أرشيف الوسم: أفلام عام 2007

حقائق قد لا تعرفها عن No Country for Old Men (الجزء الثاني)

عن دور شيغور ووصوله إلى خافيير بارديم وتسريحته وسلاحه، الإنتاج الاقتصادي ونتائجه في التصوير والموسيقى وقدر ما تم تصويره وما لم يُضمّن في النسخة النهائية، من تأثّر به الأخوان كوين في أسلوبهما في صناعة الفيلم، تضمين إحدى أبرز ذكريات صباهما في أحد المشاهد، ومصدر عنوان الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة No Country for Old Men

أما الدور الأهم والذي جعل أول مُمثّل إسباني يُرشّح للأوسكار الفائز الأول أيضًا، فقد استقر بعد عدة تصفيات لخيارات الأخوين على مارك سترونغ وخافيير بارديم. “لا أسوق السيارات، انكليزيّتي سيّئة، وأكره العنف.”، وهذا ما قاله بارديم لدى مناقشة الدور مع الأخوين، “لهذا أردناك”، وهذا كان ردّهم، ليقبل بارديم محققًا أحد أحلامه وهو العمل معهما.

وإن خالط حماسه بعض الندم حين رأى تسريحته الجديدة والمستلهمة من صورة التُقِطت عام 1979 لأحد مديري بيوت الدعارة، فعبر بقوله: “يا إلهي، الآن لن أستطيع ممارسة الجنس للشهرين القادمين”، واستجاب الأخوان بضرب كفيهما ببعض (هاي فايف) لأنّهم حصلا على المظهر المريب الذي أراداه بشهادة صاحب المظهر، والذي صُمّم لسلاحه المضيف للريبة ضاغطٌ مُخصص لم يوجد مثله من قبل.

لكن دون أن يرفع تصميم ذاك الضاغط من كلفة الإنتاج، ففي المقابل تم استعمال الحقيبة ذاتها التي استُعملت في فيلمهما السابق “Fargo”، اقتصادٌ امتد إلى كامل عملية الإنتاج، ففي حين يتم تصوير بين 700 ألف ومليون قدم من شريط الفيلم لأعمال مماثلة، هنا لم يُصور إلّا 250 ألف قدم لا يتجاوز عدد اللقطات التي لم تجد طريقها إلى النسخة النهائية منها العشرة إلا بلقطةٍ أو اثنتين، وذلك بفضل إعداد لوحات القصة المصورة (ستوري بورد) للفيلم كاملًا قبل بدء التصوير.

تصويرٍ كان أكبر تحدٍّ لإنجازه أمام الكبير روجر ديكنز هو درجة الواقعية المطلوبة، أمرٌ جعل الاقتصاد الذي ذكرناه يصل إلى تصويره، فلتحقيق تلك الواقعية لم يكن هناك الكثير من الأسلوبية في الإضاءة والألوان، بل ظلاميةٌ وتوتّرٌ ومساحات تركيز مُحدّدة. كذلك الأمر مع موسيقى كارتر برويل المقتصر طولها على 16 دقيقة بالكاد يُلحظ وجودها.

على عكس تأثير سام بيكينبّاه الملحوظ، “رجالٌ أشداء في الجنوب الغربي يطلقون النار على بعضهم، هذا بلا شك اختصاص سام بيكينبّاه“، هذا ما ذكراه الكوينز حول تأثّرهم بأسلوب بيكنبّاه.

.

.

فيما يلي حرق لبعض أحداث الفيلم:

.

.

.

وبالحديث عن التأثير، لم يخل الفيلم من تأثير طفولة الأخوين والذي ظهر في اسم الصيدلية التي يدخلها شيغور “Mike Zoss Pharmacy”، والمطابق لاسم الصيدلية التي قضيا فيها الكثير من وقت صباهم “Mike Zoss Productions”، والتي سمّيا شركة إنتاجهم أيضًا باسمها “Mike Zoss Productions”.

أما اسم الفيلم ” No Country for Old Men ” فآتٍ من قصيدة “Sailing to Byzantium” لـ ويليام بوتلر ييتس، والتي تستعرض حال رجلٍ يتساءل عما قد تكونه حياته الأخرى لدى اقتراب موته، أمرٌ يقابل حال الشريف بيل الذي يجهل ما سيكون بعد مغادرة حياته كرجل قانون.

حقائق قد لا تعرفها عن No Country for Old Men (الجزء الأول)

يحتل المركز الثاني على قائمة مجلة Empire لأفضل أفلام عامه، حتى الآن مخرجاه هم الوحيدَين المُرشّحين عن الفيلم ذاته لأربع أوسكارات لإنجازاتٍ خلف الكاميرا، ثاني فائز بأوسكار أفضل فيلم يتم إنتاجه وكتابته وإخراجه ومونتاجه من قبل الشخص ذاته، والرابع المُرشح لسُعفة كانّ الذهبية، No Country for Old Men وقصة صنعه.

منذ أواسط الثمانينات حقق الأخوان جويل وإيثان كوين نجاحاتٍ استثنائية كُتّابًا ومخرجين، لكن ما لم يفعلاه في الـ12 نصًّا التي كتباها حتى عام 2005 هو اقتباس عملٍ أدبي، أمرٌ تشجّع لدفعهم إليه المنتج سكوت رودين بعد شرائه حقوق رواية كورماك ماكارثي ” No Country for Old Men ” وشعوره بأنهم الأنسب لاقتباسها سينمائيًّا، وبعد معرفته أنه بالفعل قرروا المُضي في طريقٍ مماثل ببدئهم العمل على رواية “To the White Sea” لـ جيمس ديكي.

وبالفعل، الرواية بحساسية المكان فيها، تلاعبها بقيود النوع، عدم التزامها أي خطٍّ مألوف، واجتماع المناخ عديم الرحمة فيها مع الجمال دون أي مبالغة عاطفية – حسب قولهم – نالت إعجابهم لدرجة موافقتهم على الفور على ترك كل شيء والانضمام للمشروع، بل ولدرجة التقيُّد بالرواية إلى حدٍّ غير مألوف. “لِمَ لا نبدأ مع كورماك؟ لِمَ لا نبدأ مع الأفضل؟”، هذا ما ذكراه حول اقتباسهم الأول، “في الحقيقة كان الأمر مجرد ضغط، لم نقم بخلق مواقف جديدة”، وهذا ما علقا به على درجة التزامهم بأصل ذاك الاقتباس.

لم يكن هذا الشيء الوحيد الجديد في طريقة عملهم هنا، ففي حين اعتادا كتابة النص وقد أعدوا مقترحات أبطاله، هُنا بدأت عملية اختيار الممثلين بعد الانتهاء من الكتابة، والتي نتج عنها أن لا يكون بين فريقهم ممثلٌ عملوا معه سابقًا إلا ستيفين روت، لكن هذا لا يعني ذاك البطء في العملية، فمثلًا، تومي لي جونز كان أول من انضم للفيلم بدور إيد توم بيل ودون كثيرٍ من المفاضلة، كذلك الأمر مع كيلي ماكدونالد لدور كارلا جين موس التي كانت منافستها الوحيدة تيفاني دوبونت.

أما دور لوين موس فكان الأمر أعقد بقليلٍ معه، كون هيث ليدجر رفضه لنيته بأخذ وقت مستقطع لنفسه، وغاريت ديلاهانت قام بتجربة أدائه لخمس مرات ليُمنح دور ويندل في النهاية، ليُعرض على جوش برولين خلال عمله على “Grindhouse”، ويطلب من مخرجه روبرت رودريغز الاستعانة بإحدى كاميرات التصوير لتسجيل تجربة أدائه، طلبٌ نتج عنه تجربة أداء مُصوّرة بكاميرا سينمائية من إخراج كوينتين تارانتينو وبمشاركة مارلي شيلتون البطولة بدور كارلا جين، ونيل الإضاءة مديح الأخوين كوين الأكبر لدى مشاهدتهم التسجيل، ومنحهم برولين الدور.

والذي كسر كتفه في حادثة درّاجة ناريّة بعد يومين من فوزه بالدور، حيث أول ما مر بذهنه بعد قذفه في الهواء فوق السيارة التي اصطدم بها: “تبًّا! أردت العمل مع الأخوين كوين بشدّة”، لكن لحسن حظه لم تُشكّل إصابته عائقًا كون لوين موس يُصاب برصاصة في كتفه منذ البداية.

عن دور شيغور ووصوله إلى خافيير بارديم وتسريحته وسلاحه، الإنتاج الاقتصادي ونتائجه في التصوير والموسيقى وقدر ما تم تصويره وما لم يُضمّن في النسخة النهائية، من تأثّر به الأخوان كوين في أسلوبهما في صناعة الفيلم، تضمين إحدى أبرز ذكريات صباهما في أحد المشاهد، ومصدر عنوان الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة No Country for Old Men

The Assassination of Jesse James by the Coward Robert Ford

“إنه مجرد إنسان.”

السنة 2007
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج أندرو دومينيك
المدة 160 دقيقة (ساعتين و40 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي والإيحاءات الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.5

اعتبر براد بيت هذا الفيلم الأقرب إلى قلبه من بين كل ما قدمه، اعتبر روجر ديكنز مشهد سرقة القطار فيه أحد ذُُرى مسيرته كما ابتكر لتصويره تقنياتٍ جديدة، قضى رون هانسن مؤلف الرواية الأصل أسبوعًا في موقع التصوير وساعد في المونتاج ووجد أن كيسي آفليك قدّم رؤيته الخاصة للشخصية وقدم ما أشعره أنه وُلد لها، أمرٌ اتفق فيه مع سليلي جيسي جيمس الحقيقي الذين وجدوا أيضًا أن ما في هذا العمل هو أصدق صورة للأحداث الحقيقية. الجميع اتفقوا هنا على تقديم أفضل ما عندهم وعلى أن يكونوا جزءًا في بث الروح التي أرادها أندرو دومينيك لعمله، روحٌ لا مبالغة في القول أنها خالدة.

جيسي جيمس (براد بيت) زعيم إحدى أخطر وأشهر العصابات في الغرب الأمريكي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مما يجعله طبعًا بطلًا للعديد من القصص والأساطير المتداولة، والتي لطالما كان روبرت فورد (كيسي آفليك) مولعًا بها وبتجميعها من الألسنة وأقاصيص الصحف والقصص المطبوعة، إلى أن أتته فرصة أن يكون جزءًا من عصابة جيسي، وبدأت صورة بطله في ذهنه تصبح أكثر تعقيدًا.

عن رواية رون هانسن كتب أندرو دومينيك نص الفيلم، مكثّفًا تركيزه على دراسة شخصياته، وآتيًا بنتائجٍ مجزيةٍ حد الكمال في حالة روبرت فورد باهتمامٍ كبير بتوقيت لحظات ظهوره وما تحمله معها من تطورٍ في شخصيته وفي معرفتك بها، ومقاربةٍ للكمال في حالة جيسي جيمس لمبالغةٍ بسيطة في الغموض حوله والذي يبدأ ضروريًّا وفي مكانه الصحيح لكنه لا يستمر كذلك حتى النهاية، وفي الحالتين لا تتوقف طوال الفيلم عن السعي لكشف تفاصيلٍ جديدة في ملامحهم لا يُقدّمها دومينيك على طبق، بل بلقاءاتٍ ذكية غنية بالتفاصيل تحضيرًا وبناءً وحوارًا.

إخراج أندرو دومينيك واضح التحكم بجميع مفاصل الفيلم، لكن ليس بحيث يحول الأمر لاستعراض عضلاتٍ على حساب ما يرويه، على العكس، دومينيك يبذل كل ما يستطيعه لجعل كل ما ومن يظهر أمام كاميرته وكل من يقف خلفها مضيفًا للحالة التأملية مهيبة الوقع والمستثيرة للفكر التي يجتهد في تدعيمها طوال الفيلم بثقةٍ بما يبذله لا بتجريبٍ قلق، ثقةٍ يثبت مرةً تلو الأخرى أنها في محلها، بأسلوبه الهادئ الاستثنائي في بناء التوتّر لجعل الحبل بينك وبين ما تشاهد متينًا بقدر ما هو مشدود، بحساسية عدسته للتفاصيل سواءً في المحيط الساحر الحامل لروح ووحشية العصر وروح قصته بغموضها وحلوها ومرّها، أو في ملامح ممثليه ولغتهم الجسدية التي قلما نجد اهتمامًا بها كما نجد هنا، مترافقًا طبعًا ليؤتي ثماره مع إدارةٍ متميزة، وبتحدٍّ يكسبه بأن ما يقوله عنوان الفيلم والذي يُعتبر عادةً سرًّا يزيد الإثارة لن يستطيع أن يضعف أثر وقوعه أمامك، ولحظة فوزه بذاك التحدي ستكون من أروع ما شاهدت.

أداء رائع، كثيف الأثر وقوي السلطة على الذاكرة من كيسي آفليك يُسلّم جسده فيه لـ روبرت فورد بالكامل لا مُجرّد بعض ملامحه وكلماته، يرافقه أداء ملؤه الجاذبية والغموض ومهابة الحضور يرتقي بمسيرة براد بّيت، مع أداءات ممتازة من باقي فريق العمل وخاصةً سام روكويل.

تصوير إعجازي من أحد أكبر أساتذة النور والظلام في عصرنا روجر ديكنز يُفيد من كُل ما وصلته تقنيات عصرنا للعبور إلى عصر القصة بمتوالياتٍ مُسكِرة جمالًا واستثنائيةً في تفاصيل التكوين والقدرة على استغلال المساحة والإضاءة الموجودة لصالحه، ومن الصعب إيجاد ما يليق بالصور الناتجة إلا أن موسيقى نيك كيف ووارين إيليس تجاريها وتضيف إليها ولحالة الفيلم وتزيد من مُدة مرافقته لك بعد انتهائه.

حاز على 25 جائزة أهمها كأس فولبي لأفضل ممثل في مهرجان البندقية (براد بّيت)، ورُشح لـ67 أخرى أهمها أوسكارين لأفضل تصوير وأفضل ممثل بدور مساعد (كيسي آفليك).

تريلر The Assassination of Jesse James by the Coward Robert Ford :

حقائق قد لا تعرفها عن There Will Be Blood (الجزء الثاني)

عن تحضيرات داي لويس لدوره والنتائج، علاقة دانييل بلينفيو بشخصيةٍ تاريخيّةٍ حقيقية، الكلاسيكية السينمائية التي رافقت أندرسون يوميًّا طوال رحلة صناعة الفيلم، مواقع التصوير وصدفة جمعت ذُرى العام السينمائية فيها وتسللٌ لتلك المواقع أنتج الدعاية الأغرب، وتعليق لجنة الفيلم الأمريكي على ما تم تحقيقه بهذا العمل سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة There Will Be Blood .

قام داي لويس بالتحضير ليكون دانييل بلينفيو بالاستماع لتسجيلات صوتية أتاه بها أندرسون تعود إلى القرن التاسع عشر والعقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، بالإضافة لوثائقيات عن الكاتب والمخرج والممثل الكبير جون هيوستون الذي حمل الملامح والصفات المُراد الإلمام بها والنبرة واللهجة المناسبتين، كما قام بقراءة رسائلٍ من العاملين في حقول النفط حينها واطلع على صورٍ تعود لزمن القصة، وقرأ عن إدوارد دوهني أحد أهم المؤسسين لآبار النفط والذي كان أحد إلهامات رواية سنكلير التي بُني عليها الفيلم.

والنتيجة طبعًا للتاريخ، ومنها الخطاب المرتجل الذي ألقاه داي لويس لمواطني ليتل بوسطن حول بناء المدارس وجلب الخبز للبلدة وما إلى ذلك، والذي قال عنه أندرسون: “كان لذيذًا. كان بلينفيو على طبق”، وربما لشدة لذّة ذاك الطبق لم يكتف منه أندرسون وفريقه خلال المونتاج فكانوا في كل جلسةٍ يتناولون شريحة لحمٍ ويتبعونها بفودكا للبقاء في أجواء وحالة بلينفيو.

وبالحديث عن دوهني الذي حفر أول بئر نفطٍ ناجح في حقل لوس أنجلس، فلهذا الرجل الكثير مما يجمعه مع بلينفيو، كلاهما ولدا في فوند دو لاك، ويسكونسن، وُظّفا في المسح الجيولوجي وعملا في مدينة كانساس، جربا حظهما في المناجم قبل دخولهما مجال النفط، وعملا مع منقبٍ يدعى أ. ب. إيلمان، حتى مشهد البولينغ الشهير تم تصويره في عزبة غريستون التي بناها دوهني كهديةٍ لابنه الوحيد.

وخطاب الـ “Milkshake” الشهير الذي يلقين بلينفيو مستندٌ إلى نصوص تعود إلى فضيحة قبة إبريق الشاي في العشرينات التي اتُّهم فيها دوهني برشوة مسؤول سياسي للحصول على حقوق استخراج النفط في أراضٍ عدّة، حتى إن لم تتشارك النصوص وخطاب بلينفيو بشكلٍ حرفي إلا كلمة “Milkshake”، فتلك الكلمة وحدها من أكثر ما يحب تذكره أندرسون من فيلمه،  فما قال: “كان من الجنون أن ترى تلك الكلمة وسط تلك كل تلك الشهادات والمصطلحات الرسمية. أحس بسعادةٍ غامرة في كل مرةٍ أسمع فيها تلك الكلمة”.

وربما بسعادةٍ أكبر مع كل مشاهدةٍ لـ”The Treasure of Sierra Madre” لـ جون هيوستون، الرجل صاحب الأثر الكبير على سينماه، والفيلم الذي كان يشاهدة يوميًّا قبل ذهابه إلى النوم خلال صنعه There Will Be Blood .

وربما كان هذا الفيلم صاحب أثرٍ كبير في عدم توقف أندرسون وفريقه عن البحث عن مواقع جديدةٍ أنسب لدرجة إعادة تصوير بعض المشاهد في ثلاث أو أربع أماكن مختلفة، ومن تلك الأماكن ما جاور موقع تصوير “No Country for Old Men” للأخوين كوين، وحين كانوا يقومون باختبار أثر اشتعال رافعة النفط منتجين دخانًا كثيفًا اضطر الأخوين لإيقاف التصوير حتى اليوم التالي.

ربما كان على أندرسون الابتعاد أكثر، ليس من أجل الأخوين، بل للوقاية من المتسللين الذين التقط أحدهم صورةً لـ فينس فرويو الذي قدم شخصية أقرب مساعدي بلينفيو وقام بنشرها معلقًا على كون تحول داي لويس لأداء شخصيته في الفيلم لا يُصدّق، لتنتشر في عدة مجلات ومواقع سينمائية، وينتظر الناس بلينفيو لا يجمعه بـ داي لويس حتى شعر رأسه.

ربما رغم كل شيء أتى ظهور داي لويس مخيبًا، فلم يقدم أقل ما كان منتظرًا منه، لم يشبه هذه الصورة!

“إن There Will Be Blood هو صناعة السينما في أروع أشكالها من قبل أحد سادة صناعة السينما الأمريكيين المعاصرين. قصيدة بول توماس أندرسون الملحمية في الوحشية، التفاؤل والهوس هي تأمُّلٌ حقيقيّ في أمريكا. الفيلم يغوص في العمق المظلم لقلب الرأسمالية، حيث السيطرة، لا الكسب، هو الغاية الأساسية. في مسيرةٍ عُرِفت بأداءاتٍ لا تُبارى، دانييل داي لويس يخلق شخصيةً بغنًى وضخامةٍ يجعلان دانييل بلينفيو ملاحقًا تاريخ السينما لأجيالٍ قادمة”، هذا بيان لجنة معهد الفيلم الأمريكي الذي رافق اعتبار There Will Be Blood من أفضل أفلام عامه.

حقائق قد لا تعرفها عن There Will Be Blood (الجزء الأول)

يحتل المركز الثالث في قائمة BBC لأفضل أفلام القرن الواحد والعشرين، يحتل المركز 51 في قائمة Entertainment Weekly للكلاسيكيات السينمائية الجديدة، اندرج نصه في القائمة السوداء لأروع النصوص غير المنفذة لعام 2006، الفيلم الأكثر نجاحًا نقديًّا وجماهيريًّا وتجاريًّا في مسيرة صانعه، وفيه الأداء الذي اعتُبر العلامة التمثيلية التاريخية الأبرز منذ بداية الألفية، There Will Be Blood وقصة صنعه.

بعد صدور كتاب “Fast Food Nation” لـ إيريك شلوسر ومقارنته برواية “The Jungle” الكلاسيكية لـ أبتون سنكلير، قرر شلوسر الاطلاع على بعض أعمال سينكلير، وبالنتيجة وصل إلى رواية “!Oil” التي نالت إعجابه الكبير وحماسه لتحويلها إلى فيلم، فسارع إلى شراء حقوقها ثم قرر البحث عن مخرجٍ يقدّرها، لكن ذاك المخرج هو من وجده أولًأ.

لعامين كان بول توماس أندرسون يحاول إنهاء نص حول صراع عائلتين دون الوصول إلى أي نتيجة، وخلال إقامته في لندن أثار اهتمامه غلاف روايةٍ مرسومٌ عليه حقل نفطٍ في كاليفورنيا، مسقط رأسه، فاشتراها ليجد في صفحاتها أكثر بكثير مما تمناه وقرر جعلها مشروعه القادم، لكن هناك من سبقه إلى شراء حقوقها، شلوسر، والذي كان مرحّبًا طبعًا بأن يسلم مسؤولية إخراج الفيلم لأحدٍ كـ أندرسون.

لتبدأ عملية اقتباس الرواية التي انتهت علاقتها بالرواية بعد مئة وخمسين صفحة، وذلك لأن أندرسون رأى وجهته بعد ذلك والتي قد لا تتفق ووجهة سنكلير وإن كانت روايته هي معينه الأول على الإلمام بتفاصيل العصر وأجوائه، وإن كانت تكلفة خلق تلك التفاصيل والأجواء هي العائق الأكبر في وجه تنفيذ الفيلم والذي جعله ينتظر عامين ريثما وجد تمويلًا ممن يؤمنون بأنه مستحقٌّ لإنتاجٍ ضخم.

تمويلٌ كان من المستحيل الحصول عليه لولا انضمام النجم الكبير دانييل داي لويس إلى العمل، والذي كان أهون خطوات صناعته، فـ داي لويس مُعجبٌ بأسلوب أندرسون منذ شاهد له “Punch Drunk Love”، وأندرسون طبعًا ككثيرين لطالما انتظر فرصة العمل مع داي لويس، بل وكتب نص فيلمه هذا وصورة دانييل بلينفيو في ذهنه مقترنةٌ بصورة داي لويس، وإعجابٌ متبادلٌ مسبقٌ كهذا جعل مجرد طلب أندرسون من داي لويس الانضمام بعرض نسخة غير منتهية من النص عليه كافٍ لقبوله، قرارٌ أكّدت قراءته للنص صوابه، فحسب قوله، أندرسون دخل ذاك العالم، لم يكن مجرد مراقبٍ له، وملأه بشخصيّاتٍ من لحمٍ ودم.

كشخصية إيلي سنداي، والتي اختير لها بدايةً كيل أونيل ليتم استبداله بعد بدء التصوير بمن يقوم بدور أخيه بول سنداي، وهو بول دانو، لا يُمكن مقاومة إغراء موهبة دانو بعد احتكاكٍ مباشرٍ معها، والذي أدى لمنح دانو الدورين وتعديل النص لجعلهما توأمًا متطابقًا رغم عدم تحضير دانو المسبق لأمرٍ كهذا وكون التصوير قد بدأ.

أما الطفل ديلون فريزيَر فقد كان لانضمامه قصةٌ أكثر إثارةً، فلدى بحث فريق العمل عمن يقوم بدور ابن بلينفيو في لوس أنجلس ونيويورك أدرك أندرسون أنه بحاجةٍ للبحث في تكساس، حيث يمكن إيجاد طفل يتقن استخدام البندقية وابن أجواءٍ مشابهة لأجواء الفيلم، وهناك دخلوا إحدى المدارس وطلبوا من مديرها أن يوصي بطالب، فأتى بـ ديلون وبدل أن يختبروه في مشهدٍ معين قاموا فقط بإجراء محادثةٍ معه أكدت أنه الخيار الأمثل، لكن هذا لا يكفي، يجب عليهم إقناع أمه، والتي أرادت أن تعرف مَن دانييل داي لويس أولًا فاشترت نسخةً من “Gangs of Newyork” حيث كان من سيقوم بدور الأب لابنها جزّارًا، فأرعبتها فكرة أن ابنها سيقضي وقتًا مع هذا الرجل، ليسارع فريق العمل إلى تقديم نسخة من “The Age of Innocence” لها حيث كان الجزّار أحد نبلاء القرن التاسع عشر، وتقع تحت سحر النبيل جاهلةً أن الجزار نفسه لن يصمد أمام بلينفيو.

عن تحضيرات داي لويس لدوره والنتائج، علاقة دانييل بلينفيو بشخصيةٍ تاريخيّةٍ حقيقية، الكلاسيكية السينمائية التي رافقت أندرسون يوميًّا طوال رحلة صناعة الفيلم، مواقع التصوير وصدفة جمعت ذُرى العام السينمائية فيها وتسللٌ لتلك المواقع أنتج الدعاية الأغرب، وتعليق لجنة الفيلم الأمريكي على ما تم تحقيقه بهذا العمل سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة There Will Be Blood .

Once

“رسالة حبٍّ لكل موسيقيٍّ في الانتظار”

السنة 2007
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج جون كارني
المدة 85 دقيقة (ساعة و25 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.9

مخرج هذا الفيلم الأيرلندي جون كارني كان عازف باص غيتار في فرقة بطله غلين هانسارد، والذي كان بمثابة الأب الروحي لبطلته ماركيتا إرغلوفا فنّيًّا مذ عرفته بعد بلوغها الثالثة عشرة، السن الذي بدأ فيه بالعزف في الشوارع. صوّر هؤلاء في شوارع دبلن دون تصاريحٍ لم يملكوا الوقت ولا المال للحصول عليها ودون إعلام المارّة بما يفعلون، صوّروا في منازلهم وبالإضاءة الطبيعية. قدّم المخرج لبطليه أجره لتكفي الميزانية فيلمهم، قدّم البطلين الكلمات والموسيقى لأغاني الفيلم عدا واحدة، وقدّم الثلاثة نتاج كل هذا الشغف في 17 يومًا تم خلالها تصوير الفيلم مستغلين عدم وجود مدير تنفيذي لمجلس الأفلام الأيرلندي والذي جعلهم ينالون موافقة منحهم الميزانية المحدودة لفيلمهم من إداريٍّ أقل مرتبة. حتى القدر شاركهم شغفهم، ومن الصعب جدًّا أن تكون من لا يفعل ذلك.

مغنٍّ في شوارع دبلن وبائعة ورود تعد لقاءهما أغنية، يتضح أنها ليست عابرةً وليست الأخيرة.

كتب جون كارني نص الفيلم، بالكثير من الحب، والقليل من التفكير، بكل ما يمكن أن تحمله الجملتين السابقتين من ثناء، بدأ ببطلين يشاركانه ولعه بالموسيقى، وترك ذاك الولع يقوده ويقودهما، بدأ بهذه البساطة وانتهى بها، حريصًا على أن لا يصغي إلا للصوتين اللذَين يروي قصّتهما، الالتزام الذي يرتقي بهذا الفيلم إلى حيث لم يستطع الوصول بأفلامه اللاحقة لتخليه عن هذا الالتزام بدرجات متفاوتة.

في حين كان إخراجه امتدادًا لتمسكه به في النص، فهنا، حتى وضوح غياب الإعداد المسبق للقطات يضيف لحميميّتها وقربها من القلب، خاصةً مع منحه الحرص على التقاط الشغف وولادة ثمراته الأولوية القصوى، وإفادته من حرية القيود الإنتاجية وإن ولّدت قيودًا تمويلية، كل شيءٍ هنا في صالحه، في صالحنا، بل ويجعل فيلمه هذا مقياسًا للتجديد في نوع الأفلام الغنائية.

أداءات صادقة من فريق العمل المؤلف بغالبيته من عديمي أو شبه عديمي الخبرة وخاصةً غلين هانسارد وماركيتا إرغلوفا، تصوير أفاد من تلقائية الظروف من تيم فليمينغ، وموسيقى وأغاني لن تمل سماعها وستحب أثرها في قلبك من غلين هانسارد وماركيتا إرغلوفا.

حاز على 22 جائزة أهمها الأوسكار لأفضل أغنية أصلية “Falling Slowly – Glen Hansard & Markéta Irglová”، ورُشح لـ29 أخرى أهمها الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان سندانس.

لا أنصح بمشاهدة تريلر Once لما فيه من حرق لأهم أحداثه.

حقائق قد لا تعرفها عن Sweeney Todd (الجزء الثاني)

عن اختيار جوني ديب، هيلينا بونام كارتر، ساشا بارون كوهين، وجين وايزنر ومن أوشكوا على الفوز بأدوارهم، طرق تحضير كلٍّ من هؤلاء لدوره، اختيار قائد أوركسترا الفيلم، خيارات مواقع التصوير وما تم وما أوشك أن يتم منها والسبب، رؤية برتون لدموية الفيلم ونتائجها، وانطباع برتون عن تجربته في صناعة الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Sweeney Todd : The Demon Barber of Fleet.

بدأت تجارب الأداء بانتهاء العمل على النص، وكما كان لـ سوندهايم شروطه كأن يُشرف على اختيار الممثلين، كان شرط برتون الذي لا يرجع عنه هو أن يقوم جوني ديب بالبطولة، الأمر الذي أقلق سوندهايم لأنه أحس أن صوت ديب ذو طبيعة تميل إلى الروك أكثر مما يجب، ورُبما كان هذا مبنيًّا على فيلم ديب الغنائي الأول “Cry-Baby” والذي لم يُستعمل فيه صوته الحقيقي، لكن تجربة الأداء حسمت الأمر لصالح ديب وجعلت هذا فيلمه الغنائي الأول الذي يُغني فيه بصوته.

وللتحضير لدوره بدأ بالعمل على صقل صوته مع صديقه المنتج الموسيقي بروس ويتكين وسجل بضعة أشرطة تجريبية، كما كان يتدرب على أغاني الفيلم خلال تصويره “Pirates of the Caribbean: At World’s End”، وحاول الاستفادة من أداءات بوريس كارلوف، أنتوني نيولي، إيغي بوب، وبيتر لور خاصةً في “Mad Love”.

أما دور السيدة لوفيت فقد كُنَّ هيلينا بونام كارتر وإيميلدا ستونتون أبرز مرشحاته، وفازت به الأولى إثر إرسالها 12 شريطًا لتجارب أداء على أغاني مختلفة من الفيلم إلى سوندهايم لتنال إعجابه وتقديره الكبيرين، لكنها لم تكتفِ بهما طبعًا وأخضعت نفسها لتدريبات غنائية مُكثّفة مُتزامنة مع تدريبها على أساليب الخبز، أما ستونتون فقد قدمت الدور لاحقًا على المسرح عام 2012.

لم يكُن انضمام ساشا بارون كوهين بأقل تطلُّبًا من انضمام كارتر، فقد قام في تجربة أدائه بغناء كافة أغاني فيلم “Fiddler on the Roof” أمام برتون، وعمل مع حلاقه الشخصي على تطوير مهاراته في الحلاقة واستخدام الشفرة، في حين كانت عوائق قبول جين وايزنر في دور جوانا الأبسط على الإطلاق، فبعد رفض آن هاثاواي لأن برتون أراد وجهًا غير مألوفًا، كاد يتم رفض وايزنر لأنها بدت أكبر عمرًا من الدور، لكنها سارعت إلى إرسال صورٍ لها بدون أي مكياج فتم قبولها.

كل هذا تم بمباركة سوندهايم، لكن لم تتوقف مراعاة رؤيته الإبداعية التي أتت بأحد أروع المسرحيات الغنائية هنا، بل وصلت إلى استدعاء قائد الأوركسترا في المسرحية الأصلية بول جيميناني ليكون قائدها في الفيلم.

وعلى أنغام موسيقاها تم استكشاف المواقع الظلامية المُنذرة بالشر التي أعدها دانتيه فيريتّي بعد تراجُع برتون عن فكرة أقل استخدام ممكن لمواقع فعلية والقيام بأغلب المشاهد أمام خلفيات خضراء، فالمواقع الملموسة ستأتي بأداءات أصدق من تلك التي سيكون فيها الممثلون يغنون ويتفاعلون مع ما يجود به خيالهم فقط.

أما الدموية المُضافة لتلك الأجواء والتي قد لا تروق للبعض فقد كانت كقيام ديب ببطولة الفيلم بالنسبة لـ برتون، أمرًا غير قابل للمساومة، خاصةً أنه اعتبر النسخ المسرحية التي تجنبت الدموية قد جردت القصة من سحرها وقوة أثرها، فبالنسبة له، كل شيء داخلي في شخصية سويني تود مما جعل سيلان الدماء بمثابة انعتاقٍ وتطهيرٍ حسّيّ، وهذا جعل المنتج ريتشارد د. زانوك يقول مرةً في موقع التصوير لـ برتون: “يا إلهي! هل سنجرؤ على فعل ذلك؟”، ومن الواضح ما كانه جواب برتون الذي أقلق استديوهات الإنتاج لوقتٍ ليس بقليل.

“لا يمكنك مجرد مزامنة شفاهك مع الخلفية الغنائية، يجب أن ترى الحنجرة والأنفاس التي يصدر عنها كل هذا، في كل لقطةٍ كان عليهم أن يغنوا من جديد، كان الأمر في غاية المتعة، الموسيقى في موقع التصوير، رؤية جوني ديب يُمثّل كما لم أره من قبل. كل ما يمكنني قوله أن هذا من أفضل فرق العمل التي عملت معها في حياتي. هؤلاء ليسوا مغنّين محترفين، وبالتالي تقديمهم لفيلمٍ غنائيٍّ أعتقد أنه من الأصعب على الإطلاق بهذا الشكل يعني أنهم جميعًا بذلوا كل ما يستطيعونه. كل يومٍ في موقع التصوير شكَّل حالةً خاصّة جدًّا بالنسبة لي، سماع كل هؤلاء يغنّون، لا أعتقد أنني سأحظى بتجربةٍ كهذه بعد الآن”~ تيم برتون.

حقائق قد لا تعرفها عن Sweeney Todd (الجزء الأول)

كسب أصله شغف تيم برتون قبل أن يُدرك أنه سيكون من أروع صانعي أحلامنا، سادس تعاون بينه وبين جوني ديب وآخر روائعهما حتى الآن، فيه أفضل أداءٍ لنجمه، والنسخة السينمائية الوحيدة من مسرحيات ستيفين سوندهايم التي نالت رضاه، Sweeney Todd : The Demon Barber of Fleet وقصة صنعه.

منذ ظهور شخصية سويني تود في أحد قصص الرعب الرخيصة التي انتشرت في أواسط القرن التاسع عشر حققت شعبيةً ونجاحًا استثنائيين، وبنيت عليها مسرحياتٌ ورقصاتٌ ومقطوعاتٌ موسيقيةٌ وقصصٌ مصورةٌ وأفلام، لكن المرة الأولى التي مُنحت فيها دوافعًا تبث فيها ملامحًا إنسانية وقلبًا وروحًا كانت في مسرحية كريستوفر بوند التي كتبها عام 1973، والتي بنى عليها ستيفين سوندهايم وهيو ويلر مسرحيتهم الموسيقية عام 1979 والتي كانت المسؤولة عن أكبر شهرة حققها الحلّاق السّفّاح حتى تاريخها، بـ557 عرض من بطولة أنجيلا لانزبري ولين كاريو.

وطبعًا منذ صدور تلك المسرحية أصبحت محط أنظار العديد من السينمائيين نجومًا ومخرجين، فمر دور سويني تود على ويليام هارت، مايكل دوغلاس، هاريسون فورد، داستن هوفمان، روبرت دي نيرو، آل باتشينو، ريتشارد دريفوس، جين هاكمان، روبرت ريدفورد، جاك نيكلسون، ستيف مارتن، تيم كاري، كيفين كلاين، ووارين بيتي من بين آخرين دون أن يتمكّن أيُّ مشروعٍ تضمن أحد هؤلاء من إكمال طريقه إلى البدء بالإنتاج.

حينها كان تيم برتون الطالب في معهد كاليفورنيا للفنون لا يحمل خططًا واضحة للمستقبل ولا يعلم ما قد يكونه، لكنه كان يعلم تمامًا أنه لم يشاهد في حياته شيئًا كهذه المسرحية التي حضر ثلاث عروضٍ متتاليةٍ لها، وعندما بدأ مسيرته كمخرج في أواخر الثمانينيات قدَّم لـ ستيفين سوندهايم رؤيته لكيفية تحويلها إلى فيلم، لكنه لسببٍ ما انصرف لصناعة أعمال أخرى، وكاد سام مينديز أن يسبقه إلى النسخة السينمائية الأولى وبالفعل في 2003 طُلب من سوندهايم كتابة نص سينمائي عن مسرحيته لفيلمٍ سيُخرجه مينديز ويقوم ببطولته راسل كرو، ليرفض ويمنحهم عوضًا عن ذلك موافقته على أن يقوم جون لوغان بالمهمة بشرط أن لا ينضم ممثلٌ قبل أن ينال موافقته، لكن المشروع فقد اهتمام مينديز بعد مروره بصعوباتٍ عديدة ووقوع نص “Jarhead” بين يديه ليصبح مشروعه القادم.

وكان هذا من حظ برتون الذي لم يستطع الحصول على تمويلٍ كافٍ لصنع “Ripley’s Believe It or Not” في هذه الأثناء فقرر الانضمام إلى لوغان، وبدأ كلاهما العمل على بناء رؤية مشتركة سرعان ما تم الوصول إليها بفضل انسجامٍ خلقته ذكريات مشتركة متعلقة بأعمالٍ ذات حالة وأجواء مشابهة كإنتاجات شركة “Amicus” البريطانية، مما جعل اختياراتهم لما سيبقى في الفيلم وما لن يصل إلى الشاشة من المسرحية تنال رضا حتى سوندهايم المتعصب لأعماله، كعدم تضمين مشاهد لأرواح ضحايا سويني تود وأغانيهم.

عن اختيار جوني ديب، هيلينا بونام كارتر، ساشا بارون كوهين، وجين وايزنر ومن أوشكوا على الفوز بأدوارهم، طرق تحضير كلٍّ من هؤلاء لدوره، اختيار قائد أوركسترا الفيلم، خيارات مواقع التصوير وما تم وما أوشك أن يتم منها والسبب، رؤية برتون لدموية الفيلم ونتائجها، وانطباع برتون عن تجربته في صناعة الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Sweeney Todd : The Demon Barber of Fleet .

Before the Devil Knows You’re Dead

“دقيقٌ كالشفرة!”

السنة 2007
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج سيدني لوميت
المدة 117 دقيقة (ساعة و57 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العري والمشاهد الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.3

بعد مضي خمسين عامًا على صدور “12Angry Men” أحد أروع الأفلام الأولى لمخرجين في التاريخ، والتغيرات التي طرأت على السينما وجمهورها خلالها، أتى صانعه بهذا الفيلم، كدرسٍ أخير في صناعة السينما، من الأستاذ سيدني لوميت.

آندي (فيليب سايمور هوفمان) وهانك (إيثان هوك) أخوين يواجه كلٌّ منهما مشاكل حياتية مصيرية لا يحلها إلا مالٌ لا يملكونه ولا يمكن أن يكسبوا مثله في وقتٍ قريب، فيلجآن لأقصر طريق، سرقة محل مجوهرات، لكن أمرًا يقع يجعله أطول طريقٍ على الإطلاق.

كتب كيلي ماترسون نص الفيلم، نصه السينمائي الأول، ببنيةٍ سردية متشابكة وعديدة الخيوط، تزيد خطورة التعامل معها مع كل خطوة، لكن ماترسون لا يتفادى خطرها فقط، بل ويحيلها نقطة قوة بسيطرته الكاملة على الخطوط الزمنية لأحداثه المتشابك ماضيها مع حاضرها، يثبت ذلك بناء الشخصيات المتشظي والمتوازي مع تطورها بشكلٍ يزيد حدة الإثارة، ويجعل كل حدثٍ إضافةً محسوسةً تزيد اهتمامنا بما سبقه وما يليه، مع حوارات متقنة تأتي يمعظمها كنتيجةٍ في محلها لا كسبب.

إخراج العملاق ذو التاريخ المبهر سيدني لوميت وائقٌ مهيب، إيقاعٌ مشدودٌ ومضبوطٌ يحمل دومًا الهدوء الذي يسبق العاصفة، حتى يصعب تمييزه عن العاصفة ذاتها، لا تبدأ لقطةٌ ولا تنتهي إلا في اللحظة المناسبة، لا يمضي انتقالٌ دون أثرٍ صاحب ما قبله ولا يقبل أن يخبو بما بعده بل يزيده عمقًا، مع حركة كاميرته السلسلة المدروسة التي يصاحب كل اقترابٍ لها من أبطاله وكل ابتعاد زيادةٌ في قوة الرابط بين المشاهد ومن وما على الشاشة، وإدارةٌ لممثليه هي ذاتها التي صقلت موهبة آل باتشينو، أكسبت ستةً من أبطال فيلمه “Network” ترشيحًا للأوسكار، ليناله ثلاثةٌ منهم وتكون المرة الثانية والأخيرة حتى الآن التي ينال فيها فيلمٌ واحد ثلاثة أوسكارات تمثيلية، إدارةٌ مرت على هنري فوندا، كاثرين هيبورن، مارلون براندو، ريتشارد برتون، بول نيومان، شون كونري، إنجريد بيرجمان، لورين باكال، فانيسا ريدغريف، آلبرت فيني، وحتى فيليب سايمور هوفمان هنا.

أداءات رائعة لا تنتهي سلطتها على من يختبر دواخل أصحابها بانتهاء الفيلم من فيليب سايمور هوفمان وآلبرت فيني، خاصةً بتقديم كلٍّ منهما لمشهدٍ واحدٍ للذكرى على الأقل، ولا يكتفيان حتى بالسلطة الحسية، بل ويحرصان على استغلالها في رفع حدة الإثارة وانتباه حواس المشاهد، أداء ممتاز من إيثان هوك قادر على إثبات وجوده حتى في المشاهد التي تجمعه مع هوفمان، مع أداءات جيدة جدًّا من باقي فريق العمل وخاصةً ماريسا تومي، تصوير ممتاز من رون فورتوناتو، وموسيقى ذكية تليق بالغنى الذي تصاحبه من كارتر برويل.

حاز على 27 جائزة أهمها فيلم العام من معهد الفيلم الأمريكي، ورشح لـ17 أخرى أهمها أفضل ممثلة مساعدة (ماريسا تومي)، وأفضل نص أول في مهرجان الروح المستقلة.

تريلر الفيلم:

حقائق قد لا تعرفها عن Into the Wild

كان ملهمًا لتغييرٍ جذري في حياة الكثير من الناس لدرجة أن مئاتًا من عشاقه خاطروا بحياتهم ليصلوا إلى حيث استقرَّ بطله، ومنهم من فقدوا بالفعل حياتهم في مواجهة أخطار الرحلة،  لتصبح الحياة الجديدة التي بدؤوها بها أقرب إلى نهايتها مما تخيلوا، فماذا سبق صدور الفيلم الذي ملك كل ذاك الأثر المستمر حتى اليوم؟

في عام 1996 صدر كتاب “Into the Wild” لـ جون كراكور، راويًا القصة الحقيقية للشاب كريستوفر ماكاندليس صاحب الرحلة الملحمية الشهيرة إلى ألاسكا، ليجذب على الفور اهتمام شون بين الذي نال ترشيحه الأوسكاري الأول وقتها عن Dead Man Walking، ويقرر أن يقوم بإخراج عملٍ مستندٍ إلى تلك القصة، لكن قراره وحده لا يكفي، و10 سنينٍ كانت المدة التي انتظرها حتى يحصل على موافقة أصحاب العلاقة.

خلال تلك السنين أصبح من المستحيل أن يقوم النجوم الذين حلم بأن يكونوا نجوم عمله بالأدوار التي أرادهم لها، ليوناردو ديكابريو أصبح أكبر مما يجب أن يكونه ماكاندليس بقرابة عقدٍ من الزمن، وبالطبع أغلى أجرًا من ميزانية الفيلم كاملةً، كما أن مارلون براندو قد توفي، نعم كان براندو هو من أراده بين لدور رون فرانز الذي قام به هال هولبروك في النهاية ونال عنه ترشيحه الوحيد للأوسكار حتى الآن.

واستمر البحث عن ماكاندليس مناسب حتى بعد ترشيح شيا لابوف للدور، وفي عرضٍ خاص لفيلم “Lords of Dogtown” لـ كاثرين هاردويك أقامته من أجل شون بين آملةً بأن يساعدها في إيجاد تمويل لمشاريعها القادمة، لفت انتباهه إيميل هيرش الذي شارك في بطولة فيلمها، وطلبه على الهاتف على الفور محدثًا إياه بشأن الرواية وطالبًا منه أن يقرأها، وبعد عدة لقاءات تمت خلال أربع شهور أنهى بين كتابة المسودة الأولى لنص الفيلم وأيقن أن هيرش هو ماكاندليس الذي ينشد.

بينما كان أداء كريستين ستيوارت لأغنية “Black bird” للبيتلز هو ما جعل كفتها ترجح على كفة ديفي تشيز، آمبر هيرد، وإيفان راتشيل وود لتفوز بدور تريسي تاترو، وكان اقتراحٌ عابر من هيرش لـ برايان هـ. ديركر المشرف على تدريبه على الطوف لدور ريني هو طريق دريكر لدوره السينمائي الأول، وطريق شخصية ريني إلى الشاشة.

حميةٌ قاسية لخسارة 20 كيلوغرامًا، القيام بكل المشاهد الخطرة دون الاستعانة بدوبلير، والسباحة في مياه متجمدة كانت بعض الأمور التي قام بها هيرش لولعه بالدور وإيمانه بالشخصية، ولم يكن الوحيد الذي ملك إخلاصًا مماثلًا لنقل التجربة بكل ما أمكن من صدق، فقد قام فريق العمل بأربع رحلاتٍ إلى ألاسكا كل رحلةٍ في واحدٍ من فصول السنة يجري خلالها تصوير المشاهد التي تجري في ذاك الفصل، كما تم بناء موقعٍ مطابق للموقع الحقيقي الشهير للحافلة، والاستعانة ببعضٍ ممن عايشوا الأحداث الحقيقية ليعيدوا القيام بأدوارهم فيها، كل هذا ساهم في منح ماكاندليس المكان الذي استحقه على الشاشة الفضية وفي قلوبنا، وفي جعلنا ننظر للدنيا بشكلٍ مختلف.

.

فيما يلي حرق لأهم أحداث الفيلم:

.

.

أثر وفاة ماكاندليس المأساوية على عائلته كان أكبر من أن يوافقوا على تحويله لرمزٍ سينمائي كان هجره لعائلته أحد أهم أسباب كونه ذاك الرمز، لكن لحسن الحظ استطاعوا التصالح مع الأمر جزئيًّا بعد قرابة عقد ونصف من الحادثة، واحترامًا لهم لم يقم بين بالتصوير في موقع الحافلة الحقيقي وقام ببناء موقعٍ مطابقٍ له.

صورة ماكاندليس الحقيقي بجانب حافلته:

Into the Wild1