مختارات من أفلام أكشن العقد الماضي

القصة، ووهم القصة، أمران كثيراً ما يتم الخلط بينهما حين يتم الحكم على أفلام الأكشن، فنجد الابتزاز العاطفي يعتبر احتراماً للمشاهد وتقديم فيلمٍ غني بالقيم الإنسانية، في حين تعتبر الصراحة في تقديم الحركة والإثارة لأجل الحركة والإثارة من عاشق للنوع إلى من هم مثله تقليلاً من قدر المشاهد، أما تقديم أفكار كبرى فيعتبر فلسفةً لا حاجة إليها في نوعٍ وجد للتسلية والمتعة، بالنسبة لي أفضل الصراحة، أفضل أن يكون صانع العمل مؤمناً به أياً كان العمل، حينها سيقدم فيلماً كالأفلام التالية، حين لا يملك صناعها أكثر مما نراه لتقديمه لا يتظاهرون بغير ذلك ويمتعوننا، وحين يملكون أكثر، تترك أفلامهم أثراً أكبر وتكون مستحقةً لذاك الأثر.

الفيلم الأول:

Mad Max: Fury Road

منذ أكثر من 30 عاماً قام الأسترالي “جورج ميلر” برفع سقف أفلام الأكشن وقلب معاييرها بسلسلته الشهيرة “ماكس المجنون”، ومن الواضح أن أحداً لم يستطع الإتيان بما أتى به حتى اليوم رغم كل التطور الذي حصل في الأدوات والإمكانيات، والآن يعود “ميلر” نفسه ليطلق السلسلة من جديد، واضعاً سقفاً جديداً للنوع لن يبلغه غيره في وقت قريب، سقفاً سيجعل كل جداول أفلام الأكشن التي يتم إعدادها حالياً تتعدل كي لا يخجل صناعها من وضع اسمهم عليها، نعم أثبت ميلر أن حتى فيلم الأكشن يحتاج لمخرج فذ على عكس ما ظنته هوليوود طوال سنين.

في عالمٍ لم تعد فيه موادٌ محددة فقط تتصف بالندرة، حتى الماء أصبح امتيازاً لا يناله الكثيرون مما يزيد مساحة الصحاري المقفرة، وبالتالي أصبحت الحياة امتيازاً، يعيش “ماكس”(توم هاردي) وحيداً لا تحركه إلا غريزة البقاء، والتي تجعل طريقه يتقاطع مع طريق رجال يطيعون الظمأ لما يملكه سيدهم “جو”(هيو كيز-بايرن) من ماء وجعل له عليهم سلطةً روحية حتى، ويلاحقون امرأةً “فيوريوسا”(تشارليز ثيرون) أخذت من ذاك السيد ما لن يهدأ حتى يستعيده، و”ماكس” لا سيد له إلا نفسه، وهي الآن عرضة للخطر وسط ذاك الصراع مما سيحرك غريزته الجامحة التي أنقذته طوال سنين رغم كونه وحيداً لا تصحبه إلا أشباح الماضي.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

A Bittersweet Life – Kim Jee-woon

السينما الكورية العظيمة وتحفة أخرى من تارانتينو كوريا الجنوبية “كيم جي-وون”، مدرسة لأفلام الأكشن لم يعرفها مخرجي أفلام “ليام نيسون” السابقة واللاحقة إلى اللانهائية وما بعدها، تحفة من نوع “السهل الممتنع”، فبساطة ما تراه بمستوى غموضه، فماذا ترى؟ وماذا يرى “جي-وون”؟ وما الحقيقة؟

“سون-وو”(لي بيونع-هون) رجل عصابة يُكلف بمهمة بسيطة تقتضي مراقبته لفتاة تعجب رئيسه، وبلحظةٍ ما حين يتوجب عليه اتخاذ التدبير المناسب لا يفعل، وهذا عصيان لرئيسه، وفي وسطٍ كالذي هو فيه هذا العصيان سيكلفه أكثر مما سيكلف القاتل المُدان في المحكمة، فرؤساء العصابات ليسوا قضاة، لكنه أيضاً ليس في القفص.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

Snowpiercer – Bong Joon-ho

يعجبني نجاح الكوري “بونغ جون-هو” في كل طريق يسلكه، اعتنائه بالتفاصيل وقدرته على تقديم مواد تصلح لكافة فئات المشاهدين والنقاد على حدٍّ سواء، وما يزيد رصيده عندي أصالة أسلوبه في هذا الفلم رغم أنه فلم “أميركي” لكنه يحمل بصمة “جون-هو” الرائعة بكل تأكيد.

أصبح صدور أفلام نهاية العالم مؤخراً موضة تحمل معها في الغالبية العظمى أفلاماً تجارية بالمقام الأول لا تأتي بقيمة لكنها تأتي بالأرباح، وهذا الفلم لحسن الحظ من الأقلية القيِّمة.

تجري أحداث الفلم في عام 2031 بعد 17 عاماً من انقراض الحياة على وجه الأرض نتيجة نشر مادة “سي دبليو – 7” في الطبقة العليا من الغلاف الجوي والتي كان من المفترض أنها ستحل مشكلة الاحتباس الحراراي، ولكن ما حصل أنها أدخلت كوكبنا في عصر جليدي لم ينجو منه إلا راكبو قطار “ويلفورد” الذي يدور حول العالم ويُقسم فيه البشر إلى ساكني المقدمة وساكني المؤخرة، ولكن إلى متى سيبقى هذا التقسيم؟

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

The Good, the Bad, the Weird – Kim Jee-woon

استلهم فيلمه من أحد كلاسيكيات السينما العالمية وأعمال العبقري الإيطالي”سيرجيو ليوني” الخالدة، لم ينسخ، لم يسئ للأصل، بل قدم جولة من المتعة لو شاهدها صناع الأصل لابتهجوا وافتخروا بتأثيرهم المستمر على صناع السينما ومشاهديها، “كيم جي-وون” يستحق أن يصبح أحد أبرز الأسماء التي تذكر عند الحديث عن عبقرية السينما الكورية، ويستحق من يقدر هذه السينما وصناعها أن يعيش هذه التجربة بكامل متعتها وحيويتها!

عصابات صينية، جيش الاستقلال الكوري، الجيش الياباني، خارجان على القانون، وصياد جوائز، تتقاطع طرقهم في منشوريا أيام الغزو الياباني لها، بعد أن علموا بوجود خريطة كنز مع أحدهم، مما سيفتح المجال لأحقاد قديمة، إثبات من الأفضل، نشوء تحالفات قد تبدو مستحيلة، وتصفيات كثيفة في الطريق إلى الكنز.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

John Wick – Chad Stahelski

إنه أسلوب “تشاد ستاهيلسكي” صاحب التجربة الإخراجية الأولى الذي جعل هذا الفيلم يحمل كل ما يمكن أن يزعجك في حبكة فيلم، وفي نفس الوقت يحمل كل ما يمتعك ويجعلك تتغاضى عن مشاكله، فبالتأكيد لا تنتظر أي شيء ليفاجئك كحدث، لكن توقع أن تبقى مشدوداً ومتأهباً ومترقباً للشكل الذي سيكون عليه ذاك الحدث، ولا شك مر وقت طويل منذ تم صنع فيلم أكشن يقدم لعشاق الأكشن ما جاؤوا لأجله، ولا أقصد هنا ثلاثية “ليام نيسون” بالتأكيد.

“جون ويك”(كيانو ريفز) رجل يعيش بسعادة مع زوجته إلى أن رحلت وأخذت معها تلك السعادة، في الفترة التي أعقبت رحيلها يعترض حياته أشخاص يأخذون ما تبقى له منها، أي ما تبقى له من حياة أراد فيها فقط أن يكون ذاك الزوج المحب، وبالنتيجة يعود إلى ما كانه قبل أن يحب، وما كانه بالتاكيد ليس بذاك اللطف، أو بتلك الرحمة، فقد كان “جون ويك”.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

“توم هاردي” و9 سنين في الحلم

النجم البريطاني “توم هاردي” يصبح بسرعة رهيبة علامة فنية أكثر منها تجارية للفيلم الذي يتواجد فيه، رغم أنه يستطيع أن يكون مادة تجارية من الطراز الأول فلا تنقصه الوسامة ولا البنية الجسدية ولا الشعبية المناسبة، لا يمكنك أن تشاهده في فيلم وإن نسيت الفيلم ومن فيه إلا أن تذكره بقوة حضوره الطاغية وتفاصيل شخصياته، لكن الغالبية العظمى من الأثر والشهرة التي حققها أتت بعد أول عقد من الألفية الجديدة، وإن نظرنا إلى بداياته فسنجدها منذ عام 2001، فما سبب تأخر وصوله لما وصله اليوم لمدة 9 سنين؟، قد يمنحنا استعراض أهم خطوات مسيرته الفنية هنا أكثر من مجرد الجواب على هذا السؤال.

ولد “إدوارد توماس هاردي” في عام 1977 في هامرسميث بلندن لأب روائي وأم رسامة، عندما بلغ الواحد والعشرين من العمر كسب مسابقة عارضي أزياء، ومن أضوائها استطاع الانضمام لمركز الدراما بلندن، ليتم اختياره ليقوم بأول دور له في المسلسل التلفزيوني الشهير “فرقة الإخوة” 2001، تبعه ظهوره السينمائي الأول بنفس العام في الفيلم الحربي “سقوط الصقر الأسود” لـ”ريدلي سكوت”، لكن أول دور لفت إليه الأنظار كان “شينزون” في “ستار تريك: انتقام” لـستيوارت بيرد” 2002.

وكون “هاردي” حينها لم يزل في بداياته لم يكن لديه كل تلك الأريحية في اختيار الأدوار ورفضها فظهر في عدة أفلام منها ما يذكر ومنها ما نُسي بعد وقت ليس بكبير من عرضه، لكنه رغم ذلك استطاع إثبات تميزه في كل فرصة، كدوره  في الفيلم التلفزيوني “ستيوارت: حياةٌ للوراء” لـ”ديفيد أتوود” 2007 الذي أكسبه ترشيحه الأول للبافتا وأثبت أن ما لديه أكبر بكثير من مجرد الوسامة والجاذبية البريطانية، بالإضافة لدوره في “روك ن رولا” لـ”جاي ريتشي” 2008، وأدائه لشخصية السجين الذي قضى 30 عاماً في الحبس الانفرادي في “برونسون” لـ”نيكولاس وايندينغ ريفن” 2008.

بحلول عام 2010 وصدور “الاستهلال” الفيلم المنتظر للعبقري “كريستوفر نولان” ظهر فيه “توم هاردي” بالدور الذي عرَّف الملايين بوجهه، وجعل طلبهم لمشاهدته مرةً أخرى يدفع شركات الإنتاج والمخرجين ليعتبروه من نخبة النجوم المطلوبين، لكن من الواضح أن “توم هاردي” ليس مجرد شاب باحث عن الشهرة، فنجوميته هذه لم تجعل خياراته تجاريةً وعشوائية، بل على العكس تماماً، احترم محبة متابعيه لتصبح اختياراته مدروسةً أكثر في أغلب ما يقدمه، حريصاً على أن يضيف لمسيرته في كل فيلم ما يرتقي بها، وما يثبت ذلك ما تبع فيلمه هذا كدوره في “عامل خياط جندي جاسوس” لـ”توماس ألفريدسون” 2011، ودوره في “محارب” لـ”جيفين أوكونور” 2011.

بعد عامين تعاون “هاردي” مع “كريستوفر نولان” للمرة الثانية في “فارس الظلام ينهض”  2012 الجزء الأخير من ثلاثية باتمان ورغم ما يخفي قناع الشخصية من ملامحه استطاع ترك بصمته الخاصة، ثم أطل في العام التالي في فيلم “لوكي” لـ”ستيفين نايت” وبطله هو وبضعة أصواتٍ تكلمه على الهاتف مثبتاً أن لديه من الموهبة ما يكفي ليعتمد الثقل التمثيلي لفيلمٍ كامل عليها، وفي 2014 قدم فيلم “الهبوط” لـ”مايكل ر.روسكام”ودليل جديد على أن هذا الرجل يستطيع دوماً أن يفاجئنا.

في العام الحالي شهدنا إعادة إطلاق سلسلة “ماكس المجنون” لـ”جورج ميلر” التي أعادت تعريف نوع أفلام الأكشن في أوائل الثمانينات، وشهدنا بذلك إطلاق أول سلسلة من بطولة “توم هاردي”، محققاً الفيلم نجاحاً يجعله أكثر بكثير من بداية موفقة، ويبدو أن هذا العام سيكون حافلاً لنجمنا بثلاثة أفلام أخرى ستصدر خلاله أهمها “العائد” لـ”أليخاندرو جونزاليز إيناريتو”، ويبدو أن “هاردي” سيستمر في كسب التقدير الذي قد يكون تعاونه مع “إيناريتو” أحد فرص تتويجه بالأوسكار..

Mad Max: Fury Road

“نداء عالمي لغالبية مخرجي أفلام الأكشن ليعتزلوا، فقط من باب الحياء!”

السنة 2015
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج جورج ميلر
المدة 120 دقيقة (ساعتين)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب ما فيه من عنف دموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

 

منذ أكثر من 30 عاماً قام الأسترالي “جورج ميلر” برفع سقف أفلام الأكشن وقلب معاييرها بسلسلته الشهيرة “ماكس المجنون”، ومن الواضح أن أحداً لم يستطع الإتيان بما أتى به حتى اليوم رغم كل التطور الذي حصل في الأدوات والإمكانيات، والآن يعود “ميلر” نفسه ليطلق السلسلة من جديد، واضعاً سقفاً جديداً للنوع لن يبلغه غيره في وقت قريب، سقفاً سيجعل كل جداول أفلام الأكشن التي يتم إعدادها حالياً تتعدل كي لا يخجل صناعها من وضع اسمهم عليها، نعم أثبت ميلر أن حتى فيلم الأكشن يحتاج لمخرج فذ على عكس ما ظنته هوليوود طوال سنين.

في عالمٍ لم تعد فيه موادٌ محددة فقط تتصف بالندرة، حتى الماء أصبح امتيازاً لا يناله الكثيرون مما يزيد مساحة الصحاري المقفرة، وبالتالي أصبحت الحياة امتيازاً، يعيش “ماكس”(توم هاردي) وحيداً لا تحركه إلا غريزة البقاء، والتي تجعل طريقه يتقاطع مع طريق رجال يطيعون الظمأ لما يملكه سيدهم “جو”(هيو كيز-بايرن) من ماء وجعل له عليهم سلطةً روحية حتى، ويلاحقون امرأةً “فيوريوسا”(تشارليز ثيرون) أخذت من ذاك السيد ما لن يهدأ حتى يستعيده، و”ماكس” لا سيد له إلا نفسه، وهي الآن عرضة للخطر وسط ذاك الصراع مما سيحرك غريزته الجامحة التي أنقذته طوال سنين رغم كونه وحيداً لا تصحبه إلا أشباح الماضي.

كتب “جورج ميلر” “بريندان ماكارثي” و”نيك لاثوريس” نص الفيلم، مقدمين شخصية “ماكس” بأفضل شكلٍ تم لها حتى الآن، بالإضافة لمجموعة من الشخصيات الأخرى ذات أهمية وأثر غير محددان بالفيلم وقصته فقط، لم يجعلوا الفيلم يزدحم بالأحداث كيفما اتفق لفتح مجال للأكشن، على العكس تماماً، “جورج ميلر” سيكون المخرج وهو ليس بحاجة للكثير من المساعدة في هذا الأمر، لكن بالطبع لابد من احتواء نصهم على لمسات هوليوودية بسبب الإنتاج، ويمكننا تخيل المنتجين جالسين مع “ميلر” للنقاش في الفيلم وأحدهم يخرج من درجه ملفاً ويقول: “نحن متفقون طالما ستضع هذه المشاهد والجمل في فيلمك”.

إخراج “جورج ميلر” لا يجعل فقط الأدرينالين يتدفق في عروقك بغزارة، بل يجعلك حتى تعرق أدريناليناً، ليس هناك راحة أو وقت مستقطع، هم يقودون دراجاتهم وسياراتهم وأنت تلهث وراءهم، اللهاث الذي يسعدك ويجعلك تحس بنبض قلبك وتدفق الدم في عروقك، لا يقدم شروحات مضنية عن عالمه، يجعلك تعيش تجربة أبطاله فيه فتفهمه لأنك تختبره، لا يرمي المفاجآت لتحريك الأحداث، هو لا يحتاج لما ينشط “الحركة” لديه، يتقن توجيه فريق ممثليه ويقوم بأفضل استغلال لتألقهم فيجعل وجوههم عاملاً أساسياً في زيادة حدة الإثارة، وكل هذا باستخدام لا يتعدى 20% للمؤثرات الحاسوبية الخاصة، أي كل ما تراه تقريباً حدث أمام الكاميرا كما يجري أمام عينيك، قد لا تصدق خاصةً بعد المشاهدة!

أداءات ممتازة من فريق العمل يتصدرها “توم هاردي” الذي وصل إليه الدور لحسن حظنا بعد ترشيح العديد من الممثلين عبر أكثر من عقد في تطوير المشروع ومواجهة الصعوبات التي اعترضته، وطبعاً احتكر “هاردي” الدور فلا “ماكس” بعد الآن دون “توم هاردي”، بالإضافة طبعاً لأداء متميز من النجمة “تشارليز ثيرون”، تصوير رائع من “جون سيل”، موسيقى جيدة من “جنكي إكس إل”، مونتاج بقمة الإتقان والدقة والسلاسة من “مارغاريت سيكسل”.

تريلر الفيلم:

The Drop

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج مايكل ر.روسكام
المدة 106 دقيقة (ساعة و46 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للبالغين بسبب ما فيه من عنف دموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

 

“لا.. لا يمكنك الدخول.. يجب أن تذهب بعيداً، يجب أن تبقى وحيداً”

النجم البريطاني “توم هاردي” يصبح بسرعة رهيبة علامة فنية أكثر منها تجارية للفيلم الذي يتواجد فيه، رغم أنه يستطيع أن يكون مادة تجارية من الطراز الأول فلا تنقصه الوسامة ولا البنية الجسدية ولا الشعبية المناسبة، لا يمكنك أن تشاهده في فيلم وإن نسيت الفيلم ومن فيه إلا أن تذكره بقوة حضوره الطاغية وتفاصيل شخصياته، وبتقديم فيلمين بأداءين مختلفين ورائعين بعام واحد فإن هذا الرجل يصنع لاسمه وقعاً ندر تواجده لنجم شاب.

“بوب”(توم هاردي) ساقي في حانة (ابن العم مارف)، لكن “مارف”(جيمس غاندولفيني)، لم يعد يملك تلك الحانة بل هو بمثابة وصي عليها تم تعيينه من قبل رؤوس الجريمة المنظمة في “بروكلين”، حادثة سرقة تحدث في الحانة وملاكها الحاليين لا يكونون راضين عن الأمر، خاصةً أنهم يريدون التأكد من أن القائمين على الحانة سيستطيعون تدبر أمر تسليم أموال سيجري فيها قريباً، فهل سيبقى “بوب” مجرد ساقي حانة؟ هل سيعيش إن بقي كذلك؟ هل سيستطيع أن يكون إلا ساقي حانة؟

نص الفيلم من الروائي العظيم “دينيس ليهين” يجعل ما قلته حتى الآن لا يعبر نهائياً عن القصة الحقيقية للفيلم، مؤلف “النهر الغامض” “ذهب الطفل ذهب” و”جزيرة المصراع” يقوم بتجربته الأولى بتحويل روايته لنص سينمائي فيبدع، ليس هناك كلمة كانت إلا لأنها يجب أن تكون، ليس هناك رمي للمفاجآت ليحوز على إعجاب الجمهور وفقط لأنها مفاجآت، ودراسة عظيمة لشخصية “بوب” بالإضافة للبناء المحكم لباقي شخصيات الفيلم، يجري كل شيء أمام عينيك لكن هل فعلاً ما تراه هو كل مافي الأمر؟ لن يعطيك “دينيس ليهين” الجواب بسهولة.

الإخراج الأول للبلجيكي “مايكل ر.روسكام” في أمريكا، لكن من الواضح أنه لم يسعى للحصول على رضا جماهير هوليوود بل حافظ على اتزان أسلوبه واحترامه لمشاهديه، يروي قصته على نار هادئة ويعطي ممثليه المجال ليتنافسوا لإثبات أيهما أحق بعين المشاهد، ويثق بأنهم سيحرصون على اتقاد تلك النار، يراقب ولا يعطي مشاهده فرصة الاشتراك بالحدث لكن صدقوني هذا من حسن حظ المشاهد.

“توم هاردي” يقدم الشخصية وكأنه كاتبها فيغني بتعابير وجهه عن ألف كلمة لألف وصف، “جيمس غاندولفيني” بأدائه الأخير يؤكد أننا سنفتقد لذاك الممثل القدير، وأداءات ممتازة بالمجمل شكلت أهم نقاط قوة العمل، تصوير “نيكولاس كاراكاتسانيس” جيد، وموسيقى “ماركو بيلترامي” و”راف كونين” تنسجم وحالة الفيلم وأبطاله بشكل جيد جداً.

تريلر الفيلم: