Macbeth

“لم تأتِ ملحمةٌ سينمائيةٌ بعد عرش (كوروساوا) الدامي أوفت الملحمة الشيكسبيرية حقها كهذه!”

السنة 2015
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج جاستن كرزل
المدة 113 دقيقة (ساعة و53 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لما فيه من عنف دموي ومشاهد جنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية

أكبر خطأ يرتكبه من يحاولون نقل الأعمال الأدبية العظيمة إلى الشاشة الفضية هو التفكير بكيفية صنع العمل الذي يحقق أدنى درجة من النقد من عشاق المادة التي ينقلها، يكفي أن تكون مؤمناً بما تفعل ومخلصاً له، أن تنقل حبك لما نقلت عنه إلى صورك، وليصنع من يريد أن يرى ما يحبه في الأصل وبالشكل الذي يحبه في فيلمك ويلومك لأنك لا تشاركه ذلك فيلمه بنفسه، لينقله بحذافيره أو ليختصر ما لا يحبه منه، ليكيفه حسب رؤيته أو ليسقطه على حكايةٍ أخرى وفي زمنٍ آخر احتفظ ببعض كلماته أم لم يحتفظ، الأسترالي “جستن كرزل” يعلم بالتأكيد أنه سُيلام مهما فعل مما سبق لأنه لم يفعل البقية، فوضع ما قاله وما قد يقوله الجميع عن أعمال مشابهة جانباً، لم يقدم رؤيا جديدة، لكنه قدم رؤيا استثنائية، هو ببساطة يتفق مع الرؤية الشيكسبيرية المظلمة الدموية القاسية، والاستثنائية بالشكل الذي جعل لاسمه ما له من وقع اليوم، المسرحية، والتي أصبحت بكاميرا “كرزل” سينمائيةً بامتياز!

“ماكبث”(مايكل فاسبندر) نبيل “جلاميس” وأحد أشجع المحاربين والذي أنقذ مملكة اسكتلندا من خطرٍ محدق، يقابل ثلاث ساحراتٍ يتنبأن له بملكٍ عظيم، ويتركنه مع خيالاته عن نبوءاتهن، لتصبح الخيالات هاجساً يجعله لا يطيق صبراً على انتظار تحقق النبوءة طالما يستطيع تحقيقها بيديه التي تأخذ بها يدي زوجته الطموحة (ماريون كوتيار).

عن مسرحية “ماكبث” لـ”ويليام شيكسبير” كتب “جاكوب كوسكوف” “تود لويزو” و”مايكل ليسلي” نص الفيلم، نظروا إلى النص الشيكسبيري بعين سينمائي، ولأكون أدق بعين كاتبٍ علم أن شخصاً كـ”كرزل” سيخرج نصه، فاختاروا منه ما سيحقق أعلى إفادةٍ من الصورة إن وضع بالتسلسل المناسب، والكلمات التي ستستطيع تلك الصورة كسر الحاجز الزمني والبلاغي بينها وبين متلقيها.

إخراج “جستن كرزل” يثبت أن الحالة المهيبة التي أحاطنا بها في فيلمه الأول لم تكن ناتجة فقط عن حماس التجربة الأولى، بل استطاع التفوق عليها بقدرته على أن يخلق أجواءاً هنا لا أظن أن خيال أحدٍ من قراء “شيكسبير” استطاع الإتيان بأقرب منها إلى ما كانته في خيال “شيكسبير” نفسه عندما أتى برائعةٍ سوداويةٍ كهذه، صوره تشبه لوحاتٍ رُسمت لتروي قصة حقبةٍ من الصراعات الدامية وتخلدها لتكون عبرة، فيقع كل ما فيها من حيٍّ وجماد بوحشيته وظلمته في نفسك موقعاً يهزها، ولم يقبل أن يقلل أي تفصيل في ملامح ممثليه من كمال تلك الصور فأصبحت تلك الملامح جزءاً أساسياً من مهابتها ورهبتها، وبهذا لا ينقل الحوار الشكسبيري مشاهديه إلى المسرح، بل يغني التجربة السينمائية ويزيد مصداقيتها وشاعريتها، فأنت الآن تشهد الملحمة بالفعل والتي تليق بها كلماتٌ بهذا الزخم، “كرزل” لم يقدم رؤيةً مختلفة، “كرزل” جعلك ترى بعين “شيكسبير”.

أداء عظيم بدرجة تجعله كافٍ وإن كان وحيداً في تاريخ من قدمه لأن يضعه بين النخبة من “مايكل فاسبندر”، استطاع أن يكون “ماكبث” الأسطورة وأن يجعل جنونه وهو على الشاشة يرعبنا بقدر ما يأسرنا، أداء رائع آخر من “ماريون كوتيار” يضيف دليلاً آخر إلى تاريخها الحافل على كمال موهبتها واجتهادها، ويجعل لـ”السيدة ماكبث” مكاناً في الملحمة ندر احتلالها لمثله فيما تم تقديمه من قبل عنها.

تصوير ساحر مُسكرٌ للبصر آسرٌ للقلب ومرهبٌ له من “آدم أركابو”، وموسيقى تُحكم سيطرة التجربة على حواسك وتليق بالملحمة وترقى لتصبح جزءاً منها من “جيد كرزل”.

رُشح لـ10 جوائز أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كان.

تريلر الفيلم: