أرشيف الوسم: جاكو فان دورميل

حقائق قد لا تعرفها عن Mr. Nobody (الجزء الثاني)

عن رحلة النص حتى إيجاد التمويل وحيث وجده والسبب والنتيجة، دور دورميل في اختيار النجوم ومن اختارهم والسبب وحديثه عن تجربته مع كلٍّ منهم، فترة العمل على الفيلم وسببها وأثرها في كمال عناصره، ومصادر بعض الخيارات البصريّة للفيلم من الذّاكرة ومن طبيعة ما اختيرت له سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Mr. Nobody

بعد أن انتهت سنوات الكتابة الستّة مُنتجةً البنية ذاتها التي شاهدناها في الفيلم النهائي بكل قطعٍ وانتقال، قام دورميل بطباعة ونشر نصه، ربّما ليضمن أن لا يطويه النسيان إن لم يستطع الحصول على التمويل اللازم لصنعه كونه تجريبي ويتطلب ميزانية غير مسبوقة لإنتاج بلجيكي، مُحرّمتَين في وقتٍ واحد، مما بدأ ست سنواتٍ أخرى في البحث عن مموّل انتهت بمفاجأةٍ سارّة بفضل المنتج فيليب غودو الذي كان المسؤول عن التفاهم مع الشركات، ففي حين لا يمُكن الحصول على موافقة لمنح ميزانيّة كبيرة لفيلم دون التأكُّد من امتلاكه نجومَ شُبّاك، تمت الموافقة على ما يطلبه دورميل قبل اختيار ممثّليه رغم كونه لم يصنع أكثر من فيلمين روائيَّين من قبل، لكنهما كانا كافيَين لضمان تميُّز رؤيته واستحقاقها لمغامرةٍ كهذه.

ومن شركات كـ “Wild Bunch” التي أنتجت البرازيلي”City of God” والأمريكي “The Wrestler” والياباني “The Red Turtle” المرشّحين للأوسكار، والفرنسي “Blue is the Warmest Color” والبريطاني”I, Daniel Blake” الفائزَين بسعفة كانّ الذهبيّة. و”Pathé” التي أنتجت الأمريكي المرشّح للأوسكار “127 Hours” والإيطالي الفائز به “The Great Beauty”. وتكفّلتا بنصف ميزانيّة الفيلم بينما تكفّلت ممولة فيلمه السابق “Pan Européenne” بالنصف المتبقّي.

أما اختيار النجوم فتولاه دورميل وحده كون أحد أسبابه لكتابة النص بالانكليزيّة رغبته بالعمل مع بعض الناطقين باللغة. “أعتقد أن جاريد كان حقًّا الشخص المثالي للدّور كونه ممثّلٌ يهوى التحوُّل بين دورٍ وآخر. يحبّ تقديم شخصيّاتٍ بعيدةً كل البعد عن نفسه. عندما أدركت أن في مسيرته ثلاثةُ أفلامٍ شاهدتها ولم أميّز أنه كان هو نفسه في كلٍّ منها، تأكدتُ أنه سيكون الممثل الأفضل لتقديم تسع نسخ مختلفة من نيمو في تسع حيوات مختلفة”، هكذا وصف دورميل سعادته بأنه أحسن الاختيار.

وممن أراد العمل معهم إيفا غرين وديان كروغر وسارة بّولي، وفي حين لم تستطع غرين التي أرادها لدور آنا تلبية طلبه، كروغر وبّولي انضمّتا لفيلمه. “سارة كانت أول من خطر في بالي لدور إليز، وقد وافقت على الفور. في أول لقاءٍ بيننا سألتُها: ‘هل يمكنكِ أن تبكي لأسبوعَين في السرير دون عناء؟’، فقالت: ‘لا مشكلة! أستطيع البكاء والتوقف حسب الحاجة’. وهذا كان حقيقيًّا بالفعل. كانت تقول: ‘امنحني عشر ثوانٍ وسأدخل في الشخصية’، وبعد عشر ثوانٍ تنهار دموعها، ولحظة توقف الكاميرا تجدها تضحك مع الجميع. إنّها ممثلة رائعة”، “ديان كانت تؤدي دورًا بعيدًا عن ما تقدمه عادةً. ما قامت به على أحسن وجه كان إعادة اكتشاف حب طفلين وجعله بقوة الحب الأول”.

واضحٌ ان كل شيء سار حسبما تمنى دورميل. حتى وإن كان وقت العمل أطول بكثير من المعتاد، فالتّصوير وحده استغرق ستة أشهر، متبوعةً بسنة ونصف في المونتاج وإضافة المؤثرات البصرية. مما يعني أنه لم يضطر للتعجُّل واستطاع الوصول إلى أقرب ما يمكن لصورة الفيلم في خياله، استطاع بناء المواقع بتباينها الشكلي واللوني لكل حياة في فيلمه ورسم حركة الكاميرا الخاصّة بظروف كل حياة، أمورٌ أكّدها بنفسه.

كمثال على التباين اللوني نجد في طفولة نيمو ثلاثة فتيات يجلسن على مقعد هُنّ زوجاته المستقبليّات، جين مرتديةً الأصفر لون الغِنى، وهي التي يعيش معها حياةً مادّيّة. ثم إليز التي يعيش معها حالة الاكتئاب مرتديةً الأزرق. وأخيرًا آنا، معها الحب والشغف الكبيرَين، مرتديةً الأحمر. والصورة كاملة آتيةٌ من طفولة دورميل في ألمانيا حين كانت ثلاث فتيات يجلسن مقابل بيته بشكل متكرر، ترتدين الزي ذاته لكن بألوان مختلفة، وكانت أسماؤهن أنابيلا، إيزابيلا، وفلورابيلا. صورةٌ لم تغادر خياله وحرص هنا على ألا تغادر خيالنا.

كما حرص على أن تملك هذه الكلمات: “لا أعلم المستقبل، لذلك لا أستطيع اتخاذ قرار. الآن وقد علمت المستقبل، لا زلت عاجزًا عن اتخاذ قرار” مكانها الخاص في ذاكرتنا.

حقائق قد لا تعرفها عن Mr. Nobody (الجزء الأول)

أول فيلم يصدر لمخرجه خلال أكثر من 13 عامًا من آخر أفلامه. أضخم إنتاج بلجيكي في التاريخ وتمت الموافقة على ميزانيّته قبل حتى انضمام أي نجومٍ إليه فقط للثقة بمخرجه وروعة نصه. قوبل بوقفة تقدير وتصفيق لعشر دقائق بعد عرضه الأوّل في مهرجان البندقيّة حيث رشّح للأسد الذهبيّ. دخل قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأفضل الأفلام الأوروبية في عامه. انتظر أربع سنواتٍ ريثما يصل إلى شاشاتٍ أجنبيّة، ليُصبح كلاسّيكيّةً شعبيّة يتسع جمهورها كلما وصلت لبلدٍ جديد. Mr. Nobody وقصة صنعه.

من أبرز الأفلام المستكشفة للحيوات الموازية “Blind Chance” لـ كريستوف كيشلوفسكي الصادر عام 1987 ونسخته الأمريكية غير الرسمية “Sliding Doors” لـ بيتر هويت، و”Run Lola Run” لـ توم تايكفر الصادر عام 1998، أفلامٌ شكّلت مصادر استلهام للبلجيكي جاكو فان دورميل حين بدأ عملية كتاب نص هذا الفيلم الطويلة، لكن البذرة الحقيقية كانت في فيلمٍ قصير صنعه عام 1982 بعنوان “È pericoloso sporgersi”.

“نقطة بدايتي كانت فيلمًا قصيرًا بطول 12 دقيقة صنعته عام 1982 يُسمّى È pericoloso sporgersi. ويجري فيه طفلٌ وراء قطار وأمامه خيارَين، إما الذهاب مع أبيه أو البقاء مع أمه. من هنا نتابع المستقبلَين المحتملَين. عدت إليه مرةً بجعل البطل امرأةً وخيار أن تصعد أو لا تصعد على متن القطار. ثم صدر Sliding Doors لـ بيتر هويت، متبوعًا بـ Run Lola Run لـ توم تايكفر. كان عليّ إيجاد شيءٍ آخر، وحينها أدركت أن القصة التي أريد روايتها ليست مجرّد ثنائيّة، وأنني كنت مهتمًّا وقبل كل شيء بتعددية وتعقيد الخيارات. مع هذا النص أردت للمشاهد أن يحس بما تعنيه لا نهائية الاحتمالات، والأبعد من ذلك أنني أردت إيجاد طريقةٍ أخرى لرواية قصة. أردت نظرة الصبيّ لمستقبله أن تقابل نظرة العجوز الذي أصبحه لماضيه. أردتُ أن أتحدث عن تعقيد الأمر عن طريق السينما، والتي هي وسيلةٌ تبسيطيّة. ففي حين الواقع حولنا أكثر فأكثر تعقيدًا، نجد المعلومات في السينما أكثر إيجازًا، والخطب السياسيّة أكثر بساطةً. ما يثيرني هو التعقيد، لا الإجابات السهلة، والتي قد تكون مطمئنة ومريحة، لكن خطأها محتوم”.

هكذا وصف دورميل بدايات عمله وغاياته، والتي استغرق ست سنواتٍ في الكتابة ريثما وصل إليها. دارسًا خلالها الزمكان. نظرية الأوتار التي تفترض أن للكون 26 بعدًا ملتفّة على نفسها اختُصرت لعشرة، وأنه ليس وحيدًا بل جزء من عدة عوالم متصلة ببعضها بحيث يمكن أن يشغل الحيز الواحد أكثر من جسم لكن كل واحدٍ منها من عالم.

كما درس نظرية الفوضى التي تستكشف النظام الخفي وراء العشوائيّة. نظرية تأثير الفراشة التي هي أبرز محاولات الكشف عن ذاك النظام الخفي. تجربة سكينر حول تشكيل الخرافة لفهم ربط الناس لوقوع أمور خارجة عن إرادتهم بطقوس معيّنة يمارسونها، والتي تستنتج أن الأمر عائدٌ لكون تصرفٍ ما كانوا يقومون به تزامن مع وقوع تلك الأمور لمرةٍ أو أكثر جعلهم يؤمنون أن له دورًا في وقوعها. وأخيرًا نظرية الانسحاق الشديد المعاكسة للانفجار العظيم، والتي تفرض أن التوسع الحاصل للكون بسبب طاقة الانفجار العظيم ستتبدّد وتنتهي بعد مدة من الزمان وستبدأ طاقة الجذب المركزية في لملمة أطراف الكون إلى أن يعود كتلة واحدة صغيرة في الحجم عالية الكثافة والكتلة.

.

.

فيما يلي حرق لنهاية الفيلم:

.

.

.

أما النظريات الأربع الأولى فكان مركزها مدى افتقار البشر كأفراد للقدرة على التحكّم بمجريات الأمور، لذلك نجد نيمو عرضةً لهوى القدر، وكثيرًا ما يغطس في الماء حيث يُجرّد الإنسان من قدراته. بينما أفاد من النظرية الأخيرة في نهاية الفيلم، حين نجد العالم على حافّة الفوضى المطلقة، فينتهي توسّع الكون، ويتوقّف الوقت ثم يبدأ بالانعكاس حتى يختار نيمو ألّا يختار وينطلق إلى المجهول.

عن رحلة النص حتى إيجاد التمويل وحيث وجده والسبب والنتيجة، دور دورميل في اختيار النجوم ومن اختارهم والسبب وحديثه عن تجربته مع كلٍّ منهم، فترة العمل على الفيلم وسببها وأثرها في كمال عناصره، ومصادر بعض الخيارات البصريّة للفيلم من الذّاكرة ومن طبيعة ما اختيرت له سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Mr. Nobody