أرشيف الوسم: جينيفر كونيللي

حقائق قد لا تعرفها عن Black Swan (الجزء الثاني)

عن تفاصيل من نهج أرونوفسكي في صناعة الفيلم ومصادر إلهامه، ما كانه المشروع كجزءٍ وما أصبحه ككل، انضمام ميلا كونيس إلى فريق العمل ونتائجه وكيفية استفادة أرونوفسكي من صداقتها مع بورتمان، مرشحي أدوار إيريكا، بيث ماكينتاير، وجيمس ليروي ومن ذهبت إليهم والنتائج، اتّهام مرتبط بأداء بورتمان، موسيقى كلينت مانسيل، وتفصيلٌ حول النهاية وما تعنيه لـ نينا سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Black Swan .

لا شك أن جهود بورتمان وُجّهت حيث تَستحق وتُستحق مع أرونوفسكي، الذي استطاع الاستفادة من تجارب نجوم باليه حاليين وسابقين ليستفيد من خبراتهم رغم صدمته بانغلاق عالم الباليه على نفسه وعدم تعاون نجومه الكبير مع فنٍّ لا يجدون له كل تلك القيمة كالسينما، رافق فرقة البولشواي خلف الكواليس مراقبًا لتفاصيل أدائهم وخلفيته، استلهم حالة فيلمه وأسلوبه من رائعتي بولانسكي “Repulsion” و”The Tenant”، واستغنى عن فكرة ضم عالمي المصارعة والباليه في فيلمٍ واحد حين فكر بذلك خلال صنعه “The Wrestler” بعد اطلاعه على ما يكفي ليجد الأمر أكبر بكثير من فيلم ٍ واحد، ليقدم رائعتين.

لم يتوقف دور بورتمان على الاجتهاد في أدائها، فقد كانت وراء انضمام صديقتها ميلا كونيس للمشروع باقتراحها إياها على أرونوفسكي، وإجراء الأخير مع كونيس مجرد مقابلة على السكايب دون تجربة أداء فعلية ليجد أنها الأنسب لدور ليلي بعد ترشيح بليك لايفلي وإيفا غرين، ولا يخيب ظنه باجتهادها الذي تضمّن تَدَرُّبها لخمس ساعاتٍ يوميًّا في سبعة أيامٍ أسبوعيًّا لثلاثة أشهر ونتائجه.

لكن طبعًا هذا لم يكفِه، فقرر القيام بخدعةٍ لطيفة تقوم على الفصل بين الصديقيتين خلال تصوير الفيلم ومدح إحداهما أمام الأخرى بجدية محاولًا رفع حدة التوتر خلف وأمام الكاميرا، وسواءً أكان لذلك دورٌ في النتائج أم لم يكن بالتأكيد كنَّ عند حسن ظنه، مما عوّض بعض خيباته بسبب طول مدة العمل على المشروع، كصعوبة الحصول على إحدى نجمتيه المحببتين جينيفر كونيلي ورايتشيل ويز لدور بيث ماكينتاير والذي قدمته وينونا رايدر باقتدار، كذلك الأمر مع نيته السابقة في أداء ميريل ستريب لدور إيريكا أُم نينا.

وبمناسبة المرشحين السابقين فقد كان أنتونيو بانديراس وهيو جاكمان منهم لدور توماس ليروي، الذي ذهب للمتميز فينسنت كاسل، ليستلهم أداءه من شخصية جورج بالانشين أحد مؤسسي باليه نيويورك، والذي عُرف بغرابة أساليبه الجنسية وفاعليتها بالتحكُّم في فرقته، ويُقدم بالنتيجة ما يجعل تخيل آخرين في مكانه في غاية الصعوبة.

نجاح كل هذه الجهود المدوّي كالعادة أيقظ بعض المطامع، فظهرت سارة لين راقصة الباليه التي كانت بديلة بورتمان في بعض المشاهد لتُصرّح أن المنتجين منعوها من القيام بمقابلات حتى انتهاء موسم الجوائز ليُنسب فضل الإبداع في رقصات الفيلم إلى بورتمان، مما أثار سخرية بينجامين ميلبايد المسؤول عن تدريب بورتمان وكونيس الذي أكّد أن لين انحصرت الاستعانة بها تقريبًا في لقطات الالتفاف على أصابع قدم مع رفع الأخرى إلى الجانب، كما صرّح أرونوفسكي أن عدد لقطات الرقص في الفيلم 139، 111 منها لـ بورتمان، و28 لبديلتها لين.

لكن أحدًا لم يستطع الاقتراب من روعة موسيقى كلينت مانسيل وفكرة الإتيان بها من تنويعات على باليه “بحيرة البجع” لـ تشايكوفسكي حين تُعزف بشكلٍ مُعاكس.

.

.

فيما يلي حرق لأهم أحداث الفيلم:

.

.

.

لم تملك باربرا هيرشي التي قامت بدور إيريكا الوقت اللازم للتواجد في جميع المشاهد التي وجب تواجدها فيها، كمشهد المكالمة التي تتلقاها من نينا لتخبرها بفوزها بدور ملكة البجع، مما جعل أرونوفسكي يقوم بنفسه بالرد على المكالمة والتفاعل مع بورتمان للإتيان بأصدق أداء لها.

وبالإضافة لذاك الأداء جعل ألوان الصورة والملابس وتوزيع المرايا خلال الفيلم تعكس حالة الشخصية، ففي البداية نجدها في الأبيض والزهري بما فيهما من براءة، ثم الرمادي في عزلتها واضطرابها، الأسود بنضوجها وثورتها والظلامية التي تنمو داخلها، ثم يتداخل الرمادي مع الأبيض والأسود بازدياد اضطرابها وتشوّشها وانفصالها عن الواقع.

وامتد ذلك إلى اختيار مكان بقعة الدماء الناتجة عن الطعنة في النهاية، فحين عبرت بورتمان عن استغرابها من ذلك أكّد لها أرونوفسكي أنه وجب اختيار هذا المكان تحديدًا لأن نينا الفتاة في هذه اللحظة أصبحت امرأة.

عن جينيفر كونيلي

قضت طفولتها، مراهقتها وشبابها أمام الكاميرات جاهلةً ما تعنيه الخصوصية، مثقلةً بالشك خلال بداياتها إن كانت هي من خطت طريقها أم ملائكية وجهها وسلطته على القلوب، ومثبتةً فيما بعد أنها الممثلة العبقرية والنجمة المسؤولة عما وصلت إليه من تقديرٍ عالمي، جينيفر كونيلي وحكايتها مع السينما.

ولدت جينيفر لين كونيلي عام 1970 في القاهرة بنيويورك، لبائعة أنتيكات وصاحب مصنع ملابس. نشأت في حي الأثرياء بروكلين هايتس بالقرب من جسر بروكلين، وأُدخلت مدرسة القديسة آن المتخصصة في الفنون تشجيعًا من والديها على تثقيفها المبكر فنيًّأ، والذين لم ينتظرا طويلًا حتى محاولة إدخالها في الوسط من خلال اللجوء لصديق لاقتراحها على شركات الإعلانات عندما بلغت العاشرة.

وبدأت بالفعل بالعمل في هذا المجال، ثم انتقلت إلى تجارب الأداء التمثيلية برغبة وإشراف أمها، حتى تم اختيارها للعب النسخة الفتية من دور الراقصة والممثلة الطامحة ديبورا غيلي في ملحمة سيرجيو ليوني الخالدة “Once Upon A Tome in America” التي صدرت عام 1984، لتصف تجربتها مع ليوني لاحقًا بأنها المقدمة الأكثر مثاليةً على الإطلاق لصناعة الأفلام.

في العام التالي قامت بدور البطولة في فيلمين أولهما “Phenomena” مع سيد الرعب الإيطالي داريو أرجينتو، والثاني “Seven Minutes in Heaven” لـ ليندا فيفرمان، لكن مع دور سارة في “Labyrinth” لـ جيم هينسون ومن بطولة ديفيد باوي بلغت انتشارها الواسع الحقيقي الأول، خاصةً أن نجاح الفيلم الجماهيري الذي تبع فشله التجاري جعله من الكلاسيكيات، وإن لم تنل ذاك المديح على أدائها.

وبعد فيلمين آخرين قررت الانتقال من دراسة الانكليزية في جامعة ييل إلى دراسة الدراما في جامعة ستانفورد، ليجعلها تشجيع أهلها على الاستمرار في مسيرتها الفنية تغادر الكلية وتعود بفيلم “The Hot Spot” لـ دينيس هوبر الذي أصبح أحد أبرز دلائل موهبتها، “أي شخصٍ يبحث عن دليلٍ على أن الفتيان يكبرن بسرعة في الأفلام ليلقِ نظرة على الفاتنة جينيفر كونيلي في The Hot Spot، لم تبلغ بعد عشرينياتها، واستطاعت ببراعة الانتقال من طفلةٍ ممثلة لامرأة” هذا ما قاله الناقد ستيفين شايفر تعليقًا على أدائها.

تلا ذلك بعض الأفلام متفاوتة الجودة وذات عمرٍ قصير لم تعِ كونيلي استغلال جسدها المباشر في بعضها إلا بعد صدورها، وفي عام 1998 أتى منعطفٌ آخر في مسيرتها بصدور “Dark City” لـ أليكس بروياس والإشادة الكبيرة بأدائها السحر وأنوثتها القاتلة فيه التي قورنت بمثيلتها عند أكبر نجمات الأربعينيات.

كل هذا كان مجرد تحضير لما ستصله مع بداية الألفية الجديدة، مع صدور رائعة دارين أرونوفسكيRequiem for a Dream“، وتقديم أداءٍ رائع غير مسبوق في مسيرتها، ناتجٍ عن تحضيرٍ متأنٍّ متقن شمل استئجارها لشقة حيث استمعت إلى الموسيقى التي قد تسمعها شخصيتها في الفيلم، مارست الرسم وصممت الملابس، تدربت على ما قد يكونه حال المدمن قبل وبعد، بالإضافة لحضور جلسات العلاج مع صديق، ومن هنا أصبح لا بد أن يسبق ذكرها لقب “السيدة”.

وقبل صدور هذا الفيلم أرسلت كونيلي بعض مشاهدها فيه لمنتجي “A Beautiful Mind” لتفوز بدور زوجة جون ناش على الفور بمباركة مخرج الفيلم رون هاوارد أيضًا خاصةً بعد الانسجام المبهر بينها وبين راسل كرو، لتكون النتيجة فوزها بالبافتا، الكرة الذهبية والأوسكار عن دورها من بين جوائز وتكريمات أخرى، واعتبارها هذا الفيلم الأقرب إلى قلبها والأحق بافتخارها، “إن غنى وتعقيد ما قدمته كونيلي كامرأةٍ يمزقها حبها لرجلٍ يقاربه خوفها منه شدةً هو ما يرتقي بالفيلم لمستوًى أعلى” هذا ما قاله الناقد الكبير روجر إيبرت في أداء نجمتنا.

امرأةٌ وحيدة تخسر منزلها وتبذل كل ما تستطيعه لكسب رفاهية امتلاك سقف يحميها في “The House of Sand and Fog” لـ فاديم بيريلمان، صحفية قادرة في “Blood Diamond” لـ إدوارد زويك، أمٌّ مفجوعةٌ تجمع شتات نفسها في “Reservation Road” لـ تيري جورج، امرأةٌ تحاصرها مبادئها في “He’s Not Just That into You” لـ كين كوابيس، إيما دراوين زوجة تشارلز داروين في “Creation” لـ جون أمييل، زوجة سابقة لمن ملكت عليه أثرًا أقوى من أن يغادره بسهولة في “Stuck in Love” لـ جوش بون، زوجة النبي نوح في “Noah” لـ دارين أرونوفسكي، ومديحٌ إثر مديح اعتادت السيدة أن يلازمها بلغت جودة الفيلم الذي تظهر فيه جودة أداءها أم لم تبلغ.

“كان هناك وقتٌ حين لم أكن مرشحةً للانضمام إلى مشاريع أردت أن أكون جزءًا منها لأن صناعها كانوا يقولون لأنفسهم: “لن أختار الفتاة التي ظهرت في الفيلم الفلاني لفيلمٍ بهذه الجدية والأهمية”، لوقتٍ طويل أردت فعل ما أفعله الآن، وأنا سعيدة بحلول الوقت الذي أعمل فيه فقط في المشاريع التي أحس بدافعٍ قوي للعمل عليها”، هذا مما قالته جينيفر كونيلي تعليقًا على مسيرتها، ويمكن لمسه في الأفلام التي لم يصل بها إلى قلوب المشاهدين إلا أداؤها كـ “Virginia” لـ داستين لانس بلاك وعدة أعمال مستقلة أخرى لا يغريها فيها إلا إيمانها بأنها ستقدم فيها ما يضيف إليها.

حقائق قد لا تعرفها عن Requiem for a Dream (الجزء الثاني)

عن نهج أرونوفسكي في خلق أدق التفاصيل البصرية والحسية وتطلُّبه من ممثليه والنتائج، خطأ أُدرِك لحظة وقوعه وتم ترك نتيجته تصل إلى الشاشة لما تحمله من صدق أكسبها الخلود، اقتباساتٌ وتحيّاتٌ سينمائية عن وإلى النخبة، صدفة وموسيقى تصويرية تاريخية، وما قاله أرونوفسكي عن محتوى فيلمه الحقيقي سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Requiem for a Dream .

.

.

فيما يلي حرق لأهم أحداث الفيلم:

.

.

.

قضى أكثر من ثلاث ساعات في تصوير ما سيظهر على الشاشة خلال 20 ثانية، وهو مشهد تنظيف الشقة الذي صوِّر بعدسة تايم لابس تمر على أركان الشقة ببطء شديد بينما تتحرك إيلين برستين بسرعة مريبة بالفعل، مع التلاعب بالإضاءة لبيان مرور الوقت، ليستغرق التصوير في المرة الواحدة أكثر من 40 دقيقة، ويعيد أرونوفسكي المشهد 3 مرات. لا يُستغرب بعد كل هذا طبعًا أن الأجزاء الداخلية للثلاجة المخيفة قد ذابت من الداخل بفعل حرارة معدات الإضاءة.

ولم تمانع المجتهدة برستين ذلك، بل استمرت بالإبداع مشهدًا بعد مشهد ولقطةً بعد لقطة، ولعل المصور ماثيو ليباتيك الشاهد الأكبر على ذلك، فقد قطع عمله أرونوفسكي في مشهد مونولوج السيدة غولدفارب الخالد عما يعنيه التقدم في السن وحيدًا، ليستعلم منه عن سبب ابتعاده عن كاميرته خلال التصوير، ويوضح ليباتيك أن بكاءه أمام عظمة أداء برستين جعل العدسة ضبابية فاضطر للابتعاد عنها، وتأكد أرونوفسكي من أن تجد تلك اللقطة غير البالغة الكمال الذي يحرص عليه في التصوير طريقها إلى النسخة النهائية.

وليس هذا غريبًا عمّن رفض أن يكون ذهاب هاري إلى ميامي وتورط ماريون في عالم الجنس الرخيص نهاية وجود كلٍّ منهما في حياة الآخر كما كان الأمر في الرواية الأصل، فأضاف مشهد المكالمة الهاتفية، ولمنحه أعلى درجة من الصدق جعل ليتو وكونيلي يقومان بالمكالمة بالفعل ويرتجلان حديثها وصورهما في اللحظة ذاتها في موقعين متجاورين.

كما لم يقتصر إجهاده لممثليه كجزء من توجيهه العبقري لهم على بطلته المبدعة، فقد جعل ليتو ومارلون وايانز يتجنبان السكر وكل ما يحتويه واللحم الأحمر وممارسة الجنس لثلاثين يومًا لمعرفة ما يعنيه التوق المرضي.

وقام بشراء حقوق صناعة فيلم حي مبني على الفيلم الرسومي الياباني العبقري Perfect Blue للراحل ساتوشي كون فقط ليستطيع إعادة خلق لقطتين رائعتين منه واللتين تجريان في حوض استحمام ماريون، العلوية وتلك التي تصور صراخها تحت الماء، بالإضافة لتحية كلاسيكية فرانسيس فورد كوبّولا The Godfather باستعماله الإشارة ذاتها المنذرة بالشر هناك وهي البرتقال، كشاحنة البرتقال لدى ذهاب هاري وتايرون للحصول على شحنة مخدرات جديدة.

لكن كل هذا ما كان ليكفي لوصول الفيلم إلى المكانة التي يحتلها الآن لولا أن القدر شاء أن يكون كلينت مانسيل رفيق درب أرونوفسكي، ويقف في وجه اختياره الخاطئ للموسيقى التصويرية التي أرادها إعادة توزيع لموسيقى وأغاني كلاسيكيات الهيب هوب، ولم ير مانسيل في ذلك ما يناسب الصورة وحالتها حتى بعد التجربة، فعرض على أرونوفسكي بعض المقطوعات التي عمل عليها مؤخرًا، وكانت النتيجة مقطوعاتٍ ترددت على ألسنة وفي ذاكرة الملايين عرفوا مصدرها أم لم يعرفوا.

وبالحديث عن الموسيقى، يُسمع في بداية المشهد الافتتاحي للفيلم تحضيرُ كماناتٍ ونقرة عصا المايسترو ليؤذن ببداية العزف، أما عن الفرقة فهي كرونوس، وأما عصا المايسترو فقد كانت بيد أرونوفسكي.

“لم أكن أبدًا مهتمًّا بصنع فيلمٍ عن المدمنين، أجدهم مملين جدًّا، فعمَّ الفيلم إذًا؟!، هو فيلم وحوشٍ حيث الوحوش هنا لم تكن مرئية، بل عاشت في أذهانهم، هو فيلمٌ عن الحدود التي يمكن أن يصلها البشر للهروب من واقعهم، هو فيلمٌ عن الحب، عما يحدث عندما يذهب في الاتجاه الخاطئ..”، هذا مما قاله أرونوفسكي عن Requiem for a Dream حين سئل عما ألهمه لصنعه.

سارة (غولد)فارب أرادت المظهر البراق كالذهب، هاري (غولد)فارب وماريون (سيلفر) أرادا أن يملكا ما يكفي من المال (الذهب والفضة) لحياةٍ أفضل بأسرع طريق، تايرون (لوف) أراد دفءًا وحبًّا كالذي كان له في حضن أمه، وفي النهاية يتمدد كلٌّ منهم على جانبه الأيمن مقرّبًا ركبتيه إلى صدره في وضعٍ جنيني.. طامعًا بولادةٍ جديدة..

requiem-for-a-dream2

حقائق قد لا تعرفها عن Requiem for a Dream (الجزء الأول)

أحد أكبر انتصارات السينما المستقلة فنيًّا وجماهيريًّا، ضمن قائمة مجلة Premiere لأخطر 25 فيلم في التاريخ، فيه الأداء الذي اعتبرته صاحبته القديرة إيلين برستين أهم إنجازٍ في مسيرتها، غزت موسيقاه ذاكرة الملايين ممن لم يشاهدوه حتى، وكان نقطة تحول تاريخية لمخرجه الشاب بعد أن أنقذه من أدراج الاستديوهات الضخمة التي قلما يخرج نصٌّ استقر فيها مرة، Requiem for A Dream وقصة صنعه.

عام 1978 وحين كانت دور الرعاية الصحية وإعادة التأهيل أشبه بمراكزٍ للتعذيب النفسي والجسدي، صدرت لـ هيوبرت سيلبي جونيور روايةٌ بعنوان Requiem for A Dream ارتبطت بشكلٍ أو بآخر بتلك الدور، لكن لم تحقق كل ذاك الانتشار وقتها، وإنما تركت في ذاكرة أحد معجبي كتابات سيلبي أثرًا سيأخذه إلى قمة نجاحه بعد أكثر من عقدين.

وطبعًا كان ذاك المعجب دارين أرونوفسكي الذي حقق فيلمه الأول Pi أصداءًا مبهرة جعلت أكبر استديوهات هوليوود تطلبه وتعرض عليه تمويل أي فيلمٍ يرغب بصناعته، إلا أن عرضه فكرة فيلمنا هذا عليهم جعل هاتفه يحافظ على صمته وقتًا طويلًا، واتضح أنهم نسيوا إكمال الجملة في حديثهم معه وقول: “أي فيلمٍ (ذو قبولٍ جماهيريٍّ مضمون الأرباح)”.

وهذا منحه وقتًا أطول للعمل على النص، لا سيما أن المسودة الأولية التي أعدها سيلبي قبل سنوات من مجيء أرونوفسكي إليه ولم تجد طريقها إلى الشاشة ضاعت، لتظهر لاحقًا ويفاجأ الاثنين بأن نصيهما متطابقين بنسبة تصل إلى %80.

خاصةً في السوداوية التي جعلت  الرعب يدب في قلب إيلين برستين لدى قرائتها للنص لأول مرة ويدفعها لرفض عرض المشاركة في البطولة، لكن سرعان ما تغير موقفها بعد مشاهدتها Pi وتأكدت أنها بصدد تجربةٍ تستحق العناء، وجميعنا نعلم الآن أنها كانت على حق.

وإن قضت 4 ساعات في بداية كل يوم تصوير على كرسي الماكياج، ارتدت خلالها أربع رقبات صناعية مختلفة الأحجام بين هزيلة وضخمة، بزتين جلديتيتن مظهرتين للوزن لمرحلتين مختلفتين، وتسع قطع من الشعر المستعار، بالإضافة لتثبيت الكاميرا عليها في عدة مشاهد.

كذلك جاريد ليتو خسر قرابة 12 كيلوغرامًا من وزنه وصاحب بعض مدمني الهيروئين تحضيرًا لدوره، كما قامت جينيفر كونيلي بتعلُّم حياكة الملابس وأصبحت مصممة أغلب ملابسها خلال الفيلم، أما كريستوفر ماكدونالد فلم يعلم أحدٌ طبيعة التحضيرات التي قام بها ليستطيع تصوير مشاهده كلها في يومٍ واحدٍ وارتجال جزءٍ كبيرٍ منها، ليقف فريق التصوير كاملًا في نهاية ذاك اليوم مصفقًا له ومرددين عبارته الشهيرة: “We Have A Winner!”.

ومن المثير معرفة أن شخصيته كاملةً هي من ابتكار أرونوفسكي، ففي حين أشارت الرواية إلى برامج تلفزيونية معتادة وقت صدورها لم يرد أرونوفسكي تحديد زمن أحداث الفيلم، وأراد شيئًا يمكن المرور به على شاشة التلفاز خلال العقود القليلة المنصرمة، فأتى بفكرة العرض ومقدمه الرائعة.

هذه فقط واحدة من لمساته في النص، والتي فاقتها لمساته الإخراجية تميزًا وارتقاءً بالعمل، بدايةً من التصوير الشبيه بفيديوهات أغاني الهيب هوب المصورة بقصر اللقطات لترسيخ حالة الإدمان وفقدان السيطرة، ففي حين يتكون فيلم مدته 100 دقيقة عادةً من 600 إلى 700 لقطة، كان في فيلمنا هذا أكثر من 2000 لقطة!

عن نهج أرونوفسكي في خلق أدق التفاصيل البصرية والحسية وتطلُّبه من ممثليه والنتائج، خطأ أُدرِك لحظة وقوعه وتم ترك نتيجته تصل إلى الشاشة لما تحمله من صدق أكسبها الخلود، اقتباساتٌ وتحيّاتٌ سينمائية عن وإلى النخبة، صدفة وموسيقى تصويرية تاريخية، وما قاله أرونوفسكي عن محتوى فيلمه الحقيقي سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة أكثر قداسِ حلمٍ مهابةً.

A Beautiful Mind

“(ربما يمكنك أن تحاول ثانيةً غداً)، قيلت هذه الجملة مئات المرات، لكنك ستذكرها من هذا الفيلم..”

السنة 2001
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج رون هاوارد
المدة 135 دقيقة (ساعتين و15 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) لليافعين بسبب بعض الإيحاءات الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) PG-13
اللغة الانكليزية

 

ربما يكون تهور سائق التاكسي، ربما قلة خبرة سائق السيارة الذي أراد تجاوزه، ربما كي لا توصف حياتهما بالكمال، الكمال الذي لا يكون إلا بكونها حياتهما سوياً، توفي البارحة “جون ناش” وزوجته “أليشا ناش” بعد عمرٍ من الحب ألهم الملايين، لكن كيف حدث ذلك؟، كيف عرف الملايين بقصة العقلين الجميلين والقلبين الرائعين؟، عن طريق هذا الفيلم، الذي لف العالم منذ صدوره في 2001 وملك قلوب مشاهديه، واعتبره الكثيرون السقف الذي لا يمكن تجاوزه في أفلام السير الذاتية، فأصبحت غالبيتها تقليداً لا روح فيه مهما بلغت دقة النسخ، هل يستحق الفيلم كل هذا؟، الغريب في الأمر أنه يستحق، و”جون” و”أليشا” يستحقان أكثر، وداعاً..

“جون ناش”(راسل كرو) أحد عباقرة الرياضيات ويقوم بتحضير ما ستكون عنه رسالة الدكتوراه، والتي على ما يبدو هي صديقه الوحيد، ليس لأنه مرفوض، لكن لا يجذبه الكثير في العلاقات مهما كان نوعها، حتى الآن على الأقل، وهذا ما يجذب إليه بعد سنين رجال الحكومة بشكل سري ليساعدهم في فك بعض الشيفرات التي ستقودهم لمعلومات بالغة الأهمية والخطورة، وستقوده علاقته بهم لأمرٍ يغير حياته للأبد، الأبد الذي انتهى البارحة..

عن كتاب “سيلفيا ناسار” كتب “أكيفا جولدزمان” نص الفيلم، وأثبت أنه على قدر مسؤولية صياغة شخصية كشخصية “جون ناش” ليس فقط بالشكل الصحيح، بالشكل الأكثر سلاسة وقرباً إلى القلب بحيث لا يترك لك خياراً في احتلالها مكاناً من ذاكرتك، وتعقيدها وغناها لم يشغله بها عن باقي الشخصيات جاعلاً لكل منها حصةً من أثر قصته، أتقن اختيار اللحظات التي سيقدمها من حياة بطله فليس هناك اضطراب وقفزات غير متزنة، بل كل الأحداث تنساب بتناغم ملفت، مع حوار يرسخ ما يجري في الذاكرة.

إخراج “رون هاوارد” يكفيه فخراً أنه أصبح مرجعاً لمن يريد تقديم فيلم سيرة ذاتية، لكن نسي من ينسخون أن الروح التي في فيلمه لا يمكن نسخها، الزخم الحسي الذي ملأ أرجاء فيلمه وجعل له حالةً وأجواءاً تكثف أثره وتخلد ذكراه، الخفة في الانتقال وجعل التجربة تستحوذ عليك تثقل حيناً على قلبك وتطير به حيناً آخر، مع الاهتمام بكل ممثل ظهر أمام كاميرته قبل ظهوره وبعد تقديمه لما أبدع “هاوارد” في توظيفه.

أداء خالد من “راسل كرو” الذي قدم هنا الدور الذي لن يستطيع أن يكرره ربما حتى هو نفسه، وإن كان هناك من يستطيع فسيكون هو، أداء كان عاملاً أساسياً في ما يتركه العمل في قلب مشاهده حتى بعد نهايته من “جينيفر كونيلي”، بالإضافة لأداءات جيدة من كافة فريق العمل، تصوير رائع يضيف أيضاً جمالاً لكل مافي العمل من جمال من “روجر ديكنز”، وموسيقى تعمق أثر التجربة على حواسك من “جيمس هورنر”.

حاز على 36 جائزة أهمها أربع أوسكارات لأفضل فيلم وإخراج ونص وممثلة بدور ثانوي “جينيفر كونيللي”، ورشح لـ 58 أخرى أهمها أربع أوسكارات أفضل ممثل بدور رئيسي “راسل كرو” وأفضل موسيقى تصويرية ومونتاج ومكياج.

تريلر الفيلم:

Dark City

السنة 1998
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج أليكس بروياس
المدة 100 دقيقة (ساعة و40 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للبالغين بسبب المشاهد الجنسية والعري
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

 

“المؤامرة التي جعلت “روفوس سيويل” في دور البطولة أكبر بكثير من المؤامرة التي تكلم عنها الفيلم!”

يقدم الكاتب والمخرج الأسترالي “أليكس بروياس” هنا أحد أهم أفلام الخيال العلمي المنسية ذات الزخم الفكري والبصري المبهر، والتي شكلت أساساً بنى عليه الكثيرون مشاريعاً سينمائية منها ما فشل ومنها ما استفاد من متانة الأساس، الإتيان من الواقع بأبدع أفكار الخيال لا يتقنه الكثيرون، و”بروياس” استطاع أن يكون هنا من القلة المميزة، إلا أن أحداً ما لم يشأ لإبداع “بروياس” أن يبلغ حده الأقصى فقام ببساطة بجعل “روفوس سيويل” بطل الفيلم، ربما يكون هذا الشخص هو “بروياس” نفسه لكن بعد التخدير أو عملية غسيل دماغ، “روفوس سيويل” يا رجل؟!

في عالم لا يمكن التنبؤ بتاريخه أو مكانه يصحو “جون مردوك” لا تحركه إلا الغريزة بغياب ذاكرته بشكل كامل وجهله لمن وأين كان وكيف وصل إلى هنا، هاتف من مجهول يحذره من مجهولين سيأتون في إثره لينهوا حياته التي لا يعلم متى بدأت، وجثة عارية ملقاة على الأرض، فما السر وراء كل هذا؟ من هو؟ من هم؟ وأين تقع هذه المدينة ولم تغرق في الظلام؟ وهل استعادة ذاكرته كافية للإجابة على كل هذه الأسئلة؟

كتب نص الفيلم “أليكس بروياس” عن قصته بالاشتراك مع “ليم دوبس” و”ديفيد س.جوير”، ابتكروا عالماً منا من يظنه بالفعل عالمه ومنا من يسخر من فكرة وجوده، لكن كلا الطرفين يشغل هذا العالم من تفكيرهم حيزاً لا يملكون خياراً في منحه أو منعه، وأغنوه بشخصيات أخذوا أغلبها من كوابيسنا، واجتهدوا في منح تلك الشخصيات ملامحاً تقوي صلتنا بها، لكن النزعة لتقديم ما هو سهل الهضم لغالبية الجمهور أدت لتبسيط بعض الأمور بدرجة تفقدها جماليتها وذكاءها، وأتمنى أن يكون الأمر للتبسيط وليس لعجزهم عن الإتيان بما يليق بالأفكار التي كانت أساس قصتهم.

إخراج “أليكس بروياس” يعطي أفكاره ما تستحقه من قوةٍ بصرية تعطي لعالمه المظلم فرصة أن يخلد على شريط سينمائي إلى الأبد، محيطاً إياه بأجواء غرائبية قلقة، متحكم بالإيقاع منذ البداية وحتى النهاية فلا يسير حيناً ويجري آخر لخوفه من غفلة مشاهديه، بل هو يعلم أنه حائز على انتباههم خاصةً بعد أن غمرهم بالظلام وجعلهم يشتاقون للنور، ويهتم بممثليه بشكل جيد إلا أن بطلنا المغوار يعجزه للأسف.

أداء “روفوس سيويل” وصل إلى حد أن يبدو تدني مستواه وكأنه مقصود، ربما لو كان هناك ثأر له عند “بروياس” لما انتقم بأداء كهذا، أما باقي فريق العمل فشبه ينقذ الموقف خاصةً “ويليام هارت” و”جينيفر كونيللي”، تصوير “داريوش وولسكي” ممتاز، وموسيقى “تريفور جونز” تساهم بأجواء الفيلم بشكل جيد.

تريلر الفيلم: