آلام الفن كما أحسها مبدعوه وروتها عنهم الشاشة الفضية

ظهر المخرج التشيلي الكبير “أليخاندرو يودوروفسكي” منذ فترةٍ في فيديو يدعو فيه الناس لدعمه ليستطيع إكمال فيلمه الجديد “Endless Poetry”، ذكر فيه صعوبة تقديم الفن لعقول غزاها زيف هوليوود، وبالتالي صعوبة وجود من يساعده لصناعة ذاك الفن الذي لا سلطة له على شباك التذاكر، ومن الصعب جداَ تخيل ألم هذا المخرج الثمانيني الذي يحلم بأن يموت خلف كاميرته وهو يرى الناس تدير ظهرها له بعد تاريخه الحافل بالإنجازات السينمائية الخالدة، لكن الأفلام التالية لا تتيح لك فقط تخيل معاناة أبطالها مع فنهم، بل تمنحك فرصة اختبار ما يعيشونه.

الفيلم الأول:

Birdman  – Alejandro González Iñárritu

من الصعب جداً الحديث عن هذا الفيلم، تتصارع عناصره في بلوغ الكمال بشكل لم نعهد مثله منذ وقت طويل، ويبدو كأن الفكرة قد خطرت لكل أفراد فريق العمل بوقت واحد، فآمن كلٌّ  منهم بها حتى الجنون، وسعى في البحث عمن يشاركه الحلم، وبدل أن يجد من يشاركه وجد من لديه بالفعل الحلم ذاته، حتى اجتمعوا كلهم على هدف واحد كان حلماً قبل اجتماعهم، وشرعوا بتحقيق الحلم، حتى وصلت إلينا هذه المعجزة التي تسأل عن كل مساهم فيها على حدة، فليس هناك من لم يعطي من روحه للعمل ما يجعل دوره فاعلاً مهما صغُر، شكراً “أليخاندرو جونزاليز إينارتو” فأنت الحالم الأكبر، والرجل الطائر الذي حلَّق فوق الجميع ليبلغ مكانه بين النخبة.

“ريجان تومسون”(مايكل كيتون) نجم سينمائي سابق بلغ ذروة نجاحه في بطولته لسلسلة أفلام عن أحد أبطال القصص المصورة”الرجل الطائر” منذ عشرين عاماً، لكن هذه لم تكن فقط بداية نجاح مشواره السينمائي، بل كانت أيضاً نهايته، ومن الصعب أن يعرف أحدٌ اسمه إن لم يُقرن باسم البطل الخارق الذي مثل شخصيته، وإن مضى على الأمر كل ما مضى فلم يستطع النجم تقبل أمر أنه ليس نجماً دون قناعه وجناحيه، وقام بإعداد نص لمسرحية سيقوم بإخراجها وبطولتها لتعرض على مسرح “برودواي”، ومسرحٌ كهذا يقرر جمهوره مصير من يقف عليه لأنه للفن والفنانين فقط، وكل ما دون ذلك فإنه يغامر بالوقوف عليه بمستقبله المهني كاملاً، فهل هو فنان وهل سيقدم فناً؟، صوتٌ ما يعرفه يقول له ما لا يجعله واثقاً من أي شيء، فهل صدق الصوت؟ ومن أين هو آتٍ؟

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

Mr. Turner – Mike Leigh

الأسطورة البريطانية السينمائية الحية “مايك لي” يروي قصة أسطورة، لكن طبعاً رجل مثله ينسى كيف تم ويتم تناول السير الذاتية سينمائياً، ويبتدع طريقته، وهذا ليس محاولةً منه للخروج عن المألوف، بل ببساطة هذا طبعه، لطالما ميزته الأصالة وستميزه، وبالنتيجة فأنت تنساب عبر التجربة وتعيشها، لا تشاهد وتتنبأ فتصيب مرة وتتفاجأ أخرى، كما الحياة، وهو يروي قصة حياة، وهذا ما يجب أن تكونه!

يروي الفلم قصة آخر 25 سنة من حياة الرسام البريطاني الأشهر “جوزيف مالورد ويليام ترنر”، والتي تجري أحداثها في النصف الأول من القرن التاسع عشر، مستكشفاً روح فنه وعلاقتها بما صادفه في حياته من فقد وكسب وتقدير وتحقير وحب وكره.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

Millennium Actress – Satoshi Kon

الواقع والحلم، الماضي والحاضر، الحقيقة والأسطورة، كلها واحد، وفي هذه اللحظة، ليس للتحاذق على المشاهد أو تشويشه وإيهامه بأمر أو بآخر، لكن لتفتح أفقاً جديداً في ذهنه يجعل رؤياه تتجاوز ما ترى عينه، لتجعله يبصر بقلبه وروحه، لم أصف بعد شيئاً من عظمة عمل الياباني “ساتوشي كون” الذي أجل فيه السينما شكلاً وموضوعاً، لم أصف بعد شيئاً..

“جينيا تاتشيبانا”(شوزو إيزوكا) مذيع تلفزيوني يذهب مع مصوره إلى منزل نجمة سينمائية سابقة “تشيوكو فيوجيوارا”(ميوكو شوجي) اختفت من الوسط الفني منذ ثلاثين عاماً، عاشت خلالهم فيما يشبه المنفى، ليحمل معه إليها شيئاً يجعل طريقه لإقناعها بعمل مقابلةٍ معه سهلاً، مفتاحٌ صغير كان يوماً ملازمته لها بأهمية ملازمة روحها لجسدها، لا أحد يعرف لماذا حتى الآن، فهل ستأتي مقابلته معها التي ستأخذنا في رحلة عجائبية بين ذكرياتها بسر المفتاح؟

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

Clouds of Sils Maria – Olivier Assayas

يكفي اسم المبدعة الفرنسية “جولييت بينوش” وحده لتزكية فيلم هي بطلته، وقبل هذا الفيلم كان يكفي اسم “كريستين ستيوارت” وحده للتقليل من قدر الفيلم الذي يظهر فيه كاسم رئيسي، لكن المخرج الفرنسي “أوليفييه أساياس” لم يقبل بذلك، يجب أن يرتقي بفيلمه جميع المشاركين به، وهذا ما حصل، وهذا ما جعل هذا العمل انتصاراً فنياَ سينمائياً استثنائياً، فيه غنى الشكل والمحتوى، وفيه ما يستحق أن يشغلك طويلاً بعد انتهائه..

“ماريا إندرز”(جولييت بينوش) نجمة سينمائية كبيرة كانت انطلاقتها في فيلمٍ مبني على مسرحية عن علاقةٍ مأساوية النتيجة بين شابةٍ ورئيستها في العمل، يعرض عليها الآن وبعد 20 عاماً التمثيل في نفس المسرحية، لكن ليس في دور الشابة الذي قدمته من قبل، بل في دور المرأة الأخرى والأكبر في السن، ربما لا يكون الانتقال من هذا الدور إلى ذاك بتلك السهولة، خاصةً بعد معرفة من ستحل محلها القديم في دور الشابة، وكون صديقتها ومساعدتها الشخصية “فالنتين”(كريستين ستيوارت) معجبة بتلك الشابة.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

Camille Claudel 1915 – Bruno Dumont

عندما يصل أحد العناصر الرئيسية لفيلمٍ ما إلى الكمال قد يطغى على العناصر الأخرى بمحاسنها ومساوئها، وذلك من حسن حظ غالبية مشاهدي هذا الفيلم، فأسلوب الفرنسي “برونو دومون” قد لا يروق للكثيرين، لكن هؤلاء أنفسهم سينحنون أمام عظمة حضور “جولييت بينوش” وهي تصل إلى الكمال!

تجري أحداث الفيلم في شتاء عام 1915 بعد أن تم وضع النحاتة “كاميل كلوديل”(جولييت بينوش) وأحد عباقرة فناني زمنها في مصحةٍ نفسية حيث تمنع من النحت، وحيث تعيش على أمل العودة لفنها وتنتظر أن يأتي أخوها “بول كلوديل”(جان-لوك فانسان) ويخلصها مما هي فيه.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

Enchanted

السنة 2007
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج كيفين ليما
المدة 107 دقيقة (ساعة و47 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) PG
اللغة الانكليزية

 

“يليق بـ”إيمي أدامز” أن تكون الأميرة، الساحرة والمسحورة!”

ستبدأ بعد الفيلم بالتجوال في الشوارع ليلاً، من يعلم، ربما تجد أميرةً ما تائهة، لا يجب حتى أن تكون أميرة، يكفي أن تشبه لو قليلاً “إيمي أدامز” في هذا الفيلم، وتجلب رؤيتك لها بهجة كما في مشاهدة هذا العمل، وتجلب كلماتها لك ضحكات وابتسامات كما تجلبها لك الكلمات فيه، ديزني هنا توظف كل جميل بعالمها لتصنع جسراً إلى عالمنا سنحب دوماً أن نعبر منه، فربما كثرة العبور هذه تجعل الجمال يوزع على العالمين.

في “أندليشا” تعيش فتاةٌ ساحرة الجمال اسمها “جيزيل”(إيمي أدامز) منتظرةً قدوم الأمير وفارس أحلامها، ولا تنتظره كثيراً بل ولا ينتظر الاثنين كثيراً قبل إعلان موعد زفافهما، لكن ساحرةً شريرة لا تريد لهذا الزواج أن يتم، فترسل “جيزيل” إلى عالمٍ آخر، حيث لا نهايات سعيدة، ولا حب حقيقي، ترسلها إلى عالمنا، وطبعاً الأمير لن يقبل بهذا بسهولة، وطبعاً أهل عالمنا لن يقبلوا بتجول بعض شخصيات الحكايات الخيالية بينهم بهذه السهولة، خاصةً أن تلك الحكايات “خيالية” ويجب أن تبقى كذلك.

كتب “بيلي كيلي” نص الفيلم، وأهم ما في نصه أنه يعلم ماذا يريد، ويحبه ويؤمن به، وفي قصص كهذه عندما يوضع الادعاء والابتذال جانباً يحل محلهما المتعة، المتعة لدى الكاتب حين يكتب، ولدى المشاهد حين يتابع القصة، فيحب تلك الشخصيات الظريفة، يحب غرابتهم وتصرفاتهم التي تنتمي للواقع مرةً وأخرى لقصص الخيال، يحب حواراتهم خفيفة الظل وتضحكه وتبهجه، ويحب معهم أن يبحث عن نهاية سعيدة.

إخراج “كيفين ليما” لا يحاول الكثير، وكأنه يترك الأمر لما يلفه من سحر، ويكتفي ببعض المساعدة لتسير الأمور في مجراها، محافظاً على إيقاع منعش لا يخسر به انتباهك ولا استمتاعك، ومعطياً لنجمته المتألقة المجال لتقود العرض نحو أرض البساطة والحب والجمال.

أداء آسر من “إيمي أدامز” يعطي للعرض جاذبيةً مدهشة، أداءات جيدة من باقي فريق العمل، تصوير جيد من “دون بورجيس”، وموسيقى رائعة من “آلان مينكين” تشغل من متعة التجربة حيزاً هاماً.

حاز على 12 جائزة، ورشح لـ 42 أخرى أهمها ثلاث أوسكارات لأفضل أغاني أصلية.

تريلر الفيلم:

Mr. Turner

“مايك لي وتيموثي سبول يرسمان فيلمًا عن رسام، لوحةً بلوحة!”

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج مايك لي
المدة 150 دقيقة (ساعتين ونصف)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للبالغين لما فيه من مشاهد جنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

الأسطورة البريطانية السينمائية الحية مايك لي يروي قصة أسطورة، لكن طبعًا رجل مثله ينسى كيف تم ويتم تناول السير الذاتية سينمائيًّا، ويبتدع طريقته، وهذا ليس محاولةً منه للخروج عن المألوف، بل ببساطة هذا طبعه، لطالما ميزته الأصالة وستميزه، وبالنتيجة فأنت تنساب عبر التجربة وتعيشها، لا تشاهد وتتنبأ فتصيب مرة وتتفاجأ أخرى، كما الحياة، وهو يروي قصة حياة، وهذا ما يجب أن تكونه!

يروي الفلم قصة آخر 25 سنة من حياة الرسام البريطاني الأشهر جوزيف مالورد ويليام ترنر، والتي تجري أحداثها في النصف الأول من القرن التاسع عشر، مستكشفًا روح فنه وعلاقتها بما صادفه في حياته من فقد وكسب وتقدير وتحقير وحب وكره.

كتب مايك لي نص الفيلم، واضعًا فيه بالإضافة لإبداعه نتاج جهد جبار من القراءة والبحث والتدقيق حتى بأدنى التفاصيل، ولا أعني أن كل ما قدمه عن حياة ترنر هو صحيح ومؤرخ فلست من يستطيع الحكم على ذلك، لي لم يرد صنع فيلمٍ وثائقي، لكنه حرص على أن يصنع فيلماً حقيقيًّا، وبالتالي لم يقم بالخطأ المميت بتقديم بطل قصته ملاكًا أسيء فهمه، فتصبح قصته فنتازيا هوليوودية لا فائدة حقيقية ترجى منها، بل قدم دراسة فيها من العمق وسعة الأفق ما يليق بشخصية مثل ترنر بتقلباتها وتعقيدها وتفردها، وبذات المستوى من الإتقان صاغ باقي شخصياته محييًا بهم القرن التاسع عشر فلا تعبر واحدة منها دون أثر، فكريًّا كان أم حسي، خاصةً بظهورهم ضمن ما اختاره من حياة ترنر، وحسن اختيار لي وترتيبه لما اختاره أعطى لتلك الشخصيات الوزن الصحيح، بالإضافة لحوار مدروس سواءًا على مستوى مناسبة اللغة للعصر، أو ما تعبر عنه كلمات تلك اللغة.

إخراج مايك لي يجعلنا لا نستطيع تخيل ترنر يتكلم عن نفسه إلا برسمه للّوحات التي قدمها لنا لي في الفيلم، سواءًا التي رسمها ترنر، أو التي رسمها لي لـ ترنر بكاميرته، منذ بداية الفلم لا يقبل أن تشاهده وأنت في القرن الواحد والعشرين وبعيدٌ عن أرض الحدث، فيأخذك من حيث أنت لحيث يريدك، حتى تصل لدرجة أن تتمسك به وترفض العودة بعد نهاية الرحلة، فلماذا لا تبقى لتعيش في تلك المناطق الخلابة وتقضي وقتًا أطول برفقة ترنر عله يمنحك بعضًا من سحر ريشته وألوانه فترسم الدنيا التي لطالما حلمت بها، قد لا يكون ترنر هو ألطف شخص في العالم، لكن صحبته درس حياتي لا يكفي فقط ساعتين ونص منه، خاصةً بإحياء تفاصيل عصره في كل شيء بما فيها الأداءات التي أتى بها لي من فريقه.

تيموثي سبول قدم أحد أفضل خمس أداءات في العام بلا شك، أنت لا ترى ممثلًا يحاول تقديم شخصية، أنت ترى شخصيةً تاريخية وضعت بسحرٍ ما على شريط سينمائي، شخصية عظيمة لن تتكرر كما أداؤه، دوروثي أتكينسون وماريون بيلي يرفضان المضي دون أثر وإن كانا أمام أداء طاغي كأداء سبول، ونتاج رائع لجهد كبير من باقي ممثلي فريق العمل، تصوير ديك بوب كان ريشة لي التي نافس بها ريشه ترنر، يجعلك تتمنى أن تملك عينًا كعينه تستطيع الاستغراق في الجمال أينما وجد ليطغى على كل قبح تصادفه، ولمسة موسيقية من جاري يرشون لا أظن حتى تهكم ترنر يستطيع النيل منها، وما كان لو سمعها إلا أثنى.

حاز على 23 جائزة أهمها أفضل ممثل في مهرجان كان، ورشح لـ 42 أخرى أهمها أربع أوسكارات لأفضل تصوير وموسيقى تصويرية وديكور وتصميم أزياء.

تريلر الفيلم: