أرشيف الوسم: جيني برلين

Margaret

“مارغريت، أتندُبين الخريف؟”

السنة 2011
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج كينيث لونرغان
المدة ثلاث ساعات
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العري والمشاهد الجنسية والعنف
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.5

قد لا يُلام منتجي هذا الفيلم في بادئ الأمر لكونهم منحوا كينيث لونرغان حُرّياتٍ إبداعيةٍ كاملة مع شرط بقاء مدة الفيلم في حدود الساعتين ونصف، صفقةٌ كهذه ليست بهذا السوء إطلاقًا، لكن المُشكلة أن هذه تجربة لونرغان الثانية فقط، لم يُصبح قادرًا على تقدير الوقت قبل البدء بالتصوير بهذه الدقة بعد، وحدث أن ملك أفكارًا تُنتج بعد التصوير والمونتاج أكثر مما تسمح به المدة، ولها في قلبه وعقله أكثر مما يسمح له (ولنا) بالتنازل عنها، مما أنتج سجالاتٍ استمرّت لستّ سنواتٍ تدخّل حتى مارتن سكورسيزي وشريكته المونتيرة الكبيرة ثيلما شونميكر لحلّها. وهُنا يُلام المنتجين، فبعد الوصول إلى النسخة الملتزمة بالاتفاق كان منهم أن قرروا الإنتقام من تمسُّك لونرغان برؤيته بإصدار محدود للفيلم في بضعة سينمات بحيث يتم تقنين انتشاره والإعجاب به وإن كان ذلك مقابل خسارتهم ما استثمروه في صناعته وبقي مُجمّدًا لسنوات. لكن احتلال الفيلم للمركز 31 في قائمة BBC لأفضل 100 فيلم لهذا القرن لا يبدو من علامات نجاح الانتقام، ولا تأكيد ميريل ستريبّ أن أداء بطلته مُستحِقٌّ لأهم التكريمات، ولا إطلاق حملة على تويتر من قبل القلّة الذين نالوا فرصة مشاهدته لإرفاق نسخة أطول مع صدور الديفيدي، وطبعًا، تحوله لملحمة دراميّة كلاسّيكيّة في وقتٍ قياسي مع خسارة منتجيه الملايين لم يكن جل المنى وراء إصداره المحدود. إن كان قلبُك قادرًا على استيعاب جيشٍ من العواطف، أسدِ لنفسك معروفًا وشاهد هذا الفيلم بساعاته الثلاث.

ليسا (آنا باكوين) مراهقةٌ في السابعة عشرة من عمرها تشهد مأساةً حقيقيّةً مُرعِبة بعد أن كانت أكبر مآسيها إيجاد إحدى قبّعات رعاة البقر، مما يُطلق داخلها سلسلة من الانفعالات ستطال نارها وآثارها كل من حولها.

كتب كينيث لونرغان نص الفيلم، عن فتاةٍ بين الجموع ومن تؤثّر وتتأثّر بهم، عن الجموع، عن نيويورك، أمريكا ما بعد أحداث سبتمبر، عن عالم المراهقين وعالم البالغين وماهية الانتقال من أولهما إلى الثاني وسببه، عن حقيقة التواصل، عن الوعي بمن حولك، والفن، وبضعة أمورٍ أُخرى. ولم يفعل ذلك لأنه شابٌّ متحمّسٌ متوتّرٌ لمنحه ميزانيةً لفيلمه الثاني تعادل أكثر من 11 ضعف ميزانية فيلمه الأول، فهذا النص بدأ قبل ذلك بكثير ونما وتشعّب بفضل حساسيّته للتفاصيل حوله وفيمن حوله، لذلك هو لم يكن مضطرًّا لمحاولة إدراج جميع تلك الأفكار الكثيفة، هي ببساطة موجودةٌ أصلًا حيث تجري القصة، وهو يرى من زاوية تتسع لأكثر من بطلٍ أو أبطالٍ وداعمين، تتسع للواقع. مما يُنتِج بنيةً مُعقّدة تفتح المجال لألف تخبُّطٍ واضطراب، خاصّةً مع كثرة الشخصيات ونية لونرغان أن لا تمر أيُّ واحدةٍ منها دون أن تكون مُكتملة النضج والاستقلالية التي لا تجعلها موضوعة من أجل أُخرى وتشارك في أثر الفيلم، وسهولة المُضي مع أحدها أكثر مما يجب والانزلاق في فخ التشتُّت أو العكس، لكن بشكلٍ ما يُحكم قبضته ويُنصف الجميع بمن فيهم نحن، وحين تطلب أكثر تطلبه لأنك أحببت وصدقت وتواصلت مع هؤلاء لا لنقصٍ في تقديمهم، لأنك مولعٌ بسماع حتى كلمةٍ إضافيةٍ واحدة من الحوارات العبقرية بغناها وواقعيتها الكاسرة للعظام (حسب التشبيه الذي أطلقه عليها لونرغان وبطلته مازحَين)، والتي تجعلك تُعيد النظر في أروع الحوارات السينمائية التي مررت بها في حياتك.

إخراج كينيث لونرغان يجعل كاميرته كعين الأم لشخصيّاته، لا يُريدُ أن يغيب عنه أحد، والجموع ونيويورك كما ذكرت من شخصيّاته، دومًا هناك تأكيد على أننا وهؤلاء لسنا وحدنا، حتى حين يكون أقرب إلى الوجوه ويتنقّل بين شخصيّاته يتنقل كعين مشاهد أوبرا يحفظها ويعشقها ويعلم الوجه الذي يجب أن يراقبه أو الحركة التي يجب أن يرصدها في لحظة معينة بغض النظر إن كان صاحب ذاك الوجه هو من يُغنّي في تلك اللحظة أم لا، يحفظها ويعشقها وليس فقط يحفظها، لذلك يكون حماسه مُعديًا والتوتّر على طرفي الشاشة متساويًا، أما الأوبرا ذاتها وهي هنا الحوارات فمُجرّد محاولة إدارتها تستحق التقدير، لكن لونرغان لا يُحاول فقط، هُنا ملعبه، مع كُل صعوبات التوقيت والتداخل والنبرة والوقفات والتردّد التي يكفي أي خطأٍ فيها للذهاب بمصداقية المشهد يستطيع إعادة خلق قِطَع من الحياة بصدق توثيقي استثنائي، صحيحٌ أنه أجرى بروفات لأربعة أسابيع قُبيل التصوير لكن ما شاهدناه لا يُحفظ، هناك صلة غريبة بينه وبين ممثليه تجعلهم يستكشفون مساحاتٍ في مواهبهم وتجاربهم الشخصية قد لا نتوقع وجودها ولا يتوقعون الإتيان بها أمام الكاميرا. وبالحديث عما لا نتوقعه، لم تشهد حادثةً أمام الكاميرا كالتي ستشهدها هُنا، ولن تتمنى تكرار ذلك. وبالحديث عن كل هذا، هذه تجربة لا تُنسى.

بأداءاتٍ لا تُنسى، من آنا باكوين التي أفادت من غِنى شخصيتها للمرور بطيفٍ من المشاعر المتضاربة في كثيرٍ من الأحيان بقُدرة على السيطرة على خروجها عن السيطرة تؤكد أنها كـ كيسي أفليك في “Manchester by the Sea” ركنٌ حمل الكثير من المسؤولية الجوهرية في أثر وفاعلية التجربة، وجيني سميث-كاميرون (زوجة لونرغان) وجيني برلين اللاتي حوّلن مشاهدهنّ مع باكوين إلى معارك أدائيّة هي الأصعب إدارةً والأكثر إثارةً. مع أداءات ممتازة من جميع أصحاب الأدوار الناطقة، تصوير مُتقن من ريشارد ليتشفسكي (المصور البولندي المُرشّح للأوسكار عن Ida)، وموسيقى تليق بشغف لونرغان بالموسيقى سواءً من نيكو موهلي أو من اختيارات لونرغان الكلاسّيكيّة.

حاز على 9 جوائز ورُشّح لـ17 أخرى.

لا أنصح بمشاهدة أي تريلر لـ Margaret لأنه سيُفسد الذروة التي ستُهيمن على جميع أحداثه.