Me and Orson Welles

“ربما حتى أنت ستكتشف أن لديك موهبةً تمثيليةً دفينة، إن أصبحت ضمن فريق (ريتشارد لينكلايتر)”

السنة 2008
تقييم أفلام أند مور 7.5/10
المخرج ريتشارد لينكلايتر
المدة 114 دقيقة (ساعة و54 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) لليافعين بسبب بعض الإيحاءات الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) PG-13
اللغة الانكليزية

 

(أورسون ويلز) أحد معلمي السينما الكبار وآبائها الروحيين والمسؤولين عن عشقنا لهذا الفن ولتلك الشاشة الكبيرة، وجعله شخصيةً رئيسيةً في فيلم لا يبدو أمراً هيناً أو قراراً سهلاً، لكن (ريتشارد لينكلايتر) لا يفكر بهذه الطريقة، يحركه شغفه أولاً وأخيراً، وينتصر، يحضر الممثل البريطاني “كريستيان ماكاي” الذي كان لم يزل يشق طريقه في ظهور تلفزيوني خجول هنا وهناك ويسند إليه دور “أورسون ويلز”، والشاب الأمريكي “زاك إيفرون” الذي ارتبطت صورة وجهه بأفلام المراهقين ليكون بطل فيلمه، وينجح “لينكلايتر” ويمتعنا ويترك فينا أثراً خاصاً باسمه من جديد.

في عام 1937 مراهقٌ شاب “ريتشارد ساميويلز”(زاك إيفرون) يحب الموسيقى والسينما والمسرح، بصدفةٍ ما يجتمع بالشاب الكاتب والمخرج والممثل ذائع الصيت “أورسون ويلز” ويكسب بهذه الصدفة دوراً في مسرحيته الجديدة المبنية على رائعة “ويليام شكسبير” الشهيرة “يوليوس قيصر”، وباقترابه لهذا الحد من أسطورةٍ كـ”ويلز” أمام وخلف الكواليس يصبح إسناد ذاك الدور الصغير إليه بدايةً لإحدى أكثر تجارب حياته إثارةً.

عن رواية “روبرت كابلو” كتب “هولي جيبنت بالمو” و”فينسنت بالمو جونيور” نص الفيلم، وضيعوا فرصةً ذهبية ربما لم يستحقوها في المقام الأول، لم يعتنوا بالكثير من الشخصيات إلى جانب شخصية “أورسون ويلز” وحتى هذه الشخصية لم تنل كفايتها، مع أنهم قاموا ببعض العمل الجيد هنا وهناك كالاعتناء ببعض جوانب مسار القصة وبعض الجمل الحوارية الجيدة، لكن ليت تلك الجوانب كانت أكثر بقليل.

إخراج “ريتشارد لينكلايتر” يبث الروح في أوراق الأخوين “بالمو” المتواضعة، يمنح العمل حيويةً وجاذبيةً مميزة، يجعلك وإن علمت مسارات حكايته مسبقاً تحب أن يصحبك خلالها، يحسن إدارة ممثليه ويثبت ذلك باقترابه منهم بحيث لا يمكننا إلا ملاحظة ما يقدمونه خاصةً نجمه البريطاني المغمور.

أداء “كريستيان ماكاي” يليق بشخصية كـ”أورسون ويلز” ويمنحنا فرصة مشاهدة الأسطورة خلال إحدى عملياته الإبداعية، أداءات جيدة من باقي فريق العمل، تصوير جيد جداً من “ديك بوب”، وموسيقى مناسبة من “مايكل ج. ماكيفوي”.

حاز على 9 جوائز، ورشح لـ21 أخرى أهمها البافتا لأفضل ممثل بدور مساعد “كريستيان ماكاي”.

تريلر الفيلم:

Dazed and Confused

“انسوا كل الدراسات والمعالجات وما إلى ذلك من مواضيع أفلام تطرقت لفترة المراهقة، هنا أنتم أمام توثيق لتلك الفترة!”

السنة 1993
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج ريتشارد لينكلايتر
المدة 102 دقيقة (ساعة و42 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للبالغين بسبب الإيحاءات الجنسية الصريحة
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

يقول لينكلايتر عن هذا الفيلم: “الفيلم كله هو العمل الأكثر توثيقًا ذاتيًا لحظةً بلحظة من بين كل ما قدمته”، فتخيل أن صديقًا لك أصبح مخرجًا، وصنع فيلمًا عن أحد الليالي المفصلية في فترة مراهقتكم، سواءً كانت تلك الليلة هي إنهاء الثانوية أم إنهاء ما قبلها والاستعداد لها، وتخيل أن ذلك الصديق يشبه لينكلايتر، ربما هذه النقطة التي لن تستطيع أن تتخيل بعدها، فستبدأ أسئلة: هل يعقل أن يروي قصة عندما كنا…؟ وهل يعقل أن يفضح ما قمنا به مع …؟ هل…؟، نعم لينكلايتر هو ذاك الصديق الصادق بجنون، والذي سيجعل الذكريات السرية المضحكة فيلمًا كاملًا، وفيه من الصدق ما يجعلك لا تتحسر بعده على أنك لم تحتفظ بصور من تلك الأيام فلديك بدلًا عنها فيلمٌ يحييها في كل مشاهدة.

نحن في عام 1976 وفي آخر يوم في المدرسة، وبدأ الكل يجهز نفسه ويخطط لما يجب أن تكونه ليلة يومٍ كهذا، وخاصةً من يمثل لهم فترةً انتقالية، من الثانوية أو إليها، الكبار يخططون لمطاردة الصغار وتلقينهم درسًا لا يثبتون نضجهم إلا إن تحملوه، والصغار يخططون لدخول أماكن لم يسمح لهم بدخولها قبلًا لكنهم الآن قد أصبحوا على مشارف الثانوية ويجب أن يثبتوا ذلك بالدخول بأي طريقة، وشبان هؤلاء يريدون الإيقاع بفتيات هؤلاء والعكس بالعكس، وشرب ومخدرات وحفلة في منزلٍ ما لشابٍّ ما منهم نجح في إبعاد أبويه لوقت مؤقت، وبعض الأفكار عن الغد، وعن ما إذا كان اليوم هو فعلًا تحقيقٌ للأماني التي أحاطت به وكبرت في انتظاره.

كتب نص الفيلم طبعًا ريتشارد لينكلايتر، مثبتاً أن السينما فعلاً أرضه وملعبه، بمجموعة ضخمة جدًّا من الشخصيات صيغت كل واحدةٍ منها على حدة بمنتهي الواقعية والصدق والإخلاص لأهل الفترة التي يتكلم عنها والتي عاشها معهم وبينهم، بقدرة رهيبة على إدارة مسار الحدث الذي تتفاعل هذه الشخصيات ضمنه، ودون أي خطأ في أي لحظة يجعله يضر بمسار الفيلم ومصداقيته، فهو لا يريد أن يكون واعظًا، لا يريد أن يستدر العواطف، لا يريد مناقشة حالة استثنائية، يريد أن يتكلم عن الجميع، أن يصل إلى الجميع، وأنت منهم، أنت شخصيةٌ في فيلمه، والرائع في الأمر أنه يفي الجميع حقهم، يفيهم حقهم حتى في كل كلمة في الحوار، فلا يزيد عما كانت أو قد تكون حقيقته، ولا ينقص.

إخراج سيد التحكم بالزمن ريتشارد لينكلايتر يعود حرفيًّا بنا إلى سبعينيات القرن الماضي بأدنى تفاصيلها، ويفجر فيها حيويةً تجعلها أكثر شبابًا ومرحًا وجنونًا من يومنا هذا، وقد صدق ليس لأنني عايشتها أو أعرف أحدًا عايشها فلست أمريكيًّا، لكن ببساطة لأنه لينكلايتر، وهذا الشخص دائمًا ما يأتي بكل تفاصيل أعماله من تفاصيل حياتنا، ما أستطيع الجزم به أني رأيت نفسي وأصحابي في هذا الفيلم، ولست ممن عاصر تلك الفترة، وهذا لم يحدث لأن لينكلايتر أراده أن يحدث وأراد أن يرمز لكل الأجيال بجمع صفاتهم بجيل واحد، بل ببساطة كان واقعيًا وصادقًا، وهذا الصدق تكفل يجعل التجربة تعم وتشمل الجميع، لا بطل محدد لديه فكلنا بطل، أو لنقل كل شخصيات فيلمه، وهذا جعل من ممثليه يعيشون التجربة بدلًا من أن يتعايشوا معها.

أداءات تلقائية يستمتع مقدموها باللحظة فنستمتع معهم ونثق ونؤمن بكونهم من يمثلون، تصوير راقي وسلس من لي دانييل، وموسيقات وأغاني من أساسيات الفترة سيطرت على جزء يسير من أجواء الفيلم.

تريلر الفيلم:

School of Rock

“أريد أن أشكل فرقةً موسيقية! من يريد أن ينضم إلي؟، إن أحسست أنني جننت فشاهد هذا الفيلم لتشاركني الجنون!!”

السنة 2003
تقييم أفلام أند مور 7/10
المخرج ريتشارد لينكلايتر
المدة 108 دقيقة (ساعة و48 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم لليافعين لما فيه من إيحاءات جنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) PG-13
اللغة الانكليزية

طاقة وحيوية عظيمتان تتفجران من هذا الفيلم، قد لا تجد فيه شيئاً لا تعرفه، لكنه استثنائيٌّ كتجربة تشعلك حماسًا وتملأ وقتك متعةً وضحكاً وابتسامات رضا وتأييد، ومن وراء كل هذا؟ ريتشارد لينكلايتر بالطبع، رجلٌ يصنع الاستثنائي من المعتاد والمطروق، ودون أي تكلف، فقط بأن يكون صادقًا لدرجة أن تحسه فاعل في الحدث ومتحمس له بالفعل، على عكس من يقدمون فيلمًا كهذا مستسلمين لفكرة أنه لا يمكن الإتيان بجديد في أفلام هذا النوع فيقدمونه بشكل روتيني وكأنهم لا يعدون كونهم موظفين ينتظرون يوم توزيع الرواتب، يكفي أنه أتى بتجربة كهذه رغم أن واجهتها جاك بلاك!

دوي فين (جاك بلاك) شاب ثلاثيني كل ما يريده من الدنيا أن يكون نجم روك، وحين اقترابه من تحقيق ما أراده يطرد من الفرقة التي كان فيها، فلا عمل ولا فرقة، لكن صدفةً تجعله أستاذًا بديلًا في أفضل مدرسة ابتدائية في الولاية، بغض النظر عن أن اسمه كأستاذ سيختلف، لكن شخصه لن يفعل، بل ويجد في طلاب المدرسة فرقته التي يبحث عنها، الموسيقى لا تعرف عمرًا، موسيقى الروك لا تعرف عمرًا، فلماذا لا؟

كتب مايك وايت نص الفيلم، تحسب له بعض اللفتات الكوميدية اللطيفة، فقط، ففيما عدا ذلك لم يقم بشيء يذكر على الإطلاق، منذ البداية وحتى النهاية، قلم ومسطرة وما يعرفه ونعرفه من سيناريوهات مشابهة لكن بإطار مختلف قليلًا، القصة والشخصيات ومشاكلهم والأحداث ولحظات الفوز والخسارة واليأس والأمل والحماس، لا ينقص حرفًا ولا يزيد، لكن بشكل عام يقدم منتجًا لطيفًا سهل القبول.

إخراج ريتشارد لينكلايتر يأخذ نص لو وضع بيد غيره لأصبح عملًا منسيًا ويحوله لأحد أمتع تجارب أفلام النوع، والتي تتغلب حتى على كثير من الأصول المأخوذة عنها، يعرفنا بالشخصيات ويقربنا من قصصها وظرافتها بخفة وحيوية تسرع تفاعلك مع القصة واستمتاعك بها، يصل بك لمرحلةٍ تبحث فيها عن نفسك بين أطفال فرقة الروك الرائعين، وتبدأ إما بالعزف أو الغناء أو كتابة الأغاني، والطاقة التي يبثها فيك لا تفتر بتقدم الفيلم بل تزيد وتزيد معها متعة التجربة، عدا عن قدرته الرائعة في إدارة ممثليه والتي نجحت في أن تجعل جاك بلاك ممثلًا.

أداء جاك بلاك جيد وإن كان نقطة الضعف الأكبر في الفيلم، وحتى الأكبر من النص لأنه لا يستطيع إلا أن يقوم بمبالغاته المبتذلة في المواقف الكوميدية ظاناً أنها تزيد من ظرافة الموقف في حين أنها تقتل أي خير فيه، لكن أداءات الأطفال ممتازة لدرجة تخفف كثيراً من وطأة ثقل دم “بلاك” وتبث روحاً جميلة في العمل وتضيف له متعةً وسلاسة، تصوير روخير ستوفرز جيد، وموسيقى كريج ويدرين مناسبة.

حاز على 8 جوائز، ورشح لـ14 أخرى أهمها الكرة الذهبية لأفضل ممثل بدور رئيسي في فيلم كوميدي.

تريلر School of Rock :

Tape

السنة 2001
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج ريتشارد لينكلايتر
المدة 86 دقيقة (ساعة و26 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للبالغين لما فيه من إيحاءات وألفاظ ومواضيع جنسية صريحة
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

 

“فيلمٌ بثلاث شخصيات، لا يمكنك إلا أن تكون رابعهم!”

طبعاً هو فيلمٌ لـ”ريتشارد لينكلايتر” الذي لطالما أبدع في تحويل مشاهد من مسرح الحياة لمشاهد سينمائية، ويلغي كون الشاشة حداً بين المُشَاهِدِ والمُشَاهَد، ستضحك ستغضب ستفرح ستبتسم ابتسامة السخرية ستتسمر في مكانك من كلمة وستصدمك كلمات أخرى فلطالما سمعتها تخرج من فمك لكن لم تعلم أن هناك من يفهمها بهذا الشكل، بالشكل الذي ربما يكون الأصح، ستشعر أن هناك من هو أقرب إلى واقعك وأفكارك مما تتخيل، وستدرك بالتأكيد أن هذا عملٌ من صنع “لينكلايتر” تحديداً، رجل يفعل بك كل هذا بغرفة، ثلاث ممثلين وكاميرا رقمية محمولة!

“فينسنت”(إيثان هوك) استأجر غرفة في ميتشيغان لحضور مهرجان سينمائي يشارك فيه صديقه “جون”(روبرت شون لينارد) الذي يأتي لزيارته، ومن حديث لحديث تظهر قصة قديمة، قصةٌ من أيام الثانوية منذ عشر سنين مضت، لكن من الواضح أن أمراً ما حدث وقتها لم يمضي كما مضت تلك السنين، ذكرى توقظ أخرى، تصريح كان خفياً يظهر، واعترافات دون اتهام، هل يذكرك هذا بجلسةٍ ما مع صديقٍ ما؟

كتب “ستيفين بيلبر” نص الفيلم بناءً على مسرحيته، يعبر عن شخصياته بالطريقة المثلى، هم يتحدثون وأنت ترسم ملامحهم، لا يترك لأحد أن يرسمها عوضاً عنك، أنت ورؤيتك وأحكامك، حوارات عبقرية وانتقالات دقيقة ورشيقة من مستوىً للأحداث إلى آخر، لدرجة أن تنكر ما يحدث تارةً، وتارةً أخرى تُجن لتعرف إلى أين سيمضي الأمر، الذي يصبح شيئاً فشيئاً شخصياً ويستثير في ذهنك أسئلةً عفا عليها الزمن.

إخراج “ريتشارد لينكلايتر” بأبسط الأدوات يصنع أعظم الانطباعات، أسلوب وثائقي موظف بعناية وإتقان يجعلك تشترك في النقاش المحتدم وتعيش توتر أبطاله، تكفيه الغرفة، يكفيه ثلاث ممثلون، وحوار يستلم دفته بكاميرته كما يستلمها المتحادثون، وتوجيهه المتقن المعروف لممثليه وخاصةً إن كان بينهم المفضل لديه “إيثان هوك”، لا يحتاج لأكثر من ذلك ليصنع هذا العمل الذكي المميز، ولا نحتاج لأكثر من ذلك عندما تكون الأمور بيده لنستمتع بهذه التجربة.

أداءات ممتازة وبالأخص من “إيثان هوك” الذي تحار في توصيفه لكنك لن تحار أبداً في أن تعشق ظهوره، تصوير جيد من “ماريز ألبيرتي”، ومونتاج متقن وسلس من “ساندرا أدير”.

تريلر الفيلم:

أفضل أفلام عام 2014

بدأ العد التنازلي للاحتفال بتوديع عام واستقبال جديد، ومنا من ستكون فرحته الكبرى بنهاية الذي مضى، ومنا من سيعز عليه توديعه، أما بالنسبة للسينمائيين وإن قسنا الموضوع على كمية الإنجازات السينمائية التي تحققت في 2014، وإن حسبناها بالنوع لا بالكم، فإن هذا العام شهد عدة ظواهر سينمائية لن تتكرر وستخلده لأنه يوافق تاريخ صدورها، وتكفي معجزة “لينكلايتر” لنقول أننا عشنا عاماً سينمائياً مميزاً فماذا إن كان هناك أعمال عظيمة أخرى؟!
في هذه القائمة 10 ظواهر سينمائية ستمنع كل من صادف ما يجعله يود نسيان هذا العام من نسيانه، سيجد في هذه الأعمال ما سيجعل ذكراه مصحوبة بابتسامة ودمعة.

الفيلم الأول:

Boyhood – Richard Linklater

“ريتشارد لينكلايتر” أثبت مراراً وتكراراً أنه أبرع من يصيغ من حياتنا وكلماتنا فناً خالداً وبكل إخلاص دون أن يوجه كلماتنا لغير غاياتها ودون أن يزيد على قصتنا صراعاً لا نراه إلا على شاشات السينما، وشخص كهذا يوماً ما قرر أن يصنع فلماً عن الطفولة والصِّبا وحتى الشباب، فوجد لفكره حدوداً لم يجدها حين كان يقدم لنا يوماً من كل عشر سنين في حياة عاشقَين، وجد الزمن يقيده، فكسر القيد ومضى بفيلمه عبر الزمن في طريق طوله 12 عاماً.
شخص كهذا وفريقه حين يقدمون على عمل كهذا دون حتى أن يتقاضوا أجراً ودافعهم الوحيد الإيمان بالفن لن تملك إلا أن تنحني لهم احتراماً، هذا الإنجاز ليس إنجازاً قابلاً للمنافسة، هنا التفوق ليس على مستوى التكنولوجيا، هنا التفوق على المستوى الروحي، لن نستطيع أن نبني أهراماً الآن ننافس به أهرامات الفراعنة رغم كل ما لدينا من تطور وقدرات، ولن يستطيع سينمائي أن يأتي بما أتى به “لينكلايتر”، لن يؤمن كما آمن “لينكلايتر” ولن يمضي بإيمانه 12 عاماً متحدياً المستبد الأكبر “الزمن”، هذا الفيلم صبيٌ عمره 12 عاماً وكل عام سنحتفل بميلاده ظناً أنه قد كبُر، فنجده ما زال صبياً، ما زال فتياً وبروحه لم يزل النقاء.

وستبقى هذه المعجزة السينمائية تحتل المراتب الأولى كأفضل أفلام العام والعقد وحتى القرن الواحد والعشرين، وأحد أهم الإضافات السينمائية التي غيرت تاريخ السينما العالمية وكسرت حدوداً جديدة لم يستطع أحد من قبل التفكير في قابلية كسرها.
ويمكنكم قراءة المراجعة الكاملة من هنا:

http://aliqtisadi.com/aflam/boyhood/

الفيلم الثاني:

Two Days, One Night – Jean-Pierre Dardenne, Luc Dardenne

أقصى درجات الواقعية هي أهم وأبرز ميزة لأفلام البلجيكيين “الأخوين داردين: جان بيير – لوك”، تمس قصصهم كل جزء بكياننا لأنها تشبهنا ولا تقلل من قدر آلامنا.
يحكي الفلم قصة يومين وليلة في حياة “ساندرا”(ماريون كوتييار) الزوجة والأم لطفلين التي طردت من عملها إثر تصويت جرى في الشركة التي تعمل بها بعد تعرضها لنوبة اكتئاب وكان أمام المصوتين خيارين، إما طردها وزيادة لهم في الرواتب وإما بقاؤها واستمرار رواتبهم على ما هي عليه، وتطلب إعادة التصويت من المدير ليصبح أمامها يومين وليلة لتقنع زملاءها بأن يستغنوا عن زيادة رواتبهم لتستطيع الاستمرار في عملها والاستمرار في العيش.
”ماريون كوتيار” تبدع في كل ثانية من الفلم، الشخصية التي جسدتها لا توصف بالكلمات، تمتلك مفاتيح قلبك كلها وتأسرك في كل حالاتها، ورغم تألقها الدائم عبر مسيرتها الفنية إلا أنها تبحث دائماً عن الجديد، فقد قبلت دورها في الفلم قبل قراءة النص، فقط لأن الأخوين داردين كاتبيه ومخرجيه وأرادت أن تعمل تحت إدارة مخضرمين مثلهم كي تصل إلى ما لم تصله من قبل، وكم نجحت!

لأول مرة يجتمع الأخوين داردين مع نجمة من الطراز الأول ليأتوا بأحد أعظم تجارب العام السينمائية بامتياز، ويمكنكم قراءة المراجعة الكاملة من هنا:

http://aliqtisadi.com/aflam/two-days-one-night/

الفيلم الثالث:

Little England – Pantelis Voulgaris

 

“آيوانا كاريستياني” الروائية وكاتبة السيناريو والمتزوجة من المخرج “بانتيليس فولجاريس” الثروة السينمائية اليونانية، يجتمعون للمرة الثانية بعد ما يقارب العقد من أول عمل سينمائي قدموه، ليحولوا روايتها “انكلترا الصغيرة” إلى انتصار عظيم للسينما اليونانية ودليل حي على أنها ترقى لتنافس الجميع في عامٍ سينمائي حافل كعام 2013.

يحكي الفلم قصة عائلة يونانية مؤلفة من أمٍّ وأبٍ بحار أخذه البحر في رحلةٍ طويلة لا يُبقي أهله فيها على أمل برؤيته إلا رسائله وبعض الأخبار، وأختين شابتين يخفون عن بعضهن حكايا قلوبهن، وتدور أحداث القصة على قطعة من الجنة وسط البحر تسمى “آندروس” أو “انكلترا الصغيرة”(وسميت بهذا الاسم لما فيها من ترف)، وتمتد القصة منذ عام 1930 قبيل الحرب العالمية الثانية و حتى عام 1950.
“أورسا”(بينيلوبي تسيليكا) الابنة الكبرى تعشق بحاراً وتخشى أن تنضم يوماً لأمها والكثيرات من نساء الجزيرة اللاتي ودعن رجالهن على الشاطئ، وحتى الآن ما زلن يتخيلن لحظة اللقاء، وأختها “موسكا”(سوفيا كوكالي) تحب شاباً انكليزياً معدماً، وأمهما “مينا”(آنيزا بابادوبولو) تعلم أن البحر أقوى من الحب، فتتخذ قراراتٍ حاسمة ستغير مصير العائلة إلى الأبد.

ملحمة حب انتظرناها طويلاً، ومن لا يعرف أين يبحث لن يجدها حتى الآن، من لا يعرف الأسطورة اليونانية “بانتيليس فولجاريس”، ويمكنكم قراءة المراجعة الكاملة من هنا:

aliqtisadi.com/aflam/little-england/

الفيلم الرابع:

 Ida – Pawel Pawlikowski

نعلم أن الفلم عبارة عن مجموعة من الصور ترد على العين بتواتر يعادل 24 صورة في الثانية مما يخلق إحساساً بأنها صور متحركة، وفي هذا الفلم يبدأ ظهور الصور الحية منذ الثانية 25 وحتى الدقيقة 78، مما يعني أن الصور تظهر لمدة 4655 ثانية وبالتالي ما يعادل 111720 صورة، اختر أي صورة منهم عشوائياً وضعها في إطار وكرر العملية عدداً من المرات بحيث يصبح لديك ما يكفي من الصور لافتتاح معرض، كم معرضاً يمكننا أن نصنع منهم؟
هذا هو حجم الإنجاز البصري الذي قام به “بافل بافلوفسكي” في هذا الفيلم!

تدور أحداث هذا الفلم في بولندا الشيوعية خلال ستينيات القرن الماضي، ويحكي قصة راهبة”أيدا”( أجاتا تشبوخوفسكا) على وشك تأدية نذورها ويطلب منها أن تأتي بقريبتها الوحيدة “خالتها واندا”(أجاتا كولاشا)  التي لا تعرفها، وتكتشف بنتيجة ذلك أنها من أصول يهودية وأن أبويها قتلوا خلال الحرب العالمية الثانية في جملة من قتلوا في المحرقة، وتقرر البحث عن جثثهم علها تهتدي في الطريق لهويتها.

تحفة بافلوفسكي تشكل انتصاراً سينمائياً لسينماه وللسينما البولندية على جميع الأصعدة، فكيف لا تكون ضمن أفضل التجارب السينمائية للعام؟!
ويمكنكم قراءة المراجعة الكاملة من هنا:

http://aliqtisadi.com/aflam/ida/

الفيلم الخامس:

Winter Sleep – Nuri Bilge Ceylan

“نوري بيلجيه جيلان” التركي الذي خطا في 17 سنة سبع خطوات سينمائية قوبلت كل واحدة منها بتقدير وإجلال للغته السينمائية الفريدة، يتوج الآن رحلته بسعفة كان الذهبية المستحقة في رحلة إنسانية لم يسبقه إليها أحد.

في الأناضول بتركيا يدير الممثل المسرحي السابق “آيدين”(هالوك بيلجينر) فندقاً للسياح ومعه زوجته الشابة “نيهال”(ميليسا سوزن) وأخته المطلقة حديثاً “نيجديت”(ديميت أكباج)، وبحلول الشتاء الذي يندر فيه زوار الفندق وهطول الثلج، يصبح من الواضح أن برودة الثلج ليست وحدها السبب في البرود الذي يسكن جدران غرفهم، ويصبح من المحتم أن لا يستمر الهدوء للأبد.
إخراج “جيلان” بأكبر درجة من الدقة بالتفاصيل، لا يوجد عنصر ضمن صورته لم يتقن استغلاله، جمال كابادوكيا الآسر، صلة بيوتها الحجرية بأبطاله، برود الثلج والكلمات والأفعال، تكوين الصورة يروي وحده قصصاً، وإدارة ممثليه والاستغلال الأمثل لأداءاتهم، ولمسات من الكوميديا السوداء لا تأتي إلا من الأساتذة، فكيف لا يكون أحد أفضل أفلام العام؟!
ويمكنكم قراءة المراجعة الكاملة من هنا:

http://aliqtisadi.com/aflam/winter-sleep/

الفيلم السادس:

Yann Demange – ’71

“يان ديمانج” الفرنسي المولد والانكليزي النشأة ينأى بنفسه عن قوانين وجوب اندراج أفلام الحروب والنزاعات المسلحة تحت نوع الأفلام التجارية البحتة ، يقدم قضية، بعد إنساني، وتوثيق تاريخي لم يسبق أن تم التطرق إلى موضوعه بهذه الجرأة وهذا الصدق من قبل، وهذا بأولى خطواته السينمائية!

في عام 1971 وأثناء الحرب الأهلية بين كاثوليكيي شمال أيرلندا وبروتستانتيي جنوبها، “غاري”(جاك أوكونيل) جندي بريطاني يجد أولى مهماته لا تأخذه إلى ألمانيا بل إلى “بلفاست” في وسط الصراع الأيرلندي، وبأول يوم له يحصل شغب يجد نفسه بنتيجته في الشوارع الدامية لوحده، كتيبته لم تستطع التعامل مع الشغب، وهو الآن الممثل الوحيد والأعزل لطرف من ثلاثة أطراف صراع على الأرض، لا تهم حياته إلاه، وموته يهم الكثيرين.

كم مرةً سنصادف عملاً كهذا؟ وكم مرةً سيكون عمل مثله الأول لمخرجه؟، في كل مرة يحدث هذا لا بد أن يكون هذا العمل ضمن الافضل في سنته بلا شك!
ويمكنكم قراءة المراجعة كاملة من هنا:

http://aliqtisadi.com/aflam/71/

الفيلم السابع:

Interstellar – Christopher Nolan

يمكننا بلا شك اعتبار اسم “كريستوفر نولان” كختم جودة يكفي لاعتبار الفيلم الذي يحمله تجربة غير مسبوقة، تفاني “نولان” في أن يملك روح وقلب وعقل مشاهده في آن معاً وجعلهم في أوج نشاطهم ويقظتهم يكفي لأن يجعلك متلهفاً لترى مع كل تجربة سينمائية يقدمها إلى أين يريد هذا العبقري أن يأخذك، قد تكون سلطة “نولان” على روح مشاهده لم تكتمل بعد لكن بامتلاكه القلب والعقل يقترب مرةً بعد مرة ونقترب.
حين تدخل لتشاهد هذا الفيلم ودِّع الأرض، على الرغم من أنك لن تشتاق لها بعد انتهاءه ولا لأي شيء وراء الباب الذي دخلت منه لصالة العرض، لن تشتاق للماضي، ستشتاق للمستقبل!

مضينا بثقتنا أن الأرض ستعطينا مهما طلبنا، حتى ضاقت بنا وبدأت تتداعى، وأصبحت مهمة البشر الأهم على الإطلاق أن يحافظوا ما استطاعوا على ما تبقى من جذور تقبلُ ماءنا غذاءاً ودواءاً، الزراعة باتت هي الحياة، “كوبر” مزارع يستكشف تربة الأرض اليوم بعد أن كان رائداً للفضاء، يكتشف أن “ناسا” لم تتوقف كما أذيع من قبل بل على العكس، أهدافها تجاوزت كل الحدود، فبدل ان يبحثوا عن حلول لمشاكل الأرض يريدون أن يذهبوا للبحث عن الأمل في كوكب آخر، وربما مجرة أخرى، ويجد نفسه قائد الرحلة التي سيعتمد مستقبل ولديه والبشر على نجاحها.

فيلمٌ جديد لـ “نولان”، فهو أحد أفضل أفلام العام!
ويمكنكم قراءة المراجعة كاملة من هنا:

http://aliqtisadi.com/aflam/interstellar/

الفيلم الثامن:

Gone Girl – David Fincher

من الصعب جداً أن تجد من ينافس نفسه، “ديفيد فينشر” يهيمن على أبرز أفلام الإثارة والتشويق في العقدين الأخيرين، ودائماً خطوته الجديدة تكون للأمام متخطياً في أغلب الأحيان نفسه وخاصةً في كونه على قمة صناع أفلام النوع، ومقترباً من عرش “هيتشكوك”.

كقصص الفارس والحسناء تبدأ قصة حب “نيك”(بين آفليك) و”إيمي”(روزاموند بايك) التي تتوج بزواجهما، وبعد 5 سنين نجد أننا نجهل ما الذي يحتضر في تلك العلاقة الساحرة، هل هو جمال الحسناء أم فروسية الفارس، إنه عيد زواجهما الخامس لكن عندما يعود “نيك” إلى المنزل يجد بابه مفتوحاً على مصراعيه وبعض الفوضى في الأثاث ولا أثر لـ”إيمي”، وبمجيء الشرطة وتحول القصة للحدث الرئيسي لكل وسائل الإعلام يختفي باختفاء “إيمي” أي أثر لبراءته.

في كل مرة نقوم بتصنيف أفلام الإثارة ما بعد “هيتشكوك” سنجد أفلام “فينشر” تحتل المراتب الاولى وسيكون هذا الفيلم بالطبع أبرزها وأحد اهم أفلام العام، ويمكنكم قراءة المراجعة كاملة من هنا:

http://aliqtisadi.com/aflam/gone-girl/

الفيلم التاسع:

Forever – Margarita Manda

السينما اليونانية وتكويناتها البصرية الفريدة وموهبة جديدة تكمل التاريخ السينمائي العريق لليونان، “مارجاريتا ماندا” وعمل سيضعها أمام تحدي تخطيه في فيلمها القادم.

في “أثينا” سائق قطار “كوستاس”(كوستاس فيليبوجلو) تخلو حياته إلا من قصص ينسجها عن حياة ركابه، من وجوههم حين الذهاب وحين العودة عن طريقهم قبل وصولهم المحطة وطريقهم بعد الوصول لمحطة أخرى، وكم له ولقطاره حصة من يومهم، إحدى ركابه “آنا”(آنا ماسكا) تملك النصيب الأكبر من خيالاته، لكن قطاره يأتي ويذهب وما زالت بالنسبة له خيالاً، يوماً ما قرر أن يفصل بين الخيال والواقع، ويدرك أن وجودها فقط مرة في الذهاب ومرة في العودة على متن قطاره لا يكفيه.

تهدي “مارجاريتا ماندا” فيلمها لذكرى العظيم “أنجلوبولوس”، لكنها لا تفعل ذلك مجاملةً، هي تخاطب سينماه وروحه، هي تصنع أحد افضل أفلام العام ومفاخر السينما اليونانية المعاصرة، ويمكنكم قراءة المراجعة الكاملة من هنا:

http://aliqtisadi.com/aflam/forever/

الفيلم العاشر:

The Tale of the Princess Kaguya

“إيساو تاكاهاتا” الذي كان بجانب “هاياو مايازاكي” مؤسساً لـ “استوديو جيبلي”، يقدم لنا أحد آخر روائع هذا الاستديو العظيم التي صاغت أجزاءاً من حياتنا منذ الطفولة، الرجل الذي قدم لنا “قبر اليراعات”، يأتي بأقدم حكاية فلكلورية يابانية على الإطلاق منذ القرن العاشر، ليثبت أننا نقضي عمرنا باحثين عن السعادة رغم أننا من خبأناها بأنفسنا، ليثبت أن تلك الحكايا التي كانت تُروى لنا قبل النوم لم تأتي من فراغ أو عبث أو استخفاف بعقل الطفل، لم تأتي لتُجمِّل له قبح الحياة، بل كانت دوماً لتعلمه كيف يجعل حياته جميلة ويحافظ على فطرته وقدرته على رؤية الجمال، لكنه يكبر وينسى، أو يتناسى، ويصبح ذكر تلك الحكايا حماقة طفولية، لا يعود إليها إلا من خَرِف.

إنها قصة قاطع الخيزران، الذي تحصل له معجزة في أحد أيام عمله، ويرى جذع خيزران ينمو بسرعة غير طبيعية ويزهر وبين أوراقه يجد طفلة، فيأخذها لزوجته التي تحسن تقدير المعجزة، وتصبح هذه الطفلة بالنسبة لهم “الأميرة” التي منحهم إياها الرب ليختبر إخلاصهم في حفظ هذه الهبة، ويحار بأمره قاطع الخيزران العجوز كل يوم في كيفية تعبيره عن العرفان بالجميل الذي أغنى حياته بنور وجه تلك الطفلة، فما السعادة التي تستحقها؟ وكيف سيفهم بتفكيره القروي البدائي البسيط دلالة ما يجري حوله منذ ظهرت هذه الفتاة؟

يكمل هذا الفيلم التجارب السينمائية التي ستعطيك نشوة عام من المتعة السينمائية، شكراً “تاكاهاتا” فقد كدنا ننسى كيف نبصر الجمال، ويمكنكم قراءة المراجعة الكاملة من هنا:

http://aliqtisadi.com/aflam/the-tale-of-the-princess-kaguya/

Boyhood

السنة 2014
تقييم أفلام أند مور 10/10
المخرج ريتشارد لينكلايتر
المدة 165 دقيقة (ساعتين و45 جقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) الفيلم للبالغين بسبب الإيحاءات الجنسية الصريحة
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

 

“فيلمٌ أرهقني حبه، وأبكتني ثوانيه الأخيرة … لأنها الأخيرة…”

“ريتشارد لينكلايتر” أثبت مراراً وتكراراً أنه أبرع من يصيغ من حياتنا وكلماتنا فناً خالداً وبكل إخلاص دون أن يوجه كلماتنا لغير غاياتها ودون أن يزيد على قصتنا صراعاً لا نراه إلا على شاشات السينما، وشخص كهذا يوماً ما قرر أن يصنع فلماً عن الطفولة والصِّبا وحتى الشباب، فوجد لفكره حدوداً لم يجدها حين كان يقدم لنا يوماً من كل عشر سنين في حياة عاشقَين، وجد الزمن يقيده، فكسر القيد ومضى بفيلمه عبر الزمن في طريق طوله 12 عاماً.

شخص كهذا وفريقه حين يقدمون على عمل كهذا دون حتى أن يتقاضوا أجراً ودافعهم الوحيد الإيمان بالفن لن تملك إلا أن تنحني لهم احتراماً، هذا الإنجاز ليس إنجازاً قابلاً للمنافسة، هنا التفوق ليس على مستوى التكنولوجيا، هنا التفوق على المستوى الروحي، لن نستطيع أن نبني أهراماً الآن ننافس به أهرامات الفراعنة رغم كل ما لدينا من تطور وقدرات، ولن يستطيع سينمائي أن يأتي بما أتى به “لينكلايتر”، لن يؤمن كما آمن “لينكلايتر” ولن يمضي بإيمانه 12 عاماً متحدياً المستبد الأكبر “الزمن”، هذا الفيلم صبيٌ عمره 12 عاماً وكل عام سنحتفل بميلاده ظناً أنه قد كبُر، فنجده ما زال صبياً، ما زال فتياً وبروحه لم يزل النقاء.

قصة الفلم قد تحتويها جملة بسيطة، وهي قصة “مايسون” منذ أن بلغ السادسة من عمره وحتى بلغ سنه الثامن عشر، ولكن من يستطيع أن يحتوي المعنى الحقيقي لهذه الجملة؟ “ريتشارد لينكلايتر” وفقط هو!

حين أتكلم عن النص الآن لن أحاول أن أثبت أو أنفي عنه أمراً، أنا فقط سأحاول ما استطعت أن أعطي قدسيته حقها، فتخيل أنك تكتب مذكراتك، لكنك لا تدون فيها أحداثاً يومية أو أسبوعية، بل تأتي في يوم ميلادك من كل عام لتسجل بضع كلمات تذكرك بما كسبته هذا العام وبما خسرته، وتخيل أنك حين تكتب تلك المذكرات تكتبها بصدق تام، دون ان تصوِّب خطأك أو خطأ غيرك، دون أن تفعل أي شيء إلا أن تدون واقعاً وحقيقة، تخيل أنك بعد عقد من الزمن تفتح مذكراتك وتقرأ فتجد صورة الكلمات ضبابية في الذاكرة، هنا يأتي “لينكلايتر” إليك مُطَمْئِنَاً ليسلمك نصه مفصلاً ذكرياتك، قد تظن أنها ليست لك، هذا صحيح، ليست لك وحدك، إنها لنا.

ما زالت الصورة ضبابية؟ اطلب من “لينكلايتر” الآن أن يقدم لك شريط الذاكرة مصوراً، أن يخرج لك نصه ويطلعك على الحياة، سلم نفسك له واتركه يصطحبك إلى سرير طفولتك لتجد عليه لعبتك القديمة وبضع كلمات على ورقة أخفيتها تحت وسادتك تثبت أنك قد اختبرت الحب منذ سنين عمرك الأولى، اتركه يأخذك للحظة القبلة الأولى، اتركه يأخذك لتلك اللحظة حين قررت أنك ستمضي بطريق لم يخبرك عنه أبوك بحكمته التي صقلتها سنين عمره الكثيرة، هل صحيحٌ أن نُقرن الحكمة بالعمر؟ أم أنه فات الأوان على هذا السؤال؟، يمكنك أن تعتبر “لينكلايتر” حارس الثقب الدودي الذي سيأخذك من هذه اللحظة وهذا المكان للحظة أخرى ومكان آخر فبإذن منه وحده قد تستطيع الاطلاع على شريط الحياة..

الأداءات لا تفصل شخصيات النص عن ممثليها، الإيمان بالفن الذي جمعهم أسس بينهم روابطاً حقيقية، “باتريشا آركيت” هي فعلاً الأم ولا أعلم كيف ستستحمل فراق ولديها بعد 12 عاماً من الحب، و”إيلار كولترين” ربما سيكتشف يوماً ما أنه في الحقيقة “مايسون”، أما “إيثان هوك” فقد فاقت سنين رحلته مع “لينكلايتر” عمر الفيلم، ولا عجب أنه أحد أركان العمل.

“لي دانييل” يقود آلة الزمن السحرية “الكاميرا” بالتعاون مع “شين ف.كيلي” بشكل لا يبقي بينك وبين شخصيات الفيلم إلا أن يسمعوك إذا ما كلمتهم، مخلداً اللحظة إثر اللحظة والذكرى إثر الذكرى…

كفى.. ملتني الحروف وأنا أستميت لأصيغ منها ما يفي المعجزة حقها وأفشل، سأحاول غداً مرة ثانية، ربما ليس غداً، ربما سيستغرق الأمر مني 12 عاماً من البحث بين الكلمات فلم أتقن بعد لغتي كما أتقن “لينكلايتر” لغته.. لغة السينما…

حاز على 10 جوائز أهمها جائزة نقابة سينما الفن الألمانية وجائزة الدب الفضي لأفضل مخرج في مهرجان برلين، و رشح لـ 5 أخرى.

تريلر الفلم: