Manchester by the Sea

“لم يحظَ الفَقدُ بفيلمٍ أفضل”

السنة 2016
تقييم أفلام أند مور 9.5/10
المخرج كينيث لونرغان
المدة 137 دقيقة (ساعتين و17 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب بعض المحتوى الجنسي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 8.4

جاءت فكرةُ هذا الفيلم كاقتراحٍ تشاركه جون كراسينسكي ومات ديمون لما قد يكون تجربة ديمون الإخراجية الأولى، فمضى بها الأخير إلى صديقه المبدع المُستبعد بسبب تعصُّبه لحريته الفنية كينيث لونرغان ليُعدّ النص، والذي ما أن قرأه ديمون حتى اتصل بـ لونرغان وقال: “كيني، أنت الوحيد القادر على إخراج هذا، إنه بلا شك فيلمٌ لـ كيني لونرغان“. ربما لم يكن ديمون محقًّا في حياته كما كان حين قال ذلك، ولهذا لم أستطع تقبُّل أن أساس الفيلم لم ينشأ في روح لونرغان وأنه فقط نما داخلها، وبدأت أقرأ عن حياته وتداعيها قبله خلال صراعه مع المنتجين حول النسخة النهائية من فيلمه السابق لستّ سنوات كاد يخسر خلالها كل شيء، ونشأته في منزل أطبّاءٍ نفسيين أمتعه الغوص معهم في أعماق النفس البشرية، كان لا بد أن أجد في حياته ما أربط به عمله هذا ويجعل تلك الفكرة التي طُلِب منه بناء نصٍّ حولها ماءً يسقي جذورًا لها سابقةً فيه لا الجذور نفسها، كذلك الأمر مع حياة كيسي أفلِك وارتباطه الشديد بأخيه بِن وأزمة أبيه السكّير، كان لا بد أن أعثر على ما أكسب هذا العمل وصناعه القدرة على أن لا يغادروا روح مشاهدهم إلّا وقد خلّفوا ندبة.

لي تشاندلر (كيسي أفلِك) حاجبٌ مسؤولٌ عن عدة منازل يعيش وحيدًا ويصعب استخراج الكلمات منه، والأصعب استخراج تعابيرٍ من وجهه يمكن ربطها بأي أحاسيس أو انطباعات واضحة أو ذات صلة بما تظهر خلاله، يتلقى مكالمةً تنبئه برحيل قريب، وتعيده إلى المكان الذي غادره قبل سنوات شخصًا غير الذي كان فيه.

كتب كينيث لونرغان نص الفيلم، بشخصياتٍ عرفها كاملةً قبل أن يأتي بقصتها، صاغ لها تاريخًا لا يتسع له فيلم تحسه بصداه في الأحداث المستندة إلى ذاك التاريخ الذي لا يفوقه أساسٌ متانة، هؤلاء كانوا هنا قبل الفيلم، وسيكونون بعده، بحالٍ ستستطيع معرفتها لأنك ستعرفهم عبر ما اقتطعه لونرغان من حياتهم ماضيها وحاضرها، بالبنية العبقرية لخط سير قصته وما يتخلله من ذكرياتٍ ترِد لأنها ذكريات لا لأنها ماضٍ يجب كشفه لك لتدرك ما يجري ويريد تشويقك لمعرفة تفاصيلٍ أكثر عنه، بطله لا يكترث بك، لديه أعباءٌ تكفي، لكن لونرغان يكترث لكليكما، ويجمعكما بأروع شكلٍ ممكن، ملتزمًا بالقاعدة السينمائية الأشهر: “أظهِر لا تُخبر”، لذلك حين تأتي الحوارات تأتي لحاجةٍ لها تُلبّيها وتُغني بها الأثر، فهؤلاء حقيقيون، العلاقات بينهم حقيقية، وحين يتحدثون لا يحتاجون من بعضهم شروحاتٍ مفصّلة لما يحسّون وما يعنون، كذلك حين لا يتحدثون، ولن يعوزك ما تكون دونه أقل فهمًا.

إخراج كينيث لونرغان يؤكد كم كان تولّي غيره هذه المهمة سيحرمنا من أحد أروع تُحف هذا القرن السينمائية، فلن يبث الحياة في نصه إلا أحد أساتذة الصمت، ولا شك أنه من أقدرهم، خاصّةً مع إدارةٍ إعجازيّةٍ لممثّليه أقلهم ظهورًا وأكثرهم تجعل إيمانهم بأنّهم يجسدون شخصياتٍ من لحمٍ ودم لا يقل عن مثيله إن كانوا في فيلمٍ عن حياتهم، وبهم وسماء وطيور مانشستر وبحرها والثلج ونسماته في أحيائها وشوارعها يخلق حالةً تغزو روحك دون مقاومة، مُثيرةً ذاك الحنين الذي لا يأتي دون ألم، لأنه حنينٌ لمن خسرت أكثر منه لما خسرت، حنينٌ لما لا يُمكن إحياؤه لأنه كان مع من رحل، وكل هذا لا يكفيه وأبطاله، أنت على موعدٍ مع أحد أكثر التجارب التي ستجعلك في حاجةٍ لحضنٍ عميق، وإن لم يحجب لونرغان حلوًا أو مرحًا في سرده لأنه حريصٌ على أن يأتي بقطع الحياة المتناثرة تلك كما هي، ومنها مع استخداماتٍ موسيقية عبقرية يخلق متوالياتٍ أقوى من النسيان.

أداء تاريخي من كيسي أفلِك يُمزّق الروح ببطء دون قصد، هو فقط كان لي تشاندلر ولم يستطع فعل الكثير حيال ذلك، ولا يمكن لومه، يمكن فقط احترام عظمة إنجازه الذي لم يكن بحاجة لانفجارات عاطفية أو تطرّف في الحالة الجسدية أو العقلية، كان بحاجة للحظات حقيقية وروح حقيقية، ومنحه لونرغان الأولى وتشاركا في الثانية، والنتيجةُ كمال.

أداء من السهل أن يكون عابرًا خاصّةً بوجود أفلِك وتواضع مدة ظهور صاحبته على الشاشة، لكنه تحول بفضل ميشيل ويليامز إلى سببٍ آخر لتقدير الفيلم، وأداءات ممتازة من كل فرد خاصةً لوك هيدجز، تصويرٌ أبصر نقاط تلاقي الوحشة والدفء من جودي لي لايبس، مونتاج حريري حيث لا يمكن تخيل ذلك من جينيفر ليم، وموسيقى ارتقت لتنسجم واختيارات لونرغان الموسيقية الرخيمة من ليزلي باربر.

حاز على 96 جائزة أهمها الكرة الذهبية لأفضل ممثل بدور رئيسي، ورُشّح لـ226 أخرى أهمها ست أوسكارات لأفضل فيلم، إخراج، نص، ممثل بدور رئيسي (كيسي آفلِك)، ممثلة بدور مساعد (ميشيل ويليامز)، وممثل بدور مساعد (لوكاس هيدجز).

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم، من الخطأ اقتطاع أجزاء من هذا الفيلم خارج ترتيبها الصحيح الذي تهز الروح ضمنه ويُفسد تأثيرها خارجه.

Carol

“ينطق باسم صانعه (تود هاينز) ويجبرك على تذكر ذاك الاسم”

السنة 2015
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج تود هاينز
المدة 118 دقيقة (ساعة و58 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين لحساسية موضوعه والعري والمشاهد الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.6

غالباً نأتي باقتباسات حوارية من أفلامنا المفضلة نستدل بها على عظمتها، والمشكلة في اعتياد ذلك أنه يشجع صناع الأفلام على إقحام العبارات مثيرة الوقع فارغة المحتوى، أو التي تحوي رسائل مباشرة بسذاجة وكسل، ويوماً بعد يوم أصبح الناس يقرؤون الأفلام بدل مشاهدتها، لم تعد لغة الصورة تعني شيئاً، لابد من حوارات وأحداث محورية وعُقد وحلول واضحة، وهذا كله لا يفيد عند مشاهدة فيلمٍ كهذا، فهنا إن شئت التعبير عن الحب أو الشغف أو الحنين أو الألم أو.. تقتبس صوراً!

“تيريز”(روني مارا) شابةٌ تعمل في أحد محلات ألعاب الأطفال وتهوى التصوير، تلتقي بسيدة أرستقراطية “كارول”(كيت بلانشيت) ذات حضور وجاذبية استثنائيين يزيدان أثراً بعد كل لقاء.

عن رواية “باتريشا هايسميث” كتبت “فيليس نايغي” نص الفيلم الذي كان تجربتها الأولى، التجربة التي خاضتها منذ قرابة عقدين من الزمن بعد وفاة صديقتها وكاتبة الرواية الأصل بسنتين، وقدمت فيها أرقى شعور إنساني بالشكل الذي يستحقه، من خلال شخصيتين أبرز ما يميزهما أنهما اختبرتاه، وتعريفها بهما لا يتم بحوارات ومونولوجات مقحمة، بل بأرق المشاهد الغنية بالتفاصيل التي تنقل إليك ما تعيشانه، وتجعل “التعاطي مع اللحظة” يحل تقريباً محل “التعاطي مع الحدث” ليصل الأمر إلى أكثر أشكاله مخاطبةً مباشرةً للقلب، مع حوارات تتدفق بعذوبة ولبعض كلماتها صدىً يعود بعشرات الكلمات والمعاني.

إخراج “تود هاينز” يجعل انتظار “نايغي” كل هذا الوقت حتى ينال جهدها التقدير من حسن حظها وحظنا، فمن سيستنطق الصمت مثله، ويبث في كيان مشاهده دفءاً يلفه كمعطفٍ من الفرو يرد عنه برد أقسى ليالي الشتاء التي تجري أحداث الفيلم خلاله، وذلك عبر صورٍ تفيض حساً وعاطفة، في ألوانها ما يجعلك تحس أنه ألبسك نظارةً سحرية تزيد الجمال جمالاً وملامح الروح وميلها وضوحاً، ويصل بها حد أن يرتجف قلبك من تربيتةٍ على الكتف، يشعرك أنك ترى عبر زحامٍ من الأشخاص في مقهىً ما عينين شغوفتين حتى الوله، فيتلاشى أمام تركيزك بهما الزحام وضجته لروعة ما تحسه منهما، لكنك هنا بفضل كاميرا “هاينز” تستطيع رؤية صاحب العينين ومن نال منهما تلك النظرات، وبفضل إدارته العبقرية لممثليه وعشق كاميرته لصدق ورقة ملامحهم يجعل أثر تلك النظرات يصل أقصاه.

أداء عظيم يرتقي بتاريخ “كيت بلانشيت” الحافل وليس فقط يضيف إليه، ويزيد صعوبة التنبؤ بما يمكن أن تأتي به تلك السيدة القديرة، أداء يستحيل بعد مشاهدته أن تنسى عيني صاحبته “روني مارا” وقدرتهما على البوح بما في الروح للروح، وأداءات جيدة جداً من باقي فريق العمل، تصوير رائع من “إدوارد لاكمان” يجعل ألوان الصورة تستثير إحساساً غامراً بالدفء، وموسيقى عبقرية من “كارتر برويل” تحقق انسجاماً مبهراً مع الصورة لا يبقي أي عائق في وجه التجربة يؤخر استحواذها على كيانك.

حاز على 54 جائزة أهمها جائزة أفضل ممثلة في مهرجان كان “روني مارا”، ورشح لـ192 أخرى أهمها 6 أوسكارات لأفضل نص وممثلة بدور رئيسي “كيت بلانسيت” وممثلة بدور مساعد “روني مارا” وتصوير وموسيقى تصويرية وتصميم أزياء.

تريلر الفيلم:

Zero Dark Thirty

زيرو دارك ثيرتي هو مصطلح عسكري، يعني 30 دقيقة بعد منتصف الليل، وتم اختياره كاسم للدلالة على سرية عملية المتابعة التاريخية لزعيم تنظيم القاعدة بدءاً بعملية 11 أيلول 2011، وصولاً إلى العملية التي أدت إلى مقتله في 6 أيار 2011.

في تقييم أولي، الفيلم ممتع، فيه الكثير من الإثارة التي تتبقيك على كرسيك لمدة 157 دقيقة بانتظار ما سيحدث، وبالرغم من أنك تعرف القصة (بشكل عام) وأنها ستنتهي بمقتل بن لادنـ إلا أنها تحوي الكثير من التفاصيل التي لا نعرفها، وبعض الأحداث التي تتغيّر في آخر لحظة. وأداء جيسيكا تشاستين كان بارعاً جداً، ولن يتكشّف لك إلا مع تطور الأحداث في الفيلم. شاركها البطولة كل من جيسن كلارك وكايل تشاندلر. ربح الفيلم جائزة غولدن غلوب عن أفضل أداء للمثلة ضمن فيلم دراما عن دور جيسيكا تشاستين، وعند كتابة هذه المراجعة، كان مرشحاً لخمس جوائز أوسكار، وربح 56 جائزة أخرى.

تنبيه: الملاحظات أدناه قد تكشف بعض تفاصيل الفيلم لمن لم يشاهده

أما التقييم من وجهة نظر شخص عربي، فهو فيلم مثالي لإظهار البطولة الاميركية في أوجها. تلك المرأة القوية، وهؤلاء الجنود العظام، والمرأة التي أفقدها حب الوطن حياتها، كلهم جزء من البطولة الأميركية، التي يجب أن تتعزز سنوياً في فيلم يحصل على جوائز كثيرة، ويقوي الحس الوطني لدى الأميركيين وحرب حكومتهم ضد الإرهاب. لكنه أثار حفيظة المخابرات الأميركية لتصدر بياناً تقول فيه أن تصوير التعذيب كأحد وسائل الوكالة للحصول على المعلومات هو غير دقيق في الفيلم.

أحد المعلومات الطريفة حول الفيلم، أنه بينما كانت تتم كتابته، كانت القصة حول فشل المخابرات الأميركية في العثور على بن لادن، وتم تعديل القصة بعد قتله.

واحتوى الفيلم خطأ تقني، حيث أنه عندما تم العثور على بيت بن لادن، قالوا أن هناك أربع نسوة، وثلاث رجال، ولا يمكن بسبب العادات العربية أن تكون المرأة الرابعة بعيداً عن أهلها، وبالتالي، هذه المرأة لها زوج مختفي هو بن لادن، بينما نسي كتاب الفيم أن المسلمون يمكنهم الزواج بأربعة، مما يعني أن التحليل كان يمكن أن يكون ببساطة أن المرأة الرابعة قد تكون زوجة ثانية لأحد الرجال.

كذلك احتوى الفيلم على خطأ آخر، فعندما تعترض أبطال الفيلم سيارة في الباكستان، ينزلون من السيارة ويخاطبونهم باللغة العربية، علماً أن الباكستان لا تتكلم العربية.