أرشيف الوسم: ستانلي كيبريك

أهم أفلام الحرب الباردة

يوافق البارحة اغتيال ضابط المخابرات الأمريكي جون بيرش على يد مسلحين داعمين للحزب الشيوعي الصيني قبل 72 عامًا وبعد عشرة أيام من انتهاء الحرب العالمية الثانية وإعلان اليابان استسلامها، ليُعتبر بيرش من قبل اليمين الأمريكي الضحية الأولى للحرب الباردة التي بدأت رسميًّا بعد عامين، واستمرت لأكثر من أربعة عقود نتج خلالها عنها عدة حروب “ساخنة” في بقاع مختلفة من العالم كالكورية والفييتنامية، وعدة أزمات سياسية كجدار برلين، كل هذا للإجابة عن سؤال من القوة الأكبر والأكثر تأثيرًا في العالم دون الاضطرار لاستخدام الأسلحة النووية، ليس لأنها لا إنسانية، وإنما لأن المستهدفين بها يملكون مثلها أيضًا. أربعٌ وأربعون عامًا من التوتّر الذي شمل مختلف أطراف العالم، والذي ترصد ملامحه الأفلام التالية.

الفيلم الأول:

Dr. Strangelove – Stanley Kubrick

الفيلم الكوميدي الوحيد في مسيرة صانعه ستانلي كيوبريك، يحتل المركز 3 في قائمة المعهد الأمريكي لأفضل الأفلام الكوميدية في التاريخ، يحتل نصه المركز 12 في قائمة نقابة الكتاب الأمريكية لأفضل النصوص السينمائية، الفيلم الكوميدي الأكثر احتفاءًا في القرن العشرين، والوحيد الذي وصل إلى نتائج تصويت المخرجين لأفضل 10 أفلام في التاريخ الذي أقامته مجلة “Sight and Sound” البريطانية. ويروي تداعيات اتخاذ أحد الجنرالات قرار بدء الحرب النووية التي كانت الحرب الباردة باردةً خوفًا من اندلاعها.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

Fail-Safe – Sidney Lumet

التعاون الثالث بين سيدني لوميت وهنري فوندا الذين قدّما لنا “12Angry Men“، والذي وإن صدر في ظل الفيلم السابق استطاع أن يجتاز اختبار الزمن ويبقى مرجعًا لأفلام المرحلة. ويرصد الفيلم محاولة تفادي خطأ تقني أدى لانطلاق طائرات أمريكيّة لمهاجمة موسكو.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

The Manchurian Candidate – John Frankenheimer

الكلاسيكية الأكثر شعبية من جون فرانكنهايمر الذي أبدع في كل نوع، وتروي قصة سجين حربٍ سابق أصبح قاتلًا دون وعي نتيجة غسيل دماغٍ هو بداية مؤامرة شيوعيّة. من بطولة فرانك سيناترا وجانيت لِيّ (نجمة Psycho). وعنه كان ترشيح أنجيلا لانزبري الأخير للأوسكار.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

The Spy Who Came in from the Cold – Martin Ritt

أول فيلم مستند إلى إحدى روايات كاتب الجاسوسيّة الأهم جون لو كاريه، والمعتبر الأفضل حتى الآن، من مارتن ريت الذي يحمل في رصيده ترشيحًا أوسكاريًّا، اثنين للـ غولدن غلوب، اثنين للبافتا، اثنين لأسد البندقية الذهبي، وثلاثة لسعفة كانّ الذهبية. ويروي قصة الجاسوس البريطاني آليك ليماس (ريتشارد برتون في أداءٍ رُشّح عنه للأوسكار) بعد رفضه العودة من موقعه لصالح الخوض في مهمة أخرى قد تكون أخطر من كل ما سبق.

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

 Tinker Tailor Soldier Spy – Tomas Alfredson

اقتباسٌ سينمائيٌّ آخر لإحدى روايات لو كاريه بلغ به السويدي توماس ألفريدسون أن يكون الفيلم الوحيد غالبًا وشبه الوحيد أحيانًا من الألفية الجديدة الذي لا تخلو منه قوائم أفضل أفلام الحرب الباردة، والفيلم الذي رُشّح غاري أولدمان عنه لأوسكاره الأول. ويروي قصة استدعاء جورج سمايلي (غاري أولدمان) أحد كبار جواسيس جهاز الاستخبارات البريطاني لكشف عميلٍ سوفييتي داخل جهاز الاستخبارات.

تريلر الفيلم:

خمس جبهات لـ الحرب العالمية الأولى

“الجيل الضائع”، هكذا سُمّي من تزامن دخولهم الشباب مع دخول العالم حربه الأولى، وذلك إثر اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند وزوجته وإصدار الإمبراطورية النمسا-هنغارية إنذارًا مشروطًا لمملكة صربيا موطن منفذي الاغتيال، إنذارًا مُعدًّا ليُرفض وتبدأ بالتالي حربٌ عَلِمَ رئيس الوزراء الهنغاري إشتفان تيسا أنها ستصبح عالمية مُحذّرًا دون مجيب. والنتيجة، 41 مليون ضحية مقابل فرديناند وزوجته، حتى الزير سالم لم يحلم بثأرٍ كهذا في عصر “العصبية القبلية”.
في هذه الأفلام سنرافق الجيل الضائع في مختلف جبهات الحرب (الثأر) ونختبر معه ما بين قمة الإنسانية وقاعها.

الجبهة الأولى:

العرب والبريطانيون في مواجهة الأتراك

Lawrence of Arabia – David Lean

الكلاسيكية السينمائية التي لطالما ارتبط عشق السينما بعشقها، وينظر إليها اليوم كعمل يستحيل تحقيقه بعد أكثر من نصف قرن وبعد أن بلغت السينما وأدواتها ما بلغت، فـ ديفيد لين لم يعد موجودًا، بيتر أوتول لم يعد موجودًا، ولن يروي أحد مثلهم قصة لورنس البريطاني الذي اقترب من العرب لحدٍّ يهز ولاءه في الحرب العالمية الأولى في ملحمةٍ سينمائية يزيدنا بعدنا الزمني عنها إجلالًا لمعجزة صنعها.

تريلر الفيلم:

الجبهة الثانية:

الفرنسيون في مواجهة الألمان

Paths of Glory – Stanley Kubrick

“هناك فيلمٌ سيكون دائمًا جيّدًا، لسنينٍ من الآن. لست مضطرًّا للانتظار 50 عامًا لأتأكد من ذلك؛ أنا متأكّدٌ الآن”، بهذه الكلمات وصف كيرك دوغلاس أولى تحف ستانلي كيوبريك ذات الصدى العالمي هذه، المشاد بصدق نقلها لتجربة الحرب في الخنادق من قبل وينستون تشرتشل، والتي وافق دوغلاس على المشاركة فيها رغم تأكده أنها لن تحقق ذاك النجاح في شبّاك التذاكر، لأنه علِمَ أنها ستُذكر. ويروي الفيلم قصة مخالفة مجموعةٍ من الجنود لأمرٍ عسكري علموا أنه صادرٌ عن قلة إدراك لحقيقة موقفهم، ودفاع الضابط المسؤول عنهم في المحكمة العسكرية الناتجة لإنقاذهم من تهمة الجبن في مواجهة العدو.

تريلر الفيلم:

الجبهة الثالثة:

الألمان في مواجهة الفرنسيين

All Quiet on the Western Front – Lewis Milestone

أول فيلم فائز بأوسكاري أفضل مخرج وأفضل فيلم، أحد الإلهامات الرئيسية لرائعة سبيلبرغ “Saving Private Ryan”، والذي احتل المركز السابع في قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأروع عشر ملاحم سينمائية في التاريخ بعد 78 عامًا من عرضه الأول مجتازًا اختبار الزمن بنجاحٍ استثنائي. ويستعرض الفيلم تجربة مجموعة طلاب مدرسة تورطوا في الانضمام للحرب وشاء حظهم أن يُبعثوا إلى أكبر جبهة استنزاف في الحرب العاملية الأولى.

تريلر الفيلم:

الجبهة الرابعة:

الألمان، الاسكتلنديون والفرنسيون في مواجهة عيد الميلاد

Joyeux Noel – Christian Carion

في عيد ميلاد السيد المسيح أثناء الحرب العالمية الأولى وفي مكان تلاقي الجبهات الألمانية والاسكوتلندية والفرنسية، يقرر المتحاربون أن لا يوقفوا العيد عند جبهاتهم، من يعلم ربما ليس كل من على الجبهة المقابلة أعداء، ربما هم أيضًا بشر، ربما هم أيضاُ لم يردوا الحرب، ربما هم أيضًا يعلمون ما الحب.

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

الأرمن في مواجهة الأتراك

The Cut – Fatih Akin

“فيلم The Cut لـ فاتح أكين ملحمةٌ صادقة يدوية الصنع، من النوع الذي لم يعد هناك من يصنعه الآن. بكلماتٍ أُخرى، استجابةٌ شخصيّة عميقة لواقعةٍ تاريخيّةٍ مأساويّة، بغنًى كبير، جمال، وزخمٍ آسر. هذا العمل عزيزٌ عليّ على عدة مستويات”، من كلمات مارتن سكورسيزي في أحد الأعمال المعدودة التي مرت على مذابح الأرمن، والأول في التاريخ الناتج عن تعاون تركيٍّ وأرمنيّ.

في عام 1915 وصل تداعي الإمبراطورية العثمانية مراحلًا دفعتها إلى اتخاذ خطواتٍ دفاعيّة يائسة بقدر دمويّتها، منها ما وصل باب الأرمني نازاريت مانوجيان (طاهر رحيم) الزوج والأب لابنتين بنداء تجنيدٍ إجباريٍّ مستعجل في منتصف الليل أخذه لمصيرٍ مجهولٍ وسط الصحراء، حيث تبلغ إحدى مذابح الأرمن حنجرته ليوقفها قدرٌ عن إكمال طريقها ويمنحه فرصة إكمال طريقه لجمع شتات ما فقد.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأحداثه.

حقائق قد لا تعرفها عن Full Metal Jacket (الجزء الثاني)

عن نجومٍ مرّوا على أدوار مهمة في الفيلم ولم يقبلوها والأسباب والنتائج، تطرُّف كيوبريك في أساليبه في العمل والحرص على التزام الجميع بها، الحدود التي يذهب إليها حين يشغله العمل، ما ابتُكِر لتحقيق رؤياه  للفيلم، هوسه بالوقت، ومصدر استلهامه عنوان الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Full Metal Jacket .

كثيرون من النجوم مروا على أدوارٍ بهذه الفيلم فرفضوها أو رُفِضوا، أبرزهم دينزيل واشنطن لدور إيتبول الذي ندم لاحقًا لرفضه له، أنتوني مايكل هول الذي رفض دور جوكر لعدم اتفاقه مع كيوبريك على الأجر وجدول التصوير وأسلوب كيوبريك المتطلّب جدًّا، أرنولد شوارزنيغر الذي رفض دور أنيمال مذر لصالح دوره في “The Running Man”، وبروس ويليس الذي رفض دورًا لتضارب جدول تصويره مع جدول تصوير حلقاته في مسلسل “Moonlighting”. هناك احتمالٌ ضئيل بأن اشتراك الأخيرَين في الفيلم كان سيمنحهما تجربةً تقفز بمستواهم التمثيلي بشكلٍ ربما غير مسيرتهم بعده، لكن الاحتمال الأكبر هو أنهما نجيا من دفن كيوبريك لهما في موقع التصوير.

أو من إيجاد رأس أحدهما طريقه إلى المشهد المحذوف الذي يلعب به مجموعةٌ من المارينز كرة القدم لِتُظهر لقطةٌ أن الكرة هي رأسُ رجُل. فمثلًا، حين كانت زوجة ماثيو موداين تضع مولودهما لم يسمح كيوبريك لـ موداين بمغادرة الموقع حتى هدد الأخير بإيذاء نفسه بدرجةٍ تستدعي إرساله إلى المستشفى. وحين أتى دور مشهد تقدم الجنود إلى المبنى الذي يختبئ فيه قنّاص استمر العمل عليه لأربعة أسابيع فيما وصفه دوريان هيروود بالاستلقاء على الأرض لشهر. وحين كان كيوبريك يبحث عن مواقع للتّصوير بسيارته مصطحبًا دوغلاس ميلسوم وإيرمي لمح موقعًا محتملًا فشرد عن الطريق متأمّلًا إيّاه وشارحًا لـ ميلسوم كيف يجب أن يكون الموقع ليصطدم بمصرف وتنقلب السيارة على أحد جانبيها دون أن يستطيع الحادث إيقافه عن الكلام.

ولتصوير  معركة هيو الأخيرة تم جلب أشجار بلاستيكية من كاليفورنيا لم يعجبوا كيوبريك حين رآهم فقرر التخلص منهم وتم استبدالهم بـ 200 شجرة نخيل من إسبانيا وبضعة آلاف نبتة بلاستيكية من هونغ كونغ، وهذا كله لخلق المناخ الاستوائي الذي كانت الدقة التي أراد بلوغها به تعذيبية لفريق الباحثين الذين استعرضوا عشرات التسجيلات والصور لـ هيو الحقيقية لتلبية مطالب كيوبريك. لا أعتقد أن الشابّين ويليس وشوارزنيغر معتادين على هذا النوع من العمل.

خاصّةً أن حساسية اختيار كيوبريك لممثليه يقابلها حساسية في تعامل الكاميرا معهم، فقد تم تصميم عدسات مخصصة للفيلم يمكن بها أن يكسب كل جنديٍّ في إطار الصورة التركيز المناسب بحيث يكون لجميعهم الأهمية ذاتها. ويقابلها حساسيةٌ في اختيار ما سيعبر من أداءاتهم إلى النسخة النهائية التي اعتاد كيوبريك أن يُشرف على مونتاجها حتى اللحظة الأخيرة، أمرٌ صدمت شدته المونتير مارتِن هنتر حين قضى مع كيوبريك ساعاتٍ طويلة في المونتاج الجديد على الأخير كونه يقوم به على الحاسوب لأول مرة سأله بعدها عن إمكانية أخذ استراحة، ليوافق كيوبريك معلنًا عن وصول نسخة لـ “Dr. Strangelove” من أحد المهرجانات يمكنهم الاسترخاء بتفقدها. هذا مفهوم الاستراحة لدى كيوبريك.

“غطاء معدني كامل”، عبارةٌ تُكتب على صناديق الذخيرة مؤكّدةً أنها خاضعةٌ لمؤتمر جنيف الذي يمنع استعمال غيرها كونها تخترق جسد ضحيتها دون انفجار أو تشظّي على عكس غير المزودة بغطاء معدني كامل. من هذه الأنسنة الزائفة وسخافة تطبيق قواعد حضاريّة على الحرب صاغ كيوبريك عنوان فيلمه: Full Metal Jacket .

حقائق قد لا تعرفها عن Full Metal Jacket (الجزء الأول)

آخر فيلم لـ ستانلي كيوبريك أكمل العمل عليه حتى النهاية وعنه نال ترشيحه الأوسكاريّ الأخير، يحتل المركز السادس بين أفضل الأفلام الحربية في التاريخ على موقع IMDb، فيه أداءاتٌ جمعت المشيدين به وغير المعتبرين إياه مستحقًّا لما بلغه على اعتبارها من أفضل ما اجتمع في فيلم على الإطلاق، وفي حين لم يخل استقباله من فتور إثر صدوره، كان كل عامٍ يمضي يكثّف خطواته نحو المكانة الكلاسيكية التي بلغها اليوم، Full Metal Jacket وقصة صنعه.

في ربيع عام 1980 أخبر ستانلي كيوبريك صديقه مايكل هير والذي صدرت مذكراته عن تجربته في حرب فييتنام بعنوان “Dispatches” عام 1977 بنيّته لصنع فيلمٍ حربيّ اقترح بدايةً أن يكون موضوعه الهولوكوست، وقرر لاحقًا أن يدور حول حرب فييتنام.

كان هير حينها قد قرأ رواية “The Short-Timers” لـ غوستاف هاسفورد وهي في طور الطباعة، معتبرًا إياها من التحف، واقترحها فيما اقتُرح من مصادر للاقتباس، ليقرأها كيوبريك عام 1982 مرّتين لشدة إعجابه به، خاصّةً بالحوار الذي وصفه بالشاعريّ المنحوت القاسي، وقرر بالاشتراك مع هير أن يكون مصدر اقتباسه السينمائي القادم.

“مكالمة تليفونية استمرت لثلاث سنوات مع بعض المقاطعات”، بهذا وصف هير محاولات كيوبريك لإقناعه بالعمل معه على مدى ثلاث سنوات لعدم رغبة هير بإعادة إحياء تجاربه في فييتنام، قام كيوبريك خلالها بإجراء بحث مكثّف عن الموضوع بمشاهدة الوثائقيات وقراءة الكتب وأقاصيص الجرائد ومشاهدة صور المرحلة، وإثر موافقة هير تواصل مع هاسفورد للانضمام إليهم في عملية اقتباس روايته.

أعد كيوبريك معالجته الأولى وأقام جلساتٍ مع هير لاستخراج مشاهد وتفاصيل لمسودّةٍ أولى منها، بناءً عليها قضى ساعاتٍ هاتفية مع هير وغاسفورد ملقننًا إياهم ملاحظاته وتعليماته ليُعدّا مسودّاتهما، ويقدّماها ليقوم بتنقيحها، ثم يكرّر العملية حتى يصل إلى ما يرضيه، والذي لا يعرفه إلا هو بحكم عدم مشاركتهما في عملية التنقيح، والتي خرج كيوبريك منها بأن مساهمة غاسفورد لم تتعدى الحوار، أمرٌ لم يقبله الأخير وكاد يرفع دعوى قضائيّة لو لم يمنحه كيوبريك ما طلب وينسب إليه النص بقدر ما نسبه لنفسه ولـ هير.

وبانتهاء العمل على النص بدأت عملية اختيار الممثلين التاريخية بما فيها من مفارقات وبما أنتجته من أداءات استثنائية، كـ إجابة فال كيلمر بالرفض إثر تقدمه لدور جوكر ومهاجمته لـ ماثيو موداين ظانًّا أنّه سرق الدور منه، ليكتشف فيما بعد أنه بذلك أوصل رغبة المنتجين بانضمامه إليه كونه لم يعلم بالعمل على الفيلم أساسًا قبل مهاجمة كيلمر له، ويُرسل موداين شريطًا لأحد مشاهده في “Vision Quest” إلى كيوبريك ويكسب به الدور الذي أكد كيوبريك أكثر من مرة أنه كان الأصعب في اختبار مؤدّيه.

إلى إبلاغ موداين لـ فينسنت دونفوريو بتجارب الأداء وتقديم الأخير شريطًا كسب فيه دور بايل، وكسر بتحضيره له الرقم القياسي الذي وضعه روبرت دينيرو بكسب الوزن لدور وهو 30 كيلوغرامًا بكسبه 35 كيلوغرامًا خلال سبعة أشهر، ليقضي تسعة أشهرٍ في التدريب لخسارتها.

إلى منح دور الرقيب هارتمان لـ تيم كولسيري، والذي لم يره مُشرف التدريبات العسكري السابق ر. لي إيرمي والمستعان به كمستشار في الموقع مناسبًا، ويُسجّل 15 دقيقة لنفسه موجّهًا الإهانات والشتائم دون توقف أو رمش أو حتّى تكرار ويقدّمه لـ كيوبريك، مُبهرًا الأخير لدرجة استبعاد كولسيري ومنحه الدور، أمرٌ ليس فقط لم يندم عليه كيوبريك بل جعله يقوم بما لم يُعرف عنه من قبل، فحوارات هارتمان مثلًا تقاسم كتابتها مناصفةً مع إيرمي لإعجابه الشديد بارتجالاته، والإعادات بلغت حدها الأدنى مع إيرمي وهو 2 إلى 3، عدا مشهد الدونات الذي بلغت إعاداته 37 مرّة.

ولتحقيق أعلى استفادة من تميز إيرمي حرص كيوبريك على أن لا يُقابل أيٌّ من القائمين بدور الجنود إيرمي قبيل التصوير، وأن لا يجالسوه حتى في الاستراحات بين اللقطات، لتكون ردات فعلهم بأعلى درجة من المصداقية.

عن نجومٍ مرّوا على أدوار مهمة في الفيلم ولم يقبلوها والأسباب والنتائج، تطرُّف كيوبريك في أساليبه في العمل والحرص على التزام الجميع بها، الحدود التي يذهب إليها حين يشغله العمل، ما ابتُكِر لتحقيق رؤياه  للفيلم، هوسه بالوقت، ومصدر استلهامه عنوان الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Full Metal Jacket .

حقائق قد لا تعرفها عن A.I. Artificial Intelligence (الجزء الثاني)

عن أدوار مونيكا، جيغولو، وديفيد ومن اختيروا لهم والنتائج، اتحاد رؤى وصور كيوبريك وسبيلبرغ، الموسيقى الكلاسيكية وموسيقى جون ويليامز وما أُعدّت له وما أُعدّ لها، وتعليق سبيلبرغ على الاستجابة النقدية للفيلم وعلاقتها بسينماه وسينما كيوبريك سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة A.I. Artificial Intelligence .

رُشّح لدور الأم مونيكا كلٌّ من جوليان مور وغوينيث بالترو قبل أن تفوز به فرانسيس أوكونور، بينما لم يقف الكثيرين بين جود لو ودور جيغولو، والذي قام من أجله بدراسة حركات الإيمائيين وقضاء بضعة أشهر مع مصممة الرقصات فرانشيسكا جينز لابتكار نهج حركي معين لشخصيته متأثرًا بـ فريد أستير وجين كيلي، هذا مع طلب سبيلبرغ من مصمم الأزياء بوب رينغوود أن يستلهم مظهر جيغولو من دراكيولا، لتكون النتيجة حسب رينغوود: “بطلٌ رومانسيّ من العصر الفيكتوريّ يقابل إلفيس بريسلي مستقبليّ”، وربما لغنًى كهذا فيما يمكن الإتيان به من الشخصية منحها كيوبريك مساحةً تلاشت لدى سبيلبرغ وخاصةً الخاصة بالمشاهد الجنسية.

لكن ستبقى أروع النتائج التمثيلية هي الآتية من منح دور ديفيد لـ هالي جويل أوزمنت والذي كان خيار سبيلبرغ الأول والأخير، وخيار روح ديفيد الساكنة في صفحات النص والرواية فما كان لينصفها ممثلٌ كما فعل أوزمنت، والذي لم يكتف باتباع التوجيهات بل صاغ رؤيةً خاصة للشخصية وكان صاحب اقتراح أن لا يرمُش طوال الفيلم كما طور وضعيات حركة تضيف لواقعية شخصيته، ورحب بفكرة حلق شعر كل ما يظهر من أعضاء جسمه يوميًّا بالشفرة قبيل التصوير لمنحه مظهرًا بلاستيكيًّا، أصبح أكثر وضوحًا بمرافقة هالة من الضوء لرأس ديفيد في كثيرٍ من الأحيان من مصادر مختلفة، ضوء المطبخ، ضوء طاولة العشاء، ضوء سريره، ضوء القمر.

وفي ضوء رؤية كيوبريك عمِل سبيلبرغ إخلاصًا لذكراه، من استعمال تسجيلات روبين ويليامز لصوت الدكتور نو التي أُعدت خلال فترة عمل كيوبريك على المشروع، إلى قائمة الكلمات التي تبث الحب في الروبوت الطفل، إلى لقطات من فوق جدرانٍ عالية متوازية، التحديقة، استعمال الموسيقى الكلاسيكية، والإضاءة المشابهة لإضاءة غرفة الحرب في فيلم “Dr. Strangelove” في مختبر البروفّسور هوبي، إلى اختيار الفرقة التي تعزف في مهرجان اللحم والتي نالت إعجاب كيوبريك لدى سماعه أحد ألبوماتها في موقع تصوير “Eyes Wide Shut” من إحدى مسجلات فريق العمل، فاتصل بمغنيها الرئيسي آل جورغنسن ليعرض عليه فكرة الانضمام لفريق عمل فيلمه، ليعتقد الأخير أنها مزحة ويغلق السماعة في وجه من ظنه يدعي أنه المخرج الكبير.

وبالحديث عن استخدام الموسيقى الكلاسيكية، لم يكن الأمر مجرد تحيةٍ لـ كيوبريك، ففي مشهد دخول ديفيد وجيغولو إلى مدينة الملاهي حتى جون ويليامز لم يجد أنسب من مقطوعة شتراوس التي اختارها كيوبريك مسبقًا لترافق المشهد كما صوره سبيلبرغ.

لكنه ألّف كونشيرتو بيانو للنهاية تجاوز مدة الفيلم، وحين انتهى في عرضٍ تجريبي وما زالت الموسيقى مستمرة أخبر سبيلبرغ ويليامز أن لا يمسّها، وعمل مع المونتير مايكل كان على الدقائق السبعة الأخيرة من الفيلم حسب موسيقى ويليامز، كما فعل سابقًا في “E.T. the Extra-Terrestrial”.

“الناس يدّعون أنهم يعرفون ستانلي كيوبريك وأنهم يعرفونني، في حين أغلبهم لا يعرفون أيًّا منا، والمضحك في الأمر أن كل أجزاء الفيلم التي يفترض الناس أنها لـ ستانلي كانت لي، وكل أجزاء الفيلم التي يتهمني الناس بتهذيبها وتليينها وشحنها ببعض المبالغة العاطفية كانت لـ ستانلي. الدب لـ ستانلي، العشرين دقيقة الأخيرة من الفيلم كاملةً لـ ستانلي، أول 35-40 دقيقة من الفيلم بكل ما يحتويه المنزل كانت كلمةً بكلمة من نص ستانلي. هذه كانت رؤية ستانلي. ثمانين بالمئة من النقاد اختلط عليهم الأمر، وأستطيع فهم السبب، فقد صنعت الكثير من الأفلام حيث الناس يبكون ويميلون ليكونوا عاطفيين، ولطالما اتُّهمت بأني أدخل العواطف في أقل المواد حاجةً لها. لكن في الواقع ستانلي هو من قام بالأجزاء الحلوة العاطفية من الفيلم، ليس أنا. أنا من صنع الجزء الظلامي السوداوي كمهرجان اللحم وما شابه، لهذا أرادني أن أصنع الفيلم في المقام الأول، قال: “هذا الفيلم أقرب لحواسك الإخراجية من حواسي”، هذا كان تعليق سبيلبرغ على الاستنكارات النقدية المتعالية لعمله بعد عام من صدوره، والذي تُثبَت صحته عامًا بعد عام بازدياد تقدير الفيلم، حتى الناقد مارك كيرمود اعتذر من سبيلبرغ في مقابلةٍ عام 2013 مؤكّدًا أنه أيضًا وقع في سوء الفهم ويعتبر A.I. Artificial Intelligence الآن من تحف سبيلبرغ.

حقائق قد لا تعرفها عن A.I. Artificial Intelligence

الفيلم الذي حال الموت بينه وبين أن يكون فيلمًا لـ ستانلي كيوبريك، لهُ آخر نصٍّ شارك ستيفين سبيلبيرغ في كتابته بعد ابتعاده عن النصوص لـ18 عامًا، اعتبره أحد كبار صناعة المؤثرات البصرية ستان ويلسون الفيلم الأكثر طموحًا من بين كل ما عمل عليه في حياته، وفي قائمة روجر إيبرت لأعظم الأفلام، A.I. Artificial Intelligence وقصة صنعه.

في أواخر سبعينيات القرن الماضي وقعت في يد أحد أكبر سينمائيي عصره ستانلي كيوبريك رواية “Super-Toys Last All Summer Long” لـ برايان ألديس ملهمةً إياه أفكارًا لا تُنسى بسهولة، وبعد إنهائه العمل على The Shining تواردت تلك الأفكار كأساسٍ لمشروعه القادم، ليشتري حقوق الرواية عام 1983 ويطلب من كاتبها إعداد مسودة أولية، وبعد عامين التقى بـ ستيفين سبيلبرغ عارضًا عليه الفكرة وأن يشاركه الإنتاج ملاقيًا ترحيبًا بالفكرة، لكن طبعًا مشروعٌ بهذه الضخامة وبتعقيد متطلبات كيوبريك سينتظر لبضع سنواتٍ أخرى، كان في رابعها عام 1989 طرد كيوبريك لكاتب الرواية بسبب عدم إيجاد رؤية مشتركة واستبداله بـ بوب شو، والذي انسحب بعد ستة أسابيع بسبب الضغط الكبير في جدول عمل كيوبريك، ليُطلب من الروائي إيان واتسون والذي لا يملك تلك العلاقات الجيدة مع ألديس أن يُعد مسودة النص.

“السافل لم يطردني فقط، بل استبدلني بـ عدوّي”، هذه كانت رؤية ألديس للأمر، في حين حصل كيوبريك على المسودة التي ينتظرها بعد أن أعطى واتسون نسخةً من “مغامرات بينوكيو” للاستلهام كونه يرى ديفيد بطل رواية ألديس نسخة روبوتية بيكاريسكية من بينوكيو، لدرجة أنه لم يذكر المشروع بعدها إلا بعنوان “بينوكيو“، وعام 1991 قدم واتسون مسودةً أخرى من 90 صفحة شكّلت الأساس المستحق الآن للبدء بالعمل، وفيها تم تغيير جيغولو جو من روبوت عسكري في رواية ألديس إلى بائع هوى، ليعلق كيوبريك مازحًا: “أظن أننا خسرنا سوق الأطفال”، ويُعجب بالفكرة ويبدأ بتطويرها.

شعر كيوبريك أن المؤثرات الحاسوبية لم تصل بعد إلى ما يمكّنه من البدء بصناعة الفيلم فأوقف العمل عليه والتفت إلى صناعة فيلمٍ مبنيٍّ على رواية “Wartime Lies” لـ لويس بيغلي المتمحورة حول الهولوكوست، الفيلم الذي لم يرى النور لتزامنه مع صناعة سبيلبيرغ لـ “Schindler’s List” وتشابه ثيمات الفيلمين، لكن بصدور “Jurassic Park” لـ سبيلبرغ أدرك كيوبريك أن المؤثرات الحاسوبية تتطور بسرعةٍ أكبر مما تخيل، وأُعلن عام 1994 أن فيلم بينوكيو الكيوبريكي المنتظر سيبدأ إنتاجه وعُين الخبيرين دينيس ميورين ونيد غورمان اللذين عملا على فيلم سبيلبرغ كمشرفين على المؤثرات البصرية.

انضمت أيضًا سارة ميتلاند لإضفاء منظورٍ أنثويٍّ فانتازيّ على القصة، وبدأ ميورين وغورمان العمل على ما استُخدم لأول مرة في التاريخ في هذا الفيلم وهو خلق تصور مسبق للفيلم حاسوبيًّا، دون نتائجٍ مرضية لـ كيوبريك فتم استبدالهما بـ كريس كنينغهام لإعجاب كيوبريك بما قدمه في “Judge Dredd”، والذي عمل على خلق “ديفيد” كالذي في خيال كيوبريك طوال عام كون تجربة أداء جوزيف ماتزيللو لم تُشعر كيوبريك أنه سيستطيع به بلوغ الكمال المطلوب، أيضًا دون أية نتائجٍ مرضية.

خلال تلك الفترة مال كيوبريك للاعتقاد بأن الفيلم يُناسب أسلوب سبيلبرغ أكثر مما يتفق وأسلوبه، وعرض عليه الفكرة لكن سبيلبرغ كان مشغولًا بمشاريع أخرى وأقنع كيوبريك أن يعود إلى كرسي المخرج، لكن الأخير التزم بتصوير “Eyes Wide Shut” فُوضع المشروع في الانتظار، لتأتي صدمة وفاته عام 1999 وتُعد قرب وفاةٍ للمشروع نفسه، إلا أن كريستيان زوجة كيوبريك والمنتج جان هارلان طلبا من سبيلبيرغ أن يتسلم مهمة الإخراج، وبدأ بالفعل العمل على النص وحيدًا لأول مرة منذ قرابة ربع قرن مستندًا إلى مسودة واتسون، وإلى مناقشاته وحواراته الكثيرة مع كيوبريك حول العمل خلال السنوات القليلة الماضية.

عن أدوار مونيكا، جيغولو، وديفيد ومن اختيروا لهم والنتائج، اتحاد رؤى وصور كيوبريك وسبيلبرغ، الموسيقى الكلاسيكية وموسيقى جون ويليامز وما أُعدّت له وما أُعدّ لها، وتعليق سبيلبرغ على الاستجابة النقدية للفيلم وعلاقتها بسينماه وسينما كيوبريك سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة A.I. Artificial Intelligence .

حقائق قد لا تعرفها عن A Clockwork Orange (الجزء الثاني)

“لو لم يكن كيوبريك مخرجًا سينمائيًّا لكان القائد العام للجيش الأمريكي.”، هذا ما قاله مالكولم ماكدويل نتيجة تجربته مع كيوبريك المعروف بهوسه بالكمال، وعن هوس قائد الجيش الذي أتى لنا بـ A Clockwork Orange ونتائجه، والارتجالات التي نجت منه سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة التجربة السينمائية النفسية الأشهر.

.

فيما يلي حرق لأحداث الفيلم:

.

.

حتى مشهد الاغتصاب لم ينجُ من إعادات كيوبريك، لدرجة أن أول ممثلة قامت بدور من تتعرض له انسحبت من الفيلم وتم استبدالها بـ أدريين كوري، دون أن يغير هذا من إصراره على الإعادة حتى يحصل على ما يريده، الأمر الذي جعل كوري على حافة الانسحاب أيضًا، إلا أن صبرها آتى ثماره.

ولا يمكن لومها طبعًا، فقد قضى كيوبريك أربعة أيامٍ وهو يجرب أفكارًا مختلفة للمشهد لم ترضه لكونها لم تخلص المشهد من تقليديته، حتى طلب من ماكدويل أن يرقص، فوافق ماكدويل ورقص وهو يغني “Singin’ in the Rain” التي لا يحفظ غيرها، الأمر الذي دفع كيوبريك إلى شراء حقوق الأغنية على الفور بـ10 آلاف دولار ليصنع المشهد التاريخي، وإن لم يكن جين كيلي المغني الأصلي لها بهذا السرور عن النتيجة، لدرجة أنه عندما قابل ماكدويل بعد سنين في حفلة رمقه بنظرة اشمئزاز وانصرف، ولم يكن ارتجال ماكدويل الوحيد، فقد كان له بعض الارتجالات أيضًا في مشهد الجنس مع الفتاتين الذي تم تصويره بلقطة واحدة مدتها 28 دقيقة.

لكن الأمر لم يكن مرنًا بالنسبة للارتجالات بهذا الشكل خلال أغلب فترة التصوير طبعًا، ولا حتى بالنسبة للخروج عن الرواية، بل كان الممثلون أحيانًا يرجعون إليها في موقع التصوير، الأمر الذي جعل برغيس رغم عدم اطمئنانه على وقوع المشروع بين يدي كيوبريك يُسر بالنتيجة، وإن أحزنه كون الفيلم جعل الرواية – التي لم تكن يومًا من مفضلاته من بين ما كتب – أشهر رواياته.

وربما كان ماكدويل أكثر من عانوا من الالتزام بالرواية المترافق مع إعادات كيوبريك، فقد تم تخدير عينيه في مشهد التعذيب كي يستطيع القيام بالإعادات إلى أن يصل المشهد إلى الكمال المطلوب، وينتج عنه خدوش على قرنيات عينيه سببت له عمًى مؤقت، كما كُسرت بعض أضلاعه في مشهد المسرح، وإن كان كيوبريك حريصًا طبعًا على سلامته، فالدكتور المشرف على أليكس في المشهد الذي يُجبر فيه على مشاهدة أفلام عنيفة كان دكتورًا حقيقيًّا لضمان سلامة عينيه وعدم جفافهما، لكن كون البصاق لا يؤذي، فقد تمت أعادة لقطة بصاق السيد ديلتويد على آليكس في مركز الشرطة حتى اشتكى أوبري موريس الذي يقوم بدور ديلتويد من جفاف لعابه، فحل محله ستيفين بيركوف حتى حصل كيوبريك على لقطة البصاق المُثلى.

كل هذا الهوس بالكمال رغم كون التصوير في أغلبه تم في مواقع حقيقية وليس في استديو مصمم حسب احتياجات كيوبريك، وذلك لمحدودية الميزانية، كما أن التصوير تم أيضًا بأغلبه بالإضاءة الطبيعية، الأمر الذي جعله المصور جون ألكوت نقطة قوةٍ لا ضعف، وكرره مرةً أخرى في “Barry Lyndon” لينال عنه الأوسكار، حتى حركات الكاميرا التي تتم عادةً على سكة صُنعت بوضع الكاميرا على كرسي مدولب، بالإضافة لتصوير بعض اللقطات بكاميرا محمولة، مما يجعل تخيل حالة فريق العمل بعد وصولهم للإعادة رقم 74 للمشهد الأخير حتى يخرج بالصورة المثلى مستحيلًا، ومع كل هذا كانت مدة تصوير الفيلم ومونتاجه وأصداره التي تجاوزت السنة بقليل أقصر مدة إعداد فيلم لـ كيوبريك.

الذي لحسن الحظ كان مسرورًا بالنتيجة لدرجة أن النسخة الأولى من الفيلم كانت بطول 4 ساعات تقريبًا، قبل أن يستعين بمساعدين في المونتاج لتصبح مدة الفيلم كما نعرفها، لكن المونتاج يتم طبعًا فقط تحت إشرافه، لذلك كان يستبدل نسخ الفيلم في السينمات التي تعرضه أسبوعيًّا كي يحرص على أن لا يُعرض إلا كما يريده.

لكنه لم يتوقع أن يكون أثر الفيلم وقوع جرائم مشابهة لأحداثه في بريطانيا، منها اغتصاب فتاةٍ هولندية في لانكشير من قبل رجالٍ يغنون “Singin’ in the Rain”، وضرب مراهق يرتدي ملابس آليكس لطفل، مما جعله يوقف عرضه هناك، ويشعر بندمٍ شاركه إياه ماكدويل بعد أن شاهد نفسه في النسخة النهائية، وأقسم أن لا يقدم شخصيةً كهذه بعد الآن.

حقائق قد لا تعرفها عن A Clockwork Orange (الجزء الأول)

حاز على المركز الثاني في قائمة “Entertainment Weekly” لأكثر الأفلام المثيرة للجدل، المركز 15 في قائمة “Premiere” لأكثر الأفلام خطورةً، المركز 70 في قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأفضل الأفلام في التاريخ، وأكثر فيلم في تاريخ الأسطورة السينمائية الكبيرة ستانلي كيوبريك وفاءً للرواية الأصل، A Clockwork Orange وقصة صنع الحدث السينمائي الذي لا يشيخ.

نشأ الروائي أنتوني برغيس في عائلة كاثوليكية متزمتة، وبعد أن لمع اسمه بين الأدباء البريطانيين بثماني روايات عاد إلى ذكريات خلفيته الدينية الأسرية، وإلى الاعتداء الوحشي على زوجته بالضرب الذي قام به أربع جنود أمريكيين خلال الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي سبب لها إجهاضًا وعمرًا من المرض تلو المرض، بالإضافة إلى المظاهر الجديدة التي انتشرت بين المراهقين من مقاهي وموسيقى البوب وتشكيل العصابات، كل ما سبق مع أفكار مرتبطة بالإرادة الحرة والسلوكية شكلت أساس روايته الجديدة،  التي صدرت عام 1962 بعنوان A Clockwork Orange .

لم يطل الأمر حتى سمع ستانلي كيوبريك بالرواية من تيري سذرن خلال عملهما على فيلم “Dr. Strangelove”، لكنه ملك حينها مشاريع مستقبلية تكفيه للأعوام القليلة القادمة، كـ “2001: A Space Odyssey”، وفيلم عن حياة نابليون بونابرت لطالما حلم بصنعه وقام من أجله بالبحث سنينًا، وفور إنهائه ملحمته الفضائية بدأ باستكشاف أماكن للتصوير في شرق أوروبا، وأبرم اتفاقية مع الجيش اليوغوسلافي لإمداده بالقوات اللازمة لمشاهد المعارك، لكن صدور “Waterloo” لـ سيرغي بوندارتشوك كان حكمًا على مشروعه بالموت كونه عنى تراجع المنتجين عن تمويله، فتذكر رواية برغيس.

لكن الرواية لم تكن بانتظاره، بل تمت صناعة أول عمل سينمائي مستند إليها عام 1965 بعنوان “Vinyl” لـ آندي وارهول، واشترى حقوقها المغني ميك جاغر لصنع العمل الثاني، وأراد أن يقوم أعضاء فرقة “The Rolling Stones” ببطولته، لكن عرض “Warner Brothers” المغري جعله يبيعها الحقوق، وبدأ ترشيح مخرجين كـ كين راسل كون أسلوبه مناسب لمحتوى الرواية، وتينتو براس، ونجوم كـ أوليفر ريد، تيم كري، وجيريمي آيرونز لدور البطولة، والذي رفضه الأخيرَين، كما اقترح أحدهم جعل الأبطال فتيات بتنورات قصيرة أو مجموعة من العجزة، حتى استقر الأمر على ستانلي كيوبريك، الذي بدأ يكتابة أول نص في تاريخه لا يشاركه فيه أحد.

“لو لم يكن كيوبريك مخرجًا سينمائيًّا لكان القائد العام للجيش الأمريكي. لا يهم ما الأمر، حتى لو كان متعلّقًا بشراء شامبو يجب أن يكون بعلمه. هو ببساطة يحب السيطرة الكاملة على عمله.”، هذا ما قاله مالكولم ماكدويل نتيجة تجربته مع كيوبريك المعروف بهوسه بالكمال، آلاف الصور لكل موقع تصوير وإعادات مضنية لكل لقطة، على الرغم من أن ماكدويل أحد أقل من عانوا من ذلك لجودة أدائه لدرجة أن كيوبريك قال: “لو لم أجد مالكولم ماكدويل ربما ما كنت لأصنع الفيلم.”

كذلك لاعب كمال الأجسام ديفيد براوز لم يعان كما توقع في المشهد الذي يحمل فيه كرسي باتريك ماجي المدولب على الدرج، خاصةً أنه طلب من كيوبريك قبله أن يحاول الحصول على ما يريده في أقل عدد لقطات ممكن نظرًا لصعوبة الأمر، منهيًا طلبه بقوله: “لست معروفًا كـكيوبريك ذو اللقطة الواحدة أليس كذلك؟”، الأمر الذي أرعب طاقم العمل حوله كونه يخاطب مخرجًا بمكانة كيوبريك بهذ الشكل، في حين ضحك كيوبريك ووعده بأن يقوم بما في وسعه، وبالفعل تمت اللقطة بثلاثة إعادات فقط وهو رقم قياسي بالنسبة له، لكنه لم يكن بهذا التسامح عندما حان وقت تصوير حمل فرانك وكرسيه المدولب.

وللحديث عن الهوس الذي لطالما نجح صاحبه في بلوغ الكمال وآثاره بقية في الجزء الثاني من قصة صنع التجربة السينمائية النفسية الأشهر.

حقائق قد لا تعرفها عن Braveheart

كان تكريمه بأوسكار أفضل فيلم هو التكريم شبه الوحيد الذي ناله كأفضل فيلم في سنته، تم اعتباره كأقل ملحمة سينمائية تاريخية موافقةً للتاريخ، وتم اعتباره من أروع التجارب السينمائية التي صُنِعت بالقلوب والعقول والسيوف أمجاد أبطالها إن لم يكن الأروع من قبل الملايين من عشاق السينما، ولابد أن الطريق إلى صناعة فيلمٍ كهذا على قدر إثارة طريق بطله إلى المجد.

في عام 1983 كان الكاتب الأمريكي راندال والاس في زيارةٍ لـ إدنبرغ في سكوتلندا، فمر بتمثالٍ لشخصٍ يدعى ويليام والاس قيل أنه من أساطير القرن الرابع عشر، وأثارته القصص المتفرقة المتناقلة عمن يشاركه اسمه، فبدأ يتعمق في بحثه عن تاريخه، لكن صعوبة إيجاد وثائق تاريخية يمكن الاعتماد عليها جعلت مصدره الرئيسي قصيدة لشاعرٍ من القرن الخامس عشر يدعى “هنري الأعمى”، يذكر فيها بطولات والاس، وكل ما لم يجده في القصيدة أتى به من خياله ورؤيته للشخصية وهذا ما هوى بالمصداقية التاريخية للفيلم.

بعد عرض الناس على بعض شركات الإنتاج ومن بينها الشركة التي يملكها ميل غيبسون وموافقتهم على تمويله كإنتاج مشترك، عُرض على غيبسون بطولة الفيلم، فرفض بسبب الفارق الكبير بين عمره وعمر الشخصية في الفيلم ورشح جيسون باتريك للدور فرفضوا، ورشح تيري غيليام لإخراج الفيلم فرفض، وبعد عام عرض أن يقوم هو نفسه بإخراجه، فوافقوا بشرط أن يقوم ببطولته وهذا ما حدث.

وتحضيرًا للفيلم بدأ غيبسون بمشاهدة الكلاسيكيات التاريخية فشاهد “Macbeth” لـ رومان بولانسكي، “Spartacus” لـ ستانلي كيوبريك، Chimes at Midnight لـ أورسون ويلز، “Alexander Nevsky” لـ سيرغي م. أيزنشتاين، “A Man for All Seasons” لـ فريد زينيمان، “The Lion in Winter” لـ أنتوني هارفي، “Seven Samurai” و”Throne of Blood” لـ أكيرا كوروساوا.

أما بالنسبة لاختيار نجومه فكان بدل اختبارهم يؤدون أجزاءًا من أدوارهم يدعوهم فقط لشرب الشاي، وإثر الحديث على طاولة الشاي يقرر كون المتقدم مناسبًا أم لا، ومن أحق قصصه معهم بالذكر عرضه لدورٍ أكبر من دور أرغايل على برايان كوكس، وتفضيل الأخير لدور أرغايل رغم صغر مساحته لما رآه في الشخصية من تميز، ورفض شون كونري لدور الملك إدوارد لانشغاله بتصوير فيلم “Just Cause”.

أكثر من 90 ساعة كانت مدة ما تم تصويره خلال ست أسابيع من العمل على تصوير معركة سترلينغ، والتي استعين فيها بفرق من الجيش الأيرلندي تابعة لشركات عسكرية مختلفة بلغ عدد جنودها أكثر من 1600 خلال كل يوم تصوير، وكون المنافسة بين تلك الشركات لطالما كانت محتدمة فوجدت في أرض معركة غيبسون فرصةً لتصفية الحسابات، مما جعل المعارك التي شهدناها أكثر واقعيةً مما ظننا بكثير.

وتلك الواقعية جعلت منظمة حقوق الإنسان تحقق مع غيبسون بشأن الأحصنة التي ظنوا أنه قتلها خلال التصوير، جاعلين إياه يحتفظ لمرة أخرى بدولاراته الخمسة التي عرضها لمن يستطيع التمييز بين الأحصنة الحقيقية والمزيفة التي تم تصميمها خصيصًا للفيلم.

فيما يلي حرق لبعض أحداث الفيلم:

لقب Braveheart لم يكن يومًا لقبًا لـ ويليام والاس، وإنما كان لقب روبرت بروس الذي يعتبر بطلًا قوميًّا استكتلنديًّا كـ والاس، ولذلك كانت طريقة تقديم شخصيته في الفيلم والتي جسدها آنغوس ماكفاديين مثار سخط من السكوتلنديين.

ربما لم يكن عنوان الفيلم لقب بطله، وربما لم يشترك بطله وحقيقة ويليام والاس بالكثير، لكن المشاهدين الذين لا يعتبرون غيبسون مؤرخًا كسبوا تجربة سينمائيةً للذكرى!