أرشيف الوسم: إيلين برستين

حقائق قد لا تعرفها عن Requiem for a Dream (الجزء الثاني)

عن نهج أرونوفسكي في خلق أدق التفاصيل البصرية والحسية وتطلُّبه من ممثليه والنتائج، خطأ أُدرِك لحظة وقوعه وتم ترك نتيجته تصل إلى الشاشة لما تحمله من صدق أكسبها الخلود، اقتباساتٌ وتحيّاتٌ سينمائية عن وإلى النخبة، صدفة وموسيقى تصويرية تاريخية، وما قاله أرونوفسكي عن محتوى فيلمه الحقيقي سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Requiem for a Dream .

.

.

فيما يلي حرق لأهم أحداث الفيلم:

.

.

.

قضى أكثر من ثلاث ساعات في تصوير ما سيظهر على الشاشة خلال 20 ثانية، وهو مشهد تنظيف الشقة الذي صوِّر بعدسة تايم لابس تمر على أركان الشقة ببطء شديد بينما تتحرك إيلين برستين بسرعة مريبة بالفعل، مع التلاعب بالإضاءة لبيان مرور الوقت، ليستغرق التصوير في المرة الواحدة أكثر من 40 دقيقة، ويعيد أرونوفسكي المشهد 3 مرات. لا يُستغرب بعد كل هذا طبعًا أن الأجزاء الداخلية للثلاجة المخيفة قد ذابت من الداخل بفعل حرارة معدات الإضاءة.

ولم تمانع المجتهدة برستين ذلك، بل استمرت بالإبداع مشهدًا بعد مشهد ولقطةً بعد لقطة، ولعل المصور ماثيو ليباتيك الشاهد الأكبر على ذلك، فقد قطع عمله أرونوفسكي في مشهد مونولوج السيدة غولدفارب الخالد عما يعنيه التقدم في السن وحيدًا، ليستعلم منه عن سبب ابتعاده عن كاميرته خلال التصوير، ويوضح ليباتيك أن بكاءه أمام عظمة أداء برستين جعل العدسة ضبابية فاضطر للابتعاد عنها، وتأكد أرونوفسكي من أن تجد تلك اللقطة غير البالغة الكمال الذي يحرص عليه في التصوير طريقها إلى النسخة النهائية.

وليس هذا غريبًا عمّن رفض أن يكون ذهاب هاري إلى ميامي وتورط ماريون في عالم الجنس الرخيص نهاية وجود كلٍّ منهما في حياة الآخر كما كان الأمر في الرواية الأصل، فأضاف مشهد المكالمة الهاتفية، ولمنحه أعلى درجة من الصدق جعل ليتو وكونيلي يقومان بالمكالمة بالفعل ويرتجلان حديثها وصورهما في اللحظة ذاتها في موقعين متجاورين.

كما لم يقتصر إجهاده لممثليه كجزء من توجيهه العبقري لهم على بطلته المبدعة، فقد جعل ليتو ومارلون وايانز يتجنبان السكر وكل ما يحتويه واللحم الأحمر وممارسة الجنس لثلاثين يومًا لمعرفة ما يعنيه التوق المرضي.

وقام بشراء حقوق صناعة فيلم حي مبني على الفيلم الرسومي الياباني العبقري Perfect Blue للراحل ساتوشي كون فقط ليستطيع إعادة خلق لقطتين رائعتين منه واللتين تجريان في حوض استحمام ماريون، العلوية وتلك التي تصور صراخها تحت الماء، بالإضافة لتحية كلاسيكية فرانسيس فورد كوبّولا The Godfather باستعماله الإشارة ذاتها المنذرة بالشر هناك وهي البرتقال، كشاحنة البرتقال لدى ذهاب هاري وتايرون للحصول على شحنة مخدرات جديدة.

لكن كل هذا ما كان ليكفي لوصول الفيلم إلى المكانة التي يحتلها الآن لولا أن القدر شاء أن يكون كلينت مانسيل رفيق درب أرونوفسكي، ويقف في وجه اختياره الخاطئ للموسيقى التصويرية التي أرادها إعادة توزيع لموسيقى وأغاني كلاسيكيات الهيب هوب، ولم ير مانسيل في ذلك ما يناسب الصورة وحالتها حتى بعد التجربة، فعرض على أرونوفسكي بعض المقطوعات التي عمل عليها مؤخرًا، وكانت النتيجة مقطوعاتٍ ترددت على ألسنة وفي ذاكرة الملايين عرفوا مصدرها أم لم يعرفوا.

وبالحديث عن الموسيقى، يُسمع في بداية المشهد الافتتاحي للفيلم تحضيرُ كماناتٍ ونقرة عصا المايسترو ليؤذن ببداية العزف، أما عن الفرقة فهي كرونوس، وأما عصا المايسترو فقد كانت بيد أرونوفسكي.

“لم أكن أبدًا مهتمًّا بصنع فيلمٍ عن المدمنين، أجدهم مملين جدًّا، فعمَّ الفيلم إذًا؟!، هو فيلم وحوشٍ حيث الوحوش هنا لم تكن مرئية، بل عاشت في أذهانهم، هو فيلمٌ عن الحدود التي يمكن أن يصلها البشر للهروب من واقعهم، هو فيلمٌ عن الحب، عما يحدث عندما يذهب في الاتجاه الخاطئ..”، هذا مما قاله أرونوفسكي عن Requiem for a Dream حين سئل عما ألهمه لصنعه.

سارة (غولد)فارب أرادت المظهر البراق كالذهب، هاري (غولد)فارب وماريون (سيلفر) أرادا أن يملكا ما يكفي من المال (الذهب والفضة) لحياةٍ أفضل بأسرع طريق، تايرون (لوف) أراد دفءًا وحبًّا كالذي كان له في حضن أمه، وفي النهاية يتمدد كلٌّ منهم على جانبه الأيمن مقرّبًا ركبتيه إلى صدره في وضعٍ جنيني.. طامعًا بولادةٍ جديدة..

requiem-for-a-dream2

حقائق قد لا تعرفها عن Requiem for a Dream (الجزء الأول)

أحد أكبر انتصارات السينما المستقلة فنيًّا وجماهيريًّا، ضمن قائمة مجلة Premiere لأخطر 25 فيلم في التاريخ، فيه الأداء الذي اعتبرته صاحبته القديرة إيلين برستين أهم إنجازٍ في مسيرتها، غزت موسيقاه ذاكرة الملايين ممن لم يشاهدوه حتى، وكان نقطة تحول تاريخية لمخرجه الشاب بعد أن أنقذه من أدراج الاستديوهات الضخمة التي قلما يخرج نصٌّ استقر فيها مرة، Requiem for A Dream وقصة صنعه.

عام 1978 وحين كانت دور الرعاية الصحية وإعادة التأهيل أشبه بمراكزٍ للتعذيب النفسي والجسدي، صدرت لـ هيوبرت سيلبي جونيور روايةٌ بعنوان Requiem for A Dream ارتبطت بشكلٍ أو بآخر بتلك الدور، لكن لم تحقق كل ذاك الانتشار وقتها، وإنما تركت في ذاكرة أحد معجبي كتابات سيلبي أثرًا سيأخذه إلى قمة نجاحه بعد أكثر من عقدين.

وطبعًا كان ذاك المعجب دارين أرونوفسكي الذي حقق فيلمه الأول Pi أصداءًا مبهرة جعلت أكبر استديوهات هوليوود تطلبه وتعرض عليه تمويل أي فيلمٍ يرغب بصناعته، إلا أن عرضه فكرة فيلمنا هذا عليهم جعل هاتفه يحافظ على صمته وقتًا طويلًا، واتضح أنهم نسيوا إكمال الجملة في حديثهم معه وقول: “أي فيلمٍ (ذو قبولٍ جماهيريٍّ مضمون الأرباح)”.

وهذا منحه وقتًا أطول للعمل على النص، لا سيما أن المسودة الأولية التي أعدها سيلبي قبل سنوات من مجيء أرونوفسكي إليه ولم تجد طريقها إلى الشاشة ضاعت، لتظهر لاحقًا ويفاجأ الاثنين بأن نصيهما متطابقين بنسبة تصل إلى %80.

خاصةً في السوداوية التي جعلت  الرعب يدب في قلب إيلين برستين لدى قرائتها للنص لأول مرة ويدفعها لرفض عرض المشاركة في البطولة، لكن سرعان ما تغير موقفها بعد مشاهدتها Pi وتأكدت أنها بصدد تجربةٍ تستحق العناء، وجميعنا نعلم الآن أنها كانت على حق.

وإن قضت 4 ساعات في بداية كل يوم تصوير على كرسي الماكياج، ارتدت خلالها أربع رقبات صناعية مختلفة الأحجام بين هزيلة وضخمة، بزتين جلديتيتن مظهرتين للوزن لمرحلتين مختلفتين، وتسع قطع من الشعر المستعار، بالإضافة لتثبيت الكاميرا عليها في عدة مشاهد.

كذلك جاريد ليتو خسر قرابة 12 كيلوغرامًا من وزنه وصاحب بعض مدمني الهيروئين تحضيرًا لدوره، كما قامت جينيفر كونيلي بتعلُّم حياكة الملابس وأصبحت مصممة أغلب ملابسها خلال الفيلم، أما كريستوفر ماكدونالد فلم يعلم أحدٌ طبيعة التحضيرات التي قام بها ليستطيع تصوير مشاهده كلها في يومٍ واحدٍ وارتجال جزءٍ كبيرٍ منها، ليقف فريق التصوير كاملًا في نهاية ذاك اليوم مصفقًا له ومرددين عبارته الشهيرة: “We Have A Winner!”.

ومن المثير معرفة أن شخصيته كاملةً هي من ابتكار أرونوفسكي، ففي حين أشارت الرواية إلى برامج تلفزيونية معتادة وقت صدورها لم يرد أرونوفسكي تحديد زمن أحداث الفيلم، وأراد شيئًا يمكن المرور به على شاشة التلفاز خلال العقود القليلة المنصرمة، فأتى بفكرة العرض ومقدمه الرائعة.

هذه فقط واحدة من لمساته في النص، والتي فاقتها لمساته الإخراجية تميزًا وارتقاءً بالعمل، بدايةً من التصوير الشبيه بفيديوهات أغاني الهيب هوب المصورة بقصر اللقطات لترسيخ حالة الإدمان وفقدان السيطرة، ففي حين يتكون فيلم مدته 100 دقيقة عادةً من 600 إلى 700 لقطة، كان في فيلمنا هذا أكثر من 2000 لقطة!

عن نهج أرونوفسكي في خلق أدق التفاصيل البصرية والحسية وتطلُّبه من ممثليه والنتائج، خطأ أُدرِك لحظة وقوعه وتم ترك نتيجته تصل إلى الشاشة لما تحمله من صدق أكسبها الخلود، اقتباساتٌ وتحيّاتٌ سينمائية عن وإلى النخبة، صدفة وموسيقى تصويرية تاريخية، وما قاله أرونوفسكي عن محتوى فيلمه الحقيقي سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة أكثر قداسِ حلمٍ مهابةً.

حقائق قد لاتعرفها عن One Flew Over the Cuckoo’s Nest (ج1)

تم عرضه في صالات السينما في السويد لـ12 عامًا، ثاني ثلاثة أفلام فازت بأوسكارات الفئات الرئيسية الخمس (أفضل فيلم، إخراج، نص، وممثل وممثلة بأدوار رئيسية)، اعتُبر أكثر فيلم كيوبريكي لم يصنعه ستانلي كيوبريك، والفيلم المفضل لصانع “A Beautiful Mind” رون هاوارد، وهذه قصة صنعه التي امتدت لأكثر من 20 عامًا.

عام 1961 عثر كيرك دوغلاس على روايةٍ أثارت اهتمامه ما زالت في مرحلة الطباعة بعنوان “One Flew Over the Cuckoo’s Nest”، ألفها كين كيسي بناءً على تجربته في مستشفى المحاربين القدامى في بالو آلتو بكاليفورنيا حين عمل في إدارتها، فقام دوغلاس على الفور بشراء حقوقها ومجهزًا نفسه لدور البطولة، وهذا ما حدث بالفعل في النسخة المسرحية من الرواية التي بدأت عروضها عام 1963.

لكن ذلك لم يمهد لنسخة سينمائية قريبة، فقد رفضت المشروع جميع الاستديوهات التي اقترحه عليها مرةً بعد أخرى، إلى أن قابل مايلوش فورمان في براغ ووجد فيه المخرج المثالي والذي سيدعم موقفه، واتفقا على أن يرسل إليه نسخةً من الكتاب، إلا أن الرقابة التشيكية منعته من الوصول دون إعلام أحد، مما جعل دوغلاس يستاء من وقاحة ما ظنه تجاهل فورمان له، في حين اعتبر الأخير دوغلاس رجلًا ليس على قدر وعوده، ولم يعلم كلاهما الحقيقة إلا بعد أكثر من عقد حين انتقل المشروع ليد مايكل دوغلاس، ليتواصل مرةً أخرى مع فورمان، ويقدم له النص الذي أعدّه كيسي كاتب الرواية ذاتها، مُعدًّا كالرواية من وجهة نظر الزعيم برومدن، الأمر الذي لم يرُق لـ فورمان فرفضه وطلب البحث عن كاتبٍ آخر، واضعًا أساسًا لحربٍ أعلنها كيسي على الفيلم وصناعه خرج منها بـ 2.5% من الأرباح.

وتم بالفعل إسناد المهمة لـ بو غولدمان ولورنس هوبن اللذين أتيا بما نال إعجابه وإعجاب الملايين، لكن كل هذا لم يشجع الاستديوهات بما يكفي، خاصةً أنه قد مضى على صدور الرواية وضجته قرابة عقدين، وانتهى المشروع كإنتاجٍ مستقل متواضع لشركة “Fantasy Films” ومايكل دوغلاس، الذي بدأ بالبحث عن مواقع في الشاطئ الغربي، ووقع اختياره على مستشفى مقاطعة أوريغون كون مديرها وعد بمنحهم صلاحياتٍ كاملة، ليقيم فورمان في المستشفى لأربع أسابيع قبيل التصوير مراقبًا أدنى التفاصيل.

ربما ليقارن ما فعله حين اختار ممثليه بما يجري فيها، فقد كان يجري تجارب الأداء عن طريق أن يُجلس ممثليه في حلقات علاج نفسي، وأراد لبطله أن يكون نجمًا كبيرًا بينما يكون البقية غير معروفين، ليحسوا به قائدًا، فتم ترشيح مارلون براندو، جين هاكمان، ستيف ماكوين، جيمس كان، برت رينولدز، وجاك نيكلسون كما سعى جون فويت ليكون في مقدمتهم، وكان رينولدز ونيكسلون هما الخيارين النهائيين، مع ميل فورمان للأول على عكس المنتجين الذين أرادوا ممثلًا كسب اعترافًا أكبر بقدراته كـ نيكلسون، وكان لهم ما أرادوا.

آن بانكفورت، إيلين برستين، فاي داناواي، كولين دوهرست، جين فوندا، أودري هيبورن، أنجيلا لانزبري، جين مورو، شيرلي ماكلين، وجيرالدين بيج كن ممن عرض عليهن دور الممرضة راتشيد، كما كانت باتريشا نيل ممن سعين للفوز به، إلى أن شاهد فورمان فيلم “Thieves Like Us” لـ روبرت ألتمان، وأعجب بأداء لويس فليتشر فيه، لكن انضمامها للمشروع لم يكن بهذه السهولة ولم يجر إلا قبل أسبوعٍ من بداية التصوير، فقد استمر فورمان بإعادة تجربة أدائها على مدى ستة أشهر، يبلغها في كل مرةٍ أنها لم تبلغ بعد المستوى المناسب، ويطلبها بعد فترة لتجربةٍ جديدة.

أما بالنسبة لـ داني ديفيتو وويل سامبسون فقد كان الأمر أسهل بكثير، ديفيتو كان أول ممثلٍ ينضم للفريق، بينما كان سامبسون مشهورًا في مسابقات رعاة البقر، وبعد يأس الجميع من إمكانية إيجاد من يناسب الصفات العرقية والجسمانية لشخصية الزعيم برومدن، أوصى به ميل لامبرت الذي شاهده في الحلبة، وكان هبةً من السماء لم يفكروا كثيرًا قبل الموافقة على أن يكون الزعيم.

عن أساليب فورمان في تحضير فريقه وطريقة عمل كاميرته معهم، نتائج ضغط التصوير التي قد تزيد عدد المرضى الحقيقيين في فريق العمل أو تنقصهم، ارتجالات نيكلسون ومشاكله مع فورمان، الجزء الآدمي من لويس فليتشر، واقتراب العمل من أن يكون أحد الإنتاجات الضخمة لـ “20th Century Fox” وسبب بقائه مجرد اقتراب سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن رائعة الجنون.