أرشيف الوسم: أفلام عام 2014

The Cut

“رحلةٌ إلى جذورٍ مبتورة”

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 7/10
المخرج فاتح أكين
المدة 138 دقيقة (ساعتين و18 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من عنف دموي ومشاهد جنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة الانكليزية، التركية، العربية
تقييم IMDB 6.3

“فيلم The Cut لـ فاتح أكين ملحمةٌ صادقة يدوية الصنع، من النوع الذي لم يعد هناك من يصنعه الآن. بكلماتٍ أُخرى، استجابةٌ شخصيّة عميقة لواقعةٍ تاريخيّةٍ مأساويّة، بغنًى كبير، جمال، وزخمٍ آسر. هذا العمل عزيزٌ عليّ على عدة مستويات”، من كلمات مارتن سكورسيزي في أحد الأعمال المعدودة التي مرت على مذابح الأرمن، والأول في التاريخ الناتج عن تعاون تركيٍّ وأرمنيّ.

في عام 1915 وصل تداعي الإمبراطورية العثمانية مراحلًا دفعتها إلى اتخاذ خطواتٍ دفاعيّة يائسة بقدر دمويّتها، منها ما وصل باب الأرمني نازاريت مانوجيان (طاهر رحيم) الزوج والأب لابنتين بنداء تجنيدٍ إجباريٍّ مستعجل في منتصف الليل أخذه لمصيرٍ مجهولٍ وسط الصحراء، حيث تبلغ إحدى مذابح الأرمن حنجرته ليوقفها قدرٌ عن إكمال طريقها ويمنحه فرصة إكمال طريقه لجمع شتات ما فقد.

كتب ألماني المولد تركي الأبوين فاتح أكين نص الفيلم بالاشتراك مع مارديك مارتن العائد بعد غياب 34 عامًا منذ شارك سكورسيزي نص “Raging Bull”، طامحًا للكثير الكثير إخلاصًا لمن يروي قصّتهم، لكنّه في سبيل تحقيق كل ما يطمح إليه نسي أهمية مقولة “اليد التي تؤلمك اقطعها”، فتأخر عن كلِّ مسعًى جاعلًا همّه الأول اجتماع غاياته، وفي حين لم يملك ذلك تقريبًا أي أثرٍ سلبيّ على النصف الأول من الفيلم الذي يحقق أثرًا مبشرًا بالكثير، تبدأ التداعيات في النصف الثاني حين يذهب بعيدًا في استعراض الشّتات بمحاولاتٍ غير ناجحة لجعل الأمر تلقائي التدفق، بل ويزيد وضوح تدخُّل قلمه مع كل منعطف. لا شك في إنسانية الغاية، وتقديرها ذاته هو سبب الخيبة بالتأخر عنها وإن كان ما تم الوصول إليه ليس أبدًا بالقليل.

إخراج فاتح أكين واثقٌ أكثر من نصّه لكن ليس بما يكفي، ففي حين بدأ بقسوةٍ لا مساومةَ فيها مفيدًا من سحر الصحراء ورعب المجهول فيها وسعة الاحتمالات الشاملة لما خالطه أملٌ وما خالطه يأس، ومحسنًا إدارة واستغلال ممثليه، يبدأ القلق بالتسلل شيئًا فشيئًا عند كل منعطف بالغًا ذروته في النصف الثاني. قَلَقٌ من خسارة بعض شرائح الجمهور ينتج عنه بعض المباشرة في السرد والعاطفة وخيار لغوي لا يتسق والامتداد الجغرافي للقصة باستبدال الأرمينية بالانكليزية، وقلقٌ من مبالغاتٍ عاطفية تقلل من احترام القصة ينتج عنه كتمٌ حتى للعاطفة المباشرة، والنتيجة مضطربة الإيقاع والأثر. لكن نتيجة غياب التوازن في عمل بهذه الضخامة وهذا الصدق أقل سلبيّةً بكثير مما قد تعتقد، لذلك – ورغم كل ما ذكرت – تغادر متأكدًا أنك لن تنسى نازاريت مانوجيان في وقتٍ قريب.

خاصةً مع أداء يُغني بصدق عاطفته عن الكلمات من طاهر رحيم، أداءات مُتقنة من باقي فريق العمل، تصوير لا يفوته غنًى وجمال من رينر كلاوسمان، وموسيقى ذكية لا نألفها في أفلامٍ من هذا النوع يُشعرنا مبدعها أليكساندر هاكه بروعة ما يمكن أن تُضيفه.

حاز على جائزتين ورُشّح لـ6 أخرى أهمها أسد البندقية الذهبي.

لا أنصح بمشاهدة تريلر The Cut لما فيه من حرق لأحداثه.

حقائق قد لا تعرفها عن Interstellar (الجزء الثاني)

عن نهج نولان في العمل وما تم بنتيجته من خلقٍ لأغلب ما شاهدناه سواءً مادّيًّا أو معنويًّا في أداءات ممثليه، فريق المؤثرات البصرية وإسهامه العلمي الكبير خلال العمل على الفيلم، الجانب الروحاني للتقنيات، موسيقى هانز زيمر، وأبرز الكلاسيكيات التي استلهم منها نولان تفاصيل عمله سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Interstellar .

باجتماع نجوم نولان “المتكتّمين” بدأ نولان رحلته الطويلة لخلق قصته أمام الكاميرا بدل الاكتفاء بقدرات الحواسيب للخلْق، فلمشهدِ حقل الذّرة تم زراعة 500 فدّان من الذرة تم بيع محصولها فيما بعد مشكّلةً إضافةً لأرباحِ الفيلم، وتم بناء السفن الفضائية ذَ رينجر، ذَ لاندر، وإنديورانس بمزيج بين الطباعة ثلاثية الأبعاد والنحت، ليسمي فريق التصوير نماذجهم “نماذج مُكبّرة” لكبر حجمهم وامتداد أولاهم على مسافة 14 متر، والثانية على مسافة 15 متر، والأخيرة لسبعة أمتار ونصف.

وهذا طبعًا لا يكفي، فتم بناء مواقع لدواخل السفن وإعداد المؤثرات البصرية لما خارجها قبيل تصوير مشاهد غزوها الفضاء وعرضها خارج تلك المواقع بحيث يجد ممثليه ما يستطيعون التفاعل معه بصدق عندما ينظرون إلى ما خارج النوافذ لا مجرّد شاشاتٍ خضراء، لذلك تم نقل 4 أطنان ونصف من هذه السفن ومواقعها إلى أيسلندا للتوصيل فيما سيكون بيئة كواكبٍ أخرى عدا عن طاقم التصوير، لا يمكن تخيل ما كان سيفعله إن كان الذهاب إلى تلك الكواكب بالفعل في متناوله، خاصةً بحرصه الكبير على عدم هدر الوقت والمال الذي خفض به ميزانية الفيلم، وجعل فريقه غير القادر على التصوير في أيام العواصف في أيسلندا يصور بعض اللقطات الداخلية في كراج السيارات خلالها.

ولمشاهد عواصف الغبار تم ضخ غبار صناعي مبني بشكل رئيسي من السيللوز عن طريق مراوح عملاقة. حتى الروبوتات تارس وكيس تم بناؤهم وقام بيل إيروين بتحريكهم خلال الفيلم وأداء الصوت لهم ليتم استبدال صوته بصوت جوش ستيوارت في حالة كيس، وإزالته من الصورة فيما بعد.

حتى الثقوب السوداء والدودية التي لا سبيل إلا لخلقها حاسوبيًّا أوجدت بتعاون ثورن مع فريق المؤثرات البصرية بإدارة بول ج. فرانكلين، بتقديمه صفحات من أدق معادلات الفيزياء النظرية قام الفريق ببناء برنامج حاسوبي جديد يحاكيها أنتج صورًا استغرق بعضها 100 ساعة للاكتمال، ووصل حجم البرنامج إلى 800 تيرابايت، ليكسب ثورن رؤيةً جديدة لتأثير الجاذبية وأقراص التراكم بفضل البرنامج أعدّ بنتيجتها بحثين أحدهما لباحثي الفيزياء الفلكية وآخر لباحثي رسومات الكمبيوتر.

وبالانتقال للجانب الروحاني مما صُنع، لسفينة الـ إنديورانس مثلًا، والتي يماثل اسمها اسم سفينة الرحّالة إرنست شاكلتون الذي ذهب في البعثة الأولى لاستكشاف القطب الشمالي وحوصر في الجليد، ورغم فشل بعثته استطاع العودة بكل طاقمه أحياءً، وبالنسبة للثقب الدودي الذي تعبره تلك السفينة فقد كان متموضعًا بجانب زُحَل، والذي يعتبر إله الزمن عند الإغريق، وإله الزراعة عند الرومان، ولكلا الإلهين دورٌ جوهري في قصة الفيلم.

كذلك كان طبعًا لموسيقى هانز زيمر، والتي أعدها دون الاطلاع على الفيلم أو قصته، وإنما بناها على ورقةٍ أرسلها إليه نولان تحوي خطوطًا عريضة علم مرسلها أن زيمر لن يحتاج لأكثر منها، مؤكّدًا أنه أراد ابتكاراتٍ استثنائية حتى في طريقة العزف، وكانت النتيجة ما أبكى مشاهدي الفيلم وأثقل قلوبهم بما لن ينسيها ما رافقته، ما اعتبره نولان أفضل ما قدمه زيمر في مسيرته، متضمنةً مقطوعات مُعدةٌ بإيقاع ضربة في الثانية معبرةً عن مرور الوقت الذي يشكل ثيمة أساسية في الفيلم، كـ”Imperfect Lock”، و”No Time for Caution”.

كلاسيكيّاتٌ كـ “Metropolis” لـ فريتز لانغ، “2001: A Space Odyssey” لـ ستانلي كيوبريك، “Star Wars: Episode IV – A New Hope” لـ جورج لوكاس، “Alien” و”Blade Runner” لـ ريدلي سكوت، كانت ذات تأثير كبير على رؤية نولان لكيفية التعامل مع الأسس العلمية لقصته والسفر في الفضاء، بينما كان لـ”The Treasure of Sierra Madre” لـ جون هيوستون، و”The Mirror” لـ أندريه تاركوفسكي التأثير الأكبر على الجانب الإنساني، ولـ سبيلبيرغ و”Close Encounters of the Third Kind” و”Jaws” فضلٌ في صقل رؤيته حول مناقشة أعمق وأعقد المواضيع بشكلٍ لا يحرمها من أي شريحةٍ من الجمهور، وقام بعرض “The Right Stuff”  لـ فيليب كوفمان على فريق عمله قبيل تصوير Interstellar للحرص على فهمٍ وتقديرٍ أكبر لأدوارهم.

حقائق قد لا تعرفها عن Interstellar (الجزء الأول)

فيلم غزو الفضاء الأكثر شعبية في التاريخ والفيلم الأكثر انتظارًا في عامه، طريق الملايين إلى التعرف إلى الكلاسيكيات التي استلهم منها، اعتبره جورج ر. ر. مارتين كاتب روايات “Game of Thrones” فيلم الخيال العلمي الأكثر تحدّيًا وطموحًا منذ صدور “2001: A Space Odyssey” لـ ستانلي كيوبريك، وكان سببًا في تقدم الدراساتٍ علمية التي استند إليها، Interstellar وقصة صنعه.

عام 2006 أعدّ عالم الفيزياء النظرية كيب ثورن بالاشتراك مع المنتجة ليندا أوبست ثمانية أوراقٍ ترسم خطوطًا عريضة لسيناريو يجعل الأحداث الأكثر غرائبية في الكون تصبح في متناول البشر، والذي جذب ستيفين سبيلبيرغ ليقرر إخراجه، وجوناثان نولان الذي استُدعي من قبل سبيلبيرغ لإعداد نصه في العام التالي، وفي العام الثالث من عمل جوناثان المتزامن مع دراسته النسبية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا لبناء النص على أسس علمية دقيقة، انسحب سبيلبيرغ ليوصي جوناثان بأخيه كريستوفر مخرجًا للفيلم.

انضم كريستوفر بحماس لكون فكرة الفيلم تتوافق مع نصٍّ بدأه منذ سنوات ووجد من المناسب دمج النصين ليكون في الناتج أفضل ما بهما، وأكثر ما أعجبه في نص جوناثان استلهامه الفصل الأول من الفيلم من العواصف الغبارية التي ضربت أمريكا خلال فترة الكساد الكبير في الثلاثينيات، فطلب حقوق استعمال مشاهد من مقابلات مع معاصريها وُجدت في الوثائقي “The Dust Bowl” لـ كين برنز.

مجادلاتٌ علمية كثيرة سبقت الوصول إلى النص النهائي بسبب اشتراط ثورن أنه من المرفوضِ تقديم ما يختلف مع قوانين الفيزياء، وأن أي جموحٍ في الفيلم سيكون أساسه العلم في المقام الأول وليس خيال الكاتب الخصب، وقَبِل كريستوفر شروط ثورن إن لم تتعارض مع السرد، ليقضي الاثنان أسبوعين في مناقشة سفرِ الإنسان بسرعة أكبر من سرعة الضوء حتى استسلم نولان لحجج ثورن، ووصل الجميع إلى النص المرضي.

وبدأ اختيار الممثلين، وكان من حظنا صداقة نولان لأحد منتجي “Mud” لـ جيف نيكولس التي شاهد بنتيجتها عرضًا مبكّرًا للفيلم، وأثار أداء ماكوناهي فيه إعجابه الشديد وأحس أنه ابن الحياة اليومية الذي يمكن للمشاهدين التواصل معه وعيش التجربة من خلاله، فقابله خلال عمله على مسلسل “True Detective”، وطبعًا كعادة نولان، السرية التامة كانت الشرط الأساسي، لدرجة أن زوجة ماكوناهي لم تستطع الحصول على أي معلوماتٍ منه حول حبكة الفيلم حتى عرضه، ” أستطيع إخباركم كمخرج، لا شك أن هذا ممثلٌ لا يستطيع قول: “مرر لي الملح” دون أن يكون ذلك حقيقيًّا، دون أن يعني شيئًا. لم أعمل من قبل مع ممثلٍ لا يكف عن السعي لحقيقة كل ما يفعله”، كانت هذه الكلمات من نولان نتيجة هذا التعاون.

وبالحديث عن السرية، حين تم اختيار جيسيكا تشاستين أُرسل لها النص إلى أيرلندا حيث كانت تعمل على “Miss Julie”، ولم يُسمح لها بالاحتفاظ بالنص بعد الانتهاء من قراءته، كما دعا آن هاثاواي لقراءة النص في منزله ليعرض عليها الدور الذي نالته، وأسمى الفيلم خلال عمله عليه “Flora’s Letter” تيمُّنا باسم ابنته فلورا.

عن نهج نولان في العمل وما تم بنتيجته من خلقٍ لأغلب ما شاهدناه سواءً مادّيًّا أو معنويًّا في أداءات ممثليه، فريق المؤثرات البصرية وإسهامه العلمي الكبير خلال العمل على الفيلم، الجانب الروحاني للتقنيات، موسيقى هانز زيمر، وأبرز الكلاسيكيات التي استلهم منها نولان تفاصيل عمله سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Interstellar .

A Girl Walks Home Alone at Night

“هل أنت ولدٌ جيد؟”

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج آنا ليلي أميربور
المدة 101 دقيقة (ساعة و41 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي والعري والمشاهد الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) Unrated
اللغة الفارسية
تقييم IMDB 7.0

“كان الأمر تلقائيًّا، لم يكن من نوع أن ليلي أرادت بهذا أن يعني كذا وأن ترمز بذاك لكذا. يقول خودورفسكي أنه إن واتتك اندفاعةٌ لفعل أمرٍ ما، هذا يبرر قيامك بذاك الأمر، الاندفاعة هي التبرير. ليس عليك أن تشرح ذلك ببضعة كلمات”، مما قالته شيلا فاند بطلة هذا الفيلم عما تم تداوله عن طبيعة الثيمات التي يستعرضها الفيلم ومدى قرب ذلك إلى النية الأساسية لصانعته الإيرانية آنا ليلي أميربور، وبأخذ ذلك بعين الاعتبار وأن أحدًا لا يمقت الجمال، لا تُفسد تجربتك بإجهاد عقلك بتحويل الصور إلى جملٍ مفيدة، فقط اترك أبواب قلبك وعقلك مشرعة وستجد ما يطيب لك من المعاني حيث تستقر الصور.

في مدينةٍ موحشةٍ في رائحة نسيمها وحدةٌ وموت، تجوب الشوارع ليلًا فتاةٌ قضت في الوحدة أكثر مما قضاه أي إنسانٍ من قبل، باحثةً عما يسدّ رمقها، ولا يسدّه ما قد يُقدّم إليها من طعامٍ أو مال، يسدّه صاحب الطعام والمال نفسه.

كتبت آنا ليلي أميربور نص الفيلم، مُقترحةً بيئةً استثنائية ذات قدرة على احتواء قدرٍ من الغنى والتنوّع ندر مثيله، وندر استغلال ما تتيحه بيئةٌ كهذه كما فعلت أميربور، باختيارات للشخصيات وأماكن استقرارها وطوافها تتبارى بساطتها مع ذكائها، مع حرص على أن يكون لكل تواصلٍ بين تلك الشخصيات الهائمة في مدينة الأشباح وزنُه، سواءً أكانت من أسباب ما تكونه المدينة أم ممن حوصروا بظلامها.

إخراج آنا ليلي أميربور يؤكد منذ اللقطة الأولى وحتى الأخيرة أنها قضت وقتًا ممتعًا جدًّا في صناعة هذا الفيلم، تعتني دومًا بفضاءٍ كبير أمام كاميرتها لتمنحها وتمنح نفسها معها حرية الاستكشاف والاستقرار على ما يأتي بالنتيجة الأمثل، توجه العدسة بقدر ما تنقاد وراءها، وكأحد أبرز ملهميها جيم جارموش لا تُقيد نفسها بنوع، فحيث تأخذها القصة والصورة التي ترتأيها لها تمضي، لذلك يصعب إنصاف وصف حالة فيلمها، لكن لا بُد من الإثناء على غرائبيتها المحببة وسحرها المتسلل بهدوء بطلتها، سهولة إعادة بعض المشاهد والصور لنفسها في ذاكرتك، وتسلل أبيضها وأسودها إلى غيرها لكثرة ما أضاف لجمال التجربة.

أداءات جيدة جدًّا من فريق العمل علِم أصحابها أهمية تكامل ملامحهم مع الصورة المتميزة التي ترسمها أميربور، تصوير ممتاز من لايل فينسنت أفاد من فُرص خيارات أميربور لألوان الصورة، واختيارات موسيقية عبقرية تزيد انغماسك بالتجربة وفتور شوقك إلى كل آتٍ فيها لكثرة تلذذك بالحالي.

تريلر A Girl Walks Home Alone at Night :

حقائق قد لا تعرفها عن Gone Girl (الجزء الثاني)

عن اختيار بين آفليك وأثره في عملية التصوير واختيار الممثلين وفي الممثلين، اختيار كاري كون وإيميلي راتاجكَوسكي وأسبابه وموقف فينشر منه، نهج فينشر في العمل ودقته وإعاداته واستجابته لصيت تلك الإعادات، طريقة تعبيره عن الموسيقى التي أرادها ومصدرها، والمشهد الذي أكّد لـ آفليك وروزاموند بايك أنهما في صدد عملٍ لم يشاهدا أو يسمعا بمثله سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Gone Girl .

أما دور نيك فقد رُشّح له براد بيت، سيث روجن، رايان رينولدز وجون هام الذي خسر مرتين لصالح بين آفليك هنا وفي “Superman Vs. Batman”، وحُسِم الأمر بمجرد ابتسامة، فكعادة فينشر في البحث عن ممثليه بدأ بتصفح صور الممثلين على الانترنت، ولفتته ابتسامةٌ معينة لـ آفليك في كثيرٍ من صوره تحاكي ابتسامةً لـ نيك في الفيلم تُعبر عن جوهر الشخصية، وأصبح آفلِك وابتسامته من نصيب نيك.

وإن كلّف ذلك فينشر أربعة أيامٍ من التصوير بسبب خلافٍ ناتجٍ عما أسماه تصرفًا غير احترافي من آفليك، وسببه أنه من المفترض أن يرتدي قبعة للـ يانكيز في المطار لإخفاء هويته، لكن آفليك المُتعصّب لفريق ريد سوكس رفض رفضًا قاطعًا وقال: “ديفيد أنا أحبك، قد أفعل أي شيءٍ لأجلك، لكنني لن أرتدي قبعة يانكيز“، لتتم تسوية الأمر بتنازل كليهما والاتفاق على ارتداء قبعة ميتس. 

وربما كان هذا التنازل على فينشر أهون من تأجيل آفليك لتصوير فيلمه “Live By Night” لتقديره فرصة العمل مع فينشر، الأمر الذي لم يندم عليه طبعًا، خاصةً بإقراره بنتيجة تجربته معه أنه المخرج الوحيد الذي يعرفه القادر على القيام بعمل أي شخصٍ في موقع التصوير بشكلٍ أفضل منه، وكلفه ذلك خسارة رهانٍ على أن فينشر لن يستطيع تمييز تغييره لإعدادات إحدى الكاميرات بشكلٍ لا يُلحظ إلا من مصوّرٍ بعد الكثير من التركيز، وبوصول فينشر إلى الموقع كانت أول كلماته: “لِمَ تبدو الكاميرا مُعتمةً قليلًا؟”

من جهةٍ أخرى كان هوس آفليك الآخر الواضح في موقع التصوير بأغاني الثمانينات مصدر متعةٍ وسرور لـ تايلر بيري، والذي ابتكر إثر سماعه آفليك يكثر من الغناء لعبةً يبدأ فيها بأي أغنيةٍ ثمانينية يمكن أن تخطر على باله ليرى إن كان آفليك قادرًا على إكمالها، لتستمر اللعبة طوال مدة التصوير ولا يُخطئ آفليك أغنيةً واحدة بما فيها نغمات مسرح برودواي حينها وأغاني باربرا ستريساند، ولو عَلِم بيري أن فينشر هو مخرج هذا الفيلم وأن الرواية التي يستند إليها من الأكثر مبيعًا قبل قبوله بالدور لما قبل ولفوّت متعة تلك اللعبة، ولأن وكيل أعماله يعلم ذلك لم يخبره بتلك المعلومات قبل توقيعه العقد، فـ بيري يخشى أن يكون جزءًا من مشروعٍ يحمل هذا الكم من التميز قبل حتى خروجه إلى النور لأن ذلك سيُحمّله ضغوطًا لا تحتمل لمنح الناس ما ينتظرونه.

لا يتوقف تأثير آفليك فيمن حوله هنا، فقد كان المُنقذ من جحيم إيجاد الممثلة المناسبة لأداء دور توأمه، “الممثلة التي ستؤدي دور مارغو توجّب عليها أن تكون قادرةً على التفكير والتعبير عن أفكارها وإنهاء جُملها بالسرعة ذاتها التي يقوم بها آفليك بذلك، وهذا لم يكن سهلًا، كُنا محظوظين بشدة عندما هبطت كاري كون من السماء إلى أحضاننا”، هكذا علّق فينشر على اختيار كون التي أوصى بها آفليك، وبقدر ما استحق شكرها بقدر ما استحق سخطها لأنه لم يحضّرها بما يكفي لإعادات فينشر، مما جعلها تأكل قرابة خمس باوندات ونصف من البطاطا المقلية في مشهد الغداء وإعاداته، “كاري كون تعلمت بالطريقة الصعبة أن آخر شيء ممكن أن تفعله في أفلامي هو الأكل”، هكذا كانت رؤية فينشر للأمر.

لحسن الحظ لم تعاني إيميلي راتاجكَوسكي من ذلك لهذه الدرجة والتي أيضًا انضمت بتوصيةً من آفليك بعد سماعه وصف فينشر لمن يريدها: “يجب أن نجد أحدًا قادرًا على إحداث الانقسام بين المشاهدين على الفور، النساء سيبتعدن عن الشاشة مسنداتٍ ظهورهن ويصيبهن الاشمئزاز قائلاتٍ: (ياله من سافل)، بينما سيقترب الرجال من الشاشة ويقولون: (نعم، أعتقد أنه يمكن فهمه)”، وهذا طبعًا يعني أنه يريد راتاجكَوسكي، والتي أثارت إعجابه بشغفها للتعلم مهما كانت النتائج، وأكدت ذلك بقولها: “كنت جاهزةً لأكون التلميذة وليكون المُعلّم. يريد 100 إعادة، وأنا أريد القيام بهم لأجله”.

لكن ربما في هذا شيء من المبالغة، الأمر الذي أغضب فينشر فأكّد أن هؤلاء الذين يتذمرون من إعاداته لا يذكرون أنه اكتفى بإعادةٍ واحدة فقط للقطة التي يوقف فيها ديزي (قام بدوره نيل باتريك هاريس) سيارته الجاغوار أمام الكاميرا، ومن المفاجئ نسيان حقيقةٍ كهذه عند ذكر تصويره لـ500 ساعة لهذا الفيلم دخلوا إلى غرفة المونتاج ليخرجوا كساعتين ونصف.

مصحوبين بموسيقى متميزة من ترينت ريزنر وأتيكاس روس، أعداها وفقًا لوصف فينشر لمرةٍ كان فيها في منتجع صحّي، حيث سمع موسيقى يُراد بها جعله يسترخي لكنه أحسها مقلقةً وباعثةً شعورًا بعدم الارتياح، وأراد موسيقى فيلمه بهذا الشكل، سلبيةً مُبديةً سعيها لبث الاسترخاء، وزارعةً فزعًا ورهبة.

.

.

فيما يلي حرق لأحداث الفيلم:

.

.

.

كل هذه الدقة وصلت ذروتها في مشهد ارتماء أيمي بين ذراعي نيك بعد عودتها، من إعدادات الكاميرات لحركتها على الرافعة لبوستر “Gone With Wind”، لدرجة أن آفليك وبايك حين قرآ تفاصيل المشهد توجها إلى فينشر بـ: “ما هذا الفيلم؟ ماذا يحدث؟”، وهذه كانت من أقرب اللحظات لقلب فينشر لأنه أحس ساعتها أن بطليه أدركا كمّ الريبة الذي سيحتويه الثلث الأخير من الفيلم.

حقائق قد لا تعرفها عن Gone Girl (الجزء الأول)

أحد أهم دروس الإثارة في الألفية، أكبر نجاح لمخرجه ديفيد فينشر في شباك التذاكر منذ بداية مسيرته، والفيلم الرابع على التوالي له الذي يدير فيه أداءاتٍ رُشّحت للأوسكار، التجربة الأولى لكاتبته غيليان فلين مع النصوص السينمائية، ونجاحها السينمائي العالمي الأول الذي أخذها إلى الغولدن غلوب والبافتا، Gone Girl وقصة صنعه.

عام 2011 وقعت في يد المنتجة ليزلي ديكسون الرواية الجديدة لـ غيليان فلين بعنوان ” Gone Girl ” وسارعت بعرضها على النجمة ريس ويذرسبون مقترحةً عليها لعب دور البطلة في نسخة سينمائية عنها، لتتعاونا مع المنتجة برونا باباندريا في رسم الخطوط الأساسية اللازمة للفيلم من الرواية، وفي بداية 2012 حصل أول لقاء بين المنتجين ووكيلة أعمال الكاتبة.

بصدور الرواية في منتصف العام الذي جرى فيه ذاك اللقاء ونجاحها المُبهر تفاوضت شركة “20th Century Fox” مع فلين حول كتابتها مسودة أولية للنص، وبحلول نهاية العام قدّمت فلين بالفعل المسودة الأولى التي مرت على ديفيد فينشر خلال انتظاره لتقدم عملية الإنتاج المتهالكة لما يفترض أن يكون فيلمه القادم “20,000Leagues Under the Sea: Captain Nemo” وأثارت اهتمامه لدرجة أنه رتّب لقاءً معها فور إنهائه القراءة، وعلى عكس المعتاد من استبعاد مؤلف الرواية بعد تقديمه المسودة الأولى أراد فينشر العمل من بداية المشروع وحتّى نهايته، وطبعًا انسحب من المشروع الذي طال انتظاره للتفرغ للنسخة السينمائية من Gone Girl ، وإن تأخر ذلك لبضعة أشهر بسبب خلافه مع المنتجين على ما يجب أن يتضمنه تريلر الفيلم ورفضه لأي حرقٍ يؤذي التجربة.

بدأت فلين بدراسة كتب عن النصوص السينمائية وقابلت ستيف كلوفز كاتب نصوص سلسلة هاري بوتر لأخذ النُّصح، وطبعًا كان مُرشدها الأول فينشر الذي مضى معها خطوةً بخطوة، حتى وصل النص مراحله النهائية بمشاهدٍ أُعيدت كتابتها عشرات المرات وأُخرى لم تُمس، وكانت النتيجة رضًى وتقديرٌ كبيران من كلٍّ منهما للآخر، هي لصبره وإرشاداته ومرافقتها في كل كبيرة وصغيرة، وهو لذكاء، مكر، وغنى أسلوبها بالتفاصيل على حد وصفه، كألوان الأقلام التي تستعملها أيمي في كتابة مذكراتها.

جاء الآن دور البحث عن البطلة، خاصةً أن مقابلة ويذرسبون الأولية مع فينشر التي وضّح فيها رؤيته أكّدت لها أنها ليست الأنسب لدور أيمي فآثرت البقاء كمنتجةٍ فقط، وبالنتيجة تم ترشيح شارليز تيرون، ناتالي بورتمان، إيميلي بلانت، روني مارا، أوليفيا وايلد، آبي كورنيش، جيسيكا تشاستين، جوليان مور وجوليان هو، لكن ليست بينهن من أرادها فينشر مالكةً لملامحٍ من الصعب أن تُبدي حقيقة سنّها، “أردت فاي داناواي في Chinatown، حيث تنظر إليها وتقول لنفسك بأن هذا الشخص اختبر آلامًا لا يمكن تخيّلها. أو فاي في Network، حيث تكون متأكدًا أنك لن تستطيع الإحاطة بألغازها وعليك التوقف عن الغوص. مدى تذكير روزاموند لي بـ فاي لا يُصدّق”، من كلمات فينشر التي تؤكد أن كل ما أراده كان في روزاموند بايك، ولم يكن مهمٌّ إصرار المنتجين على وجهٍ أكثر سلطةً على شُبّاك التذاكر، كانت هي المنشودة.

كانت هي من استلهمت من أداء نيكول كيدمان في “To Die For” وأداء شارون ستون في “Basic Instinct”، ودرست كارولين باسيت-كينيدي زوجة جون كينيدي الإبن بلغتها الجسدية وميولها التحفُّظية، وكسبت وخسرت 13 باوندًا ثلاث مرّات لتقديم الشخصية في مراحل مختلفة من حياتها، بأكل الكثير من الهامبورغر وشرب البيرة لكسب الوزن، ثم التدرب لأربع ساعات مع ملاكم والركض خمسة أميال في 42 دقيقة يوميًّا لخسارته، كما كانت من أكثر من أصبحت إعادات فينشر تشكل خطرًا عليها في المشهد الذي تُدفع به إلى الحائط والذي قاربت الإصابة بارتجاج في المخ من شدته وإعادته مرةً تلو أخرى، حتى أصبحت “ترى نجومًا” حسب قولها في الإعادة الثامنة عشرة، كُل هذا ولم يكن يُسمح لها باستخدام الموبايل لتحافظ على تركيزها، فكُلّما أمسكته قام فينشر بأخذ صورةٍ لتحديقةٍ عابسةٍ منه وإرسالها إلى بايك لتعيد الموبايل إلى مكانه.

ومع تجربةٍ كهذه مع رجلٍ كهذا أصبح لدى بايك ما وصفته بأن هناك ما قبل فينشر وما بعد فينشر في مسيرة الممثل، لدرجة أنها عندما حضرت افتتاح فيلمها الذي صدر في العام ذاته “What We Did On Our Holiday” أصبح كل ما في ذهنها: “يا إلهي ديفيد كان سيكره هذا الفيلم”، مما يعني أن الرهبة لم تقل منذ اختيارها للدور وإصابتها بحمّى في الليلة السابقة لأول يوم تصوير جعلتها تلجأ لـ توم كروز الذي عملت معه سابقًا لأخذ النصح، ليطمئنها النجم ببساطة: “ثقي بنفسك. أنتِ بين يدي مخرج عظيم. أنتِ جاهزة”.

عن اختيار بين آفليك وأثره في عملية التصوير واختيار الممثلين وفي الممثلين، اختيار كاري كون وإيميلي راتاجاوسكي وأسبابه وموقف فينشر منه، نهج فينشر في العمل ودقته وإعاداته واستجابته لصيت تلك الإعادات، طريقة تعبيره عن الموسيقى التي أرادها ومصدرها، والمشهد الذي أكّد لـ آفليك وروزاموند بايك أنهما في صدد عملٍ لم يشاهدا أو يسمعا بمثله سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Gone Girl .

White God

“قادرٌ على مسِّك قدرة الحب والفن”

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج كورنيل موندروتزو
المدة 121 دقيقة (ساعتين)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من عنف دموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الهنغارية
تقييم IMDB 6.9

دومًا هناك عنصرٌ أو عناصرٌ تُحمّل مسؤولية تقصير طريق الفيلم إلى الذاكرة، فهناك من يحمّلونها لبعض الغرابة، آخرون لجماهيرية الإطار العام، للوزن الحسي لخطٍّ أساسي أو ثانوي في القصة، أو للغنى الفكري المرتبط بحال من يشاهدون ومشاكلهم، دومًا هناك ذاك العنصر في مفضلاتنا، وهذا الفيلم لم يكتف بعنصرٍ واحد.

في هنغاريا حيث لا يسمح باقتناء كلابٍ لا تنتمي للسلالات الهنغارية الرفيعة، تملك ليلي (زوفيا بسوتّا) الطفلة لأبوين مطلّقين هاغن، أحد تلك الكلاب الممنوعة، وبالتالي لا بد أن يُبعد عنها عاجلًا أو آجلًا، ولابد أن يصبح إيجاده غايتها، إيجاد كلبٍ لا حاجة بأحدٍ إلا لجوعه والكائن الذي يحوله إليه ذاك الجوع.

كتب كورنيل موندروتزو، فيكتوريا بيتراني، وكاتا فيبر نص الفيلم، منطلقين من غاية البساطة إلى غنًى صادم، وبشكلٍ تدريجي، يصعب إدراكه خلال عمله، ولا بد من إدراك آثاره المبنية بهدوء وذكاء، أساسها شخصياتٌ حسنة التقديم، وأحداثٌ دقيقة التوالي خطرة الإيقاع، لا تسابقك إلى الآتي ولا تسابقها، فقط تغذي صدمةً أو تأتي بأخرى.

إخراج كورنيل موندروتزو يكسب تحدي ضبط الإيقاع بجدارة، جاعلًا أثر فيلمه متسللًا ماكرًا، وملاحقًا ما أن يصل مبتغاه، يعيقه عن ذاك الوصول أحيانًا بعض الاختيارات غير الموفقة والمُشتِّتة لحركة الكاميرا المحمولة، لكن حسن انتقالاته والارتقاء بالحالة ووزنها المستمرين بتقدم الفيلم يتجاوزان تلك العوائق، خاصةً مع إدارته المجزية لممثليه، واهتمامه بتقديم صورٍ ومتتالياتٍ للذاكرة تحبس الأنفاس.

أداءات جيدة جدًّا من فريق العمل وخاصةً الطفلة زوفيا بسوتّا، وتصوير لم يستطع التخلص من الآثار السلبية لبعض اختيارات موندروتزو لكنه كان جسرًا يليق بعبور الإيجابية من مارسيل ريف.

 

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأهم أحداثه.

Gett: The Trial of Viviane Amsalem

“أعطني حرّيّتي”

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج رونيت إلكابتز، شلومي إلكابتز
المدة 115 دقيقة (ساعة و55 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة العبرية
تقييم IMDB 7.7

إن أخذنا موضوعه فقط بعين الاعتبار، وجدنا مشاهدته واجبًا إنسانيًّا على كل عربي، أما إن أخذنا مستواه الفني فقط بعين الاعتبار، أصبحت مشاهدته واجبًا على كل إنسان، الفن حس، وما يستثيره هذا الفيلم في قلب مشاهده بفنه يجعل لغته عالمية.

في إسرائيل حيث لا زواج ولا طلاق مدنيين، تطلب فيفيان أمسالم (رونيت إلكابتز) المتزوجة منذ ثلاثين عامًا الطلاق من زوجها إليشع أمسالم (سيمون أبكاريان) في المحكمة، حيث السلطة الأكبر لزوجها لا للقضاة.

كتب الزوجين رونيت إلكابتز وشلومي إلكابتز نص الفيلم، مركزين جهودهما في الواقعية فيأتي الأثر دون تركيز الجهد على الوصول إليه تحديدًا، يأتي كنتيجة للحقيقة، لحكايةٍ ترويها قاعةُ محكمتهم الصغيرة، لم يكونا بحاجةً لما خارجها، ليس لأنهم أقحماه داخل جدرانها كسلًا، لأنه يسكن هناك بالفعل، شخصياتهما تخبرنا عن نفسها بأن تكون من هي، كذلك حين تضحكنا وحين تبكينا، لا تقصد ذلك هي فقط كذلك، خاصةً مع الحوارات التلقائية العبقرية التي يستحيل العثور فيها على أي توجيه ملموس.

إخراج رونيت إلكابتز وشلومي إلكابتز يجعلك قاضٍ وشاهدًا ومدّعيًا ومدّعًى عليه، دومًا تشارك عين أحد من تجمعهم تلك القاعة الرؤيا، قربك من ملامحهم قربه وبعدك بعده،  لكنك لا تشاركه بالضرورة مافي قلبه، وبهذا تصبح القاضي الرابع، مما يجعل مهمتك الأصعب على الإطلاق خاصةً مع الإدارة الرائعة من الزوجين لممثليهما، وعبقرية توظيفهما للنتيجة باستكشاف تفاصيل ملامحهم وجعل دواخلهم لا تحتاج لكلماتٍ تصفها بقدر ما تحتاج لقلبٍ حيٍّ يحسّها، كل هذا مع الإخلاص الكامل لواقعية وصدق نصهما يحول ما قد لا يثير كل ذاك الحماس لدى الحديث عنه إلى دراما تأسر القلب وتحرق الأعصاب.

أداءات رائعة من رونيت إلكابتز بغنى ما يرويه صمتها، وداليا بيغر في دور دونا أبو قسيس بظهورها القصير صاحب الأثر الذي لا يفارق الذاكرة، أداءات ممتازة من باقي فريق العمل وخاصةً ميناشيه نوي، ساسو غاباي، وسيمون أبكاريان، وتصوير ممتاز من جين لابواري.

حاز على 15 جائزة ورشح لـ16 أخرى أهمها الكرة الذهبية لأفضل فيلم أجنبي.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأحداثه.

Shrew’s Nest

“بداية مخرجيه وكاتبيه.. عساها تكون النهاية.”

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 3/10
المخرج خوانفير أندرياس، إستيبان رويل
المدة 91 دقيقة (ساعة و31 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة الإسبانية
تقييم IMDB 6.7

الاستسهال الوقح منفر بشكل قد يحقق أثارًا عكس المراد منه تمامًا، وفي فيلمٍ كهذا يجعلك تتحسر على أي تميزٍ فيه، لأنه يهدره ويظلمه، بالتأكيد استحقت موهبة ماكارينا غوميز فيلمًا أفضل.

في إسبانيا الخمسينات تعيش مونتسي (ماكارينا غوميز) مع أختها الصغيرة (ناديا دي سانتياغو)، فقط معها ولا صلة لها بالواقع والحياة خارج باب المنزل غيرها، فالاقتراب منه يوقظ ذعرًا مجهول المصدر من كل ما يوجد خارجه، وشخصٌ ما يفد من الخارج يهدد وجوده السلام الذي تعيشه الأختين.

كتب خوانفير أندريس وسوفيا كوينكا نص الفيلم، بأسلوبٍ ساذجٍ صريح، فلديهم شخصيةٌ رئيسية تملك أساسًا ودوافع، وشخصيات أخرى وظيفتها الوحيدة والغاية من وجودها دفع الأحداث بحيث تظهر نتيجة تلك الدوافع ومصدرها، بغض النظر عن أي منطق أو امتلاك تلك الشخصيات لغير أسمائها، مع مراعاة إظهار ذلك في الحوارات.

إخراج خوانفير أندريس وإستيبان رويل معجبٌ بالنص لدرجة تحريم المساس به على أنفسهم، فقط يديرون الكاميرا بعد وضعها حيث اعتادت أن تكون في أفلامٍ كهذه، ويكتفون بإخبار ممثليهم بما يقولونه وما يقومون به من حركات، ويتركون لهم حريةً مطلقة فيما تبقى، فيمكنهم إضافة أداء مميز، ويمكنهم فقط الاكتفاء بالكلمات والحركات، يالها من إدارة ثورية!

أداء ممتاز من ماكارينا غوميز يشكل مع الأداء الجيد من لويس توسار جميع إيجابيات الفيلم، أداء بليد من ناديا دي سانتياغو، وأداءات مقبولة من باقي فريق العمل، تصوير عادي من آنخيل أموروس، وموسيقى لا تضيف ولا تنقص من يوان فالينت.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأحداثه.

Court

“لا نحتاج أفلامًا كهذا، نحتاج لهذا الفيلم تحديدًا”

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج تشيتانيا تامهان
المدة 116 دقيقة (ساعة و56 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة الهندية
تقييم IMDB 7.9

أغلبنا يقولون أن الواقع ممل ولا يصلح للسينما، فنحن نعرفه ونحفظه ونضطر للتعامل معه يوميًّا، لكن بمشاهدة هذا الفيلم ستدرك أنك لا تعرف عن الواقع بقدر ما تتخيل، أو أنك لا تعرف شيئًا.

نارايان كامبل (فيرا ساثيدار) مغني شعبي ومدرّس متقاعد يبلغ من العمر 65 عامًا، يتم القبض عليه بتهمة تحريض عامل تنظيف مجاري على الانتحار عن طريق إحدى أغانيه.

كتب تشيتانيا تامهان نص الفيلم، عناصره فروع شجرةٍ بذرتها من إنسانيةٍ وصدق، سقاها وعيًا واجتهادًا في القراءة والبحث وحضور الجلسات في المحاكم على مدى أكثر من ثلاث سنوات، فأثمرت شخصياتًا حية، قادرةً على أن تكون نفسها بكيانها الخاص، وعلى أن تمثل فئاتًا مجتمعية متعددة، كما تأتي الأحداث التي يمرون بها بملامحٍ من فئاتٍ أخرى تجعل الصورة أكبر، وتفاصيلها أغنى، خاصّةً مع الحوارات العبقرية المصاغة بطريقةٍ تشعرك أنها فقط إعادة إحياء لمثيلتها في الحقيقة، لكنها في الوقت ذاته تجعل سماعك لمثيلتها بعد ذلك يختلف تمامًا عما كانه من قبل، ويتخلل كل هذا لمسات كوميديا استثنائية، كوميديا الواقع.

إخراج صاحب التجربة الاولى تشيتانيا تامهان يشعرك أن كاميرته كعين صديقك الذي تعهد إليه بحجز مقعدك في صالة السينما، فلديه من الخبرة ما يجعله يعرف دومًا زاوية الرؤية الأفضل، والتي لا يفوتك بفضلها أي تفصيل، لكن في حالة تامهان فهي الزاوية الأفضل لرؤية الواقع، الأفضل وليست الأسهل، فهو لا يدلك على ما يجب أن يستثير اهتمامك أو مشاعرك أو فكرك، لا يدلك على الخطأ أو الصواب، الخير او الشر، هو فقط يجعلك ترى صورًا أكبر ومعتنًى بترتيبها، وما يجعل تلك الصور حقيقية بقدر الحقيقة، إدارته الإعجازية لممثليه، فريقٌ مكونٌ بأغلبه من أناسٍ يمثلون لأول مرة أو لا يملكون الخبرة المناسبة، وحتى من يملكون الخبرة فيهم من الصعب أن يكونوا قد مروا على ما يشبه كاميرا تامهان، كاميرا لا تريد أن يمر ضمن مجالها من أتى من أجلها، بل تريد بكل بساطة أن يقوم كلٌّ بعمله، من أتى للمحكمة من أجل قضيةٍ فليتابعها، كذلك من جلس مع أهله لوجبة الغداء، كذلك من يركب القطار عائدًا إلى بيته، ولذلك تم تخصيص يوم كامل لتصوير كل مشهد، وبلغت الإعادات لبعض المشاهد أكثر من 60 إعادة للوصول إلى ما شاهدناه.

أداءات يصعب وصفها بأداءات من فريق العمل، فهؤلاء لم يمثلوا ولم يفكروا أصلًا في وجود الكاميرا، بل مارس كلٌّ منهم حياته، أو حياة الشخصية التي يؤديها، يصعب إيجاد الفرق، مع تصوير ممتاز من مرينال ديساي.

حاز على 16 جائزة أهمها جائزة أفق البندقية في مهرجان البندقية، ورشح لـ6 أخرى.

الفيلم الذي قدمته الهند للمنافسة على أوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 2014.

تريلر الفيلم: