حقائق قد لا تعرفها عن Patton (الجزء الأول)

أول وأكبر ثلاث ملاحم متتالية صنعها فرانكلين ج. شافنر تحوّلت لكلاسيكيّات. يحتل المركز 89 في قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأفضل 100 فيلم في التاريخ، كما يحتل بطله المركز 29 في قائمته لأعظم 50 بطل في التاريخ. اختير للحفظ في سجل الفيلم الوطني من قبل مكتبة الكونغرس الأمريكي. فائز بسبع أوسكارات من بين 10 ترشيحات متضمّنةً أفضل فيلم، نص، إخراج، تصوير، موسيقى، وممثل بدور رئيسي. Patton وقصة صنعه.

المحاولة الأولى لصنع فيلم عن الجنرال الأمريكي الأسطوري صاحب الدور التاريخي في الحرب العالمية الثانية جورج س. بّاتون تعود إلى عام 1953، حين حاول منتجو “20th Century Fox” التواصل مع عائلته لمعرفة تفاصيل أكثر وتصفح مذكراته، مختارين الوقت غير المناسب بطلب ذلك من العائلة في اليوم التالي لوفاة أرملته، فرُفض الطلب بشكلٍ قاطع. مما خيّب آمال المنتج فرانك ماكّارثي الذي استبشر خيرًا بعد قضاء سنوات في محاولة إقناع الشركة بالمضي في المشروع.

جاءت المحاولة الثانية حين قدم فرانسيس فورد كوبّولا عام 1966 مسودّةً مستندةً إلى كتابي السيرة “Patton: Ordeal and Triumph” لـ لاديسلاس فاراغو و”A General’s Story” للجنرال عُمَر برادلي، وإلى ما تم جمعه بناءً على تجارب آخرين معه بين ضبّاطٍ وجنود كون عائلته لم تقدم أي مساعدة، لتُرفض بشكل رئيسي لأنه يفتتح الفيلم بخطاب بّاتون كما تم التخلي عن خدماته بهذا الصدد بشكلٍ كامل.

لكن بعد سنوات قليلة وبعض المحاولات الفاشلة للإتيان بأفضل مما أتى به كوبّولا، اعتُمد نصّ الأخير وطُلب من إدموند هـ. نورث بعض التعديلات التي لم تشمل الافتتاحيّة، ودون التواصل مع كوبّولا الذي لم يلتقِ بـ نورث إلا في حفلات استلام الجوائز، مع الاستعانة باستشارة الجنرال عُمَر برادلي وإن لم يكن من أكبر معجبي بّاتون. والنتيجة احتلال هذا النص للمركز 94 على قائمة نقابة الكتّاب الأمريكية لأفضل 100 نص في التاريخ.

رُبّما لصدفةٍ ورُبّما لتفادي المشاحنات مع المخرج حول من الأحق ببطولة الفيلم، بدأت عملية اختيار الممثل قبل اختيار المخرج، ومرت على تيلي سافاس، جون واين الذي رُفض من قبل ماكّارثي، لي مارفن، برت لانكاستر الذي رفض التزامًا بمبادئه الرافضة للحرب وتمجيدها، رود ستايغر الذي اعتَبر رفضه للدّور أكبر خطأ في مسيرته، ثم روبرت ميتشم الذي رفض ناصحًا بـ جورج ك. سكوتّ، ولحسن الحظ أخذوا بالنصيحة.

وإن أدى ذلك لانسحاب ويليام وايلر من مقعد المخرج الذي وصله بعد مروره على جون هيوستن، هنري هاثاواي، وفريد زينيمان، وذلك لخلافٍ بينه وبين سكوتّ على النص جعله يُفضّل اختيار مشروعٍ آخر يختم به مسيرته حيث يملك السلطة الفنية التي تليق بها. لا يُمكن تخيُّل الفيلم دون سكوتّ، لكن لا شك أنه من المثير جدًّا مشاهدة ما كان ليصبحه إن كان وراءه صانع “Ben-Hur“.

في النهاية، اختير فرانكلين ج. شافنر الذي حقق نجاحًا تاريخيًّا مع آخر أفلامه “Planet of the Apes” عام 1968، وكأن الفيلم كان ينتظره، فبعد أول أفلامه ذات الميزانيّة الكبيرة والطموح الكبير والنجاح في توظيف تلك الميزانية لصنع كلاسّيكيّة، كسب الثقة والخبرة اللازمة لإدارة مشاريعٍ أكبر، فمُنح فرصة إخراج Patton

عن خلافٍ بين فرانكلين ج. شافنر وجورج ك. سكوتّ وسببه وكيفية تعامل شافنر معه، ثقة سكوتّ المهزوزة في جودة ما يقدّمه واستجابته للترشيح الاوسكاري والفوز، صلات مباشرة بين حرب الواقع والحرب على الشاشة، بّاتون وقصيدةٌ وفروسيةٌ وخيل، وأثر الفيلم في الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وإرثه المستقر في متحفٍ حربي والسبب سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Patton

أكثر أفلام الإثارة النفسية مسًّا لاضطرابات النفس

قال ترافيس لانغلي مدرس علم نفس الجريمة: “حاجتنا لتحدي المجهول قادت الجنس البشري لتغطية سطح الكوكب، هذا الفضول الجامح يجعلنا نتساءل عن كل ما يعترضنا بما في ذلك أسوأ الشياطين. المعرفة قوة، أو على الأقل تُشعر بالقوة، ولذلك فاستكشاف الشر عبر الخيال يجعلنا نتأمل في أسوأ مافي الإنسانية دون الاضطرار للاحتكاك المباشر معه، ويُشعرنا أننا أقل ضعفًا أمامه”، طبعًا هذا لا ينطبق على الشر وحده، وليس هو السبب الوحيد لولعنا بالشخصيات المتطرفة، الذي استغله صناع الأفلام التالية لجعلنا نستكشف دواخلنا بقدر ما نستكشف دواخل أبطال أفلامهم، وعبر طريقٍ يجعل رحلة الاستكشاف هذه اختبارًا للأعصاب.

الفيلم الأول:

Peeping Tom – Michael Powell

من أشهر الأفلام التي سبقت عصرها بشكل جعل أبناءه يكرهونها ويحاربونها ويحاربون صناعها، مما أدى إلى أن يعتبر هذا الفيلم نهاية مسيرة المخرج البريطاني العبقري مايكل باول، وهذا ليس لأسباب سياسية أو دينية، مما يعني أن اعتبار الفيلم الآن كلاسيكيةً سينمائية خالدة غير مبني إلا على استحقاقه لذلك كعملٍ فنيٍّ بامتياز، فلماذا أحاط به كل هذا السخط وقت صدوره؟، لأنه ببساطة يصارح مشاهديه بما ينكرونه، بما لا يجرؤون على الاعتراف به.

مارك (كارلهاينز بوم) شابٌّ هادئ الطباع والخطوات، لا يتحرك دون كاميرته، صحيحٌ أنه يعمل في استوديو للتصوير، لكن وجود الكاميرا معه ليس لغايةٍ مرتبطة بذلك، فهو يبحث عن أمرٍ مختلف عما قد يطلبونه في الاستديو، عن أقوى تعبيرٍ للخوف، ولا يمكن الحصول عليه من ممثلٍ أو ممثلة، يجب أن يكون حقيقيًّا بشكلٍ كامل، حتى إن كان الثمن هو روح الخائف التي يصعب أن لا تغادر جسده بعد وصوله للدرجة التي يريده مارك أن يصلها من الخوف.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لأنه يجهزك لغير ما ستشاهده.

الفيلم الثاني:

The Conversation – Francis Ford Coppola

هاري كول (جين هاكمان) أحد أشهر المراقبين الذي لا يعملون لصالح الحكومة وأمهرهم، لكن ربما العيش على تتبُّع الناس وفعل المستحيل لمعرفة أعمق أسرارهم ليس بذاك الحلم الذي قد يسعى إليه الراغب بالسعادة والراحة، خاصةً عندما يدخل الأمر حيز الحياة أو الموت، حين يصبح بيد ذاك المراقب مصائر من يراقبهم بنتيجة معرفته لأسرار قد تودي بحياتهم، كما يجري مع هاري في مهمته الأخيرة.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

Gone Girl – David Fincher

كقصص الفارس والحسناء تبدأ قصة حب نيك (بين آفليك) وإيمي (روزاموند بايك) التي تتوج بزواجهما، وبعد 5 سنين نجد أننا نجهل ما الذي يحتضر في تلك العلاقة الساحرة، هل هو جمال الحسناء أم فروسية الفارس، إنه عيد زواجهما الخامس لكن عندما يعود نيك إلى المنزل يجد بابه مفتوحًا على مصراعيه وبعض الفوضى في الأثاث ولا أثر لـ إيمي، وبمجيء الشرطة وتحول القصة للحدث الرئيسي لكل وسائل الإعلام يختفي باختفاء إيمي أي أثر لبراءته.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

Nightcrawler – Dan Gilroy

لو بلوم (جيك جيلنهال) شاب بلغ من يأسه في إيجاد عمل يرضي طموحه أن يعرض خدماته بأرخص الأثمان وتُرفض، يكتشف طريقًا ربما يكون طريقه الأمثل، تصوير الجرائم والحوادث وبيع ما يصوره لمن يهتم بنشره، لكنه ليس أول من يعمل في هذا المجال ولن يكون الأخير، وهذا لا يرضي طموحه كما يجب، فلا بد أن يكون له ما يميزه حتى يستطيع الانتقال من مستوىً لآخر، فما الذي يمكن فعله لتكون جريمته المصورة أعلى قيمةً وأغلى ثمنًا؟ هل بشاعتها؟ زمنها؟ مكانها؟ كثرة الدماء؟ هوية الضحية؟ هوية الجاني؟

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

Tom at the Farm – Xavier Dolan

توم (زافييه دولان) شابٌّ توفي خليله مؤخرًا، فيقرر أن يذهب لأسرته لتقديم التعازي رغم جهلهم بمكانته في حياة من فقدوه، مما يجعل قدومه مثار قلقٍ لدى البعض يجب التعامل معه بأي شكل.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً هنا.

تريلر الفيلم:

فيلم Apocalypse Now.. ما وراء الكواليس (الجزء الثاني)

عن رحلة اختيار براندو ونتائجها، ارتجال براندو، اختبار فييتنام فعليًّا خلال التصوير وأثر ذلك على كوبّولا، وما كانته النهاية وما أصبحته سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن ملحمة خلق الملحمة.

كان أورسون ويلز خيار كوبّولا الأول، ورغم محاولته مسبقًا لتحويل رواية كونراد إلى فيلم رفض، وتبعه رفض لي مارفين، ثم موافقة مارلون براندو ودفع مليون له مقدمًا، إلا أنه هدد بالاحتفاظ بذاك المقدم وعدم المشاركة في الفيلم إثر إلحاح كوبّولا عليه بأن يلتزم بمواعيد تصويره التي يستمر بتقويتها، فرد كوبّولا بأن التهديد لا يعني له شيء وأنه سيستبدله بـ جاك نيكلسون، روبرت ريدفورد، أو آل باتشينو، وفي النهاية ظهر براندو بجثته الهائلة وقد كسب قرابة 40 كيلوغرامًا مخمورًا ومصرّحًا بأنه لم يقرأ النص أو حتى الرواية، وبعد جدالاتٍ طويلة مع كوبّولا الذي قضى أسبوعًا يقرأ الرواية لـبراندو بصوتٍ عالٍ ويشرح الشخصية في موقع التصوير موقفًا جميع من فيه عن العمل، تم الاتفاق على ارتجال براندو لما يراه مناسبًا كونه لم يوافق على أغلب محتوى النص، وأن تحيطه وتخفيه الظلال والظلمة في أغلب مشاهده.

18 دقيقة كانت مدة المونولوج الذي ارتجله براندو ولم يصل منه إلى النسخة النهائية إلا دقيقتين، وتلا تصويره قول براندو لـ كوبّولا: “ذهبت لأبعد ما يمكنني، إن أردت المزيد اجلب ممثلًا آخر”، وإن لم يكن هذا المونولوج من أسباب خلافاتهم إلا أن تلك الخلافات وصلت حد أن يطلب كوبّولا من مساعده أن ينوب عنه في حمل عبئ تصوير بعض مشاهد براندو، أي الإصغاء إلى نصيحة براندو بالاستبدال لكن المخرج بدل الممثل. كل هذه المشاكل وأكثر أحدثها براندو خلال 6 أسابيع فقط تم خلالها تصوير مشاهده من بين 16 شهرًا.

براندو، استبدال كيتل بـ شين، إصابة شين بنوبة قلبية، إفساد مواقع التصوير بفعل إعصار، عدم موافقة الحكومة الأمريكية على منح كوبّولا طائرات هيليكوبتر وحاجة حكومة الفلبين المتكررة إلى هيليكوبتراتهم التي أعاروه إياها في معاركهم مع المتمردين، انسحاب لوكاس من دعم المشروع وخسارته لصداقة كوبّولا بالنتيجة لسنوات، وعدم امتلاك الفلبين لمعامل تحميض وتصوير الفيلم كاملًا على أمل أن تكون النتيجة مرضية بعد انتهاء التصوير والعودة بالشرائط إلى أمريكا ومشاهدة محتواها، كل هذا وعوائقٌ يصعب حصرها جعلت الست أسابيع المحددة قبيل التصوير تصبح 16 شهرًا، وجعلت كوبّولا يصل حد: رهن منزله ومصنع الخمور الذي يمتلكه لإكمال الفيلم، خسارة 50 كيلوغرامًا من وزنه، المعاناة من انهيار عصبي، ومحاولة الانتحار لـ3 مرات، وجعلت زوجته إليانور تبدأ طريقها السينمائي بصنع وثائقي بعنوان: “Hearts of Darkness: A Filmmaker’s Apocalypse” صدرعام 1990.

200 ساعة كانت مدة مجموع اللقطات التي تم تصويرها، و3 سنينٍ كانت مدة العمل في مونتاجها وإيجاد الحلول لما لا يمكن العودة إلى موقع التصوير وتصحيحه من مشاكلها، سنةٌ منهم فقط من أجل مشهد هجوم الهيليكوبترات بالنابالم، و9 أشهرٍ لدمج الصوت، ولم ينتهِ حتى كل هذا بالكامل حين أتى وقتُ عرض الفيلم في مهرجان كانّ، بل تم عرضه تحت ملاحظة “فيلمٌ في طور الاكتمال”، وكان أول فائز غير مكتمل بالسعفة الذهبية في التاريخ، “فيلمي ليس عن فييتنام.. فيلمي هو فييتنام”، هذا ما قاله كوبّولا حين استلم الجائزة، وبعد كل ما ذكرت وما شاهدناه أعتقد أنه عنى ما قاله.

وختامًا لابد من الحديث عن الخاتمة التاريخية (فيما يلي حرق لأهم أحداث الفيلم):

كانت النهاية في نص ميليوس الأصلي هي هجوم الهيليكوبترات على مخبأ كرتز ومحاربته إياهم بمدفعٍ رشاش، ثم عودة ويلارد إلى أمريكا لنقل خبر وفاته إلى أهله، بينما لم يرى كوبّولا الأمر بهذه السهولة، واستمرت صعوبة إيجاد النهاية التي ترضيه تؤرقه حتى عبرت في ذاكرته التضحية الحيوانية التي شهدها مع زوجته في أحد المرات، وأعتقد أننا جميعًا نعرف البقية.

فيلم Apocalypse Now.. ما وراء الكواليس (الجزء الأول)

“لا تذهب.” كانت نصيحة روجر كورمان حينما استشاره فرانسيس فورد كوبّولا بشأن تصوير فيلمه في الفلبين، ومن جدول تصويرٍ معدٍّ لست أسابيع إلى 16 شهرًا من التصوير كانت نتيجة عدم إصغائه لتلك النصيحة، وعلامةٌ فارقة في تاريخ السينما لن تتكرر سنروي هنا قصة خلقها.

في عام 1969 كتب جون ميليوس نص فيلمٍ أسماه “The Psychedelic Soldier” يدور حول حرب فييتنام، وعرضه على استوديو “American Zoetrope” المؤسس حديثًا وقتها على يد فرانسيس فورد كوبّولا وجورج لوكاس، وكان الأخير قد أبدى اهتمامًا بإخراجه كوثائقي مزيف يجري تصويره في جنوب فييتنام خلال الحرب، فحاول كوبولا المنتج التنفيذي وقتها الحصول على صفقة إنتاج مشترك للعمل مع “Warner Bros.” لكنه لم يستطع إثارة اهتمامهم، وانشغل بعدها في إخراج جزأي “The Godfather”، كما انشغل لوكاس بإخراج “THX 1138” و”American Graffiti”، لتصنع الأفلام المذكورة لمخرجيها مكانةً ووزنًا يجعلونهم قادرين الآن على المباشرة في صنع مشروع فيلم فييتنام المؤجل.

سقطت سايغون وانتهت حرب فييتنام، وخسر المشروع اهتمام لوكاس الذي انصرف لصنع “Star Wars: Episode IV – A New Hope”، فبارك جلوس كوبّولا على مقعد المخرج، ليبدأ عمليات إعادة كتابة النص الذي وصف حاله الأول بأنه سلسلة من مشاهد القصص المصورة المكرسة لإظهار سخافة حرب فييتنام، وفي النهاية احتفظ كوبّولا ببعض ما كتبه ميليوس للنصف الأول من الفيلم، وخصص النصف الثاني لما أضافه بناءً على رواية “Heart of Darkness” لـ جوزيف كونراد، وبدأ البحث عمن سيجسدون أبطاله.

ستيف ماكوين كان أول من مر عليهم دور الكابتن ويلارد، والذي وافق إثر موافقة كوبّولا على دفع أجره البالغ 3 ملايين، لكنه بعد التفكير في الموضوع ومعرفة أنه قد يتطلب أشهرًا من العمل في مواقع التصوير فضل لعب دور المقدم كيلغور الأقل تطلّبًا لكل هذا الإرهاق مع بقاء أجره كما هو، فرفض كوبّولا طبعًا، ليصبح ماكوين أول من رفضوا الدور أيضًا، ويتبعه آل باتشينو لأسبابٍ لخصها كوبّولا بقوله: “ربما كان سيوافق باتشينو على الدور إن صورنا الفيلم في شقته في نيويورك”، ثم كلينت إيستوود لأنه رأى أن الفيلم سوداوي أكثر مما يجب، ثم جاك نيكلسون.

نيك نولتي، جيف بريدجز، وهارفي كيتل قاموا بتجارب الأداء للدور ليستقر رأي كوبّولا على الأخير مخيبًا آمال نولتي الذي كان شديد الإعجاب بالشخصية، لكن بعد أسبوعين من التصوير لم يكن العمل خلالهما مثمرًا مع كيتل قرر كوبّولا استبداله وكان مارتن شين هو الفائز الأخير بالدور لتخيب آمال نولتي مرةً أخرى، ولتكسب الشخصية تقديمًا استثنائيًّا في مشهد ويلارد في غرفة الفندق، حيث تم ارتجاله بالكامل بناءً على طلب شين الذي كان يعاني من مشكلة إدمان للشرب، كان بالفعل مخمورًا وطلب من فريق التصوير فقط أن يديروا كاميراتهم، لتلتقط جنون سكره وكسره المرآة الحقيقية الذي أصاب يده وانتحابه وهجومه على كوبّولا، فاستاء فريق العمل وأرادوا التوقف إلا أن كوبّولا أرد المضي بالأمر حتى النهاية.

أتى الآن دور البحث عمن سيلعب دور الكولونيل كرتز، والمستلهم من شخصية لوبي دو أغيريه الجندي الإسباني الخائن من القرن السادس عشر، نعم هو ذاته الذي صنع عنه فيرنر هيرزوغ رائعته “Aguirre, the Wrath of God” عام 1972، وعن رحلة اختيار براندو للدور ونتائجها، ارتجال براندو، اختبار فييتنام فعليًّا خلال التصوير وأثر ذلك على كوبّولا، وما كانته النهاية وما أصبحته سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن ملحمة خلق الملحمة.

فيلم The Godfather.. ما وراء الكواليس (الجزء الثاني)

كيف تم اختيار “آل باتشينو”؟ وما نتيجة ذلك الاختيار المتعلقة بـ”روبرت دي نيرو”؟، ما أهم الأحداث والقرارات الحاسمة التي تم اتخاذها خلال التصوير، وما التدخل الإنتاجي الذي غير مصير الفيلم؟ عن هذه الأسئلة سيجيب الجزء الثاني من حديثنا عن كواليس صنع ملحمة “العرّاب”.

ربما كون العصر الذي تمت فيه صناعة العراب عصراً ذهبياً للسينما جعل معرفة الأسماء التي كان لها علاقة بالمشروع من قريبٍ أو من بعيد مهيبة، فكذلك سبب دور “مايكل كورليوني” صراعاً ومنافسةً محتدمين، “مارتن شين” و”دين ستوكويل” قاموا بتجارب الأداء، “جاك نيكلسون” “داستن هوفمان” و”وارين بيتي” رفضوا القيام بالدور مع العلم بأن الأخيرعُرض عليه بطولته وإخراجه وإنتاجه، “آلان ديلون” “روبرت ريدفورد” “برت رينولدز” و”رايان أونيل” تم رفضهم من قبل “كوبولا”، والذي وإن قبل بـ”جيمس كان” كخيارٍ أخير ومناسب فلم يزل يطمح لإيجاد الأنسب، كان وقتها “آل باتشينو” يعمل على فيلم “The Gang that Couldn’t Shoot Straight”، وكان “روبرت دي نيرو” قد قام بتجارب الأداء لشخصيتي “مايكل” و”سوني”، ولم يرى منتجو “باراماونت” في “باتشينو” أي تميزٍ يغريهم، حتى شاهدوا أداءه في “The Panic in Needle Park”، والذي جعلهم يتفهمون تمسك “كوبولا” به ويساعدونه على تخليصه من التزامه بالفيلم الذي يعمل به، وجعلهم يستبدلونه بـ”دي نيرو” بتوصيةٍ من “كوبولا”، فأصبح “دي نيرو” بطل فيلم “The Gang that Couldn’t Shoot”، و”فيتو كورليوني” الجزء الثاني من “العرّاب” والفائز بالأوسكار عنه والمنطلق منه إلى النجومية، وأصبح “باتشينو” العرّاب الشاب الشهير “مايكل كورليوني”.

أصبح لدينا الآن فريق ممثلين يمكن الانطلاق به إلى الحرب، وعلى رأسهم “مارلون براندو” والذي كان لحضوره مهابةٌ تجعل لحظة التواجد معه لا تغادر ذاكرة من يعيشها، ومثالٌ على ذلك التوتر الحقيقي الذي أصاب “ليني مونتانا” الذي قدم شخصية “لوكا براسكي” في أول مشهد له مع “براندو”، مما جعله لا يقول حواره كاملاً لشدة الارتباك، وهذا ما استفاد منه “كوبولا” فأبقى المشهد كما هو ليزيد به مهابة عرّابه التي أكد “مونتانا” أنها حقيقيةٌ بالكامل، وبذكر ما هو حقيقي فقد أكد “باتشينو” أن الدموع التي ذرفها “براندو” في مشهد المستشفى كانت أيضاً حقيقية.

(فيما يلي حرق لبعض أحداث الفيلم):

ورغم كل هذه الأهمية لشخصية “فيتو” وكون “براندو” يجسدها ارتأى المنتجون أن مشهد موته غير ضروري ويكفي مشهد الجنازة لإعلام المشاهدين بما حدث، لكن “كوبولا” لحسن الحظ كان له رأيٌ آخر فصوره بثلاث كاميرات تاركاً “براندو” يرتجل كلماته ويقدم لنا المشهد الخالد.

كل خلافٍ حدث بين المنتجين و”كوبولا” أثبت فيه أنه على حق لكن هذا لم يمنعهم من الاستمرار، وخاصةً “روبرت إيفانس”، والذي أراد استبدال “كوبولا” خلال التصوير لأنه رأى أن الفيلم لا يحوي ما يكفي من مشاهد الأكشن، فمنحه كوبولا مشهد العراك بين “كوني” و”كارلو” ليرضيه، حتى حين اختيار موسيقى “نينو روتا” التصيرية للفيلم عاد “إيفانس” من جديد مطالباً بتغييرها، لكن حينها كان قد مضى من التصوير ما يجعل تهديد “كوبولا” بأنه سينسحب من المشروع إن تم تغيير الموسيقى يجبر “إيفانس” على التراجع.

لكن شاءت الأقدار أن يكون المنتج مثير المشاكل هذا سبباً أيضاً في وصول هذا الفيلم إلى الكمال، فحين قدّم كوبولا النسخة الأخيرة من الفيلم وكان طولها ساعتين رفضها “إيفانس” لسببين، أحدهما كون الصورة مظلمةً بشكلٍ ظنه كان خطأّ ولم يكن، فرفض “كوبولا” والمصور الملقب بـ”فارس الظلام” المسؤول عن تلك الظلمة وقتها “غوردون ويليس” أي تعديل على الصورة، والثاني أنه أراد نسخةً أطول، فتم إعادة المونتاج وإضافة قرابة 50 دقيقة، ولا يمكنني تخيل مقدار ما كان سيفوتنا من المتعة الاستثنائية دون الدقائق الـ50 تلك.

كل هذا قاد إلى صنع الفيلم الذي قال عنه حتى “ستانلي كيوبريك” أنه من أفضل الأفلام التي صنعت في تاريخ السينما.

فيلم The Godfather.. ما وراء الكواليس (الجزء الأول)

هل يمكننا تخيل الحياة دون جملة: “سأقدم له عرضاً لا يمكنه رفضه”؟!، ربما كان سيصدر في كل الأحوال فيلمٌ يسمى “العرّاب” وتقال تلك الجملة في أحد مشاهده، لكن ما كان ليصبح “العرّاب” الذي نعرفه ولكلماته ذاك الأثر إلا في الحال الذي انتهى إليه من بين كل ما سنذكره من تفرعات مرت في طريق صناعة الفيلم.

كان “ماريو بوزو” كاتباً مغموراً حقق بعض النجاح النقدي الذي لا ترافقه جماهيريةٌ كافيةٌ لدفع الفواتير، وربما هذا ما دفعه ليمنح روايته القادمة “العرّاب” طابعاً جماهيرياً جعل “بيتر بارت” المدير التنفيذي لشركة “باراماونت” وقتها يشتري حقوق الرواية ولم يكتمل منها إلا 20 صفحة!

وأثبتت الرواية بعد اكتمالها أن “بارت” كان على حق، وبدأ البحث عن مخرجٍ يحولها إلى فيلمٍ سينمائي وكان العبقري “سيرجيو ليوني” الخيار الأول، لكنه رفض العرض وفضل العمل على مشروعه الخاص “Once Upon A Time in America”، فتم ترشيح “بيتر بوغدانوفيتش” “بيتر ييتس” “ريتشارد بروكس” “آرثر بين” “كوستا غافراس” “أوتو بيرمينغر” وآخرين ليقابل عرض المشروع عليهم دائماً بالرفض، ولم يكن خيارهم الأخير “فرانسيس فورد كوبولا” استثناءاً، والذي أصبح خياراً “اضطرارياً” لظنهم بأنه سيقبل العمل بأجر قليل وميزانيةٍ محدودة، لكن “كوبولا” عاد عن رفضه لأنه يدين بـ400 ألف لشركة “وارنر برذرز” وبحاجة للعمل على مشروعٍ كهذا للحصول على ما يفي دينه.

وقبول “كوبولا” المشروع لا يعني قبوله أن يصنعه كما يريد منتجوه، ففكرة إلغاء كون أحداثه تجري بين الأربعينيات والخمسينيات ونقلها إلى الحاضر للتوفير في الميزانية لم ترقه وتم صرف النظر عنها وإعادة كتابة النص باشتراكه في العملية مع “بوزو”، وكانت هذه بداية الصدامات بين منتجي الفيلم وصانعه والتي لم تنتهي حتى إصدار الفيلم.

فلم يتم ادخار حجةٍ لاستبعاد “كوبولا”، من التذمر حول كونه عاجزاً عن الالتزام بجدول التصوير، إلى اتهامه بالإسراف بالنفقات وسوء اختياره للممثلين، في حين أن الحقيقة هي انتهاء “كوبولا” من تصوير الفيلم قبل الموعد المحدد وبميزانية أقل مما تم تحديده، كما أن الممثلين الذين اختارهم بناءً على اختبارات الأداء التي أجراها في منزله بشكلٍ غير رسمي ولم يوافق عليهم “روبرت إيفانس” أحد المشرفين على الإنتاج وقتها، هم أنفسهم الذين تم اختيارهم بعد إعادة العملية بشكل رسمي بناءً على طلب “إيفانس” والتي كلفت قرابة 420 ألف دولار، وكان المختارون “آل باتشينو” “جيمس كان” “روبرت دوفال” و”ديان كيتون”.

أما دور العرّاب الكبير “فيتو كورليوني” لم يتم اختيار من سيؤديه بناءً على تلك الاختبارت، خاصةً أنه شكل إغراءً لأعظم الممثلين الذين عاشوا وقتها وما زالوا يعتبرون من بين الأفضل في التاريخ، “أورسون ويلز” نفسه حاول الفوز بالدور باستماتة ووعد بخسارة الكثير من وزنه من أجله لكن “كوبولا” رغم كونه من أكبر معجبي “ويلز” لم يرى فيه ما أراده، كذلك الأمر مع “برت لانكاستر”، بالإضافة إلى “إرنيست بورغناين” “إدوارد ج. روبنسون” “داني توماس” “ريتشارد كونتيه” “أنتوني كوين” “دون أميش” و”جورج ك. سكوت”، لكن اثنين فقط رأى فيهم “كوبولا” عرّابه، وهم “لورنس أوليفييه” و”مارلون براندو”، وكون سن “أوليفييه” أنسب للدور تم عرضه عليه أولاً لكن مدير اعماله أعرب عن أسفه لعدم قدرته على قبول الدور بسبب تدهور حالته الصحية، وهكذا لم يبقَ إلا العرّاب ليؤدي دور العرّاب، لم يبق إلا “مارلون براندو”.

كيف تم اختيار “آل باتشينو”؟ وما نتيجة هذا الاختيار المتعلقة بـ”روبرت دي نيرو”؟، ما أهم الأحداث والقرارات الحاسمة التي تم اتخاذها خلال التصوير، وما التدخل الإنتاجي الذي غير مصير الفيلم؟ عن هذه الأسئلة سيجيب الجزء الثاني من حديثنا عن كواليس صنع ملحمة “العرّاب”.

صور سينمائية للهَوَس

“أحب الأفلام المريضة”، “أحب الشخصيات المريضة”، كم مرةً سمعت جملاً مماثلة من أصدقاءك وكم مرةٍ سمعوها منك؟، والمضحك في الأمر أن عدد الذين يتشاركون هذا الاهتمام أكبر مما يتخيل من يظن أنه إن وجد أحدهم فقد وجد من يوافقه الذوق والرأي بعد عناء، فمع هذه الأفلام بالذات أنت تتفق مع الجميع تقريباً، لكن ما السبب وراء ذلك؟، لماذا تثيرنا هذه الشخصيات المتطرفة؟، هل للإثارة التي تخلقها مشاهدة الخارج عن المألوف؟، هل للرغبة في معرفة الظروف وأساليب التفكير التي تؤدي بشخص للوصول إلى ما وصلوا إليه؟، أم ربما لأن بينهم من يجاهرون بما نخفيه ويطلقون له العنان في حين نكبح جماحه؟، كالهوس بأمرٍ ما، الهوس الذي لا نصرح به لأقرب أصدقاءنا حتى، والذي في أبطال هذه الأفلام منه الكثير..

الفيلم الأول:

The Face of Another – Hiroshi Teshigahara

الجزء الثاني من أحد أهم ثلاثيات السينما العالمية التي قدمها العملاق الياباني “هيروشي تيشيجاهارا” لتخلد اسمه، ويحكي قصة رجل أعمال تعرض لحادثة جعلته مشوه الوجه فاقد الهوية التي ظن أن وجهه أساسها، يعرض عليه طبيبه أن يصنع له وجهاً قد لا يشبه وجهه لكنه سيستطيع به أن يعود لحياته الطبيعية، فمن سيفرض هويته على الآخر؟ هو أم القناع الذي أصبح وجهه؟

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

The Conversation – Francis Ford Coppola

كثيرٌ من الوقت مضى حتى بدأت الكتابة، خشيت من وجود رقيب يحاسبني على ما سأكتبه في تحفة صانع أسطورة “العراب” الذي ما كان اقتران اسمه بها ليجعله أقل مهابةٍ مما هو عليه باقترانه بعرابه، نعم “فرانسيس فورد كوبولا” قدم في السبعينات أربع تحف وكلاسيكيات سينمائية وليس ثلاثاً، ولست أشيد بهذا الفيلم “لأنه” أقلها شهرةً وتقديراً جماهيرياً كما قد يظن معتبري الإشادة الكبيرة بفيلمٍ قليل أو منعدم الشهرة أحد أعراض النخبوية المريضة، أشيد به لأنه يلاحقني، يراقبني ويحذرني من التورط أكثر في جريمة تجاهله، ولكم أن تشاهدوه وتحكموا، وقد تصبحون شهوداً مثلي على تلك الجريمة.

“هاري كول”(جين هاكمان) أحد أشهر المراقبين الذي لا يعملون لصالح الحكومة وأمهرهم، لكن ربما العيش على تتبُّع الناس وفعل المستحيل لمعرفة أعمق أسرارهم ليس بذاك الحلم الذي قد يسعى إليه الراغب بالسعادة والراحة، خاصةً عندما يدخل الأمر حيز الحياة أو الموت، حين يصبح بيد ذاك المراقب مصائر من يراقبهم بنتيجة معرفته لأسرار قد تودي بحياتهم، كما يجري مع “هاري” في مهمته الأخيرة.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

Birdman – Alejandro González Iñárritu

من الصعب جداً الحديث عن هذا الفيلم، تتصارع عناصره في بلوغ الكمال بشكل لم نعهد مثله منذ وقت طويل، ويبدو كأن الفكرة قد خطرت لكل أفراد فريق العمل بوقت واحد، فآمن كلٌّ  منهم بها حتى الجنون، وسعى في البحث عمن يشاركه الحلم، وبدل أن يجد من يشاركه وجد من لديه بالفعل الحلم ذاته، حتى اجتمعوا كلهم على هدف واحد كان حلماً قبل اجتماعهم، وشرعوا بتحقيق الحلم، حتى وصلت إلينا هذه المعجزة التي تسأل عن كل مساهم فيها على حدة، فليس هناك من لم يعطي من روحه للعمل ما يجعل دوره فاعلاً مهما صغُر، شكراً “أليخاندرو جونزاليز إينارتو” فأنت الحالم الأكبر، والرجل الطائر الذي حلَّق فوق الجميع ليبلغ مكانه بين النخبة.

“ريجان تومسون”(مايكل كيتون) نجم سينمائي سابق بلغ ذروة نجاحه في بطولته لسلسلة أفلام عن أحد أبطال القصص المصورة”الرجل الطائر” منذ عشرين عاماً، لكن هذه لم تكن فقط بداية نجاح مشواره السينمائي، بل كانت أيضاً نهايته، ومن الصعب أن يعرف أحدٌ اسمه إن لم يُقرن باسم البطل الخارق الذي مثل شخصيته، وإن مضى على الأمر كل ما مضى فلم يستطع النجم تقبل أمر أنه ليس نجماً دون قناعه وجناحيه، وقام بإعداد نص لمسرحية سيقوم بإخراجها وبطولتها لتعرض على مسرح “برودواي”، ومسرحٌ كهذا يقرر جمهوره مصير من يقف عليه لأنه للفن والفنانين فقط، وكل ما دون ذلك فإنه يغامر بالوقوف عليه بمستقبله المهني كاملاً، فهل هو فنان وهل سيقدم فناً؟، صوتٌ ما يعرفه يقول له ما لا يجعله واثقاً من أي شيء، فهل صدق الصوت؟ ومن أين هو آتٍ؟

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

Foxcatcher – Bennet Miller


ربما لا ينتمي حتى الآن “بينيت ميلر” لسينما المؤلف، لكن ما يفعله بالنصوص التي تقع تحت يديه يجعل من الصعب تصديق هذا، ويالحظ كاتبٍ وُضع عمله تحت إدارة “ميلر”، منذ رائعته الأولى “كابوتي” لم يصنع إلا روائعاً، ولم يبدي إلا ثقةً وإتقاناً ولم يكن إلا على قدر المهابة التي تخلقها تفاصيل عملٍ يحمل اسمه، وهذا الفيلم خير دليل، وهذه الأداءات من ممثلين لم نتخيل امتلاكهم لقدراتٍ كالتي قدموها تحت إدارته خير دليل.

يحكي الفيلم القصة الحقيقية للمصارع “مارك شولتز”(تشانينع تاتوم) بعد تكليفه بتمثيل فريق “صائد الثعالب” الذي يرأسه المليونير وأغنى رجال أمريكا “جون دو بونت”(ستيف كاريل) في البطولات الأولمبية، الأمر الذي يجعله ينتقل من المكان الذي يعيش فيه ويبتعد عن أخيه الكبير “ديف”(مارك روفالو) المصارع أيضاً والذي كان مشرفاً على تدريبه، لكن “دو بونت” ليس لديه ماضٍ في المصارعة، ليس لديه اسمٌ إلا كأغنى رجال أمريكا، ولم تنل عائلته الجوائز والميداليات إلا من سباقات الخيول التي تديرها والدته، فلمَ الآن ولمَ المصارعة ولمَ “مارك شولتز”؟.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

The Conversation

“بين عرابه الأول والثاني، يقدم فرانسيس فورد كوبولا ما يستحق ما نالاه من حظوة أبدية في تاريخ السينما، ولم ينلها..”

السنة 1974
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج فرانسيس فورد كوبولا
المدة 113 دقيقة (ساعة و53 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) لليافعين بسبب بعض الإيحاءات الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) PG
اللغة الانكليزية

كثيرٌ من الوقت مضى حتى بدأت الكتابة، خشيت من وجود رقيب يحاسبني على ما سأكتبه في تحفة صانع أسطورة “العراب” الذي ما كان اقتران اسمه بها ليجعله أقل مهابةٍ مما هو عليه باقترانه بعرابه، نعم فرانسيس فورد كوبولا قدم في السبعينات أربع تحف وكلاسيكيات سينمائية وليس ثلاثًا، ولست أشيد بهذا الفيلم “لأنه” أقلها شهرةً وتقديرًا جماهيريًّا كما قد يظن معتبري الإشادة الكبيرة بفيلمٍ قليل أو منعدم الشهرة أحد أعراض النخبوية المريضة، أشيد به لأنه يلاحقني، يراقبني ويحذرني من التورط أكثر في جريمة تجاهله، ولكم أن تشاهدوه وتحكموا، وقد تصبحون شهودًا مثلي على تلك الجريمة.

هاري كول (جين هاكمان) أحد أشهر المراقبين الذي لا يعملون لصالح الحكومة وأمهرهم، لكن ربما العيش على تتبُّع الناس وفعل المستحيل لمعرفة أعمق أسرارهم ليس بذاك الحلم الذي قد يسعى إليه الراغب بالسعادة والراحة، خاصةً عندما يدخل الأمر حيز الحياة أو الموت، حين يصبح بيد ذاك المراقب مصائر من يراقبهم بنتيجة معرفته لأسرار قد تودي بحياتهم، كما يجري مع هاري في مهمته الأخيرة.

كتب فرانسيس فورد كوبولا نص الفيلم، وقدم أحد أفضل دراسات الشخصيات في تاريخ السينما، لشخصيةٍ تستحقها، والمثير في هذه الشخصية أن ما يميزها بشدة ليس تطرف ملامحها، بل كمية التشابه الممكن إيجاده مع ملامحنا أو ملامح من نعرفهم، ربما الأمر مخيف هنا أكثر مما هو مثير، كل شخصية جانبية ذات أهمية وأثر كبيرين وما كان للفيلم ماله من تميز وروح وكمالٍ دونها، كل تفصيل في كل حدث مدروس وفي زمانه ومكانه الصحيحين ويزيد القصة غنى واستثارةً للحس والفكر، بالإضافة لحوار لا يكون إلا حين حاجته، وحيث يكون يحقق إضافةً للحدث.

إخراج فرانسيس فورد كوبولا لا يشرح لك عن بطله، انت بطله، أو بمعنى أدق أنت تعيش حالته بشكل كامل، تعرف عنه مالا يعرفه غيرك، ولا تعرف عن غيره ما لا يعرفه، تحس قلقه واضطرابه، تحس خسة عينه المتلصصة وخوفها من عيونٍ تشبهها، كعين كوبولا، كاميرته المتلاعبة بأعصابك، بحركتها الهادئة الخبيثة بقدر ما هي بسيطة، لا يترك لك مجالًا للتفكير في الآتي لغنى اللحظة ومهابتها واستحقاقها لكامل انتباهك واهتمامك، خاصةً بإدارة رائعةٍ لممثليه ولحركتهم ضمن مجال كاميرته وحركتها مستغلًا كل تفصيل استثنائي في الأداء وخاصةً من بطله المميز.

أداء رائع من جين هاكمان استحق ما منحه إياه كوبولا من صوره وأغناها، تصوير جيد من بيل بوتلر، وموسيقى مبهرة استطاعت الارتقاء إلى مستوى الصورة وموازاتها في أهميتها في حالة الفيلم من ديفيد شاير.

حاز على 15 جائزة أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كان، ورشح لـ 14 أخرى أهمها ثلاثة أوسكارات لأفضل فيلم ونص وصوت.

تريلر الفيلم: