أرشيف الوسم: سيرجيو ليوني

حقائق قد لا تعرفها عن Once Upon a Time in America ج2

عن انضمام دي نيرو للمشروع وأثره في أركانه ككل، جو بيشي وما رُشّح لأدائه وما ناله، نهج ليوني في صناعة الفيلم الذي كان حلم بداياته وكيف فاق به كل حلم، الموزعين الأمريكيين وصدور نسختهم ونتيجتها نقديًّا وجماهيريًّا وجوائزيًّا، النسخة الأصلية التي لم يشاهدها أحد، تحيات لكلاسيكيات أفلام العصابات والنهاية المثيرة للجدل سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Once Upon A Time in America .

لحسن الحظ أتى كون روبرت دي نيرو الذي طلب مقابلة مِيَر لانسكي أحد زعماء الجريمة تحضيرًا لدوره ولم يُجب هو أول من انضموا للمشروع نجدةً لـ ليوني، لمساعدته في اختيار الممثلين وجلساته مع كامينسكي ليصبح مشاركًا في بناء الشخصية وليس فقط مجسدًا لها، وإن رافق ذلك وقوع ليوني في حرج عدم رؤيته جو بيتشي المُقترح من قبل دي نيرو مناسبًا لدور ماكس، فعرض عليه اختيار أي دورٍ آخر وفعل بيشي، إلا أن دور فرانكي الذي اختاره بيشي على الورق أصبح أصغر مساحةً على الشاشة.

والآن أصبحت العصابة السينمائية جاهزة للبدء والتعرف على أساليب ليوني العبقرية التي ستخلد عملهم، من عزف موسيقى موريكوني خلال تصوير الكثير من المشاهد لخلق الحالة المناسبة، إلى بنائه الشكل البصري على لوحات ريجينالد مارش، إدوارد هوبر، نورمان روكويل، وإدغار ديغا بالأخص في مشاهد رقص ديبورا، بالإضافة لصور جاكوب ريس في الأحداث الجارية في العشرينات.

إلى الإتيان أمام الكاميرا بنتيجة مقابلاته مع مؤلف الكتاب هاري غراي الهادفة لمنحه الرؤيا المناسبة ليستطيع إعادة خلق أمريكا عبر عيني غراي كالحانات وأوكار الأفيون وما شابه، ومثاٌ على ذلك البار الذي يتجادل فيه خمس أفراد عصابة حول دولارٍ عرضه عليهم صاحبه لقاء مهمّة، وهو بار ماكسورلي المُفتتح منذ عام 1854 وأقدم بار متواصل النشاط في أمريكا، وبار فات مو حيث قابل غراي مرةً ولفت انتباهه التفاف الناس حول طاولاتٍ مُظللة وخوضهم في أحاديثٍ هامسة.

لكن للأسف لم يعِش غراي حتى يرى الملحمة التي ألهمها، وحتى ليوني لم يعلم بذلك إلّا حين اتصل به هاتفيًّا ليزف إليه خبر منح المشروع الضوء الأخضر ليكتشف أنه توفي قبل ذلك بأسابيع، من جهةٍ أخرى قد يكون ذلك من حظ الموزعين الأمريكيين الذين ارتكبوا الفظائع بحق تلك الملحمة بشكلٍ أكثر من كافٍ لإعادة غراي لحياة الإجرام.

وكان المبرر لديهم أنهم اتفقوا مع ليوني على فيلمٍ بطول ساعتين و45 دقيقة وما قدمه كان بطول 4 ساعات، فقاموا بقص ساعة ونصف فيها أبرز ما يرسم العلاقات وتطور الشخصيات كالأحداث الجارية في الثلاثينات، مع تغيير بنية الفيلم كاملةً مرتبين مشاهده بتسلسلهم الزمني، حتى موسيقى موريكوني الخالدة تجاهلوا الإجراءات اللازمة للسماح بدخولها سباق الأوسكار.

وبعد كل هذا لاموا ليوني لدى فشل الفيلم في شباك التذاكر وعدم أخذه في عين الاعتبار لدى صدور الترشيحات الأوسكارية، ، واستغربوا مهاجمتهم من قبل النقاد الذين شاهدوا النسخة الكاملة في أوروبا أو علموا بوجودها على فعلتهم مشبهين إياها باختصار أوبرا لـ فاغنر، على عكس البعض الذين حاكموا النسخة الأمريكية فقط ومنهم ناقدٌ اعتبره أسوأ أفلام العام على الإطلاق، ليعود نفسه بعد سنوات لدى مشاهدته النسخة الأصلية على ديفيدي ويعتبره أفضل عملٍ صدر في الثمانينات.

وكم يثير ذلك الفضول عما قد يكونه أثر الفيلم بطوله الكامل بالفعل، ساعاته الستة التي قدمها ليوني للمنتجين في البداية مقترحًا إصداره كفيلمين طول كلٍّ منهم 3 ساعات، ليُقابل بالرفض ويعيد المونتاج قاصًّا ساعتين، بقدر ما قد يحتويانه من غنًى بقدر ما سيحتويان من تحيات ليوني لكلاسيكيات أفلام العصابات التي امتلأ بها فيلمه كـ:

.

.

فيلما يلي حرق لأحداث الفيلم:

.

.

.

زيارة نودلز لمنزل طفولته كما في “Dead End” لـ ويليام وايلر، حنين نودلز لأيام شبابه كما في “High Sierra” لـ راؤول والش، أصدقاء الطفولة اللذَين يكبران ويختاران طرقًا مختلفة وعودة أحدهما لذكرياتهما كما في “Angels with Dirty Faces” لـ مايكل كرتيز، اختلاف العصور واختلاف التحالفات والسياسات معها كما في “Bullets or Ballots” لـ ويليام كيغلي، رجل العصابات المريض بالشك كما في “White Heat” لـ راؤول والش، حقيبة السفر في محطة القطار كما في “Cry of the City” لـ روبرت سيودماك و”The Killing” لـ ستانلي كيوبريك، نقش “رجالُك سيسقطون بالسيف” كما في “Little Caesar” لـ ميرفين ليروي، علاقة نودلز وديبورا القريبة من علاقة إيدي وجين في “The Roaring Twenties” لـ راؤول والش، مشاهد المسرح الصيني كما في “The Lady from Shanghai” لـ أورسون ويلز، ووصول نودلز إلى منزل السيناتور بيلي كما في “The Big Heat” لـ فريتز لانغ.

أما حقيقة موت ماكس في شاحنة القمامة أو موت نودلز أو موتهما معًا أو محاكاة مشهد الشاحنة لاختفاء السياسي جيمي هوفا عام 1975 أو ما إلى ذلك من نظريات فهذه لا يعرفها جيمس وود نفسه حتى يومنا هذا، وقد تكون نظريتك هي الأقرب للصحة، أو لمساحة الصحة.

حقائق قد لا تعرفها عن Once Upon a Time in America ج1

ربع قرنٍ مضى بين قراءة صانعه سيرجيو ليوني للرواية الأصل وخروجه إلى النور، ليرافقه حلم تحقيقه منذ بداية مسيرته وحتى انتهائها به، فكان تاجها، وكان منافس العرّاب على عرشه، Once Upon A Time in America وقصة صنعه.

في أوائل الستينات نصح الكاتب والمنتج فولفيو مورسيلا أخيه من أمه الكاتب والمخرج والمنتج سيرجيو ليوني بقراءة مذكرات لرجل عصابات يهودي نيويوركي يدعى هاري غراي، كتبها خلال قضائه حكمًا بالسجن بعنوان “The Hoods”، وأصغى ليوني للنصيحة فأسره ما قرأ وأبى أن يغادر ذاكرته، ونما فيها حلمًا حياتيًّا تماهى مع بعض ملامح رواية “Martin Eden” لـ جاك لوندون وغزو الوهم فيها للواقع، و”The Great Gatsby” لـ ف. سكوت فيتزجيرالد والقمة التي طمع بها بطلها ليصل لقلب امرأة.

حتى عام 1970 تطور الأمر ليصبح لا رجعة فيه، لكنه اقتصر على تحويل الرواية بتسلسلها الزمني إلى فيلم، لكن مع بداية السبعينات تطورت لفكرة ملحمةٍ بميولٍ سريالية، وبدأت رحلة كتابة النص ومحاولة الحصول على حقوق الرواية التي تمسك بها صاحبها دان كرتيس، حتى لجأ ليوني إلى المنتج ألبرتو غريمالدي ليعِد كرتيس بأنه سينتج له عمله القادم “Burnt Offerings” إن منحه الحقوق وهذا ما حدث عام 1976، وإن كانت النتيجة الانتقال من عقبة لأخرى هي غريمالدي نفسه لدى انتهاء النص ورفضه إياه مبررًا ذلك بطوله الزائد ووجوب عصمة البطل عن الخطأ بشكلٍ أكبر كي يتقبله الجمهور الأمريكي.

وخلال تلك الفترة رفض ليوني عرض إخراج “The Godfather” ليركز على حلمه الأكبر، وحتى بعد حصوله على الحقوق بعام لما يكن قد استقر إلا على المشهد الافتتاحي الذي أعده بالاشتراك مع روبرت ديلون، ثم بدأ محاولةً ثانية مع ليوناردو بينفينوتي، فرانكو أركالي، فرانكو فيريني، بييرو دي بيرناردي، وإنريكو ميديولي، استمرت ثلاث سنوات حاول خلالهم أن يضم جون ميليوس إليهم لكن انشغاله بـ “Apocalypse Now” منعه، وأخرى باللغة الانجليزية مع نورمان مَيلر الذي عزل نفسه في غرفة فندق مع زجاجات ويسكي، سيجار كوبي، وآلةٍ كاتبة لثلاثة أسابيع لم ترق نتيجتهم لـ ليوني.

ثم رابعة مع ستيوارت كامينسكي ذو الخلفية اليهودية والأنسب كونه كاتبٌ لبضع قصص غموض في الأربعينيات، مما سيجعله قادرًا على الإتيان بتفاصيل الثقافة اليهودية دون أن يُضر بالغموض المحيط بشخصية نودلز، فأعطى لـ كامينسكي النص كإطارٍ خارجي طالبًا منه أن يملأه بالحوارات وكان مؤلفًا من 200 صفحة، فعاد كامينسكي بـ 400 صفحة قرأهم ليوني أمامه فور استلامهم فنالوا رضاه إلا أنه أراد كمالًا أكبر، فأعاد تنقيحه مع شريكيه الإيطاليين دي بيرناردي وميديولي، وبحلول عام 1981 اكتمل النص بصورته المُثلى وكان مؤلفًا من 317 صفحة.

لكن لم ينتظر ليوني اكتمال النص حتى يجد نجومه، بل بدأ بذلك منذ منتصف السبعينات، فاختار بدايةً جيرار ديبارديو لدور نودلز، ريتشارد دريفوس لدور ماكس، وأسطورتي كلاسيكيات السينما الأمريكية والفرنسية جيمس كاغني كـ نودلز العجوز، وجان غابان كـ ماكس العجوز، فمنهم من لم يكن مناسبًا أو متفرغًا حين استقرار الأمر ومنهم من رفض لأسبابٍ صحية أو غيرها، وفي بداية الثمانينات ارتأى منح دور نودلز لـ توم بيرينغر شابًّا ولـ بول نيومان عجوزًا، ورشّح داستن هوفمان، جون فويت، هارفي كيتل، وجون مالكوفيتش لدور ماكس، بروك شيلدز لدور ديبورا صغيرةً وليزا مينيلّي شابةً، وكلورديا كارينالي لدور كارول.

هذا بالإضافة للتواصل مع إنيو موريكوني لوضع موسيقى الفيلم التي شارف على الانتهاء منها قبل حتى الاقتراب من بداية تصوير الفيلم بكثير، ومحاولة جعل نجوم الأربعينات مثل جيمس ستيوارت، غلين فورد، هنري فوندا وجورج رافت اللذَين توفيا قبل البدء بالتصوير ضيوف شرف.

وهكذا قضى ليوني الفترة ما بين 1980 وحتى 1982 بين مقابلاتٍ مع أكثر من 3000 ممثل لأكثر من 110 دور سُجلت 500 منهم على شرائط و200 منهم للبحث عن ماكس خاصةً بعد وفاة المرشح الأبرز جون بيلوشي، البحث عن مواقع للتصوير، وتنقيح النص، عدا عن التواصل مع من رفضوا الأدوار المعروضة عليهم دون تجربة أداء كـ آل باتشينو وجاك نيكلسون مع دور نودلز، وكلينت إيستوود مع دور جيمي أودونيل.

روزانا أركيت، كيم باسينجر، ليندا بلير، غلين كلوز، جينا ديفيس، بريجيت فوندا، ميلاني غريفيث، غولدي هون، جيسيكا لانج، جينيفر جيسون لي، تاتوم أونيل، ميشيل بفايفر، ميغ رايان، سوزان ساراندون، سيبيل شيبهرد، سيسي سبيسك، ميريل ستريب، كاثلين ترنر، وسيغورني ويفر، كن ممن رُشحن لدور ديبورا بالإضافة لـ جودي فوستر وداريل هانا اللتان رفضتاه، كما فعلت جولي أندروز وكاي لينز مع دور كارول.

عن انضمام دي نيرو للمشروع وأثره في أركانه ككل، جو بيتشي وما رُشّح لأدائه وما ناله، نهج ليوني في صناعة الفيلم الذي كان حلم بداياته وكيف فاق به كل حلم، الموزعين الأمريكيين وصدور نسختهم ونتيجتها نقديًّا وجماهيريًّا وجوائزيًّا، النسخة الأصلية التي لم يشاهدها أحد، تحيات لكلاسيكيات أفلام العصابات والنهاية المثيرة للجدل سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Once Upon A Time in America .