أرشيف الوسم: أفلام عام 1991

Lost Collar of the Dove

“يلهثُ الناس خلف حلمٍ ثم يلقونه ولا يعرفون”

السنة 1991
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج ناصر خِمير
المدة 86 دقيقة (ساعة و26 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة العربية
تقييم IMDB 7.2

بدأ التونسيّ ناصر خِمير ثلاثيته التي تُعد من أثمن الجواهر في تاج السينما العربية بباحثينَ عن كنزٍ لا يدركون ماهيته وما يحمله طريقه لهم، في حين عرف مشاهدوا الفيلم أن الكنز هو اكتشاف خِمير نفسه والطريق غير المألوف الذي ابتدعه بسينماه مُفيدًا من هويته المرتبطة بالأساطير والحكايا وقصص ألف ليلةٍ وليلة، واستمرت ثيمة البحث محورًا لخطاه القادمة، وهنا، يبحث خمير عن معنى الحب.

حسن (نافين تشودري) طالبٌ خطّاط شغلته الكلمة التي تسكن كل قصةٍ وكل كتاب، الحب، فبدأ بالبحث عن معناها عن طريق جمع كل كلمةٍ في اللغة العربية ترتبط بها، وفي طريقه يعثر على بقايا حلمٍ في ورقةٍ نصف محروقة فيها بعضٌ من صورةٍ وبضع كلماتٍ ستغير حياته.

كتب ناصر خِمير نص الفيلم، مسحورًا بعصرٍ لا يسعى لتأريخه، متأثّرًا بآلام واقعٍ لا يُبصرها الكثيرون فيأتي بما غاب بسببها ليفتح أبصارهم، وحالمًا عاشقًا لكن ليس فقط لبشر، والنتيجة مرتكزةٌ إلى كل ما سبقَ وأكثر دون وضوح أي خطٍّ فاصلٍ بين ركنٍ وآخر، فالشخصيات بين التاريخية والفانتازية، الأحداث بين الحقيقية سهلة الربط بتجاربٍ وتأملاتٍ نختبرها والخيالية غير البعيدة عن خيالاتٍ وأحلامٍ نشأنا على مثلها، والحوارات تتناسب وما سبق ليصبح ورود أبسط الكلمات وأكثرها فصاحةً وفلسفةً متسقًا ولا إقحام فيه، محسنًا استغلال مواطن غنى وشاعرية الفصحى.

إخراج ناصر خِمير بإيقاعه الناعم كحواف الحرف المسافر لا يترك شغفًا ملكه إلّا ومرَّ عليه ليملك قلبنا به، دكاكين الورّاقين في الأندلس وهي في قمة زهوّها، قباب وأعمدة المساجد المزخرفة، المخطوطات وتفاصيل الجدران والأعمدة في الحارات والممرات الحاملة جميعها لغزلٍ بالخط العربي وانحناءاته، واللوحات البصرية التي يخلقها من التكوينات التي تستعرض ما سبق كلًّا على حدة أو باجتماعٍ آسر الدقة والعناية، وعلى عكس فيلمه السابق الذي لم تملك فيه كاميرته حدودًا في الصحراء الواسعة، هنا أغلب أحداث الفيلم بين الجدران وخلف الأبواب، كأسرار المحبين، لكن هذا لا يقف أمام كاميرته ليجعل تلك الأماكن المحدودة عالمًا يفيض شعرًا يذيب حدوده، وحين تنتقل الأحداث إلى خارج تلك الجدران والأبواب نرى من لطالما كان مولعًا بها تبادله التقدير، نرى الصحراء وقد هذبت بعض معالمها لتناسب رقة ما يروي، وتشارك طبعًا بالبطولة.

لكن لسببٍ أجهله، وبعد كل هذا، يقوم خِمير بخيارٍ غريب يُضرّ بمحور عمله، الدبلجة بإلقاءٍ شبه كارتونيّ بدل الإتيان بمن يتقنون اللغة التي لم تُصَغ لها قصيدةٌ سينمائية بهذا المستوى من قبل.

أداءات جيدة جدًّا من فريق العمل، تصوير ساحر أنصف شاعرية وغنى رؤية خِمير من جورج بارسكي، والذي ما كان ليجد كل ذاك الجمال المُلهم أمامه لولا تصميم إنتاج إنريكو فيورنتيني وتصميم أزياء نعمة جازي ومود بيرل، مع موسيقى استطاعت أن تكون رُكنًا في العمل لا مُجرّد مرافقٍ لصوره من جان-كلود بوتي ستذكرها وتهمهم بها طويلًا.

حاز على الجائزة الخاصة للجنة التحكيم في مهرجان لوكارنو.

لا يوجد تريلر للفيلم للأسف.

حقائق قد لا تعرفها عن The Silence of the Lambs (الجزء الثاني)

عن رحلة دور كلاريس ستارلينغ إلى جودي فوستر، تحضيراتها وتحضيرات أنتوني هوبكينز لدوريهما ونتاج ذلك التحضير من ارتجالات وأفكار للتصوير، نهج ديم في العمل وتعامله من خلاله مع مشاهديه، سكوت غلين وتجربة حقيقية مع قتلة متسلسلين غيرت حياته، القتلة الذين كانوا مصدر شخصية بوفالو بيل، وردة فعل كاتب الرواية وجون كاربنتر على العمل سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن كيفية اكتساب الدكتور ليكتر السيطرة على كوابيس صحونا.

كان الأمر أصعب بالنسبة لـ جودي فوستر، وإن كانت اقتراح تالي الأول لدور كلاريس ستارلينغ خلال كتابته النص، لكن ديم رأى بطلته في ميشيل فايفر، لكنها رفضته بسبب طبيعة الفيلم السوداوية العنيفة، كذلك فعلت ميغ رايان، ونيكول كيدمان وبروك سميث التي انتهى الأمر بها إلى دور كاثرين مارتين كنّ مرشحاتٍ أيضًا، أما هالي بيري فبذلت كل ما في وسعها للحصول على فرصة القيام بتجربة الأداء دون الوصول لنتيجة، واعتبرت الأمر عنصريةً عرقية كما صرحت فيما بعد، ليوافق ديم في النهاية على مقابلة فوستر، ويوافق بعد وقتٍ قليل من بداية لقائه معها على منحها الدور لإعجابه بجاذبية حضورها وإصرارها.

بدأت تحضيرات هوبكينز للدور، بدراسة ملفات القتلة المتسلسلين، زيارة السجون ودراسة القتلة المدانين، وحضور محاكمات هؤلاء وغيرهم من مرتكبي أبشع الجرائم، وبالنتيجة أتى بأكثر الشخصيات رعبًا، أكثر حتى مما كانته في النص، وبدأت لمساته الارتجالية تضيف إليها شيئًا فشيئًا، كالصوت الشهواني الذي يصدره، تحديقته بالكاميرا أثناء حركتها على مستوى نظره، أن لا يرمش، كصديقٍ له في لندن كان يسبب قلقًا وريبة لمن حوله لأنه ملك سلطةً كاملة وغريبة على جفنيه، وتعليقه الساخر على لكنة كلاريس الجنوبية في أول لقاءٍ بينهما، مما جعل ذعرها وشعورها بأنها هوجمت شخصيًّا بالنتيجة تلقائيين، لتشكره فوستر فيما بعد لأنه كان السبب في ذلك.

أما فوستر فقضت وقتًا كبيرًا مع العميلة الفيدرالية ماري آن كراوس، ومنها استوحت بكاءها بجانب سيارتها، والذي كان ناتجًا طبيعيًّا للضغط الذي يخلقه عملها، وكان طبعًا للنجمة صاحبة الرؤية الإخراجية التي ظهرت في عدة أفلام فيما بعد مساهمات مثمرة، أهمها إقناع ديم بتغيير الافتتاحية التقليدية التي كانت في النص على مداهمة لوكر مخدرات يتضح فيما بعد أنها تدريب، إلى الافتتاحية الشهيرة التي تصاحب جريها.

لم تكن هذا المرة الأولى التي يصغي فيها ديم لمقترحاتٍ تضيف للعمل، فإثر انزعاجه من تصوير هانيبال عبر القضبان والذي سيلغي أي حميميةٍ أراد خلقها بينه وبين كلاريس، اقترح مصمم الإنتاج كريستي زيا فكرة الواجهة الزجاجية ووافق ديم على الفور، بينما لجأ إلى وجهة نظر الكاميرا بالنسبة لعلاقة المشاهد بـ كلاريس، ففي حين كان كل شخصٍ يكلم كلاريس ينظر مباشرةً إلى الكاميرا، كانت كلاريس تبتعد بنظرها قليلًا عنها، ليعيش المشاهد الحالة من وجهة نظرها وتزيد قوة ارتباطه بها.

كما أحسن تقدير إبداع ممثليه أمام الكاميرا، فرغم جاهزية فريق التصوير للذهاب إلى مونتانا لتصوير هروب كلاريس كـ فلاش باك، ألغى الرحلة فور انتهاء مشهد الحوار بين هانيبال وكلاريس، كونه رأى أن من العبث إهدار روعة الأداءات التي تجلت أمام الكاميرا الآن ومقاطعتها بمشهد الهروب من ذاكرة كلاريس، فأعلن: “أظن أننا لن نذهب إلى مونتانا.”

كذلك كان سكوت غلين حسن الانتباه والإصغاء، خاصةً لـ جون دوغلاس العميل في وحدة العلوم السلوكية الفيديرالية والتي استعين بها في صناعة العمل، مصدر شخصية جاك كراوفورد ومن ساعده على تقمصها، مما دفعه ليشكره بشدة ويعبر عن مدى روعة سماحه له بالدخول إلى عامله، ليجيب دوغلاس بضحكة ويقول: “إن كنت تريد بالفعل اختبار عالمي، عليك أن تسمع بعض تسجيلات الصوت للقتلة المتسلسلين لورنس بيتيكر وروي نوريس وهم يعذبون ويغتصبون ويقتلون مراهقتين.”، غلين أقدم على ذلك بالفعل، وبعد أقل من دقيقة من بداية الشريط توقف، وقال عن تجربته بأنه جردته من أي إحساسٍ بالبراءة، وأنه لن ينسى هذه التجربة في حياته.

وعلى شخصيات قتلةٍ كهؤلاء بنيت شخصية بوفالو بيل، ثلاثة قتلةٍ على وجه التحديد، إيد غين الذي كان يسلخ جلد ضحاياه، تيد باندي الذي استعمل سوارًا على يده كطعمٍ لاستدراج النساء إلى شاحنته، وغاري هيدنيك الذي كان يحتجز من يختطفهن في حفرةً في قبوه، لكن اتضح أن غين كان يسلخ جلد الموتى بعد نبش قبورهم وليس الأحياء، في أغلب الحالات.

كل هذا جعل المتعارف عليه في أن كاتب الرواية التي تتحول إلى فيلم لابد أن يمقت صناع الفيلم لا يتكرر في حالة هذا العمل، بل ويستبدل بإهداء هاريس للفائزين بالأوسكارات الخمسة التي نالها الفيلم صندوقًا من النبيذ.

إلا أن أحد أعلام الرعب جون كاربنتر لم يكن بهذا السرور، بل خاب أمله حين وجد الفيلم مركزًا على شخصية كلاريس ستارلينغ، وتمنى لو أخرجه هو ليجعله أكثر إثارةً للرعب وقبضًا للصدر، هل تظنون بالفعل أنه كان سيقدم عملًا أقوى؟

حقائق قد لا تعرفها عن The Silence of the Lambs (الجزء الأول)

حافظ على المركز الأول في شباك التذاكر لخمسة أسابيع، اعتبر معهد الفيلم الأمريكي أداء أنتوني هوبكينز لدور هانيبال ليكتر فيه أفضل أداء شر في التاريخ، وهو ثاني أقصر أداء ينال صاحبه أوسكار أفضل ممثل بدور رئيسي، The Silence of the Lambs وقصة صنع الكابوس.

في عام 1988 صدرت ثالث روايات محترف الرعب والإثارة توماس هاريس بعنوان “صمت الحملان”، بنيت على قضية ملاحقة قاتل متسلسل حقيقية كان المسؤول عنها جون دوغلاس والذي يعتبر مصدر شخصية جاك كراوفورد، استعان فيها بروفسور علم الجريمة في جامعة واشنطن والمحلل في وحدة العلوم السلوكية الفيديرالية روبرت كيبلر، بالقاتل المتسلسل تيد باندي للعثور على القاتل، والذي أُعدم عام 1989 قبل إنهاء المهمة، ليستمر البحث 12 عامًا أخرى انتهت باعتقال غاري ريدجواي عام 2001، واعترافه بـ48 جريمة قتل من الدرجة الأولى من أصل 90 عام 2003.

حققت الرواية صدىً سرعان ما استقطب اهتمام نجوم هوليوود، وما أن أنهت جودي فوستر قراءتها حتى بادرت لشراء حقوقها، إلا أنها وجدت جين هاكمان قد سبقها، والذي كان ينوي إخراج فيلمٍ مستندٍ إليها يشارك في بطولته كـ هانيبال أو جاك كراوفورد، لكن مشاهدته لنفسه في إحدى مشاهد “Mississippi Burning” في حفل الأوسكار الذي رُشح فيه عنه غيرت رأيه، فلم يرد الاستمرار في أدوار العنف أكثر من ذلك.

وبدأ يبحث عن شارٍ كان دينو دي لورينتيس، منتج “Manhunter” أول فيلم يبنى على روايةٍ لـ هاريس، لكن بعد بعض التفكير عدل لورينتيس عن فكرة إنتاج فيلم بسبب فشل “Manhunter” في شباك التذاكر، ومنح حقوق الرواية مجانًا لشركة “Orion Pictures”، لتطلب الأخيرة من كاتب الرواية إعداد نص سينمائي عنها وتقابل بالرفض مع مباركته للمشروع عامةً، فتعهد إلى تيد تالي بتلك المهمة، والذي لم يكن متيقنًا من أن نصه لن يرمى في أحد الأداراج حتى اللحظة الأخيرة، خاصةً أن مشاكلًا هددت إيقاف التمويل وقعت بعد إنهاءه النصف الأول، طلب منه رئيس مجلس إدارة الشركة على إثرها المضي في المشروع رغم كل شيء، وهذا ما فعله.

انتهت المشاكل لحسن الحظ وتم عرض مهمة الإخراج على جوناثان ديم، والذي وافق فور إنهائه قراءة الرواية وقبل اطلاعه على نص تالي، وبدأ البحث عن النجوم، كـ ميكي رورك، مايكل كيتون، كينيث برانا، وإيد هاريس لدور جاك كراوفورد، وكان سبب رفض هاريس عدم إيجاده ما يثير الاهتمام في كراوفورد، في حين أنه سيكون مرحبًا جدًّا بدور هانيبال، فذهب الدور في النهاية إلى سكوت غلين، في حين سعى أنتوني هيلد للفوز بدور الدكتور شيلتون، لكنه مُنح دور رودن كونه أصغر مما يجب، وإثر جلسة قراءة للنص مع جودي فوستر كان يحل فيها محل هانيبال وجد ديم فيه بالفعل من يستطيع أن يكون الدكتور شيلتون ومنحه الدور.

أما هانيبال فقد مر على جون هارت، كريستوفر لويد، داستين هوفمان، باتريك ستيوارت، لويس غوسيت جونيور، روبرت دوفال، جاك نيكلسون، شون كونري، روبرت دي نيرو، وجيريمي آيرونز الذي رفض الدور لأنه لم يرد تقديم شخصية سوداوية أخرى في أول فيلم يلي “Reversal of Fortune”، لكن مشاهدة ديم لـ أنتوني هوبكينز في فيلم “The Elephant Man” جعله الخيار الأول، وإن فاجأ هذا  هوبكينز نفسه فقال لـ ديم: “لكن الدكتور تريفز كان شخصًا طيبًا.”، فأجاب ديم: “كذلك الدكتور ليكتر، لكنه أسير عقلٍ مختل.”

عن رحلة دور كلاريس ستارلينغ إلى جودي فوستر، تحضيراتها وتحضيرات أنتوني هوبكينز لدوريهما ونتاج ذلك التحضير من ارتجالات وأفكار للتصوير، نهج ديم في العمل وتعامله من خلاله مع مشاهديه، سكوت غلين وتجربة حقيقية مع قتلة متسلسلين غيرت حياته، القتلة الذين كانوا مصدر شخصية بوفالو بيل، وردة فعل كاتب الرواية وجون كاربنتر على العمل سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن كيفية اكتساب الدكتور ليكتر السيطرة على كوابيس صحونا.

Slacker

“فيلمٌ لعرّاب السينما المستقلة وأصدق صنّاعها ريتشارد لينكلايتر!”

السنة 1991
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج ريتشارد لينكلايتر
المدة 97 دقيقة (ساعة و34 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من إيحاءات جنسية صريحة
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.1

بلغت ميزانية هذا الفيلم 23 ألف دولار بينما بلغت أرباحه أكثر من مليون و228 ألف دولار، ملك التأثير الأكبر على ثورة السينما المستقلة في التسعينات، وكان سببًا رئيسيًّا في رغبة كيفين سميث بأن يصبح مخرجًا ويقدّم لنا Clerks أحد أكبر نجاحاتها وأكثر أفلامها شعبيةً، وبأن تُحفظ ملامح المرحلة التي يعرضها وأفكارها وفلسفتها إلى الأبد، وهذا بالطبع ليس غريبًا، لطالما كانت أفلام لينكلايتر أقوى من الزمن!

يعرض الفيلم أحداث يومٍ في أوستين عاصمة ولاية تكساس، بين مثقفيها، عاطليها، منبوذيها، مهووسيها وكل من يجعلونها أوستن في مطلع التسعينات.

كتب ريتشارد لينكلايتر نص الفيلم، مقدّمًا فيه أولى الأدلة على أنه سينمائيٌّ بالفطرة، لا بطل لديه ولا أبطال، إلا أفكارٌ ومواقفٌ من المجتمع وخياراتٌ ورؤىً في كيفية التعاطي معه، ولا يتعلق أيٌّ مما ذكرت بإلقاء المواعظ حولها أو بيان أيها صحيحٌ وأيها خاطئ، وهذا عبر حواراتٍ لينكلايترية، أي عبقرية ومضمونة العبور إلى الذاكرة، أي قادرة على أن تكون بقمة الغنى وقمة السلاسة وخفة الظل، صادرة عن طيف واسع ومتنوع من الشخصيات لا تقضي مع واحدها أكثر مما يبقيه قادرًا على كسب اهتمامك خلال معرفتك القصيرة والمحدودة به، ومرتبة بذكاءٍ ودقة يزيدان من غناها واستثارتها للفكر وخفة ظلها الماكرة.

إخراج ريتشارد لينكلايتر التكساسي من القلب يدخلك إلى قلب تكساس، متقنٌ لأدواته بحيث لا يشعرك للحظةٍ رغم تنقّلاته الدائمة بين شخصياته بأنه يوجّه فضولك أو يهجر شخصيةً ما زالت محتفظةً باهتمامك، يثبت دومًا بأن كاميرته هي الأحق بأن تمثل عينك، خاصةً بطريقتها الساحرة بالتحرك ومرافقة شخصياته، ولقطاتها التي لطالما تحدى بها لينكلايتر الزمن، فأغلب ما تراه يجري خلال الوقت ذاته الذي تراه خلاله، كانت بهذا الفيلم أولى حروب لينكلايتر على الزمن، وأولى انتصاراته المستمرة.

أداءات جيدة وتلقائية من فريق العمل، وتصوير ممتاز وسلس من لي دانييل.

حاز على جائزة ورشح لـ3 أخرى أهمها جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان سندانس.

تريلر الفيلم:

Rhapsody in August

“يتبع ذكر اسمه موجةٌ من الثناء تليها دقائق صمتٍ قد لا يجرؤ أحد على إنهائها، إنه أكيرا كوروساوا ويقدم هنا عملًا على قدر اسمه”

السنة 1991
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج أكيرا كوروساوا
المدة 98 دقيقة (ساعة و38 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) PG
اللغة اليابانية

من المرعب الحديث عن فيلمٍ لـ أكيرا كوروساوا، رجلٌ علَّم عظماء السينما في عصره وفي كل عصر تلاه كيف يصنعون السينما، ووضع أمامهم تحديًا مستحيلًا بأن يحاولوا بلوغ ما بلغه، أو حتى الاقتراب منه، رجلٌ يفكر مارتن سكورسيزي ألف مرةٍ قبل أن يناقشه في لقطة حين مثَّل دورًا صغيرًا في فيلمه في وقتٍ كان سكورسيزي” فيه بقمة مجده، فكيف أتحدث أنا عنه ويهاب اسمه أناسٌ من أعظم سينمائيي التاريخ، يمكنني فعل ذلك بطريقةٍ واحدة، أن أرمي كل ما قيل ويقال عنه جانبًا وأحكم بنفسي، وهذا ما فعلته، وهذا الطريق الذي أوصلني لقناعةٍ بأن هذا الرجل يستحق أن أنحني لذكر اسمه، وهذا الفيلم أحد الخطوات التي مشيتها على ذاك الطريق وإن لم يكن من أعظم أعماله.

كانيه (ساتشيكو موراسيه) امرأةٌ في ثمانينياتها ومن الناجين من إسقاط قنبلة ناجازاكي الذرية في الحرب العالمية الثانية، لكن زوجها لم ينج، وبرقيةٌ ما تأتي من شنغهاي من رجل غني يحتضر يدعي كونه أخوها الأكبر، ويرغب أن يراها قبل موته، وفي حين ذهب أبناؤها لزيارته بالنيابة عنها تقوم برعاية أبنائهم والذين يحاولون إقناعها بالذهاب إلى شنغهاي وأخذهم معها، لكن الجدة ترفض ذلك طالما أنها لا تذكر ذاك الأخ، فما السبيل لذلك إلا الرجوع في الذاكرة إلى الوراء والذي سيؤدي للمرور على أحداث ذاك اليوم المرعب لكن هذه المرة برفقة أحفادها.

عن رواية كيوكو موراتا كتب أكيرا كوروساوا نص الفيلم، بالدفء الذي تكسبه كلمات رجل ثمانيني ازداد إدراكه في كل عام عاشه مدى بساطة العيش بحب ومدى صعوبته على البشر، وبخبرة السينمائي الذي لطالما عرف الطريق إلى قلوب مشاهديه ولطالما ملكها، الشخصيات بسيطة، واقعية، قريبة إلى القلب وصادقة، المواقف التي يمرون بها لا ترمى في طريقهم جزافاً لكنها تكون حين يجب أن تكون وإما تعلمهم أو تعلم آخرين أو تعلمنا منهم، الحوار بسيط ومباشر، لكن طريقه المباشر يصل إلى القلب.

إخراج أكيرا كوروساوا ورغم بلوغه كل ما بلغه من المجد غنيٌ بشغفٍ سينمائيٍّ فتي، يكوِّن بيننا وبين أبطاله بأجيالهم الثلاثة روابطًا حميمية تشعرنا بحنينٍ لأناسٍ عرفناهم ربما حولنا وربما فينا، مما يشركنا في عملية اكتشاف ماضي الجدة مع أحفادها، يقدم صورًا تشهد بأنك أمام أحد أساتذة السينما وتشهد بأن اسمه أكيرا كوروساوا، صورٌ تعبر إلى ذاكرتك وتستقر فيها دون استئذان، مع توجيه مهيب لممثليه يجعلهم يستحقون الظهور أمام كاميرته.

أداء رائع من ساتشيكو موراسيه وأداءات جيدة جدًّا من باقي فريق العمل، تصوير ممتاز من تاكاو سايتو وشوجي ويدا، وموسيقى لطيفة من شينشيرو إيكيبيه.

لا يوجد تريلر مترجم للانكليزية للفيلم للأسف.