أرشيف الوسم: أفلام عام 2004

حقائق قد لا تعرفها عن Million Dollar Baby (الجزء الثاني)

عن تطور صلة سوانك بـ ماغي وأثرها والسبب، تعليق سوانك على تجربة عملها مع إيستوود وصلتها بعمله على “Mystic River”، ماغي الحقيقيّة ولحظاتها التاريخيّة الحاسمة مع الرياضة والفن، وبعض أسباب قوة تأثير الفوز بأوسكار أفضل فيلم كحدث استثنائي في تاريخ الجائزة سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Million Dollar Baby

التدريب المُكثّف بالإضافة لتشابه نشأة سوانك مع نشأة ماغي طوّر تماهيًا بينها وبين الشخصية لدرجة أنها حين أُصيبت بعدوى بكتيرية في أحد البثور التي ظهرت في قدمها خلال التدريب، لم تفكر في الذهاب للمستشفى رغم أن الأمر بلغ من الخطورة أن تُنصح بقضاء ثلاثة أسابيع للعلاج في المشفى لتفادي تعريض حياتها للخطر، لكنها فضّلت إخبار الجميع أنها بحاجة للراحة لأسبوع دون الإفصاح عن السبب أو التطرق لموضوع العدوى، لإيمانها أن ماغي ما كانت لتفعل ذلك.

“العمل مع كلينت حلمٌ يتحقق. وبالنسبة لـ ماغي، تلك العلاقة بينها وبين فرانكي دَنّ تشبه كثيرًا علاقتي بـ كلينت. يُمكنني حرفيًّا التكلُّم عن كلينت طوال اليوم. هو بالفعل يملك الكثير من المزايا، لكن أبرزها هو أنه لديه أسلوب بأن يضم للفيلم الناس الذين يحس أنهم الأنسب لهذا العمل وهذا الفريق، بحيث دومًا يُحس أن من حوله هُم الأفضل لإنجاز العمل. ثم ببساطة يقول: ‘ثِق بحواسك’ و’لا تفكّر كثيرًا’. وهذا يقودني إلى واقع أنه مُتعاونٌ رائع. يتعاون مع الجميع، لكن في المنتج النهائي، بصماته في كل مكان في حين لم تُدرك حتى أن ذلك ما كان يحدث. بارع، بسيط، وبالتأكيد ليس أقل من مُذهِل”، حين تكون هذه الكلمات مُجرد مقتطفات بسيطة من حديث سوانك عن عملها مع إيستوود يُصبح من السهل فهم أمر إخفائها العدوى الخطيرة التي أصابتها، العمل مع شخصٍ كهذا يستحق التضحية والمُضي بالاجتهاد إلى أقصاه. يكفي كونه صوّر الفيلم في 37 يومًا قبل يومين من موعد الانتهاء المُقرر وبفريق العمل ذاته الذي رافقه في صناعة “Mystic River” ليُقدّم رائعتين متتاليتين دليلًا على كلامها.

.

.

فيما يلي حرق لأهم أحداث الفيلم:

.

.

.

وبأثر هذا الاجتهاد من فريق العمل ظهرت ماغي الحقيقيّة ونالت اهتمامًا أكبر بقصّتها ومأساتها. كيتي دالام الملاكمة المبتدئة التي تُرجّح وأختها ستيفاني أن خبر منازلتها المأساوية عام 1996 شكّل إلهامًا لـ جيري بويد حين كتب قصته التي استند إليها الفيلم، المنازلة التي دُفِعت إليها بحماسٍ خاطئ وقبل أن تصبح بالفعل جاهزة مما أسفر عن إصاباتٍ خطيرة في الرأس أحدثتها أكثر من 150 لكمة، نُقلت إثرها إلى المستشفى وتم تأكيد تلف النصف الأيسر من المُخ والذي يُعتبر المسؤول عن تكوين الكلمات وإدراك الحقائق والمنطق، بينما النصف الأيمن هو المسؤول عن المُخيّلة والتصور الحسّي والحدس والفنون.

“ربما أملك فقط نصف دماغ، لكنني على الأقل أملك النصف الصحيح”، هكذا قالت كيتي المعانية دومًا من إيجاد الكلمات الصحيحة ومن انضباط حركة أطرافها اليمنى واضطراب ذكرياتها التي تزورها وتهجرها بشكلٍ مفاجئ، بينما تطورت حساسيتها الفنية المتعلقة بالرسم الذي أحبته ودرسته حتى نالت شهادة البكالوريوس، قبل أن تميل للملاكمة على حساب الرسم ويصيبها حظها العاثر بما لم تصب به فتاةٌ غيرها، حتى أن المسؤولين عن الرياضة دائمًا ما يؤكدون أن ما أصاب ماغي في فيلم إيستوود الشهير لم يُصب إلّا ملاكمةً واحدة وتمت مضاعفة الإجراءات الاحترازية كي لا يصيب غيرها، لكن بالنسبة لـ كيتي، أتت تلك الإجراءات متأخرةً نصف دماغ.

وبمعرفة أن قصةً كهذه خرجت إلى النور بفضل هذا الفيلم رُبّما ستزيد سعادة باربرا ستريساند، التي سلّمت أوسكار أفضل مُخرج لـ إيستوود عن “Unforgiven” قبل 12 عامًا وعادت هي نفسها لتسليمه أوسكار أفضل فيلم عن Million Dollar Baby قائلةً: “سأكون سعيدةً بإعطائك هذا للمرة الثانية، كلينت“. الأوسكار الذي تشاركه مع ألبرت سـ. رَدي والذي سلّمه بنفسه أول أوسكار أفضل فيلم يناله منذ أكثر من ثلاثين عامًا عن “The Godfather”. حتى مورغان فريمان شارك في تميُّز هذه اللحظة في تاريخ الأوسكار بكونه الفيلم الثالث على التوالي الذي يفوز فيه فيلم لـ “Warner Bros” بالجائزة ويكون فريمان أحد أبطاله بعد “Driving Miss Daisy” و”Unforgiven”.

حقائق قد لا تعرفها عن Million Dollar Baby (الجزء الأول)

واحد من فيلمَي ملاكمة فقط فازا بأوسكار أفضل فيلم ويفصل بينهما 28 عامًا، وواحد من الفيلمَين الفائزين بأكبر عدد من الأوسكارات لفيلم رياضة. أفضل فيلم لعام 2004 بحسب روجر إيبرت. عنه فاز مورغان فريمان بأوسكاره الوحيد حتى الآن. هيمن على صالات العرض لستة أشهر ونصف مُحافظًا على مركزه بين أول خمسة أفلام في شباك التذاكر في الفترة بين إعلان ترشيحاته الأوسكاريّة وفوزه. الفيلم الخامس والعشرين لـ كلينت إيستوود مُخرجًا، السابع والخمسين ممثّلًا، والواحد والعشرين مُنتجًا، والذي نال عنه أكبر عدد من الترشيحات الأوسكاريّة عن فيلمٍ واحد وفاز عنه بأوسكارَيه الثالث والرابع وأصبح أكبر مخرج في التاريخ يفوز بأوسكار أفضل مُخرج عن 74 عامًا. Million Dollar Baby وقصة صنعه.

بعد أربعين عامًا من استقبال رسائل الرفض من الناشرين، حصل عام 2000 مُدرّب القتال جيري بويد والذي يكتُب تحت اسم ف.إكس. تول على الموافقة لنشر مجموعة قصصه القصيرة في كتاب بعنوان: “Rope Burns: Stories From the Corner” المستندة إلى تجاربه كمُدرّب ومُلاكم.

وقع الكتاب في يد أنجليكا هيوستن التي كانت تُفكّر في تجربة إخراجيّة ثالثة بعد أولى ناجحة وثانية متوسطة النجاح، وعرضته على المنتج ألبرت س. رَدي متحدّيةً إياه ألا يبكي مع قصة ” Million Dollar Baby “، وبكى، واشترى حقوق الكتاب، لكن قضى أربع سنواتٍ محاولًا إقناع شركات الإنتاج بتمويل الفيلم دون فائدة، “لم أستطع إثارة اهتمام أحد، وأنا أعني أناسًا من أصدقائي وممّن عملت معهم لسنوات. كانوا يقولون لي: ‘من يريد مشاهدة فيلمٍ عن عجوزَين وفتاةٍ مقاتلة؟'”، حتى وجد في النهاية من يشاركه الاهتمام في كلينت إيستوود الذي قرر القيام بدور المُدرّب فرانكي واستلهام صوته من صوت رَدي نفسه.

لكن حتى إيستوود لم يستطع إقناع شركة “Warner Bros” التي لطالما تعاونت معه على تمويل الفيلم بالكامل، فذهب إلى “Lakeshore Entertainment” واستطاع إقناعهم بتمويل الفيلم مناصفةً مع “Warner Bros”، وكُلّف بّول هاغيس بكتابة نص الفيلم وإخراجه. ثم أبدى إيستوود نفسه اهتمامه بتولي مهمة الإخراج أيضًا ليتنحّى هاغيس راضيًا ومتحمّسًا للتعاونٍ مع قامةٍ فنيةٍ بتاريخٍ كتاريخ إيستوود. وبعد وصول هذا الخبر لـ بويد المُدرّب ومؤلّف الكتاب بشهرٍ واحدٍ تُوفّي، قبل حتى إنهائه العمل على روايته وملحمته الأولى.

حينها كان قد جرت محاولاتٌ سابقًا في مرحلة عرض الفيلم على الاستديوهات لإكسابه جاذبيةً أكبر، وذلك بلفت نظر نجوم شباك إليه، ونجح الأمر مع مورغان فريمان الذي عُرِض عليه بدايةً دور فرانكي لكنه مال لدور إدي وكان له، كما أثار دور ماغي اهتمام ساندرا بولوك التي أرادت تقديمه تحت إدارة شيخار كابور لكن ريثما حصل المشروع على التمويل انشغلت بالعمل على “Miss Congeniality 2: Armed and Fabulous”، كذلك الأمر مع آشلي جود.

حتى أتت هيلاري سوانك، التي نالت إعجاب إيستوود كممثّلة لكنه كان قلقًا من نحالتها وكان لديها ثلاثة أشهرٍ لتغيير ذلك بالإضافة لتعلّم الملاكمة، قامت فيها بالتدرُّب لأربع ساعات ونصف لستة أيامٍ في الأسبوع على يد المدرّب غرانت لـ. روبرتس والمدرّبة لوشيا رايكر التي قامت بدور الملاكمة بيلي “الدب الأزرق”، مما أضاف لها 19 باوندًا من العضلات في حين طلب منها المنتجون 10، “كانت كريشة. لكن ما حصل أنها امتلكت أخلاقيات عمل عظيمة”، هكذا رأى إيستوود الأمر.

عن تطور صلة سوانك بـ ماغي وأثرها والسبب، تعليق سوانك على تجربة عملها مع إيستوود وصلتها بعمله على “Mystic River”، ماغي الحقيقيّة ولحظاتها التاريخيّة الحاسمة مع الرياضة والفن، وبعض أسباب قوة تأثير الفوز بأوسكار أفضل فيلم كحدث استثنائي في تاريخ الجائزة سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Million Dollar Baby

Nobody Knows

“يخز القلب ثم يقبض عليه بحنان”

السنة 2004
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج هيروكازو كوريدا
المدة 141 دقيقة (ساعتين و21 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب حساسية الموضوع
الإرشاد العائلي (أميركي) PG-13
اللغة اليابانية
تقييم IMDB 8.1

يمكن اعتبار هذا الفيلم اختبارًا لمعرفة مقدار ما يمكن أن تحتمله من الألم، واختبارًا لمعرفة مقدار ما لم تزل محتفظًا به من تفاصيل طفولتك التي تفيض شاعريّةً وسحرًا لم تملك حينها الكلمات المناسبة لوصفها، لم تملك إلا وقعها في نظراتك وملامحك. كيف ذلك؟، لا أعلم، الجواب في الفيلم، لا في كلماتٍ عنه.

ملخص قصة Nobody Knows
أكيرا
(يويا ياغيرا) فتًى بعمر الثانية عشرة ينتقل مع أمه إلى منزلٍ جديد وحيٍّ جديد، مصطحبين سرًّا إخوته الصغار كيوكو (آيو كيتاوراشيجيرو (هِيَي كيمورا)، ويوكي (موموكو شيميزو)، كي لا يواجهوا صعوباتٍ في تقبُّل أهل الحي لتجمُّع أطفالٍ كهذا. لكن هذا الانتقال لا يغير شيئًا من أمر غياب الأم لأيام بين فترةٍ وأخرى بسبب عملها، بل وتصبح الأيام أطول، ومسؤولية أكيرا أكبر.

بناءً على قضية سوغامو كتب هيروكازو كوريدا نص الفيلم، لكن ليس بالشكل الذي نألفه، فعند كوريدا هناك نصٌّ قبل التصوير، ونصٌّ آخر يظهر بعد نهاية التصوير هو ما وصل إلى المنتج النهائي، خاصّةً لدى العمل مع أطفال يريد استغلال تلقائيّتهم وجعل أصل الكلمات شفاههم أكثر منه قلمه، وبقدر ما تبدو هذه العمليّة خطرًا على الوجهة، بقدر ما تصبح هنا مكرّسةً لها، فالشخصيّات والمواقف الناتجة تنضح بالحياة، وخط سير القصة متوازنٌ صعودًا وهبوطًا دون لحظة إقحامٍ واحدة لتحقيق ذاك التوازن، والكلمات أصدق من أن تكون مُعدَّةً مسبقًا.

إخراج هيروكازو كوريدا يترك الثلاثين عامًا الماضية من حياته جانبًا ويعطي للعشرة الأولى السلطة الكاملة، ومن وجهة نظر كوريدا الصغير المتأملة تتدفّق تفاصيلٌ نحنُّ لصفاء الذهن الذي كان يسمح لمثلها أن يشغلنا ويلهب فضولنا، نحنُّ لزاوية الرؤية المنخفضة التي نراها منها والتي تجعل العالم أوسع وأغنى من أن يتوقف عن إثارتنا. طلاء الأظافر وبقاياه، البيانو الصغير، الرسم والألوان، الكتابة بالإصبع على زجاجٍ رطب، عد دقائق انتظار الوجبة الساخنة ريثما تبرد، ادخار الحلوى والحبة الأخيرة منها، يوم النزهة ومغامراته، رائحة الأم إن غابت، وتفاصيلٌ لا تنتهي حاملةً نضارة روح الطفولة وبراءتها. ورغم كل هذا، يضطر آسفًا لأن لا يترك البالغ فيك يذهب بعيدًا، برصده ما قبل الوعي والانتقال منه إلى الوعي، وأثر الموقف في كل مرحلة، واخزًا قلبك بخفة في البداية، ثم قابضًا عليه بهدوء وبيدٍ دافئة لينزف ببطء مع تداعيات ما سبّب الوخزة، والمرصودة بذات البراءة والولع بالتفاصيل، دون أي تدخّلٍ يفسد صدقها سواءً كان بتوجيه العاطفة أو بالتلاعب بكثافتها، دون السماح للفيلم بأن يكون مجرد انتقالٍ من هذا إلى ذاك أو تصريحٍ حول من يجب لومه، ومع ضمان فاعلية كل ما سبق بالمعجزات التي يحققها مع ممثليه الأطفال وحصوله على تلقائيّةٍ وصدقٍ يسلبان مفاتيح قلوبنا منذ أولى لحظات ظهورهم.

أداءات رائعة من الأطفال تتجاوز كونها أداءات إلى كونها لحظات وانفعالات حقيقية حدث أن رصدتها الكاميرا، خاصةً يويا ياغيرا بسعة طيف العواطف التي يمر بها عبر مراحل تطور الشخصية، والتي يواجه المشاهد نفسه مشكلةً حقيقية في احتمالها. تصوير مُتقن مُحب للتجربة ومساحات الإبداع التي تتيحها من يوتاكا يامازاكي، وموسيقى بسيطة رقيقة من غونتيتي تشكل خير رفيق.

حاز على 13 جائزة أفضل ممثل في مهرجان كانّ لـ يويا ياغيرا ليصبح أول ممثل ياباني ينالها وأصغر فائزٍ بها في التاريخ، ورُشّح لـ 10 أخرى أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كانّ.

تريلر Nobody Knows

حقائق قد لا تعرفها عن The Passion of the Christ (الجزء الثاني)

عن المكياج وصعوباته وأثره في صناعة الفيلم، إصابات وحوادث أوشكت أن تودي بحياة جيم كافيزل، ميل غيبسون ونهجه في صناعة الفيلم والحدود التي ذهب إليها للحرص على واقعية وثقل أثره، استلهامٌ من مايكل أنجلو، تعليق على معاداة السامية، أثر الفيلم الحياتي المصيري في طاقم عمله وفي جمهور العرض الأول، مشاركة غيبسون أمام الكاميرا وتعليقه على ذلك، وخطةٌ لجزءٍ ثانٍ سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة The Passion of the Christ .

.

.

فيما يلي حرق لبعض أحداث الفيلم:

.

.

.

لم تكفِ روعة الأداءات بالطبع لتصوير الحدث كما يجب، فقد كان لقسم المكياج نصيب الأسد من أثر التجربة، بالبديل المطاطي القادر على التنفُّس الذي أُعِدَّ لمنح كافيزل فرصةً للراحة في مشهد الصلب قلما نالها، وساعات المكياج العشر في كل يومٍ من أيام تصوير مرحلة ما بعد الجَلد، لدرجة أنه عندما يتضح أن الظروف الجوية لا تسمح بالتصوير في يومٍ تم فيه وضع المكياج كان ينام كافيزل بمكياجه لتوفير إعادة العملية في اليوم التالي.

إلا أن صبر كافيزل على كرسي المكياج لساعاتٍ طويلة لا يعني أنه نجح في تجاوز الأسوأ، فربما تكون إصابته بالبرق أسوأ، والتي تبعها اثنتين كانا من نصيب مساعد المخرج جان ميشيليني، أو انخلاع كتفه بفعل سقوط الصليب عليه في مشهدٍ وجد طريقه إلى النسخة النهائية، أو تلقي ضربتين حقيقيتين بالسوط عن طريق الخطأ تبع الثانية تسببه لنفسه بالإضافة لندبتها بجروحٍ في معصمه لسحبه يديه بتوترٍ من الأغلال، أو إصابته بانخفاض حرارة الجسم الذي جعل لون جسمه يميل إلى الزرقة بفعل الصقيع الذي جرى خلاله التصوير.

وبالإضافة لكل هذا، يأتي اليوم التالي، ويتم عرض ما صوِّر في سابقيه، فيتنفس كافيزل الصعداء سعيدًا بالنتيجة وبأنها تستحق العناء، وفجأة، “لا يمكننا استعمالها” تصدر عن غيبسون، “ماذا تعني لا يمكننا استعمالها؟!” يقول كافيزل صائحًا، “إن انصب تركيزهم على الصليب سيخسره المسيح، سينظرون إلى الشيء المتمايل جيئةً وذهابا. انس الأمر، سنعيد التصوير” كان هذا جواب غيبسون الذي سبّبه اشتداد الرياح خلال التصوير وعبثها بثبات الصليب، وخمس أسابيعٍ من الإعادة لمشاهد الصلب وحدها كانت النتيجة.

حتى الموسيقى التصويرية طالتها الإعادة، فبعد إعداد ليزا جيرارد موسيقى شبه كاملة أخذتها التزاماتٌ أخرى فسُلِّم الأمر إلى جون ديبني لتكون النتيجة ترشيحه الأول والأخير حتى الآن للأوسكار، وبالإضافة لكل هذه العناية بالدقة ونتائجها المرهقة تم تصوير الفيلم بأكثر من 24 صورة في الثانية، لخلق حالة الحركة البطيئة في أغلب المشاهد لزيادة الثقل الدرامي، تم استشارة القس وعالم اللاهوت ومن أعد لاحقًا كتابًا عن صناعة الفيلم جون بارتونيك في إعداد كل مشهد تقريبًا، كما تم مونتاج الفيلم بناءً على أنه لن يكون مرفقًا بأي ترجمة أو موسيقى تصويرية، وستتولى الصورة كل شيء.

نعم هذه كانت نية غيبسون الأساسية، “ليس لـ لوحات كارفاجيو ترجمة، كذلك باليه كسارة البندق، لكنها تعبر إلى الناس، أعتقد أن الصورة ستتغلب على حواجز اللغة، هذا ما أتمناه” هذا كان جوابه عن سبب تفكيره في الاستغناء عن الترجمة، لكن النتيجة الكاملة وما بنيت عليه من نصٍّ أوليٍّ لا تعوزه الحوارات نبهته إلى أن خيار الاستغناء عن الترجمة كان يجب أخذه في عين الاعتبار منذ خُطَّ أول حرفٍ في النص، وطالما أن ذلك لم يتم وجب التنازُل ووضع ترجمة، لكن ليس كاملة، على الأقل لا تشمل جملة “سيكون دمه علينا وعلى أولادنا” المذكورة في الإنجيل والتي وردت في الفيلم بالآرامية على لسان العبرانيين، تجنُّبًا لتأييد مزاعم معاداة السامية.

وبالحديث عن لوحات كارفاجيو فإن اللقطة الطويلة للمسيح ممدّدًا بين ذراعي أمه بعد إنزاله من على الصليب قد استُلهِمت من تمثال مايكل أنجلو الشهير “لا بييتا”، وبالحديث عن معاداة السامية لا بد من ذكر تعليق الناقد جيمس ساوثهول على الاتهامات بقوله: “هذا يشبه القول أن Patton يعادي الألمانية”.

العديدون من طاقم الفيلم اعتنقوا الكاثوليكية نتيجة تجربتهم في صنعه ومنهم من قام بدور يهوذا الإسخريوطي ومن كان ملحدًا في الأصل لوكا ليونيلّو، بينما أصيبت امرأةٌ في السادسة والخمسين من عمرها تُدعى بيغي سكوت بسكتة قلبية خلال مشاهدتها للصلب في أول يوم لعرض الفيلم في أربعاء الرماد، ليتم نقلها إلى المستشفى حيث توفيت.

“أنا من وضعه على الصليب، كانت خطاياي من وضعته هناك” مما قاله غيبسون عن مشاركته في الفيلم كيدين تدقان المسامير في جسد المسيح، “المسيح مثيرٌ للجدل الآن كما كان في كل عصر، لم يتغير الكثير بعد 2000 عام” وهذا مما قاله كافيزل عما أحدثه الفيلم بمسيرته.

في حزيران الماضي تم إعلان أن غيبسون يعمل على استكمال ما بدأه منذ 12 عامًا بفيلمٍ عنوانه “Resurrection” يروي قصة قيام المسيح يشاركه كتابة نصه كاتب “Braveheart” راندال والاس، وسيستغرق صنعه ثلاثة أعوامٍ على الأقل لأنه سيكون إنتاجًا ضخمًا.

“أردته صادمًا بالدرجة القصوى، كي يروا عظمة تلك التضحية، ليروا أن هناك من يحتمل كل هذا ويعود بالحب والغفران، حتى عبر ألمٍ لا يُطاق ومعاناةٍ وسخرية”~ ميل غيبسون.

حقائق قد لا تعرفها عن The Passion of the Christ (الجزء الأول)

اتُّهم بمعاداة السامية وعدَّ سببًا لغضبٍ وجّه ضربةً لمسيرة صانعه لم تتعاف منها إلا الآن بعد 12 عامًا من صدوره، يحتل المركز الأول على قائمة Entertainment Weekly لأكثر الأفلام إثارةً للجدل في التاريخ، الفيلم المستقل والفيلم غير الناطق بالانكليزية الأكثر أرباحًا في التاريخ، لم يُعرض في إسرائيل لأن أحدًا فيها لم يجرؤ على التسويق له، وفيه ذُكر اسم ميل غيبسون لأول مرة كاتبًا للنص، The Passion of the Christ وقصة صنعه.

عام 1994 حين كان ميل غيبسون في قمة نجوميته التي جعلت استغلالها بأن يكون بطلًا لـ”Braveheart” شرطًا للسماح له بإخراجه، ومتأثرًا بكتاب “The Dolorous Passion of Our Lord Jesus Christ” لـ آن كاثرين إمريك الذي قرأه بالصدفة، أحس بحاجةٍ ملحّة إلى تجربةٍ يتحد فيها فنه مع إيمانه الذي وجد فيه المنقذ من ضياعٍ مُغرٍ بمرافقته للنجومية، وبدأ ينمو داخله حلم صناعة فيلم عن آخر 12 ساعة في حياة السيد المسيح والتي كانت فيها ذروة عذاباته.

وطبعًا لم يتوقع أن يكون مشروعٌ كهذا في المستقبل القريب خاصةً بنيته المسبقة بعدم الاعتراف بأية حدودٍ لا يضعها هو، واحتياج المشروع لدعمٍ مادّيٍّ كبير قد تصبح شركة الإنتاج التي أسسها “Icon Pictures” قادرةً على تقديمه يومًا ما، وبدأ العمل على نصه بالاشتراك مع بينيديكت فيتزجيرالد بهدوء مستعينًا بعدة علماء لاهوت، وإن كان الهدوء في حال الاقتراب من موضوعٍ كهذا حلمًا بعيد المنال.

ترجم ويليام فولكو البروفسور في جامعة لويولا ماريماونت النص إلى اللاتينية والآرامية وبعض العبرية بناءً على طلب غيبسون الذي أراد أخذ مشاهديه إلى الماضي السحيق بكل واقعيته وقسوته لا تكييفه مع حاضرهم، ولدى اكتمال النص كما ارتآه بدأ الإنتاج بشركته مغامرًا بـ 45 مليونًا من خزينتها، 30 منهم لإنتاج الفيلم و15 لتسويقه، مبررًا ذلك حين سُئل عن سبب هذه المغامرة عام 2002: “هذا فيلمٌ عن أمرٍ لا أحد يريد الاقتراب منه، صُوِّر بلغتين منقرضتين، في لوس أنجلس يظنونني مجنونًا، ربما أنا بالفعل كذلك.”، واستمر الأمر حتى قام غيبسون بتسويق الفيلم بنفسه عن طريق شركة “Newmarket Films” بعد احتشاد مظاهرات احتجاجية بمجرد عرض الفيلم على “20th Century Fox” لتوزيعه جعلتها لا تُفكر حتى في الأمر.

كان ماكولاي كالكين الخيار الأول لدور البطولة لكن تم استبعاده بعد تجربة أداء اتضح منها أنه أصغر مما يجب، ليعبر الدور من اقتراحٍ إلى اقتراح حتى يصل إلى جيم كافيزل، والذي ما إن عُرض عليه الدور قَبِل، فاتصل به غيبسون بعد خروجه من اجتماعهما بـ20 دقيقة متوسّلًا إياه أن يفكر مليًّا مرجّحًا الرفض لأن هذا الفيلم سيكون نهاية المسيرة التي يحلم بها، فحسب قوله، هوليوود لن تغفر له ذلك، وبالفعل، حتى الآن لم تفعل، وحتى الآن لم يندم كافيزل على قراره، “على كلٍّ منا أن يعانق صليبه” قالها كافيزل ردًّا على قول غيبسون: “لن تعمل في هذه البلدة مرةً أخرى.”.

لحسن الحظ لم يكن هذا مصير الرومانية مايا مورغنسترن التي كان الفضل في انضمامها للمسؤولة عن اختيار الممثلين والتي لم يعنها لسانٌ أو لون وإنما كانت غايتها الأولى والأخيرة الموهبة والقدرة شايلا روبين، فـ مورغنسترن لا تعنيها هوليوود، وإنما يعنيها ما ترك فيها فنها من بصمةٍ لا تُنسى، “أردتها أن تختبر المعاناة مع درجةٍ معينة من القبول، مفجوعةً لكن دون أن يجد ذلك سبيلًا إلى انهيارها، أردت فيها صلةً وفهمًا روحيَّين لما يجري، وبهذا الفهم ستحتمل ما لا يحتمله بشر. لفعل ذلك تحتاج إلى ممثلةً تفيض عاطفةً وروحانية، ومايا بالطبع هي تلك الممثلة، كانت بلا شك مثالية”، من كلمات ميل غيبسون عن تجربته مع مورغنسترن.

عن المكياج وصعوباته وأثره في صناعة الفيلم، إصابات وحوادث أوشكت أن تودي بحياة جيم كافيزل، ميل غيبسون ونهجه في صناعة الفيلم والحدود التي ذهب إليها للحرص على واقعية وثقل أثره، استلهامٌ من مايكل أنجلو، تعليق على معاداة السامية، أثر الفيلم الحياتي المصيري في طاقم عمله وفي جمهور العرض الأول، مشاركة غيبسون أمام الكاميرا وتعليقه على ذلك، وخطةٌ لجزءٍ ثانٍ سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة The Passion of the Christ .

The Place Promised in Our Early Days

“قد لا يسعه قلبك”

السنة 2004
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج ماكوتو شينكاي
المدة 91 دقيقة (ساعة و31 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة اليابانية
تقييم IMDB 7.3

لا أعلم كيف فعلها الياباني ماكوتو شينكاي، كيف احتفظ بعذوبة قلب الطفل وخيالاته وجعلها تكبر معه، ليزيدها عقل البالغ عمقًا وسحرًا بدل أن يستبدلها بهمومه، لكني أعلم أن أفلامه لن تجعله وحيدًا في ذلك.

تجري أحداث الفيلم في عالمٍ افتراضي حيث انقسمت اليابان إلى شمالٍ يحكمه الاتحاد، وجنوبٍ تحكمه الولايات المتحدة، حيث يعيش تاكويا (ماساتو هاغيواراهيروكي (هيديتاكا يوشيوكا)، وسايوري (يوكا نانري)، ثلاثة أصدقاء مراهقين ما يزالون في الإعدادية، ويثيرهم مظهر برج الاتحاد القائم على جزيرةٍ ليست بعيدةً في الشمال، ليقطعوا وعدًا ذات يوم أن يذهبوا إليه، جاهلين بأن الدنيا لا تهتم كثيرًا لوعودنا.

كتب ماكوتو شينكاي نص الفيلم، جاعلًا ارتكازه على خيالٍ علمي إعادة صياغةٍ للواقع لتقريب تفاصيله التي لا نلحظها إلى قلوبنا وعقولنا، كما يفعل الواحد منا أحيانًا حين يصعب عليه شرح ما أحسّه في لحظةٍ معينة فيقول: “تخيل مثلًا أن..”، لكن بفارقٍ بسيط، شينكاي لم يسلك هذا الطريق كبديل، فتلك الشاعرية كانت وما زالت طريقه، وواقعية مصدرها ووجهتها كانت وما زالت ما يرتقي بشاعريته تلك، لذلك نجد أنفسنا في شخصياته، وعلى هذا الأساس يرسم خطوط سير الأحداث المتقاطعة بين ماضٍ وحاضرٍ وحلمٍ، قد يشترك فيهم أبطاله الثلاثة وقد تُخصص لأحدهم، وأسلوبٌ كهذا لا يؤتي ثماره إلا ببناء روابطٍ حسيةٍ قوية بين أبطاله ومشاهديه تجعل للتشابكات سحرًا وغايةً يصلها ونصلها بدل أن تكون مجرد تشويش منفّر، وهذه الروابط بدأها بنصه وعلم أنه سيكملها بالتأكيد بصوره.

إخراج ماكوتو شينكاي لا يكفيه أن يروي قصة وعد، يريد أن ينعش ذاكرتنا الحسية لتأتي بقصصنا، يرسم صوره بالحنين ويلونها بمشاعر أبطاله ويستنطقها بالنور، فأنت ترى الوحدة، الفقد، الحب، ليصبح حتى عدم امتلاكك لقصتك الخاصة لا يحدث أي فرق، فمعه يمكن أن تشتاق لماضٍ لم تعشه، لفرصٍ لم تنلها، لصحبةٍ ربما لا تملك مثلها حتى الآن، أو ربما لحبٍّ ما زلت تنتظره، ولأن لصوره عبق الذكريات تجد مكانًا بينها بسهولة، ولأن لها سحرًا ليس بحاجةٍ إلى وقتٍ طويل حتى تحسه كما تحتاج ذكرياتك، يحقق أثر الذكرى، بحلوه ومره، لتسعين دقيقة، فجهز قلبك وروحك لتلقي هذا الزخم من الحس.

أداءات صوتية ممتازة من فريق العمل (بالأصوات اليابانية الأصلية)، وموسيقى لا يقبل مبدعها تينمون إلا بأن يبرز أثرها بروز أثر الصورة.

تريلر The Place Promised in Our Early Days :

“قد لا يسعه قلبك" السنة 2004 تقييم أفلام أند مور 9/10 المخرج ماكوتو شينكاي المدة 91 دقيقة (ساعة و31 دقيقة) الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد اللغة اليابانية تقييم IMDB لا أعلم كيف فعلها الياباني ماكوتو شينكاي، كيف احتفظ بعذوبة قلب الطفل وخيالاته وجعلها تكبر معه، ليزيدها عقل البالغ عمقًا وسحرًا بدل أن يستبدلها بهمومه، لكني أعلم أن أفلامه لن تجعله وحيدًا في ذلك. تجري أحداث الفيلم في عالمٍ افتراضي حيث انقسمت اليابان إلى شمالٍ يحكمه الاتحاد، وجنوبٍ تحكمه الولايات المتحدة، حيث يعيش تاكويا (ماساتو هاغيوارا)، هيروكي (هيديتاكا يوشيوكا)، وسايوري (يوكا نانري)، ثلاثة أصدقاء مراهقين ما…
التقييم

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind.. ما وراء الكواليس (الجزء الثاني)

غوندري وأساليبه المبتكرة للحصول على أفضل الأداءات والسحر البصري الحقيقي ونتائجها، تلاقي الفيلم وحياته الشخصية، وأبرز الارتجالات منه ومن ممثليه التي صنعت مشاهد أصبحت من أجمل الذكريات، ستكون موضوع الجزء الثاني من حديثنا عن كواليس محو الذكريات.

كان غوندري يضغط على ممثليه حين الحاجة للإتيان بأصدق أداءٍ منهم، فكان يدير الكاميرا في مشاهد كاري قبل الوقت المحدد أو بعده، ويغير تعليماته في آخر لحظة، وحسب ما قال: “أظن أني بإبقائه مضطربًا جعلته ينسى ما يجب فعله ليكون من يؤدي شخصيته، لتصبح الطريقة الوحيدة لأن يستمر هي أن يصبح بالفعل تلك الشخصية ويتوقف عن التفكير كيف يكونها”.

من جهةٍ أخرى كان يمنح ممثليه حريةً لا يجدونها مع أغلب من يعملون معهم، فليس هناك مسارٌ محدد أو مساحةٌ محددة يتحركون ضمنها، وذلك بأن يتواصل مع مديرَي كاميرتَيه عبر سماعاتٍ رأسية وترك أبطاله يتحركون كيفما يملي عليهم إحساسهم لتتبعهم الكاميرات حسب تعليماته، مما جعل أداءاتهم أكثر تلقائيةً وصدقًا، وهذا ما أكدت عليه وينسليت بحديثها عن أن لقطاتٍ عديدة لم يتم تكرار واحدةٍ منها لمرتين بشكلين متشابهين، وهذه الحرية جعلتها تبدع بشكلٍ أفضل وتعتبر أداءها هنا الأفضل في مسيرتها.

كل هذا الصدق لم يؤثر في غوندري صاحب الفضل الأكبر في استخراجه خلال مشاهدته أثناء تصويره، بقدر ما أثر فيه بعد الانتهاء من التصوير وبدء عملية المونتاج، والتي هجرته حبيبته خلالها، مما جعل مشاهدة تفاصيل ملحمة الذكريات التي صنعها هو تؤلم روحه بذكرياته، وجعله أول مشاهد لفيلمه يقول: “هذا الفيلم عني..”.

تفاديًا للحرق أرجأت إكمال الحديث عن الارتجالات وقرارات غوندري وكوفمان ونتائجها في مشاهد معينة إلى القسم الأخير من حديثنا والمسبوق بتحذير (فيما يلي حرق لبعض أحداث الفيلم):

كسر جهاز تسجيل إثر اندماج كاري بشدة في الشخصية في أحد جلسات التسجيل مع وينسليت، ولكمة حقيقية من الأخيرة على وجه كاري في مشهد القطار كانت من نتائج تشجيع غوندري لأبطاله على الارتجال والضغط عليهم للإتيان بالأفضل، وإحساسٌ بقمة الصدق في أصوات الاثنين في المحادثة التي تدور على خلفية رؤيتهما أطفالًا في ذاكرة شخصية جويل، كون تلك المحادثة تم تسجيلها خلال تصوير الطفلين وفي موقعه ليتفاعلا بشكلٍ حقيقي مع جويل وكليمنتين الصغيرين.

ولم يخل الأمر طبعًا من تدخلٍ رائع من كوفمان لكيفية مرافقة الموسيقى لمشهد القطار، ففي حين نوى غوندري أن تملأ الموسيقى لحظات الصمت، اقترح كوفمان العكس، أن تصمت الموسيقى حين يصمتان.

أما عن تمسك غوندري بالاستغناء عن المؤثرات البصرية قدر المستطاع، فقد جعل كاري في المشهد الذي يشاهد فيه نفسه مع الدكتور هاوارد يجري خلف الكاميرا في كل لحظةٍ تتحرك فيها، منه وهو مع الدكتور، إليه وهو يشاهد، لابسًا معطفه وقبعته وخالعًا إياهما في كل انتقال، ليستغرق تصوير المشهد وحده نصف يوم، كذلك الأمر مع وينسليت في المشهد الذي تظهر فيه في الحمام ثم المطبخ ثم لدى الباب فكانت تسابق الكاميرا لتكون في المكان المناسب في اللحظة المناسبة.

وسنختتم حديثنا بكيفية صناعة لحظات مشاهدة جويل وكليمنتين للسيرك واختفاء كليمنتين الآسرة والموجعة للقلب، ومن المثير معرفة أنه كان أيضًا ارتجالًا في موقع التصوير دون أي إعدادٍ مسبق، كان فريق العمل بقرب سيرك، وخطرت لـ غوندري فكرة المشهد ولم يخبر كاري بأن وينسليت ستختفي، مما جعل ردة فعله حقيقية بالكامل، وكان الصوت الذي يصدر عنه حين نجد الصوت يتلاشى هو قوله: “كيت؟!”، فكانت هذه أقرب لحظات الفيلم قربًا لقلب غوندري، ومن أقربها لقلوبنا.

فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind.. ما وراء الكواليس (الجزء الأول)

أرهقت الرسام الفرنسي بيير بيسموث شكوى صديقةٍ هجرها حبيبها حتى سألها فيما إذا كانت تتمنى محوه من ذاكرتها، وردت بالإيجاب، فأثارت الفكرة صديقه ميشيل غوندري الذي ذهب بها إلى صديقه تشارلي كوفمان، والذي أتى منها بنصٍّ أتى منه غوندري بفيلمٍ لن نرغب أبدًا في محوه من ذاكرتنا، وهذه قصة صنعه، صنع ملحمة الذكريات.

بدأ عمل كوفمان وغوندري على الفيلم منذ عام 1998، وحين صدر Memento لـ كريستوفر نولان في 2001 وقبل أن ينتهيا من إعداد فيلمهما أصاب كوفمان قلقٌ كبير لتركز فيلم نولان أيضًا حول الذكريات، ومن شاهد Adaptation سيدرك مدى الريبة التي قد تسيطر عليه بنتيجة أمرٍ كهذا، مما جعله يصرح لـ غوندري أنه لن يستمر في العمل، لكن غضب المنتج المشرف على المشروع وقتها ستيف غولين اضطرهم للاستمرار، لحسن حظنا وحظ السينما!

وخلال الفترة الطويلة التي تم خلالها إعداد النص استطاع غوندري اختيار أبطاله بتأنٍّ، فجاء اختياره الأول والأخير لـ كيت وينسليت لدور كليمنتين وإصراره عليها مفاجأةً سارةً بالنسبة لها، لكونها وجدت من استطاع أن يرى فيها شخصيةً مختلفة بشدة عن إحدى الآنسات الأرستقراطيات، الدور الذي اعتاد المخرجون أن يفكروا بها لأدائه لفترةٍ طويلة.

أما بالنسبة لدور جويل فقد كان خيار غوندري الأول هو نيكولاس كيج، لكن لأسبابٍ مختلفة عن التي اختار لأجلها وينسليت طبعًا، فكما قال غوندري: “كل مخرجٍ مستقل أراد صنع فيلمٍ يحقق نجاحًا تجاريًّا كان يسعى لإشراك كيج في البطولة خاصةً بعد فيلم Leaving Las Vegas، لكن طبعًا كان كيج يوافق على واحد من كل 10 مشروعات مقدمة”، ولحسن الحظ كان هذا الفيلم من الـ9 التي لم يوافق عليها كيج حينها، بينما وافق جيم كاري الذي كان وقتها أول نجم يصل أجره إلى 20 مليون دولار في الفيلم الواحد، وكانت ميزانية هذا الفيلم كاملةً تساوي هذا المبلغ، أي قبل كاري بأقل من أجره بكثير تقديرًا لأهمية الفيلم والدور.

واجتماع نجمين تباعدت اتجاهاتهما بها الشكل خلق إثارةً استثنائية لكليهما، فكما قالت وينسليت: “لعبت دور أوفيليا في Hamlet بينما كان هو أيس فينتورا!”، أما كاري فقال: “يثير حماسي أن أعمل مع من يخيفني، وقد كانت موهوبة بشكلٍ مرعب وممثلةً مذهلة”.

مما جعل غوندري يسعى إلى استغلال هذا الحماس لاستخراج أفضل ما عندهم، خاصةً بما عرف عنه من ميلٍ للارتجال وتشجيع فريق عمله على الإرتجال والإتيان بردات فعل حقيقية، فكان ما طلبه من بطليه تجهيزًا للفيلم أن يجلسوا في غرفةٍ يتحادثان بها ويروي كل منهما للآخر تجاربه العاطفية، وأدى هذا إلى حواراتٍ عديدة جرت بينهما خلال الفيلم كانت مرتجلةً بالكامل بناءً على تلك الأحاديث.

ليس الارتجال فقط ما فضله غوندري لميله إلى أن تكون صورته حقيقية بأكبر درجة، كذلك فعل باستماتته للاستغناء عن أي مؤثراتٍ بصرية، فكان ببساطة ينتظر أن تصغي السماء إلى تعليماته، فمثلًا استطاع جعل المد يأتي إلى منزل الشاطئ ببناء منزلٍ على الشاطئ وانتظار أن يسعى إليه المد، واستطاع خلق الصورة الأيقونية التي نجدها على ملصقات الفيلم لـ جويل وكليمنتين على جليد متكسّر بحلول شتاء قاسي في نيويورك أثناء التصوير كَوّن الثلج والجليد.

غوندري وأساليبه المبتكرة للحصول على أفضل الأداءات والسحر البصري الحقيقي ونتائجها، تلاقي الفيلم وحياته الشخصية، وأبرز الارتجالات منه ومن ممثليه التي صنعت مشاهد أصبحت من أجمل الذكريات، ستكون موضوع الجزء الثاني من حديثنا عن كواليس محو الذكريات.

التغريبة الفلسطينية

“جزءٌ منك سيبقى بين (لا تسل عن سلامته) و(آن أن تنصرفوا) إلى الأبد..”

السنة 2004
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج حاتم علي
المدة 31 حلقة مدة كل منها 53 دقيقة
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة العربية

نقول حين مشاهدة تطرف الغرب في عرض قضاياه في مختلف أنواع الفنون وخاصةً المرئية والمسموعة أن العيب فينا، فلماذا لا نقدم نحن قضايانا بما يليق بها بدل انتظار عدل الغرب في مناقشتها، قد يكون في هذا الكلام حقيقة، لكنه ليس الحقيقة كاملةً، والدليل إهمال عملٍ مشرِّفٍ كهذا لسببين، أولهما أننا لا نبحث في الأصل، وثانيهما أننا حين نجد مثله بالصدفة نتجاوزه ولا نعيره أي اهتمام لأنه عملٌ “عربي”، وجنسيةٌ كهذه للعمل تلغي كونه مستحقاً للمشاهدة بالنسبة للغالبية العظمى من الجمهور العربي، مما سيؤدي بالتأكيد إلى أن لا تشاهده ولا تسمع عنه حتى أية جماهير أخرى، ولا أعني طبعاً أن أقول “انشره ولك الأجر”، لكني أتمنى ممن يقرأ هذه الكلمات ولم ينل فرصة مشاهدة هذا المسلسل أن يمنح ولو أول بضعة حلقات منه بعضاً من وقته، وأنا متأكد أنها تستحق ذلك الوقت أكثر من أفلام البطولات الأمريكية في العراق وفييتنام على الأقل.

يمكننا أيضاً غض النظر عن كل ما سبق، ومشاهدة هذا العمل فقط لأنه عملٌ إنسانيٌّ عظيم، لأنه يغذي روحك وقلبك بأن يستثير كل حسٍّ حيٍّ فيه، ويعيد حتى إحياء كل حسٍّ مات فيه، لأنه يغذي فكرك بأن يقص عليك تجارباً تتعلم منها، لا بأن يخبرك كيف تعيش تلك التجارب، لأن كلأً من كاتبه “وليد سيف” ومخرجه “حاتم علي” وأبطاله “خالد تاجا” “جمال سليمان” و”جولييت عواد” ومؤلف موسيقاه التصويرية “طاهر مامللي” وآخرون منح في هذا العمل ليس فقط جزءاً من روحه، بل روحه كاملةً، فأصبح حقيقياً بقدر حقيقة ما يتكلم عنه..

أب ٌ “أبو أحمد”(خالد تاجا) أمٌّ “أم أحمد”(جولييت عواد) وأربعة صبيةٍ “أحمد”(جمال سليمان) “مسعود”(رامي حنا) “علي”(تيم حسن) “حسن”(باسل خياط) وفتاة “خضرة”(نادين سلامة)، يعيشون في إحدى قرى فلسطين المحتلة من قبل بريطانيا، ويروي المسلسل حكايتهم عبر أكثر من 30 عاماً تغير فيه شكل خارطة العالم وأضيفت إليها حدود دولةٍ جديدةٍ تسمى “إسرائيل” على أنقاض وطنٍ يسمى “فلسطين”.

كتب الفلسطيني المبدع وأحد أهم الأسماء التي ارتقت بالدراما العربية وذائقة من يتابعونها الدكتور “وليد سيف” نص المسلسل، وحقق به حلماً لازمه منذ بداية مشواره الرائع مع الكتابة، وبإخلاصٍ قل نظيره عمل على التعمق في حياة من يتكلم عنهم حتى بلغ الإتقان والصدق في بناء شخصياته أن يبدو وكأنه أخذ حفنة ترابٍ من كل قرية فلسطينية وجعلها تروي له قصص من ودعتهم ومن ودعوها، ليصبح مجرد الحديث عن الشخصيات بإنصافٍ مستحيل، لا تكفي بضعة كلمات لوصف شخصيةٍ بذل “سيف” في صياغتها ما بذل لتصبح حقيقية، يجب أن تعيش معها خلال المسلسل لتعرفها وتفهمها، وتمر معها بما تمر به خلال أحداثه المعدة بعناية تجعل توثيق المرحلة التاريخية التي تشكل خلفية الحدث والحدث الدرامي نفسه لا ينفصلان، ولا يكون أحدهما على حساب الآخر، بالإضافة لحوارات عبقرية تأخذ مكانها في الذاكرة لأنها أتت في الأصل منها وليس فقط من بعض الشعارات والخطابات، يستثنى من هذا بعض الحوارات في الربع الأخير من العمل والتي أدت محاولة إظهار كونها آتية من مثقفين إلى بعض المبالغة، لكنها لم تسئ بالطبع إلى العمل ككل.

إخراج “حاتم علي” الاسم الأهم في الدراما السورية وأحد أهم الأسماء في الدراما العربية منح نص “سيف” حقه، وأضاف إليه حسن تقديره للتفاصيل والذي جعله يحقق ما حققه من نجاحٍ استحقه، عرف أن حكاية “سيف” لا تحتاج لأي مبالغة تستدر دمع مشاهديه وتستعطفهم، فاكتفى بأن يراها كما هي لكن بعين من لم تمت بعد فيه الإنسانية، ليستطيع بذلك حتى إحياءها بقلب من ماتت فيه كون عينه الآن هي كاميرا “علي” وعينه، فيجعلك تدخل في صلب حياة الفلاح وتشم رائحة أشجار الزيتون، حتى تحس عرقه يسيل على جبهتك حين يضنيه التعب، حتى تفهمه وتحسه، حتى تعيش ما يعيشه، وطبعاً أهم الأدوات التي حقق بها ذلك هي إدارته الاستثنائية لممثليه والتي لطالما عرف بها، فأتى بأفضل ما لديهم على الإطلاق، ليكتمل الطور الأخير في مراحل تطور شخصيات “سيف” وتصبح حقيقيةً بالكامل، لكن يؤخذ عليه بعض البساطة الزائدة في التعامل مع بعض الأحداث وإن كانت مرات حدوث ذلك قليلةً جداً بالنسبة للعمل ككل، واختصار الوقت بطريقة غير مناسبة في الربع الأخير من المسلسل بإحضار ممثلين معروفين ليجسدوا شخصيات تبدوا بوضوح أصغر من أعمارهم بدل العثور على ممثلين أنسب عمرياً، قد لا يكون اللوم في هذا واقعاً على “علي” وحده وربما يكون لشركة الإنتاج دورٌ أكبر مما نتخيل.

أداءات عظيمة وخالدة وعلامة فارقة ومشرِّفة في تاريخ من قدموها من كلٍّ من “خالد تاجا” الذي لا يبذل جهداً في استحواذه على قلب المشاهد فيرهقه ألماً لما يعانيه من ألم، “جمال سليمان” الذي يجعلك تلوم كتب التاريخ لأنها لا تعترف أن “أبو صالح” رجلٌ حقيقي، و”جولييت عواد” التي يستحيل أن لا ترى بعض ملامح أمك في ملامحها، وتسمع في صوتها تلك النبرة المميزة التي فيها من الحنان بقدر ما فيها من مرارة عمرٍ من الصبر، وأداءات ممتازة من باقي فريق العمل وبالأخص “باسل خياط” “نادين سلامة” و”تيم حسن”.

تصوير جيد من “أحمد إبراهيم محمد”، وموسيقى سيثير سماعها حنيناً للعيش مع أبطال المسلسل مرةً أخرى إلى الأبد من الموسيقار السوري العبقري “طاهر مامللي” من ضمن ما ستثيره من زخمٍ من الأحاسيس، وحتى إن لم تشاهد المسلسل يكفي سماع موسيقى “مامللي” لإثارة فضول لا يقاوم لمشاهدة الصور التي ترافقها على أمل أن تكون بمستواها، ولا تخيب صور “حاتم علي” ذاك الأمل بالتأكيد.

برومو المسلسل:

Mean Creek

“عن حماقاتٍ طفولية.. عن ما يقتل الطفولة منها”

السنة 2004
تقييم أفلام أند مور 7/10
المخرج جايكوب آرون إيستيس
المدة 90 دقيقة (ساعة ونصف)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب الإيحاءات الجنسية الصريحة
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

من المؤلم معرفة أن صنع أفلامٍ كهذا في ازدياد لأن ما تتكلم عنه في ازدياد، ظاهرة تسلط بعض الأطفال أو المراهقين على بعضهم تزداد خطورةً، ويستمر سوء تقديرها إما بالمبالغة برد الفعل وإما بالتجاهل التام، لذلك لا يمكن اعتبار هذه الأفلام موضة وهناك حوادث مأساوية جديدة كل يوم، لكن هذا لا ينفي أنها بدأت تتشابه بشكلٍ كبير، وذلك لكسل الكثيرين من صناعها وعدم بحثهم عن جديدٍ للطرح، أي لعدم فعلهم ما فعله “جايكوب آرون إيستيس” هنا وفي فيلمه الأول.

“سام ميريك”(روري كولكين) مراهقٌ مسالم يقابل أحد طلاب مدرسته “جورج”(جوش بيك) مزاحه بشكلٍ أعنف مما توقع، مما يستثير حمية أخيه الكبير وأصحابه لتلقين “جورج” درساً يجعله يفكر كثيراً قبل أن يقدم على إيذاء أحدٍ آخر.

كتب “جايكوب آرون إيستيس” نص الفيلم، قام ببناء شخصياته بشكلٍ متزن يعوض التميز في بعضها القصور في بعضها الآخر، فيمكن إيجاد شخصية مصاغة بأكثر شكل نمطي بسيط، وأخرى تستطيع أن تشغل فكرك طوال الفيلم وتستحق ذلك، كما يمنحها مجالاً كبيراً بطريقة رسمه لخط سير الأحداث التي تمر بها وإن لم يحافظ على المستوى الجيد الذي بدأ به حتى النهاية، بالإضافة لحورات جيدة.

إخراج “جايكوب آرون إيستيس” قادر على التلاعب بالأعصاب باستغلال ذكي لطبيعة قصته وشخصياته، يحسن توظيف جمال الطبيعة في أمكنة الأحداث لصالح صورته، يتقن بناء العلاقة مع المشاهد بمراقبة أبطاله بحيث ينقل حالتهم إليك دون حتى إظهار محاولته لفعل ذلك، ويكمل هذا بإدارة جيدة لممثليه.

أداء جيد جداً من “جوش بيك” وأداءات جيدة من باقي فريق العمل وبالأخص “سكوت ميكلوفيتش”، تصوير عادي من “شارون ماير”، وموسيقى مناسبة من “توماندادي”.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم فهو يفسد متعة أهم لحظاته.