أرشيف الوسم: أفلام عام 2009

حقائق قد لا تعرفها عن Mr. Nobody (الجزء الثاني)

عن رحلة النص حتى إيجاد التمويل وحيث وجده والسبب والنتيجة، دور دورميل في اختيار النجوم ومن اختارهم والسبب وحديثه عن تجربته مع كلٍّ منهم، فترة العمل على الفيلم وسببها وأثرها في كمال عناصره، ومصادر بعض الخيارات البصريّة للفيلم من الذّاكرة ومن طبيعة ما اختيرت له سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Mr. Nobody

بعد أن انتهت سنوات الكتابة الستّة مُنتجةً البنية ذاتها التي شاهدناها في الفيلم النهائي بكل قطعٍ وانتقال، قام دورميل بطباعة ونشر نصه، ربّما ليضمن أن لا يطويه النسيان إن لم يستطع الحصول على التمويل اللازم لصنعه كونه تجريبي ويتطلب ميزانية غير مسبوقة لإنتاج بلجيكي، مُحرّمتَين في وقتٍ واحد، مما بدأ ست سنواتٍ أخرى في البحث عن مموّل انتهت بمفاجأةٍ سارّة بفضل المنتج فيليب غودو الذي كان المسؤول عن التفاهم مع الشركات، ففي حين لا يمُكن الحصول على موافقة لمنح ميزانيّة كبيرة لفيلم دون التأكُّد من امتلاكه نجومَ شُبّاك، تمت الموافقة على ما يطلبه دورميل قبل اختيار ممثّليه رغم كونه لم يصنع أكثر من فيلمين روائيَّين من قبل، لكنهما كانا كافيَين لضمان تميُّز رؤيته واستحقاقها لمغامرةٍ كهذه.

ومن شركات كـ “Wild Bunch” التي أنتجت البرازيلي”City of God” والأمريكي “The Wrestler” والياباني “The Red Turtle” المرشّحين للأوسكار، والفرنسي “Blue is the Warmest Color” والبريطاني”I, Daniel Blake” الفائزَين بسعفة كانّ الذهبيّة. و”Pathé” التي أنتجت الأمريكي المرشّح للأوسكار “127 Hours” والإيطالي الفائز به “The Great Beauty”. وتكفّلتا بنصف ميزانيّة الفيلم بينما تكفّلت ممولة فيلمه السابق “Pan Européenne” بالنصف المتبقّي.

أما اختيار النجوم فتولاه دورميل وحده كون أحد أسبابه لكتابة النص بالانكليزيّة رغبته بالعمل مع بعض الناطقين باللغة. “أعتقد أن جاريد كان حقًّا الشخص المثالي للدّور كونه ممثّلٌ يهوى التحوُّل بين دورٍ وآخر. يحبّ تقديم شخصيّاتٍ بعيدةً كل البعد عن نفسه. عندما أدركت أن في مسيرته ثلاثةُ أفلامٍ شاهدتها ولم أميّز أنه كان هو نفسه في كلٍّ منها، تأكدتُ أنه سيكون الممثل الأفضل لتقديم تسع نسخ مختلفة من نيمو في تسع حيوات مختلفة”، هكذا وصف دورميل سعادته بأنه أحسن الاختيار.

وممن أراد العمل معهم إيفا غرين وديان كروغر وسارة بّولي، وفي حين لم تستطع غرين التي أرادها لدور آنا تلبية طلبه، كروغر وبّولي انضمّتا لفيلمه. “سارة كانت أول من خطر في بالي لدور إليز، وقد وافقت على الفور. في أول لقاءٍ بيننا سألتُها: ‘هل يمكنكِ أن تبكي لأسبوعَين في السرير دون عناء؟’، فقالت: ‘لا مشكلة! أستطيع البكاء والتوقف حسب الحاجة’. وهذا كان حقيقيًّا بالفعل. كانت تقول: ‘امنحني عشر ثوانٍ وسأدخل في الشخصية’، وبعد عشر ثوانٍ تنهار دموعها، ولحظة توقف الكاميرا تجدها تضحك مع الجميع. إنّها ممثلة رائعة”، “ديان كانت تؤدي دورًا بعيدًا عن ما تقدمه عادةً. ما قامت به على أحسن وجه كان إعادة اكتشاف حب طفلين وجعله بقوة الحب الأول”.

واضحٌ ان كل شيء سار حسبما تمنى دورميل. حتى وإن كان وقت العمل أطول بكثير من المعتاد، فالتّصوير وحده استغرق ستة أشهر، متبوعةً بسنة ونصف في المونتاج وإضافة المؤثرات البصرية. مما يعني أنه لم يضطر للتعجُّل واستطاع الوصول إلى أقرب ما يمكن لصورة الفيلم في خياله، استطاع بناء المواقع بتباينها الشكلي واللوني لكل حياة في فيلمه ورسم حركة الكاميرا الخاصّة بظروف كل حياة، أمورٌ أكّدها بنفسه.

كمثال على التباين اللوني نجد في طفولة نيمو ثلاثة فتيات يجلسن على مقعد هُنّ زوجاته المستقبليّات، جين مرتديةً الأصفر لون الغِنى، وهي التي يعيش معها حياةً مادّيّة. ثم إليز التي يعيش معها حالة الاكتئاب مرتديةً الأزرق. وأخيرًا آنا، معها الحب والشغف الكبيرَين، مرتديةً الأحمر. والصورة كاملة آتيةٌ من طفولة دورميل في ألمانيا حين كانت ثلاث فتيات يجلسن مقابل بيته بشكل متكرر، ترتدين الزي ذاته لكن بألوان مختلفة، وكانت أسماؤهن أنابيلا، إيزابيلا، وفلورابيلا. صورةٌ لم تغادر خياله وحرص هنا على ألا تغادر خيالنا.

كما حرص على أن تملك هذه الكلمات: “لا أعلم المستقبل، لذلك لا أستطيع اتخاذ قرار. الآن وقد علمت المستقبل، لا زلت عاجزًا عن اتخاذ قرار” مكانها الخاص في ذاكرتنا.

حقائق قد لا تعرفها عن Mr. Nobody (الجزء الأول)

أول فيلم يصدر لمخرجه خلال أكثر من 13 عامًا من آخر أفلامه. أضخم إنتاج بلجيكي في التاريخ وتمت الموافقة على ميزانيّته قبل حتى انضمام أي نجومٍ إليه فقط للثقة بمخرجه وروعة نصه. قوبل بوقفة تقدير وتصفيق لعشر دقائق بعد عرضه الأوّل في مهرجان البندقيّة حيث رشّح للأسد الذهبيّ. دخل قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأفضل الأفلام الأوروبية في عامه. انتظر أربع سنواتٍ ريثما يصل إلى شاشاتٍ أجنبيّة، ليُصبح كلاسّيكيّةً شعبيّة يتسع جمهورها كلما وصلت لبلدٍ جديد. Mr. Nobody وقصة صنعه.

من أبرز الأفلام المستكشفة للحيوات الموازية “Blind Chance” لـ كريستوف كيشلوفسكي الصادر عام 1987 ونسخته الأمريكية غير الرسمية “Sliding Doors” لـ بيتر هويت، و”Run Lola Run” لـ توم تايكفر الصادر عام 1998، أفلامٌ شكّلت مصادر استلهام للبلجيكي جاكو فان دورميل حين بدأ عملية كتاب نص هذا الفيلم الطويلة، لكن البذرة الحقيقية كانت في فيلمٍ قصير صنعه عام 1982 بعنوان “È pericoloso sporgersi”.

“نقطة بدايتي كانت فيلمًا قصيرًا بطول 12 دقيقة صنعته عام 1982 يُسمّى È pericoloso sporgersi. ويجري فيه طفلٌ وراء قطار وأمامه خيارَين، إما الذهاب مع أبيه أو البقاء مع أمه. من هنا نتابع المستقبلَين المحتملَين. عدت إليه مرةً بجعل البطل امرأةً وخيار أن تصعد أو لا تصعد على متن القطار. ثم صدر Sliding Doors لـ بيتر هويت، متبوعًا بـ Run Lola Run لـ توم تايكفر. كان عليّ إيجاد شيءٍ آخر، وحينها أدركت أن القصة التي أريد روايتها ليست مجرّد ثنائيّة، وأنني كنت مهتمًّا وقبل كل شيء بتعددية وتعقيد الخيارات. مع هذا النص أردت للمشاهد أن يحس بما تعنيه لا نهائية الاحتمالات، والأبعد من ذلك أنني أردت إيجاد طريقةٍ أخرى لرواية قصة. أردت نظرة الصبيّ لمستقبله أن تقابل نظرة العجوز الذي أصبحه لماضيه. أردتُ أن أتحدث عن تعقيد الأمر عن طريق السينما، والتي هي وسيلةٌ تبسيطيّة. ففي حين الواقع حولنا أكثر فأكثر تعقيدًا، نجد المعلومات في السينما أكثر إيجازًا، والخطب السياسيّة أكثر بساطةً. ما يثيرني هو التعقيد، لا الإجابات السهلة، والتي قد تكون مطمئنة ومريحة، لكن خطأها محتوم”.

هكذا وصف دورميل بدايات عمله وغاياته، والتي استغرق ست سنواتٍ في الكتابة ريثما وصل إليها. دارسًا خلالها الزمكان. نظرية الأوتار التي تفترض أن للكون 26 بعدًا ملتفّة على نفسها اختُصرت لعشرة، وأنه ليس وحيدًا بل جزء من عدة عوالم متصلة ببعضها بحيث يمكن أن يشغل الحيز الواحد أكثر من جسم لكن كل واحدٍ منها من عالم.

كما درس نظرية الفوضى التي تستكشف النظام الخفي وراء العشوائيّة. نظرية تأثير الفراشة التي هي أبرز محاولات الكشف عن ذاك النظام الخفي. تجربة سكينر حول تشكيل الخرافة لفهم ربط الناس لوقوع أمور خارجة عن إرادتهم بطقوس معيّنة يمارسونها، والتي تستنتج أن الأمر عائدٌ لكون تصرفٍ ما كانوا يقومون به تزامن مع وقوع تلك الأمور لمرةٍ أو أكثر جعلهم يؤمنون أن له دورًا في وقوعها. وأخيرًا نظرية الانسحاق الشديد المعاكسة للانفجار العظيم، والتي تفرض أن التوسع الحاصل للكون بسبب طاقة الانفجار العظيم ستتبدّد وتنتهي بعد مدة من الزمان وستبدأ طاقة الجذب المركزية في لملمة أطراف الكون إلى أن يعود كتلة واحدة صغيرة في الحجم عالية الكثافة والكتلة.

.

.

فيما يلي حرق لنهاية الفيلم:

.

.

.

أما النظريات الأربع الأولى فكان مركزها مدى افتقار البشر كأفراد للقدرة على التحكّم بمجريات الأمور، لذلك نجد نيمو عرضةً لهوى القدر، وكثيرًا ما يغطس في الماء حيث يُجرّد الإنسان من قدراته. بينما أفاد من النظرية الأخيرة في نهاية الفيلم، حين نجد العالم على حافّة الفوضى المطلقة، فينتهي توسّع الكون، ويتوقّف الوقت ثم يبدأ بالانعكاس حتى يختار نيمو ألّا يختار وينطلق إلى المجهول.

عن رحلة النص حتى إيجاد التمويل وحيث وجده والسبب والنتيجة، دور دورميل في اختيار النجوم ومن اختارهم والسبب وحديثه عن تجربته مع كلٍّ منهم، فترة العمل على الفيلم وسببها وأثرها في كمال عناصره، ومصادر بعض الخيارات البصريّة للفيلم من الذّاكرة ومن طبيعة ما اختيرت له سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Mr. Nobody

Fish Tank

“الأمر كلُّه بدأ بصورة”

السنة 2009
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج أندريا أرنولد
المدة 123 دقيقة (ساعتين)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية
الإرشاد العائلي (أميركي)  Not Rated
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.3

“كل أفلامي بدأت بصورة، وهي غالبًا صورة قويّة جدًّا يبدو أنها آتيةٌ من المجهول. لا أفهمها في البداية، لكنني أرغب بمعرفة معلوماتٍ أكثر عنها فأبدأ باستكشافها، أحاول معرفة ماهيتها وما تعنيه. هكذا دائمًا أبدأ الكتابة”. بهذا وصفت البريطانية أندريا أرنولد التي أصبحت من منتظمي الحضور في كانّ والبافتا منهجيتها في العمل، والتي جمعت هنا ممثّلًا بوزن مايكل فاسبندر مع صاحبة الظهور الأول كيتي جارفيس لتحيل الصورة التي بدأت فيلمها إلى لوحة صادقة أخرى تحمل اسم أرنولد.

لمحة عن قصة Fish Tank
ميا
(كيتي جارفيس) فتاةٌ في الخامسة عشر من عمرها، ليس حولها الكثيرين من الأصدقاء أو الأقارب الذين تستطيع الحديث معهم دون صراخ، تُفاجأ ذات صباح بـ كونور (مايكل فاسبندر) الخليل الجديد لأمها ذو الجاذبية التي يصعب عدم ملاحظتها خاصةً حين يدعمها لطف التعامل والاستيعاب، مما يدخل تغييراتٍ على حياتها أكثر مما توقعته من مجرد خليل أمها الجديد.

كتبت أندريا أرنولد نص الفيلم، بشخصيات واقعية لا جديد فيها ولا مميز، لكن في تفاعلاتها والطريق إلى تلك التفاعلات ونتائجها كل التميُّز، في أغلب الأحيان، خاصةً تداعياتها على بطلتها التي تجعل تفاصيل اللوحة التي ترسمها لغزو النضج ملامح المراهقة أكثر تأثيرًا.

إخراج أندريا أرنولد يرصد خيوط التواصل بين بطلتها ومن وما حولها مهما بلغت من الضعف والقوة، أو الشدة والارتخاء، بفضولٍ وشغف، تبدو العملية كالتي ذكرَتها حين تتبادر الصورة الأولى من عملها المستقبلي إلى مخيلتها، استكشاف للتّفاصيل لفهمٍ أكبر، ومع اختيار عبقري لبطلتها وحسن تقدير نتائجه تصبح العملية أكثر متعةً وأكبر أثرًا.

أداء ممتاز مليء بالطاقة والحيوية من كيتي جارفيس ينقل حالتها وتضارب مشاعرها، أداء اعتيادي الجودة الاستثنائية وجاذبية الحضور من مايكل فاسبندر، مع أداءات جيدة من باقي فريق العمل، تصوير يجعل من غير المستغرب على الإطلاق جعل أرنولد مبدعه روبي رايان رفيقها الدائم، بحساسيته الكبيرة لجماليات الإضاءة الطبيعية التي تضيف للواقعية، وموسيقى مناسبة من فونسو مارتن.

حاز على 20 جائزة أهمها جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كانّ، ورُشّح لـ28 أخرى أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كانّ.

تريلر Fish Tank

حقائق قد لا تعرفها عن Up (الجزء الثاني)

مصادر استلهام شخصية تشارلز مانتز، المنزل الطائر، عبارة: “للتو قابلتك، وأنا أحبك”، انضمام جوردان ناغاي مؤدّيًا لصوت راسل، لمسات بيكسارية في ملامح أعمالٍ سابقة ولاحقة موزعة هنا وهناك، متوالية الزواج، وأثر الفيلم في جمهور مهرجان كانّ سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Up

أما شخصية تشارلز مانتز فقد كسبت اسمها من تشارلز مينتز، المدير التنفيذي لشركة “Universal Pictures” والذي سرق حقوق والت ديزني للمسلسل الكارتوني الناجح “Oswald the Lucky Rabbit”، مما دفعه لابتكار شخصية “Mickey Mouse” التي سرعان ما تفوقت على المسروقة. وكسبت رسمها وبعض صفاتها من المخرج والمنتج والطيار هاوارد هيوز، والممثل إيرول فلين.

حتى المنزل استُلهم من منزل امرأة تُدعى إديت ماكفيلد، ساكنة إحدى ضواحي سياتل والتي حاربت متعهدي البناء حتى انتصرت وما زال بيتها الصغير قائمًا في مركز مشروع عمراني حديث. وعبارة: “للتو قابلتك، وأنا أحبك” كان مصدرها شفاه طفلٍ تركتها في ذاكرة بيترسون منذ مشاركته في معسكر تخييم في الثمانينات.

ولتُستكمل تلك الروح التي وجدت لكل فرعٍ جذورًا في الواقع، انضم لفريق الفيلم لأول مرة آسيويٌّ أمريكيّ لأداء صوت شخصية آسيويّة أمريكية، وبصدفة. فحين تقدم هانتر ناغاي لتجربة الأداء لصوت راسل من بين 400 آخرين أحضر معه أخاه الصغير جوردان، والذي لا سبيل لإسكاته فور منحه فرصة الكلام، “بمجرد ما ظهر صوت جوردان بدأنا بالابتسام لأنه جذّاب، بريء، قريب إلى القلب، ومختلف عما كنت أفكر به”، هكذا وصف دوكتر دخول الصغير إلى دائرة الاحتمالات متفوقًا على أخيه.

لكن طبعًا لن يتحدث دوكتر عن احتفاءات بيكسر بأعمالها وتلميحاتها للقادم تاركًا ذلك للمتابعين المخلصين، الذين سيبتهجون بذكريات “A Bug’s Life” حين يرون الشجرة التي كانت في الفيلم ذاتها وقد ظللت كارل وإيلي في نزهتهما في بداية الفيلم، وذكريات “Toy Story” حين يرون فتاةً تلعب بطائرةٍ كانت في الفيلم، يمر أمام نافذتها المنزل الطائر في أولى لحظات إقلاعه، مع احتفاظهم بصورة الدب الصغير في غرفة الفتاة ذاتها في ذاكرتهم لتلاقيهم في الفيلم القادم: “Toy Story 3”.

أما ما لن يتطلب متابعًا مخلصًا، ولا حتى محبًّا لأفلام الأنيميشن، فمتوالية الزواج في بداية الفيلم، والتي حتى حين كانت على الستوري بورد أبكت فريق العمل، وكانت المؤسس للقاعدة الحسية التي بُنيت عليها رحلةٌ جعلت القائمين على مهرجان كانّ يختارون Up تحديدًا ليكون أوّل فيلم رسومي وأول فيلم ثلاثي الأبعاد يفتتح المهرجان، ومن الواضح أنهم لم يندموا، فبعد الصمت الذي ساد لحظة انتهاء الفيلم، ارتفعت يدا تيلدا سوينتون لتكسر ذاك الصمت بتصفيقٍ سُرعان ما تردد صداه في أيدي كل من حولها وتحول إلى وقفة تقدير.

حقائق قد لا تعرفها عن Up (الجزء الأول)

أول فيلم أنيميشن في التاريخ والوحيد حتى الآن الذي يتم ترشيحه لأوسكاريّ أفضل فيلم وأفضل فيلم أنيميشن، اختير لافتتاح مهرجان كانّ في سابقةٍ تاريخيّة سواءً لفيلم أنيميشن أو لفيلم ثلاثي الأبعاد، صاحب تاسع موسيقى تصويرية لأي فيلم والثالثة لفيلم أنيميشن التي تفوز بالـ غرامي، الكرة الذهبية، والأوسكار، وصاحب أشهر قطعة مونتاجية للحب والزمن والتي أبكت صناعه قبل مشاهديه، Up وقصة صنعه.

في عام 2004 كان بّيت دوكتر قد تزوج وأنجب وقدم فيلمه الأول كمخرج “Monsters Inc” الذي حقق نجاحًا استثنائيًّا، وهذه التغييرات الكبيرة أتت جميعها في أربع سنوات، موسعةً دوائره الاجتماعية بسرعة غير محببة ومكثفة لضغط لا يناسب صفاء الذهن الذي يحتاجه لمسيرته. فمرت في ذهنه بالنتيجة فكرة بيت طافٍ يأخذه بعيدًا عن كل الضغوطات، وذهب بها إلى الكاتب وفنان الستوري بورد بوب بيترسون، والكاتب والمخرج والممثل توم ماكّارثي، ليعمل الثلاثة على تطوير الفكرة لثلاثة أشهر.

حدثت خلالها تغيراتٍ جوهرية على الأفكار الأولية، فبدأ الأمر بقصرٍ طافٍ يتنافس فيه أميرين على عرش والدهما، وبعد نزولهما إلى الأرض يقابلان طائرًا طويلًا يساعدهما على أن يفهم كلٌّ منهما الآخر. ثم اقترح دوكتر أن تكون البطولة لعجوزٍ رسمه ورسم حوله بالوناتٍ مبتسمة، ليوافقه ماكّارثي وبيترسون لكون كثرة وتنوع تجارب بطلٍ كهذا وأثرها عليه وعلى تعامله مع الناس سيكون مصدرًا غنيًّا للكوميديا، ثم أضاف للعجوز طفلًا، وجعل المنزل الطائر الذي يقلهما يحط على سفينة جاسوسية روسية متنكرة بهيئة غيمة، ثم أدخل الطائر الذي كان في أول مقترح وجعله يضع بيضًا فيه إكسير الشباب ليفسر فجوة العمر بين كارل ومونتز.

لكن في النهاية تم التخلي عن سفينة الجاسوسية لمشابهتها لفكرة أخرى يتم العمل عليها في بّيكسار، كما تم التخلي عن خط إكسير الشباب الثانوي في الحبكة لما سينتج عنه من تشويش لا داعي له، وأُبقي على العجوز والطفل ليتم الانطلاق من علاقتهما، العجوز الباحث عن سبيلٍ لملاقاة زوجته في الحياة الأخرى، والطفل الذي سيخلق مرونةً تنجي العجوز من تعصبه لأساليبه. مستلهمين من “Casablanca” لـ مايكل كرتيز، و”A Christmas Carol” لـ تشارلز ديكنز لارتباطهما الوثيق بثيمة الرجل المعاني من فقدٍ كبير، والذي يعيد اكتشافه لغاية.

والمتأثرة بعلاقة دوكتر بكبار ديزني: فرانك توماس، أولي جونستون، وجو غرانت، خاصةً في الفترة التي لازمهم فيها في بدايته محاولًا التعلم منهم قدر المستطاع ومعرفة تفاصيل تجاربهم. ولم يتوقف أمر تأثر الكتّاب بمن يحبون هنا طبعًا، فقد تم استلهام شكل وطبائع شخصية كارل من سبنسر تريسي، والتر ماثيو، جيمس وايتمور، ومختارات من كل جدٍّ لأحدهم. “هناك أمرٌ لطيف بخصوص هؤلاء العجائز قليلي الصبر، بامتلاكهم سحرًا خاصًّا وما يشبه رخصة لقول ما لا يستطيع غيرهم قوله والنجاة بذلك. كما حين نذهب مع جو غرانت إلى مطعم ويخاطب النادلة بقوله: ‘عزيزتي’. أتمنى لو أستطيع مناداتها عزيزتي”، هكذا علق دوكتر والمنتج جوناس ريفيرا على جاذبية شخصيات العجائز.

مصادر استلهام شخصية تشارلز مانتز، المنزل الطائر، عبارة: “للتو قابلتك، وأنا أحبك”، انضمام جوردان ناغاي مؤدّيًا لصوت راسل، لمسات بيكسارية في ملامح أعمالٍ سابقة ولاحقة موزعة هنا وهناك، متوالية الزواج، وأثر الفيلم في جمهور مهرجان كانّ سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Up

Watchmen

“ليس الرب من يجعل العالم بهذا الشكل. نحن من نفعل”

السنة 2009
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج زاك سنايدر
المدة 215 دقيقة (ثلاث ساعات و35 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العري والمشاهد الجنسية والعنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.6

“إن Watchmen كالموسيقى التي تشعر أنها أُلّفت لك. “هذه أغنيتي، لا أحد يفهمها إلا أنا”. لهذا قاعدته الجماهيرية متعصبة جدًّا، لأنهم يأخذونه على محمل شخصي. الفرق بين Watchmen والقصص المصورة المعتادة هو أن تلك القصص تنقلك إلى عالمٍ حيث يمكن فهم وجود بطلها، بينما Watchmen يعالج الأمر بطريقة أخرى، هو تقريبًا يفرض أبطاله على عالمك، مما يغير كيفية رؤيتك لهذا العالم. هنا عبقرية الكتاب، وهذا ما حاولنا فعله في الفيلم”، وهذا ما نجح فيه زاك سنايدر صاحب هذه الكلمات ومخرج هذه الرائعة.

لمحة عن قصة Watchmen
مضى الآن ست سنوات على صدور القانون الذي وضع نهاية لمغامرات الأبطال المقنّعين، والذين شكّلوا فريقهم الرسمي الأول عام 1939 وملكوا تأثيرًا كبيرًا على مجريات التاريخ والسياسة العالمية في قرابة النصف قرن التالي، كحرب فييتنام والحرب الباردة التي تقترب بشكل خطير من التحول إلى حرب نووية. لكن رورشاك (جاكي إيرل هايلي) الوحيد بين المقنّعين الذي تابع مسيرته حتى دون دعم القانون يشعر بأن هناك من لم يكفه انحلال الفريق وتوقف نشاطه ويريد تصفية أعضائه، وذلك إثر جريمة قتلٍ استهدفت أحدهم ولا يستطيع القيام بها إلا المالك لقدرات غير عادية.

عن القصة المصورة Watchmen التي كتبها آلان مور (كاتب V for Vendetta أيضًا) وأبدع صورها ديف غيبنز كتب ديفيد هايتر وأليكس تسي نص الفيلم، وبالنظر إلى تاريخ الكاتبَين ومكانة القصة المصورة تميل بشكل تلقائي للاعتقاد بأن مور وتسي هما أكبر مصدرين لاستثنائية النص، لغناه بشخصيات ذات غموض جذّاب، بعيد عن الزيف، ويستحق رحلة استكشاف ما ورائه، والتي تأتي دومًا بما يُضيف لتميز تلك الشخصيات واهتمامنا بقراراتهم ومصائرهم، أمرٌ لا يكون بذات الدرجة من الاهتمام بالنسبة للشخصيات النسائية. وهذا ضمن بُنية مستندة إلى تفاصيل كثيفة مُعتنى بتوزيعها واستعراضها بين الماضي والحاضر، ومتطلبة لحد أدنى من النشاط الذهني خلال المشاهدة قد ينفر منه البعض، في حين سيكون أكبر عامل جذب بالنسبة للبعض الآخر، خاصةً بالحوارات التي تحمل دومًا أسفًا على ماضٍ وألمًا لا يبدو أن مستقبله سيكون أفضل من حاضره، وتوسع مجالَي الرؤية والتفكير واللذَين أصبحا تحت سلطة عالم مور بالكامل.

إخراج زاك سنايدر جريء، مُغامِر، ويشعرك بالحسرة على ما يمكن أن نشاهده منه إن أتيحت له الحريات التي أتيحت له حين صنع هذا الفيلم، حريّاتٌ ما كان لينالها لولا النجاح التجاري المدوّي لفيلمَيه السابقين، ولن ينالها بعد عدم تحقيق Watchmen نجاح سابقّيه في شبّاك التذاكر، وهو أمرٌ طبيعيّ، الكثيرون ليسوا جاهزين لفيلم قصص مصورة بهذه الظلامية، الجدّيّة، والغنى الفكري المتطلّب. صحيحٌ أن محاولات سنايدر للقبض على ما يمكنه من روح الأصل وكثافته واضحة بمستوى التعقيد غير الاعتيادي للسرد، لكنها محاولات ناجحة في الغالبية العظمى إن منحته ما يستحقه من الاهتمام والتركيز، أمرٌ لن تكون لك سلطةٌ عليه في البداية بأسر سنايدر لك بعالمه وفرضه على عالمك، لكنك ستبدأ باسترجاع تلك السلطة بحكم العادة التي تميل لكون الأفلام – أو هذه الأفلام تحديدًا – فقط لتمضية الوقت، مما يجعلك تطلب تسارعًا أكبر ومدة عرضٍ أقصر، طلبٌ لن يُلبّى هنا لحسن الحظ، فـ سنايدر يحترم الأصل، ويجبرك على احترامه، بمونتاج البداية التقديمي العبقريّ بكم ما يضغطه مُعدًّا فيه أساسًا متينًا يبني عليه ما سيأتي، ظلامية الصورة الساحرة والعناية الكبيرة بتفاصيلها، الإيقاع المهيب المضبوط بانتقالات سلسة ومجددة للاهتمام والتركيز بين وجهات النظر، وإدارة واستغلال رائعين لفريق ممثليه يجعل من الصعب جدًّا ذكر أحدهم أمامك بعد المشاهدة رغم طول وكثرة شخصيات الفيلم دون أن تذكره جيّدًا. قد لا يخلو الفيلم من لحظات كشف بين الاعتيادية والتي تتأخر عن تحقيق أثرها المرجو، لكن بوضعها مع الكل يغيب جزءٌ كبير من سلبية أثرها إن وجد.

أداءات ممتازة ومحققة أعلى فائدة من مساحات ظهورها صغرت أو كبرت وخاصةً من باتريك ويلسون وجاكي إيرل هالي، تصوير مُتقن من لاري فونغ، وموسيقى ذات دور مهم في إحاطتك بحالة وأجواء الفيلم من تايلر بيتس.

تريلر Watchmen

حقائق قد لا تعرفها عن Inglourious Basterds (الجزء الثاني)

عن أدوار وينستون تشرتشيل، دوني دونويتز والكولونيل هانس لاندا وكيف وصلوا إلى رود تايلور، إيلي روث وكريستوف فالتز ونتائج ذلك، اقتراب إيزابيل أوبير من الانضمام لهؤلاء، نهج تارانتينو في صناعة الفيلم وتحياته لسينمائيّين راحلين ومعاصرين، ما وصله في الحرص على الحصول على أصدق أداء، والشيء الوحيد الذي لم يستطع الحصول عليه ليكتمل حلمُه سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Inglourious Basterds .

لم تكن كينسكي آخر الأسماء الكبيرة التي أرادها لفيلمه، فقد عرض على إيزابيل أوبير دور مدام ميميو المالكة السابقة للسينما في الفيلم، لكن انشغالها بمشاريع أخرى حال دون ذلك، ليقوم بإلغاء الشخصية من الفيلم كاملًا، وأراد رود تايلور الذي اعتزل التمثيل لدور وينستون تشرتشيل، وقابله شخصيًّا ليخبره تايلور أن كونه سيصور في ألمانيا فالأحرى به أن يطلب من البريطاني الذي قام بالدور سابقًا محقّقًا نجاحًا كبيرًا ألبرت فيني أن ينضم إلى فريق عمله، فقال له تارانتينو: “إن رفض رود تايلور عرضي، سأذهب إلى ألبرت فيني“، فقبل تايلور، بل وعمل على التحضير بحماسٍ جعله يشاهد عشرات الفيديوهات لـ تشرتشيل ليتقن الوقفة ولغة الجسد والنطق مع اللثغة كما يجب.

أما دور دوني دونويتز فقد عُرض بدايةً على آدم ساندلر لكنه كان مشغولًا بعملٍ آخر فتم اختيار إيلي روث، والذي كان مكسبًا كبيرًا للفيلم، فإلى جانب كسبه 35 باوندًا من العضلات وتعلمه الحلاقة تحضيرًا للدور، قام بإخراج الفيلم القصير “Nation’s Pride” الذي يتم عرضه في الفيلم والمؤلف من 5 دقائق ونصف أُعدّت كي تبدو جزءًا من فيلمٍ أكبر، كما شارك عمر دوم تفضيل مصلحة كمال لقطة على حياتهما حين خرجت النيران عن السيطرة في مشهد الحريق فتابعا بشخصيّتيهما حتى انتهت اللقطة كاملةً وتم إنقاذهما، وحسب المسؤولين عن إطفاء الحريق، 15 ثانية إضافية كانت ستقضي عليهما.

كل هؤلاء كانوا ينتظرون شخصًا واحدًا إن لم ينضم إليهم لن تتم صناعة الفيلم، الكولونيل هانس لاندا، فبعد استبعاد ليوناردو ديكابريو الذي كان المُرشّح الأول للدور لأن تارانتينو أراد ممثّلًا مُتقنًا للألمانية، أصبح إيجاد الممثل المناسب شبه مستحيلًا، وبدأ تارانتينو يحس أن الشخصية التي يعتبرها أفضل ما كتب غير قابلة للتمثيل وأن الفيلم لن يخرج إلى النور أبدًا، حتى تقدم النمساوي كريستوف فالتز لتجربة الأداء، وبمجرد انتهائه أدرك تارانتينو والمُنتج لورنس بيندر أنهم وجدوا ضالتهم التي توقفت عليها صناعة الفيلم، وقدم فالتز أداءً تاريخيًّا كُرّم عليه من كانّ إلى الأوسكار، ليصبح واحد من ستة ممثلين وممثلات فقط في تاريخ الأوسكار كُرّموا بالجائزة عن أداءات لشخصيات ناطقة بلغة أجنبية، وأثنى عليه القدير مايكل كين مُعتبرًا إيّاه أفضل أداءٍ للشر رآه منذ سنين.

هكذا جمع تارنتينو عصابته، ومضى يمارس شغفه وجنونه مُكثّفًا التفاصيل التي يُعبّر بها عن عشقه للسينما ولأشخاصٍ معيّنين من أبرز صنّاع مجدها، التفاصيل التي بدأت بأسماء الشخصيات، فـ آلدو رين يأتي من الممثل وجندي الحرب العالمية الثانية آلدو راي، واسم شخصية تشارلز رين في فيلم “Rolling Thunder”، وحتى الاسم الإيطالي “إنزو غورلومي” الذي يتنكر به آلدو آتٍ من اسم المخرج الإيطالي إنزو ج. كاستيلاري صاحب فيلم “The Inglorious Bastards” الذي أوحى عنوانه لـ تارانتينو بعنوان فيلمه.

وفيلهيلم فيكي آتٍ من اسمي رائد التعبيرية الألمانية جورج فيلهيلم بابست، والممثل بيرنارد فيكي، ولقب عمر أولمر آتٍ من اسم المخرج إدغار ج. أولمر، ومن هذا الكثير في مشهد بار القبو، كذكر اسم أحد روائيي هتلر المفضلين كارل ماي وشخصية رواياته الشهيرة فينيتو ومحاكاة تحيته.

لم تقتصر هذه التحيات على الراحلين، فقد كان ممثلوه بعد كل لقطة يتوجهون إلى الكاميرا ويقولون: “مرحبًا سالي“، مشيرين إلى مونتيرة الفيلم سالي مينكَ، والتي كان هذا فيلمها الأخير مع تارانتينو الذي رافقته منذ بداية رحلته لترحل بعد صدوره بعام، وبفضلها استطاع تارانتينو استخراج الـ153 دقيقة التي صدر بها الفيلم من النسخة الأولية البالغ طولها 190 دقيقة خلال يومين فقط.

.

.

فيما يلي حرق لبعض أحداث الفيلم:

.

.

.

وطبعًا كان في تلك الدقائق ما وعد نجومه به حين كانوا يتدربون على سلخ فروة الرأس، فقد أخبرهم أن أفضل ثلاثةٍ منهم سيُكافؤون بلقطةٍ مقرّبة لهم وهم يقومون بالسلخ، كما كان هناك لقطةٌ مقرّبةٌ له شخصيًّا وهو يخنق ديان كروغر، وذلك لأن أغلب مشاهد الخنق في الأفلام سابقًا لم تعجبه، فليس هناك خطرٌ حقيقيٌّ محسوس على الممثّل فيها، ولذلك أقنع كروغر أن تُخنق بالفعل ليكون المشهد كما يجب، ولخشيته من أن يقوم فالتز بخنقها أكثر أو أقل من اللازم قرّر أن يقوم هو بذلك، “سأقوم بخنقك، اتفقنا؟، سأقطع عنك الهواء فقط للحظات، سنرى الانطباع في وجهك ثم سأصرخ: اقطع.”، هذا ما قاله تارانتينو لـ كروغر، ولحسن حظها حصل تارانتينو على ما أراده في المرة الأولى.

كل ما حلم به تارانتينو كان له، وبالإضافة إلى كل ما سبق قام بتصوير فيلمه بتسلسله الزمني وقدم فيلمًا هوليووديًّا ليست الانكليزية لغته الأولى، لكنّ أمرًا واحدًا لم يستطع الحصول عليه للبلوغ بعمله الكمال الذي أراده، وهو أن يؤلف إنيو موريكوني الموسيقى التصويرية للفيلم، وذلك لأن جوزيبي تورناتوري سبقه إليه بفيلم “Baaria”، فقام تارانتينو بتعويض ذلك باستخدام مقطوعات لـ موريكوني من أفلام أخرى، وكالعادة، كان من أروع الاستخدامات الموسيقية لمقطوعات لم تُعد خصيصًا للفيلم، وكان سببًا في كون Inglourious Basterds الرائعة التي نعرفها اليوم.

حقائق قد لا تعرفها عن Inglourious Basterds (الجزء الأول)

قضى عشرة أعوامٍ بين يدي كاتبه ومخرجه كوينتين تارانتينو وصل ولعُه به خلالها إلى اعتبار نفسه يصنع تحفته الفنية، الفيلم التارانتينويّ صاحب أكبر عدد من الترشيحات الأوسكاريّة والفوز الأول لممثل تحت إدارة تارانتينو، كان نصه في القائمة السوداء لأروع النصوص غير المنفّذة لعام 2008، وكان عنه الترشيح الأوسكاريّ الثاني لكاتبه بعد عامين، Inglourious Basterds وقصة صنعه.

بعد انتهاء كوينتين تارانتينو من العمل على “Jackie Brown” عام 1997 بدأ العمل على مشروعٍ جديد وصفه بأنه من نوع مجموعةٌ في مُهمّة، وشبهه بـ”The Dirty Dozen”، “Guns of Navarone”، و”Where Eagles Dare”، لكن عمله على النص طال أكثر من المعتاد، وحين سُئل أجاب بأنه أصبح مولعًا بما يقوده إليه قلمه فأصبحت قيمة كل صفحةٍ لا تضاهى، وشعر بأنه يصنع تحفته الفنية التي سيُذكر بها، لذلك كان يجب أن يكون نصها أفضل ما كتبه في حياته.

بحلول عام 2002 كان تارانتينو قد أنهى ثلاث مسودّاتٍ لم يجد لأيٍّ منها نهايةً تُرضيه، بالتزامن مع إنهائه نص “Kill Bill” بجزأيه، فبدأ العمل على إخراج الأخير ووضع المسودّات جانبًا، ثم عاد إليها بنيّة تحويلها إلى مسلسل قصير، لكنه سرعان ما تراجع وجعل من نص “Pulp Fiction” مرجعًا في الطول المناسب للنص وبدأ تعديله على هذا الأساس.

ليكتمل كقصة جنودٍ هاربين من إعدامهم خلال الحرب العالمية الثانية ومنطلقين في مهمةٍ لمساعدة الحلفاء، وأراد البدء بالتصوير مع بداية عام 2005، لكن أمرًا أشعره أنه لم يصل بالنص للمستوى المطلوب فتراجع، وأراد إخراج فيلم كونغ فو دون أن يبصر هذا المشروع النور، ثم شارك في إخراج Grindhouse عام 2007 قبل أن يعود لتحفته الفنية التي طال انتظارها، ويمضي هذه المرة بالنص إلى حيث يرضى ويصبح فيلمه الحربي السباغيتي ويستيرن والذي قام توم تايكفر بترجمة أجزائه الألمانية جاهزًا للتصوير ويبدأ البحث عن نجومه.

والذي كان براد بيت أوّلهم، فقد انتظر طويلًا هو وتارانتينو للعمل سويًّا، وعندما أنهى تارانتينو قرابة نصف النص أحسّ أن بيت سيكون مناسبًا لدور آلدو رين، وحينما انتهى منه وجد أنه الأنسب، وذهب إلى قصر ميرافال في فرنسا حيث يقيم هو وأنجلينا جولي، وخلال ليلةٍ وخمس زجاجات نبيذ انضم بيتّ إلى الفيلم.

لم يكن الأمر بهذه السهولة إلا بالنسبة لدور آلدو رين، فلدور بريجيت فون هامرسماك ذهب تارانتينو بدايةً إلى النجمة الكبيرة ناتاشا كينسكي ليعرض عليها الدور لكن لم يستطع الوصول معها إلى اتفاق، وكانت ديان كروغر أبرز المرشحات إن لم تقبل كينسكي، لكن عدم مشاهدة تارانتينو لأي فيلم لها إلا باللغة الانكليزية جعله يشك في مدى اتقانها للألمانية، لكن تجربة أداءها أكدت لها أنها ألمانية الأصل، كذلك الأمر حين أُعجب بتجربة أداء ميلاني لوران لكنه صارحها بأنه وجدها مشهورةً في بلدها وهو يريد اكتشاف موهبةٍ جديدة، فأكدت له أنها ليست بالشهرة التي يظن، لتفوز بالدور، وتعمل كعارضة أفلام كارتون قصيرة وإعلانات لأفلام في سينما لعدة أسابيع تحضيرًا للدور، ويختبرها تارانتينو بأن تعرض فيلمه “Reservoir Dogs”.

ولدور آرتشي هيكوكس رُشّح سايمون بيغ وتيم روث ومايكل فاسبندر، وفاز به الأخير الذي كان مُرشّحًا وقتها لدور هيثكليف في فيلم مستند إلى رواية “مرتفعات ووذرينغ”، وهذا بعد تجربة أداء غريبة من نوعها طلب منه خلالها تارانتينو أداء بعض حوارات هيكوكس، ليسأله فاسبندر إن كان يمكنه أداء حوارات الكولونيل هانس لاندا، فأجاب تارانتينو: “انظُر، أي شخصٍ يتم اختياره لأداء دور هيثكليف ليس ألمانيًّا بما يكفي ليكون لاندا، هل فهمت ذلك؟”.

عن أدوار وينستون تشرتشيل، دوني دونويتز والكولونيل هانس لاندا وكيف وصلوا إلى رود تايلور، إيلي روث وكريستوف فالتز ونتائج ذلك، اقتراب إيزابيل أوبير من الانضمام لهؤلاء، نهج تارانتينو في صناعة الفيلم وتحياته لسينمائيّين راحلين ومعاصرين، ما وصله في الحرص على الحصول على أصدق أداء، والشيء الوحيد الذي لم يستطع الحصول عليه ليكتمل حلمُه سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Inglourious Basterds .

The House of the Devil

“تحيةٌ من شغوفٍ بالرعب لمن أخذ عنهم شغفه”

السنة 2009
تقييم أفلام أند مور 7/10
المخرج تاي ويست
المدة 95 دقيقة (ساعة و35 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.4

مر أكثر من عقدٍ من الزمن على بداية تاي ويست السينمائية، وحتى الآن ما زال يفضل ميدان الأفلام المستقلة والميزانيات المتواضعة على أن يتدخل القادرون على منحه فرصة العمل بميزانيات أكبر في عمله وتحويله إلى موظف، ورجلٌ مخلصٌ لشغفه السينمائي بنوع الرعب تحديدًا بهذه الدرجة هو صانع هذا الفيلم.

في ليلة خسوف القمر الكامل عام 1983، تجد سامانثا (جوسلين دوناهيو) فرصة قضاء الليلة كجليسة أطفال لقاء مبلغٍ تحتاجه تحيط به ظروفٌ مشبوهة، ويبدو أن هذه الظروف ليست ظاهريةً فقط.

كتب تاي ويست نص الفيلم، بالشكل المألوف والشخصيات المألوفة لأفلام الثمانينات التي يحاكيها، مع اهتمام واضح ببناء تلك الشخصيات وبيان دوافعها بحيث لا تكون مجرد شخصيات أفلام رعب مؤلفة من أسماء وأفعال وردات فعل غير منطقية ومجهولة المصدر، مما يجعلها جزءًا أساسيًّا وجوهريًّا من خلق الإثارة والرعب كوننا نهتم لأمرها.

إخراج تاي ويست الذي لا يقبل إلا أن يرافقه مونتاجه لا ينسخ مما يحبه بل يعيد إحياء أجمل ما فيه مع لمسات تجعل مشاهده يشاركه الحنين، من طريقة ظهور العنوان وأسماء فريق العمل وكيفية تقديم أبطاله، إلى الأجواء الموحشة والأزياء وتسريحات الشعر، وحتى الهدوء الماكر في خلق الإثارة والرعب التراكميين وطريقة متابعة كاميرته للحدث ووجوه شخصياته ضمنه.

أداءات جيدة من فريق العمل، تصوير جيد من إليوت روكيت، وموسيقى أضافت لمصداقية الأجواء الثمانينية من جيف غريس.

تريلر الفيلم:

Where the Wild Things Are

“هل ستبقي كل الحزن بعيدًا؟ لدي درعٌ ضد الحزن”

السنة 2009
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج سبايك جونز
المدة 101 دقيقة (ساعة و41 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) PG
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.8

هذا الفيلم الروائي الطويل الثالث لـ سبايك جونز، ورائعته الثالثة، ومعدودون هم من لا يطلّون علينا إلا برائعة، ومن قد ينتظرون سبع سنواتٍ فقط لأنهم لا يرضون بتقديم عملٍ لم يصل الكمال الذي يستطيعون بلوغه به، كما انتظر جونز حتى خرج هذا الفيلم إلى النور، وغمر أمكنةً نسينا أننا ما زلنا نحتفظ بمثلها في قلوبنا بالنور..

ماكس (ماكس ريكوردز) طفلٌ مرحٌ لطالما وجد صدًّا من أمّه وأخته بالنسبة لمشاركته ما يحب، يومًا ما يقرر أن ينهي ذلك وإلى الأبد بالهرب من المنزل والركوب في سفينةٍ دون وجهة، ليجد نفسه على جزيرةٍ تسكنها مخلوقاتٌ غريبة لكنها أكثر إثارةً ممن تركهم في المنزل.

عن قصة الأطفال القصيرة لـ ماوريس سينداك كتب سبايك جونز وديف إيغرز نص الفيلم، بعبقريةٍ في تحويل أفكارهم وأحاسيسهم وخيالات طفولتهم إلى شخصياتٍ وأحداث، أعدوا شخصية بطلهم والأساس الذي سيبنون عليه كامل القصة ببضعة تفاصيل موزعة بعناية، ومختارة ومصاغة بحيث تضيف لقرب بطلهم الاستثنائي من كل مشاهد، وأمرٌ بالغ الصعوبة والتعقيد كهذا لطالما كانت نتيجته بعض الإقحامات تزيد أو تقل حسب خبرة الكاتب استطاعوا تنفيذه بخفةٍ مبهرة، ثم كأنهم جعلوا بطلهم يأتي بالأفكار التي تلت خلقه، فأتت الأحداث والشخصيات المثيرة متكاملةً وراسمةً طريقًا لمغامرةٍ طفولية يحلم بـ ويغار ممن يعيشون مثلها الكبار.

إخراج سبايك جونز يرسم حلمًا، لكنه حلمٌ بذكرياتٍ اشتقنا لها، لألوانٍ كنا نرى الدنيا بها بدفء ألوان صوره، وصفاء روحٍ يجعل طريق قلبنا لإحساس الجمال وطريق عقلنا لإدراكه منبسطين أمامنا كصفاء الروح التي تسكن تلك الصور، والتي تتدفق بإيقاعٍ يزيدها جاذبيةً ويفيد من غناها، سواءً كانت كاميرته حرةً تجري مع من يجري ويمرح أم استقرت تراقب أبطاله، مع إدارةٍ ممتازةٍ لممثليه كما عوّدنا سواءً البطل الصغير أو من يؤدون أصوات مخلوقاته الظريفة.

أداء ممتاز من الطفل ماكس ريكوردز زاد التجربة خفة ظلٍّ وقربًا إلى القلب، وأداءات صوتية لا تقل عنه وخاصةً من جيمس غاندولفيني ولورين أمبروز، تصوير ممتاز من لانس أكورد، وموسيقى ساحرة تتماهى مع الصورة وترتقي بأثرها من كارتر برويل وكارين أو.

حاز على 7 جوائز ورشح لـ45 أخرى أهمها الكرة الذهبية لأفضل موسيقى تصويرية.

تريلر الفيلم: