا صوته. وكان Alice in the Cities، وبدأ مشوارًا سينمائيًّا تاريخيًّا فريدًا كُرِّم في كل محفل.

لمحة عن قصة Alice in the Cities
بعد مقابلة عدة نهايات مسدودة في الطريق إلى كتابة مقالٍ عن الولايات المتحدة ودخوله في حالة من العزلة، يقرر الصحفي فيليب (روديغر فوغلر) العودة إلى ألمانيا، لكن بصدفةٍ غريبة يصبح مسؤولًا عن طفلةٍ ذات تسع سنوات تُسمّى “أليس” (يِلّا روتلاندر) تقتحم عزلته وتقوده في رحلةٍ لا تُنسى.

كتب فيم فيندرز وفيث فون فرستنبرغ نص الفيلم، بدايةً، لكن مع الكيمياء الرائعة بين بطليهما وتميُّز موهبتيهما آثر فيندرز الارتجال في معظم الأحيان، مستندًا إلى أساسٍ متين مكوّنٍ من شخصيّاتٍ ناضجة واضحة العناية بالإعداد لإفساح المجال لتقديمٍ بصريٍّ ذكيٍّ وسلس يروي الكثير دون كلمات، وغاياتٍ تُختبر ولا تُختصر، مما يجعلها داعمةً للارتجال لا مقيدةً له طالما أُحسنت تهيئة البيئة المناسبة للتفاعل بين البطلين، وهذا أكثر أمرٍ استُعرضت فيه فردية حساسية فيندرز، مُقدّمًا لنا بالنتيجة شخصية طفلةٍ تاريخيّةً وقتها وحتى الآن، أليس ليست طفلةً ظريفةً بريئة، أليس شخصٌ كامل.

إخراج فيم فيندرز يستمتع بما حُرِم منه في فيلمه التاريخي السابق لدرجة تأكيده أنه لن يصنع بعد ذلك فيلمًا لا يُسمح فيه بظهور سيارة، محطة وقود، تلفاز، أو صندوق موسيقي، ليس بالضرورة لأنه يحبهم، لكن لأنه ابن عصرهم ويفهمهم، يُتقن تحميلهم أفكارًا وكلماتٍ ومشاعرًا كما لا يستطيع غيره، بكل ما فيهم من أسباب العزلة والاستهلاكيّة، وأسباب المتعة وتقصير الطريق إلى الجمال. ووسط تأمُّلٍ واستغراقٍ آسر في تفاصيل العصر تلك، يرصد علاقةً إنسانية تقودها طفلة في رحلةٍ تصل قارّتين. منذ ظهور أليس في اللقطة الأولى تستلم القياد، لا لتأخذه وتأخذنا عبر تجربة مغادرتها الطفولة كما اعتدنا من بداياتٍ كهذه، هي ما زالت طفلة، لكنها فقط ذات شخصية غنية مثيرة مصدرها الحقيقة لا الكمال، تحب المغامرة، وتحب الصحبة. وشخصيةٌ كهذه جعلت الربع الأول من الفيلم الذي يقضيه فيليب وحيدًا مليئًا بمتوالياتٍ تُختتم بتلاشٍ بطيء وكأنه خارجٌ عن الإرادة، فما فيها بالنسبة لـ فيليب يفقد قدرته على العبور إلى الذاكرة بعد وقتٍ وجيز، ويتحول إلى ومضات. على عكس تجربته مع أليس. وعلى عكس تجربتنا مع الفيلم التي وإن كانت مضبوطة الإيقاع بحيث نتذوق جمالها كاملًا، إلا أننا لا نكتفي ونميل لا شعوريًّا للاحتفاظ بروعة أكثر ما يمكن من الصور التي نشاهدها في الذاكرة.

أداء رائع من الطفلة يِلّا روتلاندر يصل بنا إلى درجة من الولع بملامحها تقابل ولع كاميرا فيندرز في وقتٍ قصير، ليس فقط لظرافتها أو براءتها، بل لما تحمله من معانٍ تُكثّف أثر التجربة. أداء ممتاز من روديغر فوغلر لا شك أن له دورًا كبيرًا في استثارة ما شاهدناه من روتلاندر. مع ظهور سهل الاستحواذ على الانتباه المُستحق من ليزا كروزر، تصوير جعل الفيلم من أكثر معارض الصور الملونة بالأبيض والأسود سحرًا من سيد النور روبي مولر خاصةً مع حركته الطافية، وموسيقى تركزت في ثيمة موسيقية تنعش القلب في كل ظهور من كان.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Alice in the Cities (حتى إن وُجِد).

Phantom of the Paradise

“لعشاق القراءة والموسيقى والسينما!”

السنة 1974
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج برايان دي بّالما
المدة 92 دقيقة (ساعة و32 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من رعب دموي
الإرشاد العائلي (أميركي) PG
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.4

هذا الفيلم سار في الاتجاه المعاكس، وعى الجماهير قيمته قبل النقّاد الذين هاجموه وقت صدوره، ليبدأوا بعد سنوات باستيعاب الجرعة المكثفة من الفن والاحتفاء بالفن ومختلف الأنواع السينمائية التي قدمها برايان دي بّالما فيه، خلال ساعة ونصف. الاحتفاء ذاته الذي سيصبح محل إعجاب في أعمال تارانتينو بعد عشرين عامًا تعلم خلالها نقاد Phantom of the Paradise من خطئهم متأخرين.

وينسلو ليتش (ويليام فينلي) موسيقيٌّ مؤلّفٌ وعازفٌ ومغنٍّ على وشك إنهاء عمله على قصة موسيقيّة غنائيّة مستندة إلى أسطورة فاوست الألمانية التي يبيع بطلها روحه للشيطان، يقدّم مؤلفاته لمنتجٍ موسيقيٍّ يُسمى “سوان” (بول ويليامز) في مقابل وعدٍ زائف تقوده معرفة حقيقته إلى طرقٍ مظلمة لاسترجاع ما سُلب منه.

كتب برايان دي بّالما نص الفيلم، بإتقانٍ قارب الذروة لما بدأه في تجاربه السينمائيّة الأولى، فهنا، لم يتخل عن حرية الذهاب لأي ميدانٍ يريد استكشافه، رؤيته لـ فاوست، ولعُه بصورة دوريان غراي المرسومة بكلمات أوسكار وايلد، إثارة ظلامية حكاية “شبح الأوبرا” الذي لم يتوقف عن زيارة السينما بين فترةٍ وأخرى بحلةٍ جديدة وتقديره لزياراتٍ محددةٍ له، الموسيقى التي كانت دافعه الرئيسي لكتابة النص حين سمع في أحد المصاعد إحدى روائع البيتلز وفوجئ بانعدام تقدير الأغنية لدرجة استخدامها بهذا الشكل، فردية الفنان في وسطٍ يُجرّم الفرديّة، العرفان بالجميل لبعضٍ من أهم روائع الرعب والجريمة وصناعها بين “كابينة الدكتور كاليغاري” وروبرت فاينه، “لمسة شر” وأورسون ويلز، إلى “سايكو” وألفريد هيتشكوك. لكن رغم كل هذه الحرية، تنسجم جميع النقاط والخطوط بسلاسة وتضيف كلٌّ منها للأخرى وترتقي بأثرها، مشكّلةً بالفعل قصةً واحدة لا يثقلها الغنى بل يزيد من جاذبيتها وحب العودة إليها أكثر من مرة، خاصةً مع شخصياتٍ استثنائيّة تُحب صحبتها الذاكرة بغرابتها وظلاميتها واستثارتها للفكر، وحواراتٍ جذّابة، السوداويُّ منها والدّيبّالمي السخرية.

إخراج برايان دي بّالما طاقةٌ معديةٌ مُذهلة، يتحرك بخفة بين الموسيقي الغنائي والرعب والكوميديا والفانتازيا، بين السوداوية وتدفّق الشّغف والعاطفة الذي سيفطر قلب كل مبدع، وبين احتفاءٍ عبقري التوقيت والانسجام بفن أحد صناع السينما الذين يحترمهم وآخر. ألوان كلاسيكيات الخمسينات والستينات الغنائية مع تعبيريّة رعب السينما الألمانية وروبرت فاينه ترسم القصة المصوّرة لتشويه بكريّةِ فنٍّ وروح مبدعه، في عالمٍ غرائبيٍّ باذخ يمنح القصة حالةً خاصّةً وأجواءًا فريدة، وتتسلل إليه سخرية دي بّالما في ملامح تشوُّه ذاك العالم، مختارًا دومًا الزاوية الأمثل للمس كل هذه التفاصيل وتكثيف أثرها، خاصةً بقدسية تقديمه للشخصيات ولحظات الانعطاف في تطورها، من اللقطة الدائريّة المحبة للشغف الذي تلتقطه في ظهور وينسلو الأول مع البيانو على المسرح، إلى هدوء رصد لحظات اكتشافه لحقيقة الوعد، تحول الكاميرا للحاق بثورته بتوتُّرٍ حركي ومونتاجي، العودة إلى الهدوء مع تسلل الظلامية إليه لجعله منذرًا بما يستحق الترقُّب، ثم رصد الجنون بجنون في نهايةٍ ملحميّة.

أداء رائع من ويليام فينلي لَم يكتفِ بكون ملامحه تجعله الخيار الأمثل (فمن يُمكن لإحدى عينيه أن تملك السلطة التي ملكتها عين فينلي هنا)، بل أفاد من إتقان رسم الشخصية ولحظات تطورها التي تقود لمنعطفات حادّة لجعل شخصيته الأكثر حقيقيّةً في عالمٍ فانتازيّ الشكل، أداء لا يقل عنه من بول ويليامز بطريقة كلامه ولكنته يجعل الهالة التي يضيفها دي بّالما على ظهوره مُستحقّة، وأداءات ممتازة من باقي فريق العمل مفيدة من كل فرصة وخاصةً جيسيكا هاربر التي استطاعت أن تكون آخر ملامح الجمال في هذا العالم.

تصوير جعل التعاون السينمائي الوحيد هذا بين دي بّالما ومديره لاري بّايزر لا يُنسى بحركته المضبوطة حتى في لحظات جنونها والألوان الساحرة وعدم تفويت أي لحظة تميُّز في الأداءات، تصميم إنتاج قوي الحضور في أثر التجربة من جون فيسك، وموسيقى وصلت من الروعة لحد اعتبار البعض أن مبدعها بّول ويليامز هو المؤلف الثاني للفيلم، خاصةً بأثرها الجوهري في خلود العمل ونمو قاعدة المهووسين به عبر أربع عقود، دورها في ضبط الإيقاع، وجعلها شريط الصوت يروي القصة بصوتٍ واحدٍ مع الصورة مما أنتج ساعة ونصف يصعب تصديق أنها مضت حين تمضي.

حاز على 3 جوائز ورُشّح لـ 5 أخرى أهمها الأوسكار لأفضل موسيقى تصويرية.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Phantom of the Paradise لما فيه من حرق لأحداثه.

The Conversation

“بين عرابه الأول والثاني، يقدم فرانسيس فورد كوبولا ما يستحق ما نالاه من حظوة أبدية في تاريخ السينما، ولم ينلها..”

السنة 1974
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج فرانسيس فورد كوبولا
المدة 113 دقيقة (ساعة و53 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) لليافعين بسبب بعض الإيحاءات الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) PG
اللغة الانكليزية

كثيرٌ من الوقت مضى حتى بدأت الكتابة، خشيت من وجود رقيب يحاسبني على ما سأكتبه في تحفة صانع أسطورة “العراب” الذي ما كان اقتران اسمه بها ليجعله أقل مهابةٍ مما هو عليه باقترانه بعرابه، نعم فرانسيس فورد كوبولا قدم في السبعينات أربع تحف وكلاسيكيات سينمائية وليس ثلاثًا، ولست أشيد بهذا الفيلم “لأنه” أقلها شهرةً وتقديرًا جماهيريًّا كما قد يظن معتبري الإشادة الكبيرة بفيلمٍ قليل أو منعدم الشهرة أحد أعراض النخبوية المريضة، أشيد به لأنه يلاحقني، يراقبني ويحذرني من التورط أكثر في جريمة تجاهله، ولكم أن تشاهدوه وتحكموا، وقد تصبحون شهودًا مثلي على تلك الجريمة.

هاري كول (جين هاكمان) أحد أشهر المراقبين الذي لا يعملون لصالح الحكومة وأمهرهم، لكن ربما العيش على تتبُّع الناس وفعل المستحيل لمعرفة أعمق أسرارهم ليس بذاك الحلم الذي قد يسعى إليه الراغب بالسعادة والراحة، خاصةً عندما يدخل الأمر حيز الحياة أو الموت، حين يصبح بيد ذاك المراقب مصائر من يراقبهم بنتيجة معرفته لأسرار قد تودي بحياتهم، كما يجري مع هاري في مهمته الأخيرة.

كتب فرانسيس فورد كوبولا نص الفيلم، وقدم أحد أفضل دراسات الشخصيات في تاريخ السينما، لشخصيةٍ تستحقها، والمثير في هذه الشخصية أن ما يميزها بشدة ليس تطرف ملامحها، بل كمية التشابه الممكن إيجاده مع ملامحنا أو ملامح من نعرفهم، ربما الأمر مخيف هنا أكثر مما هو مثير، كل شخصية جانبية ذات أهمية وأثر كبيرين وما كان للفيلم ماله من تميز وروح وكمالٍ دونها، كل تفصيل في كل حدث مدروس وفي زمانه ومكانه الصحيحين ويزيد القصة غنى واستثارةً للحس والفكر، بالإضافة لحوار لا يكون إلا حين حاجته، وحيث يكون يحقق إضافةً للحدث.

إخراج فرانسيس فورد كوبولا لا يشرح لك عن بطله، انت بطله، أو بمعنى أدق أنت تعيش حالته بشكل كامل، تعرف عنه مالا يعرفه غيرك، ولا تعرف عن غيره ما لا يعرفه، تحس قلقه واضطرابه، تحس خسة عينه المتلصصة وخوفها من عيونٍ تشبهها، كعين كوبولا، كاميرته المتلاعبة بأعصابك، بحركتها الهادئة الخبيثة بقدر ما هي بسيطة، لا يترك لك مجالًا للتفكير في الآتي لغنى اللحظة ومهابتها واستحقاقها لكامل انتباهك واهتمامك، خاصةً بإدارة رائعةٍ لممثليه ولحركتهم ضمن مجال كاميرته وحركتها مستغلًا كل تفصيل استثنائي في الأداء وخاصةً من بطله المميز.

أداء رائع من جين هاكمان استحق ما منحه إياه كوبولا من صوره وأغناها، تصوير جيد من بيل بوتلر، وموسيقى مبهرة استطاعت الارتقاء إلى مستوى الصورة وموازاتها في أهميتها في حالة الفيلم من ديفيد شاير.

حاز على 15 جائزة أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كان، ورشح لـ 14 أخرى أهمها ثلاثة أوسكارات لأفضل فيلم ونص وصوت.

تريلر الفيلم: