أرشيف الوسم: روبرت دي نيرو

حقائق قد لا تعرفها عن Les Misérables (الجزء الأول)

الاقتباس السينمائي الغنائي الأوّل للمسرحية الغنائيّة صاحبة العدد الأكبر من العروض في تاريخ لندن وثاني أكبر عدد من العروض لمسرحيّة في التاريخ. ثاني اقتباس لرواية البؤساء يُرشّح لأوسكار أفضل فيلم بعد أكثر من 75 عامًا من الأوّل، وأول فيلم غنائي يُرشّح للجائزة خلال العشر سنوات التي سبقت صدوره. أحد الأفلام الغنائيّة المعدودة التي يُسجّل الغناء فيها أثناء التصوير لا قبله. Les Misérables وقصة صنعه.

بعد إطلاق أول مسرحيّة غنائيّة مقتبسة من رواية البؤساء لـ فيكتور هوغو في فرنسا عام 1980، تبعتها نسختين بالإنكليزيّة أولاهما على مسرح ويست إند في لندن والثانية على مسرح برودواي في أمريكا، محقّقتَين نجاحًا تاريخيًّا، مما أشعل حماس منتج النسخة البريطانيّة لفكرة إنتاج نسخة سينمائيّة في بداية التسعينات، وهو كاميرون ماكنتوش الذي وصفته صحيفة نيويورك تايمز بـ: “المنتج المسرحي الأكثر نجاحًا، تأثيرًا وقوّةً في العالم”.

كان قد سبقه إلى الفكرة بعض المنتجين الامريكيّين عام 1988 واختاروا آلان بّاركر (صانع The Wall وMidnight Express وThe Life of David Gale) مخرجًا للنسخة السينمائيّة دون كثيرٍ من التقدُّم، ثم وقعوا عقدًا مع بروس بيريسفورد (صانع Driving Miss Daisy وTender Mercies) لإخراج الفيلم عام 1991 وكان هذا آخر تقدُّم حقيقي. انتقل الأمر إلى يد ماكنتوش عام 1992 وأعلن أن شركة “TriStar” ستشارك في إنتاج الفيلم، لكن مرة أخرى دخل المشروع في جحيم ما قبل الإنتاج حتى نُسي، إلّا من قِبَل ماكنتوش الذي عاد لإحيائه عام 2005، معلنًا أنه يُريد مخرجًا صاحب رؤية قادرة على نقل فريق العمل المسرحيّ إلى الشاشة الكبيرة، وبث روحٍ منعشة كالتي كانت لكل عرض.

مرت أربع سنوات ريثما أبدت شركة “Working Title Films” البريطانيّة اهتمامها بالمشروع وبدأت المفاوضات مع ماكنتوش لشراء حقوق الفيلم، وفي بداية عام 2011 أصبحت مشاركةً مع ماكنتوش في الإنتاج وكُلّف ويليام نيكلسون بكتابة النص ليُنهي المسودّة الاولى بعد ستة أسابيع، اختير بعدها توم هوبّر لإخراج الفيلم، ليجد هيو جاكمان يتواصل معه على الفور للتقدُّم لدور جان فالجان، واقتراح بّول بيتاني لدور جافير الذي ذهب لاحقًا لـ راسل كرو.

وقتها كان دور فالجان قد مرَّ على عشرات المرشّحين منذ ولادة الفكرة عام 1988، أبرزهم وارين بيتي، توم كروز، روبرت دينيرو، مايكل دوغلاس، ريتشارد دريفوس، هاريسون فورد، مِل غيبسون، جين هاكمان، توم هانكس، داستن هوفمان، ويليام هارت، كيفن كلاين، جاك نيكلسن، آل باتشينو، روبرت ريدفورد، وكريستوفر ووكن. صحيحٌ أن هوبّر لم يستقر على جاكمان بسهولة كونه الخيار الأول المعروض، لكنه وجد بعد عدة تجارب أداء أنه كان محظوظًا بقدوم الشخص الأنسب إليه بنفسه، والذي كان جاهزًا للقيام بحمية غذائيّة استثنائيّة استعانت بخبرته فيها آن هاثاواي فيما بعد، والصيام عن الماء لـ 36 ساعة بعد خسارة الوزن ليظهر الجفاف حول عينَيه وفي خدّيه لتصوير مشاهد السجن، مما دفع هوبّر للانتهاء من تلك المشاهد في البداية رحمةً بـ جاكمان حتى يعود لحالته الطبيعيّة ويتابع.

أما في حالة أماندا سيفرايد فربّما كان الإرهاق الذي سبق قبولها للدور أكثر من الذي واجهته في تحضيرها بعد القبول. أربعُ شهورٍ قضتها في صدٍّ ورد مع اختبارات الأداء دون علمها أن هناك أخريات يتقدمن للدور في الفترة ذاتها، مصممةً دومًا على العودة لاختبارٍ آخر بعد إخبارها أكثر من مرة أنها لا تصلح لهذا الفيلم، والعمل على دورَي فانتين وكوسيت على التّوازي بالإضافة للخضوع لتدريبات صوتيّة صارمة. في النهاية وبعد اختيار هاثاواي لدور فانتين فازت سيفرايد بدور كوسيت متفوّقةً بذلك على مرشحاتٍ كـ إيما واتسون، شايلين وودلي، ميراندا كوزغروف، إيميلي ماري بالمر، ليلي راينهارت، بورتيا دبلداي ودانييل هوبّ.

عن انضمام سامانثا باركس، ساشا بارون كوهين، إيدي ريدماين، وآن هاثاواي لفريق العمل والمرشّحين لأدوارهم. آن هاثاواي والأغنية الأيقونيّة وزمن تصويرها. أصول شخصيّة فانتين في رواية فيكتور هوغو الأصل. أسباب اختيار توم هوبّر للغناء أمام الكاميرا بدل المزامنة. وأسلوب تسجيل صنع التاريخ في نوع الأفلام الغنائيّة ونتائجه في الأداءات سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Les Misérables

حقائق قد لا تعرفها عن Raging Bull (الجزء الثاني)

عن كيفية تطوير دينيرو وبّيشي الرابط الأخوي قبيل التصوير والنتائج، لمسة سكورسيزي في تلك النتائج، خيار التصوير بالأبيض والأسود وأسبابه، ما استلهمه سكورسيزي من حلبات الملاكمة الحقيقية ومن كلاسيكيات أفلامها، مساعدة هيتشكوك في أحد أهم الصعوبات المونتاجية، دينيرو وكسب الوزن للمرحلة الأخيرة من الفيلم واستجابة سكورسيزي لقرار دينيرو، أثر الفيلم في لاموتا، وما وراء الاقتباس الأخير ومن أُهدي إليه الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Raging Bull

قضى دينيرو وبّيشي أيامًا مع بعضهم قبيل التصوير لتطوير الرابط المفترض امتلاكهم إياه أمام الكاميرا، ومنذ ذاك الوقت أصبحا صديقين مقرّبين، وإن ضربا بعضهما بالفعل في عدة مشاهد كمشهد “اضربني”، ومشهد سجالٍ آخر كسر فيه دينيرو أحد أضلاع بّيشي.

لكن كل هذا لا يكفي سكورسيزي، يجب أن يحرص بنفسه على أن يأتيا بأفضل ما عندهم، مما جعله لا يخبر بّيشي بأن دينيرو سيهاجمه في مشهد “هل ضاجعت زوجتي؟” الشهير.

وهذا الحرص على تقديم الأفضل قاده إلى خيار التصوير بالأبيض والأسود متعدد الأسباب، بدايةً قام سكورسيزي بتصوير دقائق لـ دينيرو في مبارة ملاكمة، ولدى مشاهدة الفيديو مع صديقه المخرج البريطاني الكبير مايكل باول عبّر سكورسيزي عن لمسه أمرًا غير مستحبًّا لا يميزه بشكلٍ محدّد، فأشار باول إلى أن السبب في لون القفّازات وكان طبعًا على حق. هذا بالإضافة لكون سكورسيزي وجد أن شريط الفيلم الملوّن أسرع تهالكًا من الأبيض والأسود، لم يرد تلك الكمية المنفّرة من الدماء في فيلمٍ ملوّن، أراد تمييز فيلمه عن أفلام الملاكمة الأخرى التي زادت كثافتها بعد صدور “Rocky”، وعلِم سبب إيجاده جملة “عندما أتأمل ما مضى، أحس أنني أنظر إلى فيلمٍ بالأبيض والأسود عني. لا أعلم لماذا يجب أن يكون بالأبيض والأسود، لكنه كذلك” في كتاب لاموتا، وذلك لأن الجيل الذي شب في الخمسينات على مشاهدة مباريات الملاكمة كل جمعة لم يشاهد من قبل مباراةً إلا بالأبيض والأسود. كل هذا قاد للخيار التاريخي.

وبذكر مباريات الملاكمة، حين حضر سكورسيزي بعض المباريات، استقرت في ذهنه صورتان علم أنه يريدهما في فيلمه، الاسفنجة الملأى بالدماء التي تمر على ظهر الملاكم، وقطرات الدم المتدلية من الحبال. كما أنه عرف أنه لا يريد تصوير المباريات بعدة كاميرات، يريد الكاميرا كمقاتلٍ ثالث، لذلك قضى أشهرًا قبيل التصوير من العمل على الرسم الدقيق للمباراة وحركات الكاميرا الواحدة خلالها. بالإضافة للإتيان بفكرة التلاعب بمساحة الحلبة بين نزالٍ وآخر لتعكس حالة لاموتا النفسية.

خاصةً أن تلك المشاهد هي الأولى في جدول التصوير، والتي وإن شغلت قرابة عشر دقائق فقط من وقت الفيلم، إلا أن تطلُّب رؤية سكورسيزي جعل تصويرها يمتد لست أسابيع. مستلهمًا خلالهم من الفيلم الكوميدي الأستاذ الكبير باستر كيتون “Battling Butler” من بين جميع الأفلام، خاصةً النزال الأخير، “كيتون هو الشخص الوحيد الذي ملك السلوك الصحيح تجاه الملاكمة في الأفلام”، هكذا علق سكورسيزي على الأمر.

وأحد أهم الصعوبات التي جعلت تلك الأسابيع بهذا الطول كانت في كيفية مونتاج النزال الأخير بين جيك لاموتا وشوغار راي روبنسون وتحديدًا حين يلتصق لاموتا بالحبال، ولم يستطع تجاوز الأمر إلا بالاستعانة بقائمة لقطات مشهد الحمام من رائعة هيتشكوك “Psycho”، وأكد سكورسيزي فيما بعد أن مونتاج هذا المشهد كان الأكثر رعبًا بالنسبة له وكان هيتشكوك عونه الأكبر.

أمرٌ آخر أرعب سكورسيزي وهو اجتهاد دينيرو الذي يمكن أن يؤثر على صحته بعد الانتهاء من تصوير مشاهد مرحلة شبابه ووجوب كسبه الوزن اللازم ليصبح لاموتا العجوز. وزنٌ كان رقمًا قياسيًّا حتى كسره فينسنت دونفوريو في “Full Metal Jacket” بلغ 60 باوندًا. وللتأكد من أن لا يذهب دينيرو بعيدًا في الأمر قام سكورسيزي بإيقاف الإنتاج لعدة أشهر يستطيع خلالها دينيرو فعل ذلك دون إجحاف.

“هل كنت بالفعل كذلك؟”، وجه لاموتا هذا السؤال لزوجته السابقة بعد مشاهدة الفيلم وإدراك سوء ما كان عليه، فأجابت: “كنت أسوأ”. مما جعل الاقتباس الإنجيلي الذي يظهر في نهاية الفيلم: “كل ما أعرفه أنني كنت أعمى، والآن أستطيع أن أرى” ينطبق عليه بالكامل. وإن لم يكن المعنيّ، وإنما وضع سكورسيزي الجملة تقديرًا للبروفيسور هيغ مانوجيان الذي درّسه السينما وأهدى Raging Bull له، وضعها لأنه يعتبر أن مانوجيان جعله “يرى”.

حقائق قد لا تعرفها عن Raging Bull (الجزء الأول)

هوجم نقديًّا إثر صدوره لأول مرة في مطلع الثمانينات، وبنهاية العقد اعتُبر كلاسّيكيّة، أعلى ذروة بلغها مارتن سكورسيزي، أفضل فيلم في الثمانينات، وأحد أفضل الأفلام في التاريخ. يحتل المركز الأول في قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأروع الأفلام الرياضية، والرابع في قائمته لأفضل الأفلام على الإطلاق. في قائمة روجر إيبرت لأروع الأفلام. أول فيلم يُختار للحفظ في سجل الفيلم الوطني الأمريكي. فيه الأداء الذي يحتل المركز العاشر على قائمة مجلة بريميير لأروع الأداءات في التاريخ، والمونتاج الذي صنفته نقابة مونتيري الأفلام الأمريكية عام 2012 كأفضل ما قُدّم على شاشة السينما. Raging Bull وقصة صنعه.

خلال عمله في “The Godfather: Part II” عام 1974 قرأ روبرت دي نيرو السيرة الذاتية للملاكم جيك لاموتا، وعلى الفور أحس بقابلية هذه الشخصية للاستثمار في عمل سينمائي إن كان مخرجه مارتن سكورسيزي، إلا أن سكورسيزي لم ير ذلك فور معرفته بأن لاموتا ملاكم، وبدأ بالتعبير عن صلته المعدومة بالرياضة واعتباره الملاكمة تحديدًا أكثر الرياضات مللًا.

صنع الثنائي رائعتهما “Taxi Driver“، وبعد صدوره بفترة تدهورت صحة سكورسيزي بفعل إدمانه الكوكائين، وبعد وصوله إلى حافة الهاوية عندما أوشكت جرعة زائدة أن تودي بحياته جاء إليه دينيرو مصرًّا على إقناعه بالخروج من إدمانه والعودة لصناعة فيلم الملاكم الذي رفضه منذ سنوات، تصرُّفٌ يعتبره سكورسيزي حتى الآن مسؤولًا عن إنقاذ حياته. لكن عودة سكورسيزي وإن عالجت تدهوره الصحي إلا أنها لم تداو النفسيّ بالكامل، لدرجة أنه اعتبر أن هذا فيلمه الأخير، وانطلق في صناعته بأسلوبٍ سمّاه صناعة الأفلام الكاميكازيّة (نسبةً إلى الهجمات الانتحارية التي قام بها بعض الطيارين اليابانيين في الحرب العالمية الثانية)، وبدأ يتواصل مع شخصية لاموتا على المستوى الشخصي بوضع نفسه في مكانه حيث حلبة سكورسيزي هي صناعة الأفلام.

سلّم دينيرو مهمة كتابة النص إلى مارديك مارتن، وكانت النتيجة مخيبة بنصٍّ تقليديٍّ خطّيٍّ مباشر، وإن اعتمد على بحثٍ مكثّف استمر لأشهر قضى منها فترةً في منزل زوجة لاموتا السابقة. فلجأ دينيرو لـ بول شريدر كاتب نص “Taxi Driver”، والذي ذهب مباشرةً لمطالعة أرشيف صحيفة محلية حيث يقطن لاموتا، فهناك سيجد ما يجذب الانتباه لكونه نُشر في الصحيفة لجذب العامة إلى شرائها، وبالفعل، اكتشف أن لـ لاموتا أخٌ غير مذكورٍ في كتابه ولا في نص مارتن، فعلم أنه وجد طرف الخيط الذي سيقوده إلى النص المرغوب، وبدأ بالتعديل على الهيكل العام ثم التعديل تبعًا لإضافة شخصية جوي لاموتا.

اكتمل الآن النص الذي أراده دينيرو وتم تقديمه إلى المنتجين في شركة “United Artists”، غير المعتادين على فيلم ملاكمةٍ ببطلٍ ليس بطلًا بأي شكلٍ من الأشكال وبهذه الكمية من العنف والمحتوى الجنسي، فرفضوا مبررين ذلك بأن هذا الشخص حشرة، خاصةً أن نص شريدر لا يتعاطف مع الشخصية بأي شكل. فذهب دينيرو وسكورسيزي لتعديل النص، أمرٌ استغرق خمسة أسابيع عادوا بعدها مضيفين ملامحًا أكثر إنسانيةً لـ جيك لاموتا. هذه التعديلات بالإضافة لضغط المنتجَين إروين وينكلر وروبرت شارتوف على المجلس بالتهديد بأنهم لن يصنعوا “Rocky II” إن لم يُمنح فيلم سكورسيزي الضوء الأخضر أدّت لدخول الفيلم مرحلة الإنتاج.

بدأ دينيرو التحضير بتدريباتٍ مكثّفة على يد مدرّبَين أحدهما جيك لاموتا نفسه، والذي خاض معه خلال فترة التصوير قرابة 1000 جولة، كسب منه اعترافًا بأنه في فئة الوزن المتوسط واحد من أفضل 20 ملاكم قابلهم لاموتا، وقضى كامل فترة التصوير برفقته لإتقان أدائه للشخصية. في نهاية التدريب وقبيل التصوير خاض دينيرو ثلاث مباريات ملاكمة حقيقية في بروكلين تحت اسم لاموتا الصغير وكسب اثنين منهم.

خلال تلك الفترة كان يساعد سكورسيزي في البحث عن أبطاله، وبصدفةٍ شاهد على التلفاز فيلم “The Death Collector”، وأُعجب بأداء بطله الشاب الذي يئس من فشل محاولاته لشق طريقه في التمثيل سواءً في السينما أو في المسرح واتجه للعمل في إدارة مطعم إيطالي منذ أربع سنوات، جو بّيشي. فأوصى به لـ سكورسيزي فورًا، وكانت طبعًا نعم التوصية، بل وجرّت توصيتين من بيتشي، إحداهما بـ فرانك فينسنت الذي قام بدور سيلفي، والأخرى بـ كاثي موريارتي التي قامت بدور فيكي لاموتا بعد بحثٍ مضنٍ جعلها آخر المنضمين للمشروع.

عن كيفية تطوير دينيرو وبّيشي الرابط الأخوي قبيل التصوير والنتائج، لمسة سكورسيزي في تلك النتائج، خيار التصوير بالأبيض والأسود وأسبابه، ما استلهمه سكورسيزي من حلبات الملاكمة الحقيقية ومن كلاسيكيات أفلامها، مساعدة هيتشكوك في أحد أهم الصعوبات المونتاجية، دينيرو وكسب الوزن للمرحلة الأخيرة من الفيلم واستجابة سكورسيزي لقرار دينيرو، أثر الفيلم في لاموتا، وما وراء الاقتباس الأخير ومن أُهدي إليه الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Raging Bull

!Hi, Mom

“كُن أسودًا”

السنة 1970
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج برايان دي بّالما
المدة 87 دقيقة (ساعة و27 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العري والمشاهد الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.2

مشاهدة الأعمال المبكّرة كهذا لمخرجٍ كـ برايان دي بّالما تشعرك بحجم ما فاتك بمشاهدة ذُرى مخرجٍ دون المرور على خطاه التي سبقت وكانت أساس تلك الذُّرى، يجب ان تشاهد “Greetings” و”!Hi, Mom” لتدرك مدى أهمية وعي المشاهد عند دي بّالما، وأهمية تلاعبه بذاك الوعي مستعرضًا قدرات الوسيط السينمائي وشغفه بتلك القدرات.

لمحة عن قصة !Hi, Mom
جون روبين (روبرت دي نيرو) من الشبان العائدين من حرب فييتنام المحاولين إكمال حياتهم من حيث قاطعتها الحرب، يجد شقةً حيث يستطيع معاودة شغفه بالتلصُّص ويحاول تحويل الشغف لمهنة، ليتعرف على فتاةٍ وشابٍّ ممن ترصدهم عدسته سيدخلانه عالمين لم يتخيل أن يتورط بمثلهما بعد تورطه في الحرب.

كتب برايان دي بّالما نص الفيلم عن القصة التي أعدها بالاشتراك مع تشارلز هيرش، بروح السخرية اللاذعة وخفة الظل الاستثنائية ذاتها التي ميّزت تعاونهما السابق، مع طيف جديد من الشخصيات المثيرة بمساحات صغيرة لا تظلم أيًّا منها ولا تقلل من أهميتها أو وزنها فيما تتذكره من العمل بعد مشاهدته، وانضباطٍ أكبر في المسار دون التضحية بحرّيّة السير وترك تحديد الوجهة له ولنا، وطبعًا، في كل زاويةٍ شاهدٌ على عصر حكاياتهم وأهله. وأكبر شاهدٍ على كل هذا الثُّلث الأيقوني الخاص بمسرحية “كُن أسودًا، عزيزي”.

إخراج برايان دي بّالما يجبرك على أن تكون يقظًا وعلى أن لا يغادر ذهنك من وراء الكاميرا، يهمه إدراكك لنافذة التلصص التي تفتحها لك السينما، إدراكك أنك متلصّص، وأنه المتحكم بكل ما في تلك النافذة وحدودها، وعندما تظن أن ذلك سلبه ما قد يكسبه باستغلاله القدرة على الإيهام بأنك دخلت عالمًا حقيقيًّا آخرًا يؤكّد أنه أيضًا المتحكّم باللحظات التي يسيطر فيها ذاك الوعي الذي كان المسؤول الأول عن استحضاره، ويحيطك بتجربةٍ سوداوّيّةٍ ساخرة حابسة للأنفاس، وحقيقية بدرجة تشعر بعدم الارتياح. ربما لا يكون هذا ما تنتظره بعد مصارحة المتلصّصين بينك وبين دي بّالما التي بدأت التجربة، لكن هذا دي بّالما، يكفي جزء المسرحية المذكور لمعرفة التميز الذي يحمله هذا الاسم.

أداء تلقائي خفيف الظل لشخصيةٍ اعتُبِرت بذرة شخصية ترافيس بيكل من روبرت دي نيرو، وأداءات ممتازة من باقي فريق العمل. تصوير جيد من روبرت إيلفستروم، وموسيقى مناسبة من إيريك كاز.

تريلر !Hi, Mom

Greetings

“دي بّالما في طور التحضير”

السنة 1968
تقييم أفلام أند مور 7/10
المخرج برايان دي بّالما
المدة 88 دقيقة (ساعة و28 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العري والمشاهد الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الإنكليزية
تقييم IMDB 5.8

“كل ما افتُتح فيلمٌ جديدٌ له، كل شيءٍ صنعه قبله يبدو تحضيرًا لذاك الفيلم”، قالتها الناقدة الكبيرة الراحلة بولين كايل في وصف التقدُّم الثوري لأسلوب برايان دي بّالما بين فيلمٍ وآخر، ومن أهم الشواهد على صحة المقولة ثالث أفلامه هذا والذي صنعه وهو شابٌّ مولعٌ بهذا الوسيط الرائع واكتشاف مساحاتٍ جديدةٍ فيه، والتجريب فيها دون قيودٍ ستستمر كاميرا دي بّالما بكسرها لأكثر من نصف قرن.

لمحة عن قصة Greetings
ليس هناك قصة بالمعنى المألوف، لكن هناك ما يشبه سكتشات متتالية أبطالها ثلاثة أصدقاء يحاولون تجنّب الذهاب إلى فييتنام، تُستعرض فيها مختلف جوانب الحياة في الستينات بنبرة ساخرة حادّة.

ولدى معرفة أن قلمين اشتركا في كتابة النص يزيد تقدير النتيجة التي جعلت تلك النبرة صادرةً عن صوتٍ واحد، وبقدر ما يبدو أن كلًّا من السكتشات يمضي بحرية غير مبالٍ بما سبقه وما يليه، بقدر ما يبدو أن لمجموعهم غاية ووجهة فكرية حسنة الإعداد، ليكون التفسير الوحيد أن الشابّين ملكا فكرةً بسيطة ومضيا فيها بالتجريب دون قيود، لكن معاصرتهما لثقافة وحقبة معينتين غلب عليهما طابعٌ معين – اجتماعيٌّ وسياسيٌّ وسينمائي – جعل تلك التجارب تمضي إلى حيث تصبح توثيقًا للحقبة وموقفهما منها، وذلك بشخصياتٍ منتقاة بعنايةٍ وجنون، وحواراتٍ عبقرية.

إخراج برايان دي بّالما شابٌّ مغامرٌ مجنون يختبر مختلف التقنيات، كاميرا محمولة، لقطات تتبعيّة، مُسرّعة، طويلة، مونتاج واثب، زوايا غير اعتياديّة قريبةً كانت أم بعيدة، كاميرا ثابتة هنا، متحركة هناك. يجمع كل هذا عين مراقبٍ ماكر تجعلك تحار من منكما يضحك أكثر، من وراء الكاميرا أم من أمام الشاشة، خاصّةً أنه يجعلهما واحدًا إلى حدٍّ بعيد. مع سخريةٍ فجّة، إدارةٍ مبهرة للممثلين، وطبعًا، حبٍّ كبيرٍ للسينما. والنتيجة، ضحكاتٌ قلما اختبرت مثلها ارتباطًا بالعقل، سكتشاتٌ عابرة، أخرى لا تُنسى، وحماسٌ أكيد لخطوة صانع الفيلم القادمة.

أداءات تلقائية ممتازة من فريق العمل وخاصةً روبرت دي نيرو الشاب في ظهوره الأول، تصوير أدى غرضه ضمن المساحة المتاحة من روبرت فيور، وموسيقى من روح العصر من إيريك كاز، ج. ستيفِن سولز، وآرتي تروم.

حاز على دب برلين الفضي لأفضل مخرج، ورُشح لدب برلين الذهبي.

لا يوجد تريلر لـ Greetings للأسف.

حقائق قد لا تعرفها عن Pirates of the Caribbean: The Curse of the Black Pearl (الجزء الثاني)

عن تجربة كيرا نايتلي مع الفيلم ومخاطرها ومفارقاتها، رحلتي دوري ويل ترنر وجاك سبارو وكيف استقرا على نجمَيهما، مصدر استلهام أداء جوني ديب وارتجالاته وإضافاته، استجابة جيوفري راش لكثافة جاذبية الشباب من النجوم لإكساب حضوره جاذبيةً مماثلة، ترتيب فرسان الفيلم حسب مهارتهم على لسان كُتّاب النص، وما كانه عنوان الفيلم وما أصبحه سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Pirates of the Caribbean: The Curse of the Black Pearl .

مع تجربة الأداء كانت بداية مفارقات غريبة ستُرافق نايتلي طوال صناعة الفيلم، فمن ازدحامٍ مروري كان سيفوّت عليها تلك التجربة، إلى اصطدام قاربها لدى العودة من تصويرٍ ليليّ بإحدى الشّعب المرجانيّة وغرقه ليتمّ إنقاذها بعد قضاء بضع ساعات في المياه، إلى تحول أثر حبة الوقاية من دوار البحر معها إلى أثر حبة منوّمة، إلى اضطرارها لارتداء عدسات لاصقة لطالما أصابتها بالدوار لدرجة رميها لحظة انتهاء التصوير، وشعورها بضرورة تحمل كل هذا لكون إحساسها بأنه سيتم طردها منذ أولى أيام التصوير لا يفارقها.

أما دور ويل ترنر فقد مر على جود لو، إيوان ماكغريغر، توبي ماغواير، بين بيتون، كريستوفر ماترسون، كريستيان بيل، هيث ليدجر، وأورلاندو بلوم، ليستقر على اختيار أحد الأخيرَين ليدجر وبلوم، واستقر فيربنسكي على بلوم لكونه أحد أبطال “The Lord of the Rings” مما سيزيد الإقبال على الفيلم.

كذلك الأمر مع دور جاك سبارو طبعًا بالنسبة لأن للسلطة على شباك التذاكر الأولوية القصوى وبحساسيّة أكبر كونه دور البطولة، فلم يُقبل مثلًا اقتراح بيتي لـ هيو جاكمان رغم أنه كتب النص متخيّلًا إياه تحديدًا كونه حديث العهد بالنجومية، ليُعرض الدور على  روبرت دي نيرو ويُرفض لكونه رأى أن الفيلم سيفشل ولن يستطيع إحياء النوع، ليقبل بعد إثبات خطأه بدور الكابتن شكسبير في فيلم “Stardust”.

كذلك استُبعد مايكل كيتون لفشل أفلامه الأخيرة في شباك التذاكر، أما جيم كاري فرفض لصالح دوره في “Bruce Almighty”، واستقر الأمر على ماثيو ماكوناهي لشبهه بـ برت لانكاستر الذي ألهم الكُتّاب خلال عملهم على النص، وجوني ديب، وفاز الأخير بالدور وفزنا بشخصيةٍ لا تُنسى.

بنى ديب أداءه لها على فكرة أن القراصنة هم مغنيي روك القرن الثامن عشر، مما جعله يستلهم الكثير من تفاصيل أدائه من مراقبته لصديقه كيث ريتشاردز، كما قدم الكثير من الارتجالات والمقترحات لتكثيف تميُّز حضور الشخصية على الشاشة منها ما وجد طريقه إلى النسخة النهائية ومنها ما رُفض، كعدد الأسنان الذهبية الذي كان كما أراده ديب وبعض جمله وكلماته الشهيرة كـ “?Savvy”، وعدم امتلاك سبارو لأنف وخوفه من أشياء سخيفة كالفلفل والإنفلونزا اللذَين رُفِضا.

كُل هؤلاء النجوم الشبان أصحاب الشعبية الكبيرة جعلوا جيوفري راش يعلم بأنّه عليه التفكير بحِيَل لضمان وضوح حضوره، كمحاولته ليكون على الجانب الأيسر من الشاشة في أغلب الأحيان، وذلك لإيمانه بأن تركيز المشاهدين يكون من اليسار إلى اليمين كما في قراءتهم لكتاب، وتعمّد ذلك في مشهده مع كيرا نايتلي والقرد تحديدًا لأنه من الصعب نيله الاهتمام في ظروفٍ كهذه إلا بالحيلة حسب ما قال. وإن كان مبارزًا أمهر من جاك سبارو وبقدر مهارة الكومودور نورثينغتون ولا يفوقه مهارةً إلا ويل ترنر حسب كُتّاب النص.

بفريقٍ كهذا تم تغيير العنوان من “Pirates of the Caribbean” إلى “Pirates of the Caribbean : The Curse of the Black Pearl ” على أمل أنه سيحقق النجاح المنشود وأنه بالتالي سيكون بدايةً لسلسلة، كما كان.

حقائق قد لا تعرفها عن Face/Off (الجزء الأول)

“اصنع فيلمًا لـ جون وو“، كانت هذه كلمات المنتجين لمخرجه الهونغ كونغي جون وو حين انضم للمشروع، وكانت النتيجة فيلمه الأكثر ذكرًا وشهرةً، الفيلم الوحيد الذي جمع بطليه ليقدما ما ندر مثيله في فيلم أكشن، والمتصدِّر مفضّلات الأكشن لدى الملايين خلال الـ20 عامًا التي مضت منذ عرضه، Face/Off وقصة صنعه.

في صيف 1990 أعد مايك وِرب ومايكل كوليري نص فيلم أكشن تدور أحداثه في المستقبل متأثرين فيلمي “White Heat” لـ راؤول والش، و”Seconds” لـ جون فرانكنهايمر، ومستلهمين بعض الأفكار من حادثةٍ وقعت لصديق وِرب أدت إلى جراحةٍ تم فيها انتزاع أجزاءٍ من بشرته لترميم بعض عظام وجهه ثم إعادتها، واستطاعا بيعه لشركة “Warner Bros” كما كان من المقرر أن يكون جويل سيلفر منتجًا، لكن فيما وصفه الكاتبين بأنه قصورٌ في فهم النص من المنتجين، تم اعتبار ما قدماه مشابهًا لنص “Demolition Man” وكان عليهم أن يختاروا واحدًا ويهملا الآخر إلى أجلٍ غير مسمّى، واختاروا الأخير الذي قام ببطولته سلفستر ستالون وويسلي سنايبس.

صدر فيلم ستالون وتبعه بوقتٍ قليل انتهاء صلاحية عقد الاحتكار لنص وِرب وكوليري، اشترته “Paramount Pictures” وكل هذا في مصلحة الكاتبين اللذين باعا نصهما مرتين، وإن لم يستطيعا تحقيق أمنيتهما بجعل مايكل دوغلاس وهاريسون فورد يقومان بطولة الفيلم، إلا أن دوغلاس كان منتجه، وبعد رفض جون وو إخراج الفيلم لأنه أحس أنه غير قادر على تنفيذ الكثير من مشاهد الخيال العلمي التي تواجدت في النص والتي أفقدت القصة الثقل الدرامي الذي يغريه، تم الاتفاق مع روب كوهين، لينسحب أيضًا بعد فترة لمماطلة الاستديو في البدء وينصرف لصناعة “Dragonheart”.

خلال تلك الفترة وجد الكتّاب في وجهة نظر وو ما يستحق الاهتمام وبدءا بتعديل النص، وبدء المنتجون بالبحث عن النجمين الأفضل للعمل، ومرا بـ بروس ويليس وآليك بالدوين، روبرت دينيرو وآل باتشينو، جان-كلود فان دام وستيفين سيغال، وأخيرًا آرنولد شوارزنيغر وسيلفستر ستالون اللذين أوشكا بالفعل أن ينالا الدورين، لكن حين أُعيد عرض الفيلم على جون وو بعد تعديل النص وفق ملاحظاته وقبِل، وجد أنه بحاجة لممثلين يستطيعان منح الفيلم الثقل الدرامي الذي يستحقه واستقر رأيه على نيكولاس كيج وجون ترافولتا، وإن رفض كيج الدور بدايةً لأنه لم يرد أن يكون شرير الفيلم وتراجع عن ذلك حين علم أن لهذا الحصة الأصغر من وقت ظهوره على  الشاشة، وقضى أسبوعين مع ترافولتا ليتعلما من بعضهما كيف يستطيع واحدهما أن يكون الآخر وما سيدل على ذلك من تفاصيل.

كذلك الأمر مع جوان آلين التي كانت خياره الأول لدور إيف وأصر عليها رغم رغبة الاستديو بنجمة شباك أصغر عمرًا، وجينا غيرشون التي لفتت نظره بأدائها في “Bound”، أراد وو ممثلين لا مؤديين وسيمين كما اعتيد في أفلام النوع، ممثلين يستطيع منحهم حرية الارتجال دون خوفٍ من نتائجها كما فعل مع نيك كاسافيتس في دور دييتريك هاسلر، مما يجعل رفض مارك وولبرغ لدور بولوكس تروي خسارةً له خاصّةً بعد الأثر الذي تركه أليساندرو نيفولا للشخصية بحسن استغلاله لها.

عن نهج جون وو في إدارة ممثليه وصناعة الفيلم وآثاره، حاجة واستجابة نيكولاس كيج وجون ترافولتا لتلك الإدارة، سياسة وو مع المؤثرات البصرية ونتائجها، والحدود التي ذهب إليها لتحقيق ما رَغِب وعشقنا مواجهًا القيود الإنتاجية الثقيلة سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Face/Off .

حقائق قد لا تعرفها عن Gangs of New York (الجزء الأول)

من أوائل أحلام مارتن سكورسيزي المُسنّة التي تحولت إلى حقيقةٍ خالدة، أول تعاونٍ بينه وبين ليوناردو ديكابريو والذي ما زال يُثمر روائعًا حتى الآن، وفيه قدّم دانييل داي-لويس أحد أكثر أداءاته أيقونيةً، Gangs of New York وقصة صنعه.

في حي ليتل إيتالي (إيطاليا الصغيرة) في مانهاتن نشأ مارتن سكورسيزي بفضولٍ كَبُر معه حول ما جرى في الأجزاء المهيبة القديمة من الحي، شوارعٌ ومقابرٌ وأقبية تعود إلى القرن التاسع عشر لا يعرف عنها إلا أنها تملك قصصًا تستحق أن تُروى، “أدركت تدريجيًّا أن الأمريكيين الإيطاليين ليسوا أول من كان هنا، وعندما بدأت أفهم ذلك سحرني. لم أتوقف عن التساؤل، كيف بدت نيويورك؟ كيف كان الناس؟”، هذه بعض كلماته تعليقًا على فضول طفولته.

ولا يُمكن تخيل ردة فعل سكورسيزي حين وجد كتاب “The Gangs of New York: An Informal History of the Underworld” لـ هربرت آزبري الذي نٌشر لأول مرة عام 1928، ووقع بعد 42 عامًا  بين يدي سكورسيزي الشاب الذي لا يملك في تاريخه إلا فيلمًا متواضعًا واحدًا لن يُشجع أحدًا على تمويل ملحمةٍ نيويوركية كالتي يحلم بها من إخراجه، لكن ذلك سرعان ما تغير خلال ذاك العقد السينمائي المجيد الذي كان سكورسيزي من أبرز صناع مجده بأفلامٍ كـ “Mean Streets” و”Taxi Driver“، وفي 1979 كان قد أعد المسودة الأولية بالاشتراك مع صديقه جاي كوكس واستطاع الحصول على حقوق كتاب آزبري، وبدأ دراسة الإنتاج واختيار نجومه.

في عام 1980 صدر Heaven’s Gate لـ مايكل شيمينو الذي عُدّ الكارثة الإنتاجية الأكبر حتى تاريخه، وعُدَّ نهاية أكبر حقبة ازدهار لسينما المؤلف في تاريخ السينما الأمريكية، فعادت السلطة الكاملة مجدّدًا إلى الاستديوهات التي خشيت الإقدام على مغامرةٍ متطلبة لميزانيةٍ كبيرة، وامتنعت بالتالي عن منح مشروع سكورسيزي المتطِّلب لبناء مواقع ضخمة لنيويورك القرن التاسع عشر بالتفاصيل التي أرادها الضوء الأخضر إلى أجلٍ غير مسمّى.

عشرون عامًا مرت قبل أن يعاد إحياء الأمل بتنفيذ المشروع، لم يتوقف سكورسيزي خلالها عن إعادة هيكلة الحلم ليكون الأمثل حين يأتي الوقت المناسب والذي لا بُدَّ أنه آتٍ، فأراد لدوري البطولة بدايةً جون  بيلوشي في دور بيل الجزّار ودان آيكرويد في دور أمستردام فالون، ثم ويليام دافو وميل غيبسون، وطبعًا، رُشّح روبرت دي نيرو للدّورين عبر تلك الفترة.

عام 1999 وبناءً على نصيحة روبرت دي نيرو عرض سكورسيزي دور أمستردام على نجم الشباك الأهم وقتها ليوناردو ديكابريو، وأُعجب الأخير بالفعل بالنص وقرر الانضمام للمشروع، الأمر الذي شجّع “Miramax Films” وعلى رأسها هارفي وينشتاين على إنتاجه، لكنهم لم يعلموا أن سكورسيزي انتظر 30 عامًا حتى يحقق العمل كما أراده هو، وأنه مُستعدٌّ لخوض حربٍ من أجل ذلك، وهذا ما حصل بالفعل بينه وبين وينشتاين الذي أراد فيلمًا أبسط وأقصر وذو قابليةٍ جماهيرية تجعلهم لا يقلقون على إنفاق كل تلك الميزانية لصنعه، بينما أراده سكورسيزي ببساطة فيلمًا لـ سكورسيزي، وهذا ما كانه طبعًا.

وكان فيلمًا من بطولة دانييل داي-لويس، أيُّ تعويضٍ أكبر من هذا يُمكن أن يُمنح لـ سكورسيزي عن انتظاره؟!، والذي ما كان ليحصل عليه لولا مساعدة ديكابريو وذهابه شخصيًّا إلى داي-لويس محاولًا إقناعه بأن هذا الفيلم هو ما يستحق عودته إلى الشاشة الكبيرة، ويا لحظنا بنجاحه، “قبل يومين من البدء بالتصوير، مررتُ وقلتُ: “صباح الخير دانييل..”، فامتعض. قلت لنفسي: “اللعنة! اللعبة بدأت.”، لا أذكر أنني قلتُ له كلمةً أخرى خلال الشهور التسعة التي قضيناها في موقع التصوير، كان بيل الجزّار!”، هذا ما قاله ديكابريو تعليقًا على تجربته مع أسطورة التمثيل البريطانية.

عن أساليب داي-لويس في التحضير لدوره وأدائه، ترشيح وانضمام أبرز النجوم إلى الفيلم، نهج سكورسيزي في صناعة الفيلم وما تأثر به وما استند إليه وما تم بالنتيجة من إعادة خلق لبيئة أحداث القصة كان ميل غيبسون أسعد الناس بها، وعلاقاتٌ تاريخية بين ما جرى على الشاشة وما جرى في الواقع، وتعليق سكورسيزي على النهاية سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Gangs of New York .

حقائق قد لا تعرفها عن Once Upon a Time in America ج2

عن انضمام دي نيرو للمشروع وأثره في أركانه ككل، جو بيشي وما رُشّح لأدائه وما ناله، نهج ليوني في صناعة الفيلم الذي كان حلم بداياته وكيف فاق به كل حلم، الموزعين الأمريكيين وصدور نسختهم ونتيجتها نقديًّا وجماهيريًّا وجوائزيًّا، النسخة الأصلية التي لم يشاهدها أحد، تحيات لكلاسيكيات أفلام العصابات والنهاية المثيرة للجدل سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Once Upon A Time in America .

لحسن الحظ أتى كون روبرت دي نيرو الذي طلب مقابلة مِيَر لانسكي أحد زعماء الجريمة تحضيرًا لدوره ولم يُجب هو أول من انضموا للمشروع نجدةً لـ ليوني، لمساعدته في اختيار الممثلين وجلساته مع كامينسكي ليصبح مشاركًا في بناء الشخصية وليس فقط مجسدًا لها، وإن رافق ذلك وقوع ليوني في حرج عدم رؤيته جو بيتشي المُقترح من قبل دي نيرو مناسبًا لدور ماكس، فعرض عليه اختيار أي دورٍ آخر وفعل بيشي، إلا أن دور فرانكي الذي اختاره بيشي على الورق أصبح أصغر مساحةً على الشاشة.

والآن أصبحت العصابة السينمائية جاهزة للبدء والتعرف على أساليب ليوني العبقرية التي ستخلد عملهم، من عزف موسيقى موريكوني خلال تصوير الكثير من المشاهد لخلق الحالة المناسبة، إلى بنائه الشكل البصري على لوحات ريجينالد مارش، إدوارد هوبر، نورمان روكويل، وإدغار ديغا بالأخص في مشاهد رقص ديبورا، بالإضافة لصور جاكوب ريس في الأحداث الجارية في العشرينات.

إلى الإتيان أمام الكاميرا بنتيجة مقابلاته مع مؤلف الكتاب هاري غراي الهادفة لمنحه الرؤيا المناسبة ليستطيع إعادة خلق أمريكا عبر عيني غراي كالحانات وأوكار الأفيون وما شابه، ومثاٌ على ذلك البار الذي يتجادل فيه خمس أفراد عصابة حول دولارٍ عرضه عليهم صاحبه لقاء مهمّة، وهو بار ماكسورلي المُفتتح منذ عام 1854 وأقدم بار متواصل النشاط في أمريكا، وبار فات مو حيث قابل غراي مرةً ولفت انتباهه التفاف الناس حول طاولاتٍ مُظللة وخوضهم في أحاديثٍ هامسة.

لكن للأسف لم يعِش غراي حتى يرى الملحمة التي ألهمها، وحتى ليوني لم يعلم بذلك إلّا حين اتصل به هاتفيًّا ليزف إليه خبر منح المشروع الضوء الأخضر ليكتشف أنه توفي قبل ذلك بأسابيع، من جهةٍ أخرى قد يكون ذلك من حظ الموزعين الأمريكيين الذين ارتكبوا الفظائع بحق تلك الملحمة بشكلٍ أكثر من كافٍ لإعادة غراي لحياة الإجرام.

وكان المبرر لديهم أنهم اتفقوا مع ليوني على فيلمٍ بطول ساعتين و45 دقيقة وما قدمه كان بطول 4 ساعات، فقاموا بقص ساعة ونصف فيها أبرز ما يرسم العلاقات وتطور الشخصيات كالأحداث الجارية في الثلاثينات، مع تغيير بنية الفيلم كاملةً مرتبين مشاهده بتسلسلهم الزمني، حتى موسيقى موريكوني الخالدة تجاهلوا الإجراءات اللازمة للسماح بدخولها سباق الأوسكار.

وبعد كل هذا لاموا ليوني لدى فشل الفيلم في شباك التذاكر وعدم أخذه في عين الاعتبار لدى صدور الترشيحات الأوسكارية، ، واستغربوا مهاجمتهم من قبل النقاد الذين شاهدوا النسخة الكاملة في أوروبا أو علموا بوجودها على فعلتهم مشبهين إياها باختصار أوبرا لـ فاغنر، على عكس البعض الذين حاكموا النسخة الأمريكية فقط ومنهم ناقدٌ اعتبره أسوأ أفلام العام على الإطلاق، ليعود نفسه بعد سنوات لدى مشاهدته النسخة الأصلية على ديفيدي ويعتبره أفضل عملٍ صدر في الثمانينات.

وكم يثير ذلك الفضول عما قد يكونه أثر الفيلم بطوله الكامل بالفعل، ساعاته الستة التي قدمها ليوني للمنتجين في البداية مقترحًا إصداره كفيلمين طول كلٍّ منهم 3 ساعات، ليُقابل بالرفض ويعيد المونتاج قاصًّا ساعتين، بقدر ما قد يحتويانه من غنًى بقدر ما سيحتويان من تحيات ليوني لكلاسيكيات أفلام العصابات التي امتلأ بها فيلمه كـ:

.

.

فيلما يلي حرق لأحداث الفيلم:

.

.

.

زيارة نودلز لمنزل طفولته كما في “Dead End” لـ ويليام وايلر، حنين نودلز لأيام شبابه كما في “High Sierra” لـ راؤول والش، أصدقاء الطفولة اللذَين يكبران ويختاران طرقًا مختلفة وعودة أحدهما لذكرياتهما كما في “Angels with Dirty Faces” لـ مايكل كرتيز، اختلاف العصور واختلاف التحالفات والسياسات معها كما في “Bullets or Ballots” لـ ويليام كيغلي، رجل العصابات المريض بالشك كما في “White Heat” لـ راؤول والش، حقيبة السفر في محطة القطار كما في “Cry of the City” لـ روبرت سيودماك و”The Killing” لـ ستانلي كيوبريك، نقش “رجالُك سيسقطون بالسيف” كما في “Little Caesar” لـ ميرفين ليروي، علاقة نودلز وديبورا القريبة من علاقة إيدي وجين في “The Roaring Twenties” لـ راؤول والش، مشاهد المسرح الصيني كما في “The Lady from Shanghai” لـ أورسون ويلز، ووصول نودلز إلى منزل السيناتور بيلي كما في “The Big Heat” لـ فريتز لانغ.

أما حقيقة موت ماكس في شاحنة القمامة أو موت نودلز أو موتهما معًا أو محاكاة مشهد الشاحنة لاختفاء السياسي جيمي هوفا عام 1975 أو ما إلى ذلك من نظريات فهذه لا يعرفها جيمس وود نفسه حتى يومنا هذا، وقد تكون نظريتك هي الأقرب للصحة، أو لمساحة الصحة.

حقائق قد لا تعرفها عن Scarface (الجزء الأول)

“أنتم رائعون، لكن كونوا مستعدين، فإنهم سيكرهونه في هوليوود، لأنه عنهم.”، هذا ما قاله مارتن سكورسيزي لأحد أبطاله خلال أحد عروضه الخاصة، في قائمة المعهد الأمريكي لأفضل 10 أفلام عصابات في التاريخ، كان انطلاقةً مدوية لكاتبه أوليفر ستون، ميشيل بفايفر، ف. موراي أبراهام والعديد من نجومه، وغير تاريخ ثقافة الهيب هوب والراب، Scarface وقصة صنعه.

عام 1982 حضر آل باتشينو عرضًا لكلاسيكية أفلام العصابات Scarface بمناسبة مرور نصف قرن على عرضها الأول، فاقترح إعادة صنع للفيلم يكون بطلها على وكيل أعماله والمنتج مارتن بريغمان، لكن اتضح أن إعادة إنتاج فعلية تلتزم بتفاصيل زمن القصة ستكون مكلفةً أكثر من المعقول، فتم تكليف ديفيد ريب بكتابة نص يحقق أكثر ما يمكن من المقاربة، ليتم اقتراح العمل على المخضرم سيدني لوميت الذي أنجز اثنين من أفضل وأنجح أعمال آل باتشينو.

لكن لوميت انسحب بعد خلافاتٍ فنية حول النص وإن بقيت بعض لمساته كجعل الأبطال كوبيين، والاستفادة من حروب الكوكائين الدائرة في جنوب فلوريدا، فتم عرض المهمة على برايان دي بالما لينسحب أيضًا بسبب النص وينصرف لإخراج “Flashdance”، تبع ذلك استبدال ريب بـ أوليفر ستون الفائز بالأوسكار عن ثاني عمل في تاريخه وهو “Midnight Express”، فانتهز ستون الفرصة لإعادة جمع شتات نفسه بعد فشلٍ في الإخراج وتعاطٍ للمخدرات ذهب حتى بغنى قلمه، وانتقل إلى باريس قاطعًا كل علاقاته بـ لوس أنجلس، محاربًا إدمانه، ماضيًا في الكتابة بوعيٍ كامل، وآملًا بأن تكون فرصته الكبيرة بالعمل مع الأسطورة الحية سيدني لوميت.

أنهى ستون عمله واستُدعي لوميت ثانيةً دون الحصول على ردة فعل أفضل، بل استياءًا من التطرف في الدموية وإهمال ما يمكن تحقيقه إن سيطر الجانب السياسي، فتم اللجوء ثانيةً لـ دي بالما، ونيل إعجابه الكبير الذي تطور إلى انسحابه من العمل على “Flashdance” لبدء العمل على هذا الفيلم، لكن خلال هذا الصد والرد لم يكن باتشينو يستطيع انتظار مشروعٍ لا ينهض إلا ويقع، فكان من الضروري البحث عن بديل ولو على سبيل الاحتياط، ليترك رفض روبرت دي نيرو للدور مصير الفيلم في يد باتشينو، وكانت نعم اليد، وكان باتشينو الأسعد بالانضمام للفيلم واعتبره أحد أهم مفاخر تاريخه.

كذلك الأمر مع دور ماني ريبيرا، بل كان حتى طريقه أقصر، فقد وقع نظر المسؤولة عن اختيار الممثلين أليكس غوردين على الكوبي ستيفين باور خلال عملها واعتبرته الأنسب على الفور دون حتى تجربة أداء، الأمر الذي وافقاها فيه دي بالما وبريغمان، لتتحطم آمال جون ترافولتا الذي التقى بـ باتشينو معبرًا عن رغبته الجدية بالدور.

روزانا أركيت، جينيفر جيسون لي، ميلاني غريفيث، كيم باسينجر، كاثلين ترنر، جودي فوستر، وبروك شيلدز رفضن دور إلفيرا، من بين مرشحاتٍ شملن إيزابيل أدجاني، جيمي لي كرتيس،غولدي هون، جيسيكا لانج، سيغورني ويفر، ديبرا وينغر، جينا ديفيس، كاري فيشر، كيلي ماكغيليس، وشارون ستون، ثم اقترح باتشينو منح الدور لـ غلين كلوز ليرفض المنتجون لأنها ليست مثيرةً بما يكفي، لا يمكن لومهم، فأتى بريغمان بـ ميشيل بفايفر التي حقق آخر أفلامها فشلًا ذريعًا وأصر رغم ذلك على باتشينو ودي بالما أن يقابلاها، واتضح أنه كان على حقٍّ بإصراره ونالت الدور ومعه انطلاقةً لم تحلم بمثلها.

عن تحضيرات آل باتشينو للدور ونتائجها، استعدادات دي بالما للتصوير ونتائجها، صراعه مع جمعية الفيلم الأمريكي والمنتجين حول النسخة النهائية، أثر الفيلم وإرثه، ف. موراي أبراهام وموقفٌ للذكرى، وردات فعل المجتمع الهوليوودي إثر صدور الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة كلاسيكية أفلام العصابات Scarface .