أرشيف الوسم: بول نيومان

حقائق قد لا تعرفها عن Ben-Hur (الجزء الأول)

الملحمة الإنجيلية السينمائية الأروع والأكثر خلودًا، الفائز الأول بـ11 أوسكارًا، مغامرة شركة “MGM” الأكبر والأخطر إثر مقاربتها الإفلاس والتي أثمرت إعادتها إلى القمة وفوزها الأخير بأوسكار أفضل فيلم، يحتل المركز الثاني على قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأروع الأفلام الملحمية في التاريخ، فيه ما يُعتبر أروع متوالية أكشن وُضعت على شريط سينمائي، وعنه فاز أحد أكبر أساطير زمنه تشارلتون هيستون بأوسكاره الوحيد، Ben-Hur وقصة صنعه.

في أواخر عام 1952 أعلنت شركة “MGM” أنها ستعيد صناعة “Ben-Hur: A Tale of the Christ”، النجاح الأول الذي جعلها تجد مكانها بين حيتان الإنتاج السينمائي المستند إلى رواية ليو والاس الصادرة عام 1880، مع وضع أكبر نجوم الشباك لديها في عين الاعتبار كـ ستيوارت غرانغر، روبرت تايلر، مارلون براندو، وآفا غاردنر، وخلال الأعوام الأربعة التالية عهدت لـ سام زيمباليست بمسؤولية الإنتاج والذي طلب من كارل تونبرغ إعداد نص الفيلم، ولـ سيدني فرانكلين بمهمة الإخراج واختير مارلون براندو بطلًا للفيلم، وقدّرت الميزانية بسبعة ملايين وأُعلن بدء التصوير مع حلول الشهر الرابع من عام 1956 في إسرائيل أو مصر.

حال مرض فرانكلين دون توليه مهمة الإخراج فأوقِف العمل على الفيلم، ومع خسارة الاستديوهات السلطة التي كانت لها على صالات السينما بمرسوم عام 1948 ومنافسة التلفزيون المتزايدة بدأت تتهاوى أرصدة “MGM” وكان عليها اتخاذ خطوات سريعة ومصيرية، ليأتي نجاح ملحمة سيسيل ب. ديميل “The Ten Commandments” المُبهر كإشارةٍ لهم بأن ملحمتهم المنتظرة ستكون المُنقِذ، فعرض زيمباليست كُرسيّ فرانكلين على من عمِل كمساعد مخرج في الأصل الصامت وأحد أكبر مخرجي عصره وكل عصر ويليام وايلر.

ليرفض الأخير لاعتباره نص تونبرغ بدائيًّا وعظيًّا بحواراتٍ أقرب لعصرنا من عصر القصة وذات دلالات سياسية مباشرة، فعرض زيمباليست عليه بعض الرسومات الأولية لمتوالية سباق العربات الشهير وأكد مرونة تعديل النص وأن الميزانية قابلة لتصل إلى 10 ملايين مع أجرٍ لم يكن لمخرجٍ قبله يبلغ 350 ألف مع نسبة من الأرباح، فوافق وايلر متحمّسًا بقدر قلقه لنوعٍ لم يجرّبه من قبل وطامعًا بأن يتفوق على أهم منافسيه وصاحب “The Ten Commandments”.

ومن هنا بدأت إحدى أكثر قصص كتابة النصوص جدلًا في تاريخ هوليوود، فأتى وايلر بدايةً بالكاتبين المسرحيّين س. ن. بيهرمان وماكسويل أندرسون لإعداد مسوداتٍ جديدة، ليراجع حواراتها غور فيدال رغم رفضه التعاون في البداية لكن بوعد وايلر له أن يُخلّصه من العامين الباقيين في عقده مع “MGM” وافق، خاصةً أنه كان قد قام ببحثٍ حول الإمبراطور الروماني جوليان في القرن الرابع الميلادي ويستطيع الإفادة منه، ثم مع بدء التصوير استُدعي الكاتب المسرحي كريستوفر فراي والذي اعتبره الكثيرون شكسبير عصره، ليتواجد في موقع التصوير جاهزًا لإعادة كتابة الحوارات وأحيانًا مشاهد كاملة، مما جعله الوحيد بين الكُتّاب الذي ذكره تشارلتون هيستون في خطاب شكره لدى فوزه بالأوسكار. ومن ناحية المنتجين أرسلوا بين هيكت أيضًا لموقع التصوير للعمل على الحوارات دون أن تصل نتائج عمله إلى النسخة النهائية.

هذه الرواية الناتجة عن تقاطع العديد من الروايات والتي لم تكن ما وصلت إليه نقابة الكتّاب الأمريكية فلم تعتمد إلا تونبرغ كاتبًا وحيدًا للنص، الأمر الذي أثار غضب وايلر فأوصل روايته حول إسهامات الكتّاب الآخرين للصحافة مثيرًا جدلًا يُعتقد أنه السبب الأبرز لكون ترشيح الفيلم لأوسكار أفضل نص هو الوحيد الذي لم يُتوّج بفوز. ويُروى أن أربعين مسودةً كُتِبت خلال كل تلك الإعادات.

لم ينتظر زيمباليست خلال كل ذاك الوقت، بل عهد لـ هنري هينيغسون، ويليام أ. هورنينغ وإدوارد كارفاغنو بتصميم الإنتاج منذ بداية تعيينه منتجًا، وبعد خمس سنوات من البحث التاريخي حول عصر القصة بدؤوا ببناء المواقع عام 1956 في استوديو شينشيتا في إيطاليا بعد رفض حكومة ليبيا السماح لهم بالتصوير في صحرائها كون موضوع الفيلم يخص المسيحية، والرفض ذاته أتى من إسرائيل حين طلبهم التصوير في القدس.

بلغ عدد المواقع 300 انتشرت على امتداد 60 هكتارًا واستغرقت 14 شهرًا من العمل، مستهلكةً 40 ألف قدم مربع من الخشب، أكثر من 450 ألف كيلوغرامًا من الجص، وقُرابة 250 ميل من الأنابيب المعدنية، الكثيرُ منها استُعمل في بناء موقع للقدس امتد لنصف ميل متحرّيين الدقة التاريخية.

فيتوريو غاسمان، مونتغومري كليفت، توني كرتيس، سيزار دونوفا، فان جونسون، إدموند بردوم، بول نيومان، برت لانكاستر، وروك هودسون كانوا من مُرشّحي دور جوداه بين-هور، بينهم من لم يجد فيه وايلر بطله كبعض الممثلين الطليان، وبينهم من رفض كـ نيومان الذي خرج منذ وقتٍ قريب من تجربةٍ مشابهة لم تكن بتلك المتعة، لانكاستر الذي وجد النص مملًّا وشبه تبشيريّ خاصّةً أنه ملحد، وهودسون لصالح بطولة فيلم “Farewell to Arm”، حتى استقر الأمر على تشارلتون هيستون الذي رُشّح لدور ميسالا بدايةً، وكان هو من أوصى بـ هايا هاراريت لدور إستر الذي رُشّحت له آفا غاردنر وبيير أنغلي.

كما رُشّح ستيوارت غرانغر، ليزلي نيلسن، روبرت رايان، وكيرك دوغلاس لدور ميسالا ورفض الأخير لإعجابه بدور بين-هور وعدم نيته تمثيل دورٍ ثانويٍّ شرّير، وبذهاب الدور لـ هيستون قرّر دوغلاس البحث عن ملحمته الخاصّة التي سينافس بها ملحمة وايلر وكانت ” Spartacus”، وذهب الدور في النهاية لـ ستيفين بويد الذي أخذ الأمر بجدية لدرجة إطلاقه لحيته من أجل الدور ليكتشف فيما بعد أن هذه لم تكن الموضة الرومانية في ذاك العصر.

ولن تكون هذه آخر المفاجآت، فسيكتشف هو والجميع لاحقًا أن سمعة ويليام وايلر كمخرجٍ وجد مكانته الاستثنائية في تاريخ السينما لا تعني على الإطلاق أنه شخصٌ لطيف المعشر، فمثلًا، حين بدأت ميزانية الفيلم تخرج عن السيطرة ووصلت من 7 ملايين في البداية إلى أكثر من 15 مليون لدى بدء التصوير، جاء رئيس “MGM” جوزيف فوغل إلى وايلر وشرح له حساسية الأمر وسأله فيما إذا كان يمكنه فعل أي شيء حيال ذلك، ليجيب وايلر: “لا، شكرًا لك.”، ويذهب فوغل في رحلة عمل لخمسة أسابيع ثم يعود إلى موقع التصوير ليجد وايلر يعيد تصوير المشهد ذاته الذي كان يصوره عندما زاره أول مرة، جاهلًا إن كان وايلر بالفعل يقوم بالإعادات للمشهد ذاته خلال كل تلك الفترة.

ولا يمكن معرفة ذلك على وجه التأكيد، لكن مما لا شك فيه أن إعادات وايلر لم تكن اعتيادية، هيستون شاهدٌ على ذلك، ففي لقطة دخول بين-هور إلى منزله بعد طول غياب تمت الإعادة لثماني مرات قبل أن يسأل هيستون عن السبب، ليشرح له وايلر كيف أنه أُعجب بركل هيستون لقطعة فخّار لدى دخوله لتكون هذه الركلة الصوت الوحيد في اللقطة لكنه أرادها أكثر كمالًا، بينما ظن هيستون أن هذا ما لم يعجب وايلر فتفادى تكرار الأمر.

عن نهج وايلر في صناعة الفيلم وغِنى وصرامة تفاصيله، مشاركة هيستون في الحوارات وموقف وايلر منها وموقف هيستون من أسلوب تعامُل وايلر مع فريقه، رؤية وايلر لمحور الفيلم الحقيقي، نتائج حرصه على مصداقية الأثر، تواصله مع ديفيد لين طلبًا للمساعدة والنتيجة، صنع المتوالية التي عُدّت أفضل متوالية أكشن وُضِعت على شريط سينمائي على الإطلاق، معركة البحر، موسيقى ميكلوش روجا، تقدير المنتجين لـ إرث الفيلم، ورؤية هيستون لحقبة الملاحم التي كان له منها نصيب الأسد وما أمكن أن تكونه إن تبادل اسمين الأمكنة أحدهما وايلر سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Ben-Hur .

حقائق قد لا تعرفها عن Once Upon a Time in America ج1

ربع قرنٍ مضى بين قراءة صانعه سيرجيو ليوني للرواية الأصل وخروجه إلى النور، ليرافقه حلم تحقيقه منذ بداية مسيرته وحتى انتهائها به، فكان تاجها، وكان منافس العرّاب على عرشه، Once Upon A Time in America وقصة صنعه.

في أوائل الستينات نصح الكاتب والمنتج فولفيو مورسيلا أخيه من أمه الكاتب والمخرج والمنتج سيرجيو ليوني بقراءة مذكرات لرجل عصابات يهودي نيويوركي يدعى هاري غراي، كتبها خلال قضائه حكمًا بالسجن بعنوان “The Hoods”، وأصغى ليوني للنصيحة فأسره ما قرأ وأبى أن يغادر ذاكرته، ونما فيها حلمًا حياتيًّا تماهى مع بعض ملامح رواية “Martin Eden” لـ جاك لوندون وغزو الوهم فيها للواقع، و”The Great Gatsby” لـ ف. سكوت فيتزجيرالد والقمة التي طمع بها بطلها ليصل لقلب امرأة.

حتى عام 1970 تطور الأمر ليصبح لا رجعة فيه، لكنه اقتصر على تحويل الرواية بتسلسلها الزمني إلى فيلم، لكن مع بداية السبعينات تطورت لفكرة ملحمةٍ بميولٍ سريالية، وبدأت رحلة كتابة النص ومحاولة الحصول على حقوق الرواية التي تمسك بها صاحبها دان كرتيس، حتى لجأ ليوني إلى المنتج ألبرتو غريمالدي ليعِد كرتيس بأنه سينتج له عمله القادم “Burnt Offerings” إن منحه الحقوق وهذا ما حدث عام 1976، وإن كانت النتيجة الانتقال من عقبة لأخرى هي غريمالدي نفسه لدى انتهاء النص ورفضه إياه مبررًا ذلك بطوله الزائد ووجوب عصمة البطل عن الخطأ بشكلٍ أكبر كي يتقبله الجمهور الأمريكي.

وخلال تلك الفترة رفض ليوني عرض إخراج “The Godfather” ليركز على حلمه الأكبر، وحتى بعد حصوله على الحقوق بعام لما يكن قد استقر إلا على المشهد الافتتاحي الذي أعده بالاشتراك مع روبرت ديلون، ثم بدأ محاولةً ثانية مع ليوناردو بينفينوتي، فرانكو أركالي، فرانكو فيريني، بييرو دي بيرناردي، وإنريكو ميديولي، استمرت ثلاث سنوات حاول خلالهم أن يضم جون ميليوس إليهم لكن انشغاله بـ “Apocalypse Now” منعه، وأخرى باللغة الانجليزية مع نورمان مَيلر الذي عزل نفسه في غرفة فندق مع زجاجات ويسكي، سيجار كوبي، وآلةٍ كاتبة لثلاثة أسابيع لم ترق نتيجتهم لـ ليوني.

ثم رابعة مع ستيوارت كامينسكي ذو الخلفية اليهودية والأنسب كونه كاتبٌ لبضع قصص غموض في الأربعينيات، مما سيجعله قادرًا على الإتيان بتفاصيل الثقافة اليهودية دون أن يُضر بالغموض المحيط بشخصية نودلز، فأعطى لـ كامينسكي النص كإطارٍ خارجي طالبًا منه أن يملأه بالحوارات وكان مؤلفًا من 200 صفحة، فعاد كامينسكي بـ 400 صفحة قرأهم ليوني أمامه فور استلامهم فنالوا رضاه إلا أنه أراد كمالًا أكبر، فأعاد تنقيحه مع شريكيه الإيطاليين دي بيرناردي وميديولي، وبحلول عام 1981 اكتمل النص بصورته المُثلى وكان مؤلفًا من 317 صفحة.

لكن لم ينتظر ليوني اكتمال النص حتى يجد نجومه، بل بدأ بذلك منذ منتصف السبعينات، فاختار بدايةً جيرار ديبارديو لدور نودلز، ريتشارد دريفوس لدور ماكس، وأسطورتي كلاسيكيات السينما الأمريكية والفرنسية جيمس كاغني كـ نودلز العجوز، وجان غابان كـ ماكس العجوز، فمنهم من لم يكن مناسبًا أو متفرغًا حين استقرار الأمر ومنهم من رفض لأسبابٍ صحية أو غيرها، وفي بداية الثمانينات ارتأى منح دور نودلز لـ توم بيرينغر شابًّا ولـ بول نيومان عجوزًا، ورشّح داستن هوفمان، جون فويت، هارفي كيتل، وجون مالكوفيتش لدور ماكس، بروك شيلدز لدور ديبورا صغيرةً وليزا مينيلّي شابةً، وكلورديا كارينالي لدور كارول.

هذا بالإضافة للتواصل مع إنيو موريكوني لوضع موسيقى الفيلم التي شارف على الانتهاء منها قبل حتى الاقتراب من بداية تصوير الفيلم بكثير، ومحاولة جعل نجوم الأربعينات مثل جيمس ستيوارت، غلين فورد، هنري فوندا وجورج رافت اللذَين توفيا قبل البدء بالتصوير ضيوف شرف.

وهكذا قضى ليوني الفترة ما بين 1980 وحتى 1982 بين مقابلاتٍ مع أكثر من 3000 ممثل لأكثر من 110 دور سُجلت 500 منهم على شرائط و200 منهم للبحث عن ماكس خاصةً بعد وفاة المرشح الأبرز جون بيلوشي، البحث عن مواقع للتصوير، وتنقيح النص، عدا عن التواصل مع من رفضوا الأدوار المعروضة عليهم دون تجربة أداء كـ آل باتشينو وجاك نيكلسون مع دور نودلز، وكلينت إيستوود مع دور جيمي أودونيل.

روزانا أركيت، كيم باسينجر، ليندا بلير، غلين كلوز، جينا ديفيس، بريجيت فوندا، ميلاني غريفيث، غولدي هون، جيسيكا لانج، جينيفر جيسون لي، تاتوم أونيل، ميشيل بفايفر، ميغ رايان، سوزان ساراندون، سيبيل شيبهرد، سيسي سبيسك، ميريل ستريب، كاثلين ترنر، وسيغورني ويفر، كن ممن رُشحن لدور ديبورا بالإضافة لـ جودي فوستر وداريل هانا اللتان رفضتاه، كما فعلت جولي أندروز وكاي لينز مع دور كارول.

عن انضمام دي نيرو للمشروع وأثره في أركانه ككل، جو بيتشي وما رُشّح لأدائه وما ناله، نهج ليوني في صناعة الفيلم الذي كان حلم بداياته وكيف فاق به كل حلم، الموزعين الأمريكيين وصدور نسختهم ونتيجتها نقديًّا وجماهيريًّا وجوائزيًّا، النسخة الأصلية التي لم يشاهدها أحد، تحيات لكلاسيكيات أفلام العصابات والنهاية المثيرة للجدل سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Once Upon A Time in America .

حقائق قد لا تعرفها عن Taxi Driver (الجزء الأول)

“كابوسٌ حي لم نصحُ منه بعد”، هكذا وصفت مجلة Empire الفيلم الذي احتل المركز 52 في قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأفضل الأفلام في التاريخ، والمركز 25 في قائمة مجلة Premiere لأخطر الأفلام في التاريخ، رائعة مارتن سكورسيزي وروبرت دي نيرو Taxi Driver ، وهذه قصة صنعه.

 

عام  1972كان بول شريدر ذو الـ26 عامًا ومن يطمح بأن يجد طريقه في صناعة السينما كاتبًا ومخرجًا قد تعافي من انهيارٍ عصبي، أصابه في لوس أنجلس إثر طرده من معهد الفيلم الأمريكي، طلاقه، صده من قبل عشيقته الجديدة، وقضائه شهرين في شقة عشيقته القديمة خلال سفرها لم يخاطب خلالهما أي إنسانٍ تقريبًا خاصةً وأنه لم يملك أصدقاءًا، فقط عمل بشكل متنقل بين المطاعم كعامل توصيل، يقضي وقتًا طويلًا في سيارته لدرجة فكر أنه يمكن أن يعمل كسائق تكسي، ويتردد على سينمات البورن، ليجد ولعًا يكبر داخله بالأسلحة.

 

ومن هذه التجربة استلهم شريدر فكرة نصٍّ سينمائي أسماه Taxi Driver ، كتب مسودتيه الأوليتين في عشرة أيام مبقيًا بجانبه مسدسًا محشوًّا، ومستحضرًا في ذهنه صورة جيف بريدجز كبطل الفيلم، وإن لم تصبح تلك الصورة حقيقةً، وشارك بريدجز مقاعد الترشيح كلٌّ من جاك نيكلسون، وارين بيتي، رايان أونيل، بيتر فوندا، جون فويت، روبرت بليك، ديفيد كارادين، ريتشارد دريفوس، كريستوفر ووكن، آلان ديلون، جيمس كان، روي شايدر، بول نيومان، مارلون براندو، مارتن شين، إليوت غولد، آلان آلدا، جورج هاميلتون، داستن هوفمان الذي رفضه لعدم ثقته في سكورسيزي متواضع الشهرة وقتها، وبرت رينولدز الذي ندم على رفضه الدور.

 

حتى آل باتشينو عُرض عليه الدور خلال محاولة صناعة الفيلم الثانية التي كان مخرجها توني بيل، ليرفضه دون بيان السبب سواءً كان عدم رؤيته النص مناسبًا، أم عدم ثقته في المخرج الذي تم نصحه باختيار فيلم أقل سوداويةً ليكون بدايته، رغم كونه أحد أسباب إفشال المحاولة الأولى وكانت من إخراج برايان دي بالما، الذي أراد  ميلاني غريفث لدور آيريس، ووعده مايكل فيليبس أحد المنتجين بنسبة من الأرباح تعويضًا عن تخليهم عنه.

 

لحسن الحظ كانت المحاولة الثالثة هي الناجحة والأخيرة ومخرجها طبعًا مارتن سكورسيزي، الذي لفت نظر المنتجين بفيلم Mean Streets وتم عرض المهمة عليه بشرط أن يأتيهم بـ روبرت دي نيرو لدور البطولة، وهذا ما حدث، وكان السبب في تغيير اسم الشخصية الرئيسية إلى ترافيس بعد مشاهدته لـ مالكولم ماكدويل في دور ميك ترافيس في “….If” لـ ليندساي أندرسون، وفي اعتقاد أوليفر ستون أنه بشكلٍ أو بآخر كان مصدر إلهامٍ للشخصية، كونه درس على يد سكورسيزي في معهد السينما بجامعة نيويورك، وكان جنديًّا سابقًا في حرب فييتنام، كما عمل كسائق تاكسي واعتاد ارتداء معطفه العسكري خلال عمله.

 

لكن بالتأكيد لم يعمل ستون لـ 15 ساعة يوميًّا كما فعل دي نيرو لمدة شهر تحضيرًا للدور، بالإضافة لدراسة المرض العقلي واللهجات الغرب أوسطية لصقل صوت ترافيس، وهذا الجهد الباعث على التفاؤل بأداء استثنائي، مترافقًا مع فوزه بالأوسكار عن “The Godfather II” لـ فرانسيس فورد كوبولا بعد أن مضى العقد بأجر 35 ألف دولار، بث رعبًا في قلوب المنتجين من أن يطلب أجره الجديد بعد الفوز والبالغ 500 ألف دولار، الأمر الذي قد يحكم على المشروع بالتوقف النهائي، لكن دي نيرو استمر حسب الاتفاق الأصلي، أما عن أثر فوزه في عمله كسائق سيارة أجرة فلم يكن بالسوء المتوقع على الإطلاق، لم يميزه أحد إلا مرةً واحدة.

 

في حين جعل مشهد “?You talkin’ to me” الأيقوني الجميع يميز مؤديه العبقري، والذي ارتجل حواره بالكامل، ففي حين اقتصر المشهد في النص (والمستلهم من مشهد مارلون براندو مع المرآة في “Reflections in a Golden Eye” لـ جون هيوستون) على أن ترافيس ينظر إلى المرآة، استفاد دي نيرو من تجربته مع مدرسة التمثيل ستيلا أدلر، وتذكر تمرينًا تطلب من طلابها تأديته يقوم على خلق عدة ترجمات للجملة ذاتها، وبدأ يكلم مرآته متلقيًّا التشجيع من سكورسيزي خلف الكاميرا، والنتيجة للتاريخ.

عن مرشحات دوري آيريس وبيتسي وكيف انتهيا إلى جودي فوستر وسيبيل شيبرد، شخصية توم وألبرت بروكس، بيرنارد هيرمان وموسيقى الفيلم، ظروف التصوير، أصعب المشاهد وكيفية تنفيذها، مشهد إطلاق النار، ونهاية الفيلم وتعليق شريدر وسكورسيزي عليها سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Taxi Driver .

شخصيات سينمائية نحتاجها ونبحث عنها بيننا، وقد نجدها.. أحياناً فينا!

حين نرى كمالاً أو قرباً منه في شخصيةٍ ما في فيلمٍ ما نقول “هذا مجرد فيلم!”، ونعتبر من يصدق وجود شخصيةٍ كهذه مراهق وساذج، لكن الغريب في الأمر حين نقول الجملة ذاتها للتهرب من كون ما نشاهده ممكن وكون من نشاهده قد يكون بالفعل موجوداً، ربما لأنه إن صح ذلك لأكد أننا السبب في تعاستنا، أو أننا بحاجةٍ بالفعل لمن يشبه من نشاهده ولا نرى سبيلاً لتلبية تلك الحاجة، أو كلا الأمرين وأكثر، وهذه الأفلام ليست مجرد أفلام وأبطالها ليسوا مجرد شخصيات لا مكان لها إلا على الشاشة.

الشخصية الأولى:

Guido in Life is Beautiful – Roberto Benigni

1- Life is Beautiful

من أعظم التجارب السينمائية في التاريخ من مخرجه و كاتبه و بطله “روبرتو بينيني”، فلم يجمع كل شيء، الضحك الدموع الفرح الحزن القيم الأخلاقية الفائدة الحياتية وأبهى صور فن السينما.

يحكي قصة “جويدو” الشخصية التي أدخلت السرور إلى قلوب الملايين وعلمتهم الحياة الجميلة، “جويدو” الذي اتخذ البهجة رفيقاً لروحه، فتأتي الحرب و العنصرية لتأخذها منه و تجرده من زوجته وابنه، و بفعلهم هذا أعلنوا عليه حرباً سلاحهم فيها الموت، و سلاحه الحياة.

تريلر الفيلم:

الشخصية الثانية:

Zorba in Zorba the Greek – Michael Cacoyannis

2- Zorba the Greek

ربما من أكثر اللقاءات العجيبة شهرةً هو لقاء الكاتب الشهير “نيكوس كازانتزاكيس” بالرجل الاستثنائي “زوربا” الذي وثقه بروايةٍ عالمية المستوى والأثر، وربما هي من أكثر الروايات التي قدمت في السينما حظاً لأن من قدمها أول مرة كان القبرصي “مايكل كاكويانيس”، فخجل الجميع بعد أن شاهدوا عمله الرائع والخالد من أن تكون هناك مرةٌ ثانية، وليس الأمر متعلقاً به فقط، فلو شاهد “نيكوس كازانتزاكيس” هذا الفيلم لما عرف أيهما “زوربا” أكثر؟ من كتب عنه أم من يشاهده!

“باسيل”(آلان بيتس) كاتب بريطاني يقرر التوجه إلى “كريت” في اليونان للإشراف على إعادة المنجم الذي ورثه عن أبيه للعمل من جديد، يلتقي بطريقه برجل غريب “زوربا”(أنتوني كوين) يملك جاذبيةً خاصة وأسلوباً بالتعامل يصعب وصفه لكن يسهل التكيف معه، وسيكون لهذا الرجل أثرٌ على حياة كاتبنا يغيرها إلى الأبد.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لمعظم أحداثه.

الشخصية الثالثة:

Alfredo in Cinema Paradiso – Giuseppe Tornatore

3- Cinema Paradiso

ربما يكون الحب من النظرة الأولى خرافة، لكن الوقوع في حب السينما من فيلمٍ واحد حقيقةٌ بالتأكيد، والسينمائي الإيطالي الرائع “جوسيبيه تورناتوريه” قدم الدليل القاطع على ذلك، وهو هذا الفيلم، وإن كان في الدنيا ما يسمى دمعاً حلواً فهو الذي يجري على خديك حين تشاهده، لفرحٍ كان أم لحزن، وفقط حين ينتهي، فقط عندها يصبح الدمع مالحاً ومراً، لأنه انتهى..

“سالفاتوريه (توتّو)”(جاك بيرين) رجلٌ في أربعينياته هجر بلدته منذ غادرها في شبابه باحثاً عن مستقبله، يصله خبر وفاةِ أحد معارفه هناك، ولهذا الراحل في حياة “سالفاتوريه” أثرٌ يجعله يستعيد جميع ذكرياته هناك، مذ كان طفلاً شقياً يعشق شعاع النور الذي تُطفأ لأجله جميع الأنوار في صالة السينما ليبث الحياة في كل صورة ميتة تمر أمامه.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم، من الخطأ تضييع متعة أي لحظةٍ فيه قبل مشاهدته كاملاً.

الشخصية الرابعة:

Luke in Cool Hand Luke – Stuart Rosenberg

4- Cool Hand Luke

ربما أحس “ستيوارت روزنبرغ” أن ما بين يديه عملٌ للتاريخ فآثر أن لا يقوم بالكثير من التدخل، خاصةً بببطلٍ كالفنان الرائع “بول نيومان”، من المؤكد أن العمل تحفةٌ منقوصة وسبب ذلك الإخراج الذي وإن لم يسئ لكنه لم يرتقي للمستوى المطلوب، لكن من المستحيل معرفة ما إذا لو قام “روزنبرغ” بتقديم رؤيا شخصية وأكثر حضوراً فهل كانت سترتقي أم ستهوي بالعمل، ولو فكر أحد بإعادة إنتاج العمل فليس هناك “بول نيومان” اليوم، فلنأخذ العمل كما هو عليه، ولا شك أن جهود كتابة “دون بيرس” و”فرانك بيرسون” وأداء “نيومان” أكثر من كافية لجعله تجربةً استثنائية.

“لوك”(بول نيومان) سجين جديد وبالتالي عاملٌ جديد للسجن في الأشغال الشاقة، ومدة الحكم عليه والتي لا تتجاوز السنتين تجعل سبيله للخروج أسهل وأقصر بكثير من سبل غيره، بعض الالتزام بالقوانين وبعض الجهد الإضافي لإنهاء كل ما عليه من عمل، لكن القوانين والقواعد والحدود تثقل على صدر لوك وأكثر من طاقته على الاحتمال، سنتين كانوا، يومين أو ساعتين، لن يمروا بسلام.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

Cool Hand Luke

“إن لم تنهي الفيلم قائلاً (لوك يمثلني)، فعلى أقل تقدير سينضم لقائمة شخصياتك المفضلة”

السنة 1967
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج ستيوارت رونبرغ
المدة 126 دقيقة (ساعتين و6 دقائق)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من إيحاءات جنسية صريحة
الإرشاد العائلي (أميركي) PG
اللغة الانكليزية

 

ربما أحس “ستيوارت روزنبرغ” أن ما بين يديه عملٌ للتاريخ فآثر أن لا يقوم بالكثير من التدخل، خاصةً بببطلٍ كالفنان الرائع “بول نيومان”، من المؤكد أن العمل تحفةٌ منقوصة وسبب ذلك الإخراج الذي وإن لم يسئ لكنه لم يرتقي للمستوى المطلوب، لكن من المستحيل معرفة ما إذا لو قام “روزنبرغ” بتقديم رؤيا شخصية وأكثر حضوراً فهل كانت سترتقي أم ستهوي بالعمل، ولو فكر أحد بإعادة إنتاج العمل فليس هناك “بول نيومان” اليوم، فلنأخذ العمل كما هو عليه، ولا شك أن جهود كتابة “دون بيرس” و”فرانك بيرسون” وأداء “نيومان” أكثر من كافية لجعله تجربةً استثنائية.

“لوك”(بول نيومان) سجين جديد وبالتالي عاملٌ جديد للسجن في الأشغال الشاقة، ومدة الحكم عليه والتي لا تتجاوز السنتين تجعل سبيله للخروج أسهل وأقصر بكثير من سبل غيره، بعض الالتزام بالقوانين وبعض الجهد الإضافي لإنهاء كل ما عليه من عمل، لكن القوانين والقواعد والحدود تثقل على صدر لوك وأكثر من طاقته على الاحتمال، سنتين كانوا، يومين أو ساعتين، لن يمروا بسلام.

كتب “دون بيرس” نص الفيلم عن روايته بالاشتراك مع “فراك بيرسون”، حرصوا كل الحرص ليكون “لوك” أكثر من شخصية فيلم، بماضيه المجهول، بتصرفاته ودوافعه المثيرة للتساؤلات وعلاقاته بمن حوله، صاغوا بلا شك واحدة من أهم الشخصيات السينمائية وأكثرها خلوداً، ولم يهملوا باقي الشخصيات بل منحوا كل واحدة منها الحصة الدقيقة والمناسبة من الحدث وأثره، مع حوارات ذكية ترد في كثير من الأحيان بحيث تبقى في الذاكرة ليس لأنها تقوم وحدها كاقتباس، لكن لأنها وردت في المكان المناسب.

إخراج “ستيوارت روزنبرغ” لا يملك هويةً محددة أو مميزة، لا يستفيد من مكان الحدث وطبيعته ولا يجعل للقضبان والسلاسل أي تأثير ملموس، مع عدم إنكار إدارته الممتازة لفريق ممثليه، لكنه اعتمد بشكل كبير على جودة النص والأداءات التي حصل عليها من ممثليه، متخذاً من القصة مكاناً جانبياً مخلصاً في نقلها ممتنعاً عن إبداء الرأي فيها، وقدم بالنتيجة ما لا يسيء للعمل ولا يضيف إليه الكثير.

أداء عبقري لا ينسى من “بول نيومان” بث روحاً في شخصية “بيرس” و”بيرسون” الاستثنائية ربما لم يتوقعوا مثلها هم أنفسهم ومنح بذلك ثقلاً كبيراً للعمل، يرافقه أداءات ممتازة من فريق العمل يتصدرها أداء “جورج كينيدي”، تصوير ممتاز من “كونراد ل. هول”، وموسيقى رائعة خلقت للعمل الأجواء التي لم تستطع جهود “روزنبرغ” خلقها.

حاز على 6 جوائز أهمها الأوسكار لأفضل ممثل بدور مساعد “جورج كينيدي”، ورشح لـ 6 أخرى أهمها ثلاث أوسكارات لأفضل ممثل بدور رئيسي ونص مقتبس وموسيقى تصويرية.

تريلر الفيلم: