أرشيف الوسم: كيسي آفليك

A Ghost Story

“أجمل حلمٍ لهذا العام”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج ديفيد لاوري
المدة ساعة ونصف
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب بعض العُنف والإيحاء الجنسي
الإرشاد العائلي (أميركي)  R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.7

“غاية صناعة الأفلام التجريبية في أغلب الأحيان تقديم الرؤية الخاصة لفنّان أو لفت النظر لتقنية جديدة أكثر من التسلية وتحقيق الربح”، هذه الكلمات من صفحة ويكيبّيديا المخصصة لمفهوم الفيلم التجريبي، وهذا فيلم تجريبي، مما يعني أن انتقاد ما يجعله تجريبيًّا من كونه غير مألوف البنية والأسلوب ووجود السرد من عدمه كانتقاد صلابة الحجر ورطوبة الماء. بوضع هذا الأمر جانبًا وبتوجيه الحديث لمن يملكون الرغبة لعيش تجربة جديدة أساسها الحالة التي عاشها صانعها والأفكار والأسئلة التي شغلته بنتيجتها لا القصة، ديفيد لاوري هُنا لم يُرِد التجريب بالأدوات السينمائية، التجريب هُنا كان نتيجةً لا غاية، هو فقط أراد التعبير عن حالة بأقرب وسيلة إلى قلبه والتي يُتقن التعامل معها، وهذا المستوى من الشخصية هو ما يجعل أثر A Ghost Story في روح حتى من لا يهتم لهذا النوع من الاختلاف أعمق مما يمكن أن يتخيل.

لمحة عن قصة A Ghost Story
ببساطة، الفيلم يروي ما يقوله عنوانه، قصة شبح رجلٍ توفّي حديثًا يعود إلى المكان العزيز على قلبه وحيث تقطن من أحب.

كتب ديفيد لاوري نص الفيلم، مُحكّمًا لا وعيه بشكلٍ شبه كامل، مما جعله يُنهي الكتابة في يومين، والتي بدأت بعد جدالٍ بينه وبين زوجته حول الانتقال من المنزل الذي يقيمون فيه، هذا الجدال، فكرة الموت، وصورة الشبح المتجسد في ملاءة ذات عينين أثمروا عشر صفحاتٍ في أول يوم أصبحوا ثلاثين في الثاني، دون ملامح واضحة أو مفهومة حتى بالنسبة لـ لاوري نفسه، لكنه فقط أحب أن يُكمل حتى النهاية حتى يفهم. قد يبدو أن في ذلك أنانية كونه ليس الوحيد الذي سيبذل مجهودًا في ذلك، لكن جميع المشاركين علموا بضبابية الصورة ومضوا لثقةٍ مُستحقّةٍ بـ لاوري. وبمجموعة المشاهد المشابهة لومضاتٍ في ذاكرة واعٍ متعبٍ وحالمٍ مُستغرق، وكليهما الواعي والحالم شخصٌ واحد يسكن قلبه حبٌّ وعقله أسئلةٌ كثيرة وأزمةٌ وجوديّة وروحه استشعارٌ وتوقٌ لمجهول سيقضي فترة ما بعد وفاته في استكشافه.

إخراج ديفيد لاوري حميميٌّ حُرّ، من الصعب إيجاد لقطةٍ تُشعرك أنها مخططة الطول وسط كل هذه اللقطات الطويلة المتأملة، يبدو الأمر كما لو أنه لا ينتظر حدوث أمرٍ مُعيّن سواءً انتهاء فترة زمنية أو القيام بفعل أو حركة مُعيّنَين لإيقاف التصوير، ينتظر أن يُحس أن هذه اللحظة المناسبة، ليست المناسبة للانتقال إلى التالي أو انتهاء ما سبق، وإنما المناسبة لإنصاف الحالة الخاصة التي كانت ولا تزال أساس المشروع، لإنصاف الجزء الذي يقوم بتصويره منها، مما جعل إيقاع الفيلم يولد عضويًّا خلال المونتاج الحريريّ الذي لا يُمكن أن يقوم به إلا لاوري، والذي كان حرفيًّا كوضع النقاط على الحروف، فجأة وجد لاوري ساعةً ونصف انسكبت فيها حالته وجميع تساؤلاته المرافقة لها تتدفق بشكلٍ مثاليٍّ يجعله يتشارك ما اختبره مع الملايين، فجأة وقع كل شيء في مكانه الصحيح، من فكرة الملاءة التي ستُثير السخرية في الحالة الطبيعية وما ملكتهُ هنا من أثرٍ يملك القلب والروح ويستقر في الذاكرة، إلى اللقطات المستغرقة دون قيدٍ إلا الحس، وما أجمله من قيد، إلى شكل إطار الصورة المُضيف للخصوصية وحالة الضياع الناتجة عن أسرٍ غير مفروض، إلى رحلة بطليه عبر الزمن، الشبح والمكان الذي يُقيم فيه الشبح هُم بطليه.. رحلةٌ مثاليّةٌ كاملة من عمق اللاوعي إلى الوعي.

أداءات رائعة من كيسي أفليك وروني مارا، كليهما يجعلان خيار الاستغناء عن الحوار في معظم الأحيان مُضيفًا لجماليّة الفيلم، فقط تأمل هذين الوجهين، وبالنسبة لـ أفليك تحت الملاءة، ليس أقل تأثيرًا على الإطلاق، وذلك بفضل – بالإضافة لموهبته الكبيرة – تصميم عبقري للزّي من أنيل برودور قفز فوق كل الانطباعات المسبقة بخفة مثيرة للإعجاب. مع تصويرٍ مُشبِع جمالًا وحالة من أندرو دروز باليرمو تحس معه أنك ما كنت لتُريد للصورة أن تحوي ورقة شجرٍ إضافية ولا أن تُنقَص ورقة شجر، وموسيقى مُهيبة رائعة من دانييل هارت تحرص على أن لا يبقى في وجدانك ما لا يحتويه الفيلم.

حاز على 4 جوائز ورُشح لاثنتَين آخرتين. حتى الآن.

لا أنصح بمشاهدة تريلر A Ghost Story ، من المهم أن تُشاهَد كل لحظة في الوقت المناسب.

حقائق قد لا تعرفها عن Good Will Hunting (الجزء الثاني)

عن انضمام روبِن ويليامز وميني درايفر للفيلم، ما بث الحياة في المشروع بعد طول انتظار، تفاصيل من حياة مات ديمون وبِن أفليك في النص، أثر اليوم الأول فيهما، ارتجالات ويليامز وكيسي أفليك وردة فعل الكاتبَين والمخرج، وارتباط ذكرى الفيلم بذكرى بطله الراحل سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Good Will Hunting .

حتى الآن ما زال أمرُ المباشرة بالمشروع خطرًا بعدم تواجد نجومٍ تضمن إيراداته، وخلال فترة التردد تلك تم اختيار ديمون لبطولة فيلم فرانسيس فورد كوبّولا الجديد “The Rainmaker” ليصبح فجأة نجمًا يمكن منحه البطولة، ولإعجاب كوبّولا بنص بطله عرضه على روبِن ويليامز الذي تحمس جدًّا للأمر سائلًا كوبّولا: “من هؤلاء؟!”، فانضم ويليامز بدور شون ماغواير، وأصبح الآن هناك ثلاثة ممن أثيبتوا جدارتهم في البطولة هم أفليك، ديمون، وويليامز. وتم منح بداية العمل الضوء الأخضر.

وهذا ما طال انتظار منحه لانضمام ميني درايفر بدور سكايلر لإحساس وينشتاين أنها ليست بالجمال الكافي، لكن إصرار الكاتبّين والمخرج عليها جعله يتنازل، ويُكسب فيلمه بالنتيجة ترشيحًا إضافيًّا للأوسكار لأفضل ممثلة بدور مساعد.

وبالحديث عن سكايلر، كانت هذه الشخصية إلى جانب العديد من التفاصيل عابرةً من حياة كاتبَيها إلى النص، فـ سكايلر هو اسم حبيبة ديمون التي هجرته قبل التصوير ورافقت لارس أولريتش درامر فرقة ميتاليكا. الكتاب الذي ينصح به ويل طبيبه في مقابلتهما الأولى أُلّف من قبل جاره وسجل ديمون بنفسه قراءته على سي دي. شخصية شون ماغواير مستلهمة من شخصيتي والدة ديمون وأب أفليك، ورقم الهاتف المكتوب على لافتة شركة الإنشاءات التي يعملان بها هو بالفعل رقم شركة إنشاءات عمل بها ديمون خلال دراسته الثانوية.

لهذا ولكل الصعوبات التي واجهتهما حتى أصبح الحلم حقيقةً بكيا سعادةً في يوم التصوير الأول ولدى تصوير مشهد بين روبين ويليامز وستيلان سكارسغارد تحديدًا، فهما يشاهدان اثنين من أهم ممثلي عصرهم يمثلان مشهدًا كتباه بأيديهما، أمرٌ تخيّلاه مذ كانا يقلدان أصوات مورغان فريمان وروبرت دي نيرو حين يقرءان حوارات شون لأنهما طمحا بأسماءٍ كهذه، ولم ينالا أقل منها.

وإن لم يتم الالتزام بالنص بالقدر الذي تخيّلاه، أمرٌ كانا شاكرَين له سواءً في لحظته أو لاحقًا، فعندما تعمل مع ويليامز يجب أن تجهز نفسك للارتجالات، كقصّة ضراط زوجة شون والتي سبّبت ضحك ديمون بالفعل في المشهد، وآخر جملة يقولها في الفيلم والتي اعتبرها ديمون أروع إسهامٍ له في الفيلم.

ومع كيسي أفليك بلغ الموضوع حدًّا أبعد، فـ كيسي أعاد كتابة شخصيّته عمليًّا بارتجاله أغلب حواراته، مما أزعج أخيه وديمون وحتى فان سانت بدايةً، لكن هم أنفسهم من أكّدوا لاحقًا أن ارتجالاته أفضل وأخف ظلًّا من الحوارات الأصليّة. على عكس المشهد الذي أراد فان سانت إضافته وتعديل النص وفقه والذي يموت فيه تشاكي بحادث بناء، ورغم عدم موافقة أفليك وديمون له كتبا المشهد حيث أراد ليوافقهما في أنها بالفعل فكرةٌ سيّئة.

في النهاية، صدرت حصيلة الأفكار جميعها في Good Will Hunting ، حقق نجاحًا مدوّيًا، أكسب ديمون ترشيحَين للأوسكار توج أحدهما بالفوز المشترك مع أفليك، أكسب ويليامز أوسكاره الأول، وترك ذكرياتٍ أيقونيّة أبرزها مشهد المقعد في الحديقة، والذي أحاط به قرابة ثلاثة آلاف متفرّج لدى تصويره لشعبية ويليامز الكبيرة، وأصبح الآن موقعًا تذكاريًّا مفتوحًا للآلاف والملايين من عُشّاق المبدع الراحل قد يُصحب بتمثالٍ له لاحقًا.

حقائق قد لا تعرفها عن A Ghost Story

من أغرب أفلام مهرجان سندانس الأخير وأكثرها تجريبية، وصاحب أفضل الأصداء فيه، بطله كيسي أفليك الفائز بآخر أوسكار أفضل ممثل يختفي تحت ملاءةٍ بيضاء لم تقف بين براعته الأدائية ونيل الثناء، ولا بين الكيمياء بينه وبين الرائعة روني مارا التي كانت من أهم أسباب جعل أول أفلام مخرج هذا الفيلم معهما نجاحًا أخذه إلى استديوهات ديزني، A Ghost Story وقصة صنعه.

“كانت لدي تلك الفكرة عن صنع فيلم منزلٍ مسكون. وكان لدي العديد من الأفكار الشخصية بين الضخمة كالحياة والكون، والصغيرة كـ أين سأخطو حين أخطو. كل هذه الأفكار وكأنها انسكبت في هذا النص الصغير ذو الـ 30 صفحة والذي يمكن أن يصبح شيئًا بسيطًا يمكن أن نصنعه مع أصدقائنا. وهذا تمامًا ما فعلناه. أنا ومنتجي دعونا مجموعة من الأصدقاء وقضينا أسبوعين في الصيف لصنعه. كان عبارة عن صناعة منزلية بالكامل، والذي كان أمرًا رائعًا”، بهذا وصف ديفيد لاوري العملية التي بدأت في ربيع عام 2016 خلال صناعته Pete’s Dragon عندما بدأ بكتابة النص، وتطورت إلى صناعة فيلم بعد انتهائه من مشروع ديزني الكبير بيومين فقط.

خاصةً أن كيسي أفليك وروني مارا من شاركاه خطوته الاولى نحو تقديرٍ عالميّ “Ain’t Them Bodies Saints” وافقا على مشاركته المغامرة دون حتى فهم الكثير عن تفاصيلها وفيما إذا كان الفيلم قصيرًا أم طويلًا حالهم في ذلك حال باقي فريق التصوير الذين جمعتهم فقط الثقة في لاوري.

لم يعلم أحدٌ في حينها أن جدالًا بين لاوري وزوجته كان البذرة الأولى للفيلم، حين دعتهم المنتجة والممثلة أوغستين فريزل للانتقال إلى نيويورك في حين أراد البقاء في تكساس، “كان الأمر حرفيًّا أنني لا أريد مغادرة هذا المنزل بالذات، كنت منزعجًا جدًّا. لم يعد لدينا سرير. كنا ننام على الأرض. لكنني بقيت في حالة: ‘أحب هذا المنزل. لا أريد الذهاب. ماذا لو بقينا؟’. أعلم أن هذا عيبٌ فيّ، أن أرتبط بأمرٍ زائلٍ بهذا الشكل. كان منزلًا بالإيجار – لم نكن حتى نملكه. المنزل كان يبدو مشابهًا بشكلٍ صادمٍ لذاك الذي في الفيلم”، بهذا وصف البداية التي حققت نتائجها ما حققته في سندانس بل وجعلت شركة A24 تشتري حقوق الفيلم قبل حتى عرضه في سندانس.

ربما لم يتوقع المنتج توبي هالبروكس ذلك والذي وإن آمن بالفكرة لم يكن متأكّدًا أنها ستجد طريقها الأمثل بصريًّا، خاصّةً قصة الملاءة، والتي كان لاوري على عكسه متحمّسًا لها جدًّا لولعه بتوظيف المفاهيم المعتادة لخلق تجربة مختلفة، مضحكةٌ أم مفزعة، الملاءة بعينين تمثّل شبحًا للجميع، وما تمثله هو ما بنى حوله لاوري فيلمه، وإن أقر بعدم سهولة تجاوز صعوبة التخلُّص من سذاجة شخص يرتدي ملاءة، شاكرًا حماس أفليك وكونه قدم له ما حلم به دومًا، أن يكون متخفّيًا أمام بصر الجميع، لذلك لم يمانع أفليك التجارب الكثيرة ريثما وصلوا للشكل الأمثل.

“لنقم بذلك بحيث لا يصيبنا كل ذاك الضرر إن لم ننجح. ذاك مكانٌ من الترف أن تكون فيه”، هذا ملخص أحاديث لاوري، هالبروكس، وصديقين آخرين حين قرروا الشروع في صناعة هذا الفيلم وتمويله، “لم نبقِ الأمر سرًّا، فقط لم نخبر أحدًا عنه”، وبهذا رد هؤلاء على السرية الغريبة التي حامت حول المشروع الذي ظهر فجأة، مفسرين الأمر بأنهم أرادوا أن يمنحوا للجميع حق تقديم رأي صريح وحيادي في ” A Ghost Story “، لم يريدوا أن تسبق المشاهدة أي توقعات، للجميع حق قول ما يشاؤون.

يبدأ عرض A Ghost Story في الصالات في السابع من هذا الشهر، مشاهدة ممتعة.

The Assassination of Jesse James by the Coward Robert Ford

“إنه مجرد إنسان.”

السنة 2007
تقييم أفلام أند مور 8.5/10
المخرج أندرو دومينيك
المدة 160 دقيقة (ساعتين و40 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي والإيحاءات الجنسية
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.5

اعتبر براد بيت هذا الفيلم الأقرب إلى قلبه من بين كل ما قدمه، اعتبر روجر ديكنز مشهد سرقة القطار فيه أحد ذُُرى مسيرته كما ابتكر لتصويره تقنياتٍ جديدة، قضى رون هانسن مؤلف الرواية الأصل أسبوعًا في موقع التصوير وساعد في المونتاج ووجد أن كيسي آفليك قدّم رؤيته الخاصة للشخصية وقدم ما أشعره أنه وُلد لها، أمرٌ اتفق فيه مع سليلي جيسي جيمس الحقيقي الذين وجدوا أيضًا أن ما في هذا العمل هو أصدق صورة للأحداث الحقيقية. الجميع اتفقوا هنا على تقديم أفضل ما عندهم وعلى أن يكونوا جزءًا في بث الروح التي أرادها أندرو دومينيك لعمله، روحٌ لا مبالغة في القول أنها خالدة.

جيسي جيمس (براد بيت) زعيم إحدى أخطر وأشهر العصابات في الغرب الأمريكي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مما يجعله طبعًا بطلًا للعديد من القصص والأساطير المتداولة، والتي لطالما كان روبرت فورد (كيسي آفليك) مولعًا بها وبتجميعها من الألسنة وأقاصيص الصحف والقصص المطبوعة، إلى أن أتته فرصة أن يكون جزءًا من عصابة جيسي، وبدأت صورة بطله في ذهنه تصبح أكثر تعقيدًا.

عن رواية رون هانسن كتب أندرو دومينيك نص الفيلم، مكثّفًا تركيزه على دراسة شخصياته، وآتيًا بنتائجٍ مجزيةٍ حد الكمال في حالة روبرت فورد باهتمامٍ كبير بتوقيت لحظات ظهوره وما تحمله معها من تطورٍ في شخصيته وفي معرفتك بها، ومقاربةٍ للكمال في حالة جيسي جيمس لمبالغةٍ بسيطة في الغموض حوله والذي يبدأ ضروريًّا وفي مكانه الصحيح لكنه لا يستمر كذلك حتى النهاية، وفي الحالتين لا تتوقف طوال الفيلم عن السعي لكشف تفاصيلٍ جديدة في ملامحهم لا يُقدّمها دومينيك على طبق، بل بلقاءاتٍ ذكية غنية بالتفاصيل تحضيرًا وبناءً وحوارًا.

إخراج أندرو دومينيك واضح التحكم بجميع مفاصل الفيلم، لكن ليس بحيث يحول الأمر لاستعراض عضلاتٍ على حساب ما يرويه، على العكس، دومينيك يبذل كل ما يستطيعه لجعل كل ما ومن يظهر أمام كاميرته وكل من يقف خلفها مضيفًا للحالة التأملية مهيبة الوقع والمستثيرة للفكر التي يجتهد في تدعيمها طوال الفيلم بثقةٍ بما يبذله لا بتجريبٍ قلق، ثقةٍ يثبت مرةً تلو الأخرى أنها في محلها، بأسلوبه الهادئ الاستثنائي في بناء التوتّر لجعل الحبل بينك وبين ما تشاهد متينًا بقدر ما هو مشدود، بحساسية عدسته للتفاصيل سواءً في المحيط الساحر الحامل لروح ووحشية العصر وروح قصته بغموضها وحلوها ومرّها، أو في ملامح ممثليه ولغتهم الجسدية التي قلما نجد اهتمامًا بها كما نجد هنا، مترافقًا طبعًا ليؤتي ثماره مع إدارةٍ متميزة، وبتحدٍّ يكسبه بأن ما يقوله عنوان الفيلم والذي يُعتبر عادةً سرًّا يزيد الإثارة لن يستطيع أن يضعف أثر وقوعه أمامك، ولحظة فوزه بذاك التحدي ستكون من أروع ما شاهدت.

أداء رائع، كثيف الأثر وقوي السلطة على الذاكرة من كيسي آفليك يُسلّم جسده فيه لـ روبرت فورد بالكامل لا مُجرّد بعض ملامحه وكلماته، يرافقه أداء ملؤه الجاذبية والغموض ومهابة الحضور يرتقي بمسيرة براد بّيت، مع أداءات ممتازة من باقي فريق العمل وخاصةً سام روكويل.

تصوير إعجازي من أحد أكبر أساتذة النور والظلام في عصرنا روجر ديكنز يُفيد من كُل ما وصلته تقنيات عصرنا للعبور إلى عصر القصة بمتوالياتٍ مُسكِرة جمالًا واستثنائيةً في تفاصيل التكوين والقدرة على استغلال المساحة والإضاءة الموجودة لصالحه، ومن الصعب إيجاد ما يليق بالصور الناتجة إلا أن موسيقى نيك كيف ووارين إيليس تجاريها وتضيف إليها ولحالة الفيلم وتزيد من مُدة مرافقته لك بعد انتهائه.

حاز على 25 جائزة أهمها كأس فولبي لأفضل ممثل في مهرجان البندقية (براد بّيت)، ورُشح لـ67 أخرى أهمها أوسكارين لأفضل تصوير وأفضل ممثل بدور مساعد (كيسي آفليك).

تريلر The Assassination of Jesse James by the Coward Robert Ford :

عن كيسي آفليك

“أتساءل فيما إذا بدا أي ممثلٍ ظهر على الشاشة بهذا التركيز وهذا التشتت في الوقت ذاته. يفكر بأكثر مما يقول، فنُصغي محاولين التقاط ما لم يرد على شفاهه”، ميك لاسال من سان فرانسيسكو كرونيكل، “رُبما أفضل نجمٍ غير تقليدي الأسلوب في هوليوود. قلائلٌ من يستطيعون استثارة الكثير بهذه الدقةِ العذبة”، بروغان موريس من بيست ماغازين، مما قيل في تقدير الفائز بالبافتا، الغولدن غلوب والأوسكار، كيسي أفليك، والذي سنروي هنا حكايته مع السينما.

وُلد كيليب كيسي ماكغواير أفليك-بولت عام 1975 الأخ الأصغر والوحيد لـ بين أفليك في ماساتشوستس منحدرًا من أصولٍ بريطانية، أيرلندية، ألمانية، وسويسرية، لُمدرِّسة في ابتدائية وسكّيرٍ عمل في أوقات يقظته كميكانيكي سيارات، نجّار، وكيل مراهنات، كهربائي، ساقٍ في حانة، وبوّاب في جامعة هارفارد، كما عمل كمدير، مخرج، كاتب وممثل مسرحيّ في شركة مسرح بوسطن في الستّينات.

بعد بلوغه التاسعة تم طلاق والديه لينتقل مع أخيه للعيش مع أمهما ويزورا أباهما أسبوعيًّا، وبعد بلوغه العاشرة توقفت الزيارات بسبب تنقلاته مع أخيه وأمه بين مناطق مختلفة بالقرب من المكسيك طوال عام، التجربة التي علمته بعض الإسبانية، بينما جعلته تجربة العيش السابقة مع أبيه السكّير يقوم بأولى تجاربه التمثيلية عندما قلّد حال أبيه في جلسات العلاج النفسي لمن هم في سنه ويعاني ذويهم من مشاكل مشابهة، والتي انتهت بعد بلوغه الخامسة عشرة بسبب إعادة تأهيل أبيه وتوظيفه كمستشارٍ في الإدمان.

أُحيط الأخوين بأجواءٍ فنية ولطالما اصطحبتهما أمهما إلى مسرحيات وسعت عن طريق صداقتها مع إحدى المسؤولات عن اختيار الممثلين لجعلهما يستغلان أي فرصة سواءً في إعلانٍ أو حلقةٍ في مسلسل أو مشهدٍ في فيلم، كما شجّعتهما على صنع أفلامٍ منزلية، لكن هذا كله لم يكف ليجعل التمثيل حلمًا لـ أفليك، في حين استطاع أحد مدرسيه في الثانوية ذلك، لينتقل بعد بلوغه الثامنة عشرة مع أخيه إلى لوس أنجلس ليسكنا مع صديق طفولتهما مات ديمون ويحاول الثلاثة بدء مسيرتهم الفنية في التمثيل.

لم يمض أكثر من عامين لتأتي بداية كيسي التي حملت أكثر مما حلم به، العمل تحت إدارة مخرجٍ كـ غاس فان سانت في فيلمٍ من بطولة نيكول كيدمان، لينال عنه مديحًا بدأ بتثبيت أقدامه كصاحب موهبة، ويكسب خلال عمله فيه صديقًا هو واكين فينيكس كونه شاركه الشقة، أداره فيما بعد في عمله الإخراجيّ الأول “I’m Still There”، كما سيتعاون معه مجدّدًا في “Far Bright Star”.

قضى كيسي بعد ذلك عامين أو ثلاثة يدخل الجامعة ثم يأخذ وقتًا مستقطعًا ليقدم فيلمًا ثم يعود إليها حتى تركها مرةً ولم يعُد، شارك خلال تلك الفترة بأفلامٍ أشعره نجاحها وأصداء ما قدمه فيها أنه مقبلٌ على فُرَصٍ لن يندم إن ترك الجامعة لاستغلالها، خاصةً فيلمي “Good Will Hunting” لـ غاس فان سانت والذي كُتب دوره فيه خصيصًا له من قبل أخيه بين، و”Chasing Amy” من بطولة بين.

للأسف لم يفاضل نجمنا كثيرًا بين الفرص فدخل في فترةٍ لا يستحق أغلب ما قدمه فيها الذكر استمرت لقرابة خمس سنوات، شارك بعدها في “Ocean’s Eleven” وجزأَيه اللاحقين، تعاون للمرة الثالثة مع فان سانت في الفيلم التجريبي “Gerry” جامعًا من تفرقوا على مستوى الفيلم على تميز أدائه، كان بطلًا للمرة الأولى في “Lonesome Jim” متوسط الاستقبال والذي اختير لبطولته بناءً على أدائه في “Gerry”، وشارك في “The Last Kiss” الذي وإن لم يحقق ذاك النجاح زاد من قاعدته الجماهيرية.

وفي عام 2007 اتخذت مسيرته منعطفها الأكبر بصدور فيلمين وضعه ما قدمه فيهما بين نخبة جيله، أولهما “The Assassination of Jesse James by the Coward Robert Ford” لـ أندرو دومينيك والذي قام بتجربة الأداء لأجله لمرات عديدة حريصًا على الفوز بالدّور، ليُقدم فيه ما يجعلك تشتاق لحضوره في كل مشهدٍ لا يظهر فيه وتأخذ صورته معك كأبرز ما ستذكره عيناك من التجربة، وينال عنه ترشيحاته الأولى لجائزة نقابة الممثلين، الغولدن غلوب والأوسكار، وثانيهما تجربة أخيه الإخراجية الأولى “Gone Baby Gone” والتي أتت خلال وقتٍ حرج في مسيرته كان أكثر من آمن به خلاله طبعًا أخوه كيسي، فوافق على أن يشاركه مغامرةً بهذا الحجم آتت ثمارها نجاحًا وتقديرًا كبيرًا للاثنين، بل وتقديرٌ لـ بين المخرج لم يقاربه يومًا ما وصله بين الممثّل، ليؤكد الجميع أن ثقة كيسي برؤية أخيه كانت بالتأكيد في محلها.

وبدل أن يسارع إلى استغلال ذاك النجاح لشق طريقه كنجم آثر الشروع في تجربته الإخراجية الأولى التي قام صديقه واكين فينيكس ببطولتها، دون تلك النتائج المحمودة وبتركّز ردات الفعل السيّئة حول سوء فهم مقاصده، ليعود في 2010 مع “The Killer Inside Me” لـ مايكل وينتربوتوم، والذي قبل بطولته فقط ليُكمل تمويل فيلمه مع فينيكس بعد استنفاذ ماله الخاص، دون أن يعني ذلك أن يبذل فيه أقل مما يفعل عادةً، ليُعد إضافةً أخرى تستحق التقدير في سجل موهبته، كما كان كل فيلمٍ تلاه، “Tower Heist” لـ بريت راتنر، “Ain’t Them Bodies Saints” لـ ديفيد لاوري، “Out of the Furnace” لـ سكوت كوبّر، “Interstellar” لـ كريستوفر نولان، و”Manchester by the Sea” لـ كينيث لونرغان الذي حاز عنه البافتا، الغولدن غلوب والأوسكار باستحقاقٍ قلّ مثيله، حتى في الفيلم المتوسط “The Finest Hours” استطاع أن يكون الإيجابية الأبرز.

تميّزٌ يبدو أنه في أيام مجده بحصول أدائه في فيلمه لهذا العام “A Ghost Story” لـ ديفيد لاوري على أصداءٍ تليق به، وتأكيد تعاونٍ ثالثٍ للاثنين في “Old Man and the Gun”، بالإضافة لبطولته للفيلم الثاني من إخراجه “Light of My Life”، وإدارته لـ فينيكس في “Far Bright Star”. أخيرًا، قُدّر الاختلاف غير المصحوب بتلك الوسامة والجاذبية.

أجمل صور الفقد والرحيل السينمائية لعام 2016

يوافق الأمس ما يُسمّى سبتُ الأروح عند كنيستي الكاثوليك والأرثوذكس الشرقيّتين، ويتم فيه إقامة الصلوات وإحياء ذكرى الراحلين من الأحبة، وعلى طريقة السينيفليين سنشارك في هذه المناسبة باستذكار أجمل تجليات الفقد في العام الفائت مع الأفلام التالية.

الفيلم الأول:

Manchester by the Sea – Kenneth Lonergan

جاءت فكرةُ هذا الفيلم كاقتراحٍ تشاركه جون كراسينسكي ومات ديمون لما قد يكون تجربة ديمون الإخراجية الأولى، فمضى بها الأخير إلى صديقه المبدع المُستبعد بسبب تعصُّبه لحريته الفنية كينيث لونرغان ليُعدّ النص، والذي ما أن قرأه ديمون حتىى اتصل بـ لونرغان وقال: “كيني، أنت الوحيد القادر على إخراج هذا، إنه بلا شك فيلمٌ لـ كيني لونرغان“. ربما لم يكن ديمون محقًّا في حياته كما كان حين قال ذلك، ولهذا لم أستطع تقبُّل أن أساس الفيلم لم ينشأ في روح لونرغان وأنه فقط نما داخلها،، وبدأت أقرأ عن حياته وتداعيها قبله خلال صراعه مع المنتجين حول النسخة النهائية من فيلمه السابق لستّ سنوات كاد يخسرر خلالها كل شيء، ونشأته في منزل أطبّاءٍ نفسيين أمتعه الغوص معهم في أعماق النفس البشرية، كان لا بد أن أجد في حياته ما أربط به عمله هذا ويجعل تلك الفكرة التي طُلِب منه بناء نصٍّ حولها ماءً يسقي جذورًا لها سابقةً فيه لا الجذور نفسها، كذلك الأمر مع حياة كيسي أفلِك وارتباطه الشديد بأخيه بِن وأزمة أبيه السكّير، كان لا بد أن أعثر على ما أكسب هذا العمل وصناعهه القدرة على أن لا يغادروا روح مشاهدهم إلّا وقد خلّفوا ندبة.

لي تشاندلر (كيسي أفلِك) حاجبٌ مسؤولٌ عن عدة منازل يعيش وحيدًا ويصعب استخراج الكلمات منه، والأصعب استخراج تعابيرٍ من وجهه يمكن ربطها بأي أحاسيس أو انطباعات واضحة أو ذات صلة بما تظهر خلاله، يتلقى مكالمةً تنبئه برحيل قريب، وتعيده إلى المكان الذي غادره قبل سنوات شخصًا غير الذي كان فيه.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم، من الخطأ اقتطاع أجزاء من هذا الفيلم خارج ترتيبها الصحيح الذي تهز الروح ضمنه ويُفسد تأثيرها خارجه.

الفيلم الثاني:

A Man Called Ove – Hannes Holm

أوفيه (رولف لاسغارد) مُسنٌّ وحيدٌ متقاعد لم يعد يشتاق لصباحٍ جديد لن يختلف عن سابقه إلا بوقوع ما يغذي غضبه، إلا أن صباحًا ما قد يختلف، وقد يستحق وما سيليه مكانًا في ذاكرة أوف المزدحمة بذكرياتٍ توقّف خلقها منذ زمن، ذكرياتٍ أجمل من أن يوجد ما يستحق الإضافة إليها.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأبرز أحداثه.

الفيلم الثالث:

Julieta – Pedro Almodóvar

خولييتا (إيما سواريز سيدةً في منتصف العمر وأدريانا أوغارتِه شابةً) امرأةٌ تختار ما يمكن اصطحابه من ذكرياتها إلى البرتغال حيث ستنتقل مع زوجها، وقبيل السفر تقابل صدفةً أحد من كان لهم حصةٌ كبيرة في تلك الذكريات، الأمر الذي يغير خططها إلىى الأبد.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأبرز أحداثه.

الفيلم الرابع:

Lion – Garth Davis

سارو (سَني باوير) طفلٌ في الخامسة من عمره يساعد أمَّه العاملة في حمل الصخور وأخيه الكبير الذي يقوم بأعمال متفرقة في رعاية أخته الصغيرة وتأمين قوت يومهم، يخرج في ليلةٍ ما ويأخذه قطارٌ لا يعرف موطنه إلى حيث لا يجد من يفهم حتى لغته، وهناك تنتظره رحلةُ هويةٍ أطول بكثيرٍ مما توقع، أطول من أن ينهيها صغيرًا كما بدأ.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لأنه لا يترك الكثير للفيلم.

الفيلم الخامس:

Captain Fantastic – Matt Ross

في غابات شمال غربي الأطلسي يستقر أبٌ (بينفيغو مورتنسن) وأطفاله الستة مؤسسين لمجتمعٍ مثالي لا يتأخر عن علم، ظمئٌ للخبرات الحياتية والجسدية التي يكتسبها من ويحتاج إليها للنجاة في أحضان الطبيعة، ولا يخطئ روح أفراده وذائقتهم الجمال والفن، يصيب عائلتهم أمرٌ يضطرهم للمرور مرة أخرى بمجتمع المدينة الذي لم يحِنّوا إليه بعد.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

أفضل 10 أفلام لعام 2016

دموع، ضحكات، ارتعاشات، تأمُّلات، صدمات، وابتساماتُ حنينٍ أو دفءٍ أو كليهما، وذكرياتٌ تشكّلت من الآثار السابقة لتجارب عام 2016 السينمائية، منها ما كان قصيرَ العمر وليد ساعته، ومنها ما سيرافقك، إما بعض الوقت أو عمرًا، وهذا غالبًا لا تكتشفه إلا بعد زمن، وهذه الأفلام هي أهم مرشّحي النجاح في اختبار الزمن هذا، بالنسبة لي على الأقل.

الفيلم الاول:

Manchester by the Sea – Kenneth Lonergan

جاءت فكرةُ هذا الفيلم كاقتراحٍ تشاركه جون كراسينسكي ومات ديمون لما قد يكون تجربة ديمون الإخراجية الأولى، فمضى بها الأخير إلى صديقه المبدع المُستبعد بسبب تعصُّبه لحريته الفنية كينيث لونرغان ليُعدّ النص، والذي ما أن قرأه ديمون حتىى اتصل بـ لونرغان وقال: “كيني، أنت الوحيد القادر على إخراج هذا، إنه بلا شك فيلمٌ لـ كيني لونرغان“. ربما لم يكن ديمون محقًّا في حياته كما كان حين قال ذلك، ولهذا لم أستطع تقبُّل أن أساس الفيلم لم ينشأ في روح لونرغان وأنه فقط نما داخلها،، وبدأت أقرأ عن حياته وتداعيها قبله خلال صراعه مع المنتجين حول النسخة النهائية من فيلمه السابق لستّ سنوات كاد يخسرر خلالها كل شيء، ونشأته في منزل أطبّاءٍ نفسيين أمتعه الغوص معهم في أعماق النفس البشرية، كان لا بد أن أجد في حياته ما أربط به عمله هذا ويجعل تلك الفكرة التي طُلِب منه بناء نصٍّ حولها ماءً يسقي جذورًا لها سابقةً فيه لا الجذور نفسها، كذلك الأمر مع حياة كيسي أفلِك وارتباطه الشديد بأخيه بِن وأزمة أبيه السكّير، كان لا بد أن أعثر على ما أكسب هذا العمل وصناعهه القدرة على أن لا يغادروا روح مشاهدهم إلّا وقد خلّفوا ندبة.

لي تشاندلر (كيسي أفلِك) حاجبٌ مسؤولٌ عن عدة منازل يعيش وحيدًا ويصعب استخراج الكلمات منه، والأصعب استخراج تعابيرٍ من وجهه يمكن ربطها بأي أحاسيس أو انطباعات واضحة أو ذات صلة بما تظهر خلاله، يتلقى مكالمةً تنبئه برحيل قريب، وتعيده إلى المكان الذي غادره قبل سنوات شخصًا غير الذي كان فيه.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم، من الخطأ اقتطاع أجزاء من هذا الفيلم خارج ترتيبها الصحيح الذي تهز الروح ضمنه ويُفسد تأثيرها خارجه.

الفيلم الثاني:

After the Storm – Hirokazu Koreeda

“إن لم تكن قادرًا على الاختيار، هذا يعني أنك ما زلت حيًّا. اختر، وقد مُتّ”، كان هذا جواب أكبر أستاذ سينمائي لدراما العائلة في عصرنا هيروكازو كوريدا لأحد الصحفيين حين أخبره بأن فكرة اختيار ذكرى لا يصاحبك إلاها بعد الموت ما زالت تشغله منذذ مشاهدته لفيلمه “After Life“، وما زال كوريدا يمدُّنا بأروع الذكريات السينمائية فيلمًا بعد آخر لينسينا حتى فكرة الاختيار تلك،، فكل فيلمٍ له يزيد إحساسنا بـ وانتباهنا إلى أدق وأروع تفاصيل الحياة، فلماذا نختار ذكرى بدل أن نرحب بجديدة، كتجربة مشاهدةة آخر روائعه هذا الذي دفع دفءه الناقدة جيسيكا كيانغ لتصفه بقولها: “فيلمٌ يدعوك إلى الداخل ويُفسح لك مساحةً على طاولةة العشاء بينما تخلع حذاءك في الردهة”.

ريوتا (هيروشي آبيه) روائيٌّ سابق في تاريخه روايةٌ واحدة أكسبته جائزته الأولى والأخيرة في هذا المجال، يحاول أن يجمع بقايا أحلامٍ كان فيها غير ما كانه في الواقع، أحدها لأمه وآخر لزوجته وآخر لابنه، وربما بينها ما كان له.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

The Salesman – Asghar Farhadi

قليلون من استطاعوا غزو العالم بفنّهم دون أن يضعوا قدمًا خارج أرضهم كما فعل الإيراني أصغر فرهادي ويفعل، من استطاعوا إيجاد لغةٍ عالمية تجمع شرائحًا كبيرة من أكثر المشاهدين تطرّفًا، مشاهدين يعتبرون شُهرة عملٍ أو صانعه وصمة عار ودليل علىى السطحية، وآخرين يجدون غياب الطابع الجماهيري في عمل دليل فشلٍ وادعاءِ عمق، مع من بينهما، ومع هذا الفيلم يثبت مرةً جديدة أن السينما لغته، أنه وكاميرا قادرٌ على استنطاق كل بابٍ مُقفل بما يخفيه، بأن يفتحه نصف فتحة.

عمّار (شهاب حُسيني) ورنا (تَرانِه أليدوستي) زوجين ممثّلين يتصدّع البناء الذي يسكنان شقةً فيه منذرًا بالسقوط، فينتقلان إلى شقّةٍ مؤقّتة ما تزال فيها بعض حاجيات مستأجرتها السابقة، والتي ينتظرهم فيها قدرٌ لو علماه لفضّلا مصير سكنى الجدران المتهالكة.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأهم أحداثه.

الفيلم الرابع:

La La Land – Damien Chazelle

من النادر أن ينفر فتيٌّ من هوليوود، لا بد أن تكون المرحلة الأولى على طريق السينما لأنها الأسهل وتأتي إليك على طبق، ولأنها أرض الأحلام التي تبشّرنا بأننا سنحقق كل ما نؤمن به ونبذل كل ما نستطيعه في سبيله، لكن عامًا بعد عام وتجربةً حياتيّةً بعد أخرى، تجد نفسك غالبًا في شبه مفترق طرق، إما التعاطي مع الواقع وخيباته بما يقتضيه وجعل شاشات هوليوود مهربًا تلجأ إليه في الأوقات المستقطعة إلى أحلامٍ أدركت أن أغلبها أوهام، وإما النفور ممن تاجر بأحلامك ومشاعرك ورسم طريقًا لك إليها لن تجده في أي أرض، لكن هناك طريقٌ آخر في ذاك المفترق، لذاك الذي يُقدّر الصدق عند من يُلامس الواقع، وعند الحالمين، سواءً أبُني على واقع أم على خيال، صدقه هو الأهم بقدرته على تغذية ما يشاركك فيه، حب الحلم، وهذا ما تجتمع على امتلاكه أغلب كلاسيكيات هوليوود التي تحدت الزمن، وعاش الكثيرون على صورها ومنهم من أصبح جزءًا منها، كـ داميان شازيل، والذي يقوم الآن برد الجميل لمن أعانوه على احتمال الحياة بأن يؤمن بغَدِه كما آمنوا، مقاربًا سحر عالمهم إلى عالمنا، في أحد أروع سينمائيات الغزل من عاشقٍ للسينما لمعشوقته.

في زحام لوس أنجلس، قدرٌ يجمع سيباستيان (رايان غوزلينغ) المهووس بموسيقى الـ جاز وإحياء أيام مجدها، وميا (إيما ستون) الطامحة لتكونَ نجمةً كمن عشقتهم في الأفلام التي نشأت عليها، ليُغير مصائرهم وسُبُلهم إلى تلك المصائر كما لم يتخيلا.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

Arrival – Denis Villeneuve

“كنتُ مفطور القلب ومنتعش الروح في الوقت ذاته، امتلأ رأسي بأفكارٍ كبيرة، وكان عليَّ أن أتجول في الحي بضع مراتٍ وأحضن أصدقائي. وفي اليوم التالي قلت لنفسي: يجب أن أمنح هذه التجربة لآخرين”، هذا ما قاله إيريك هايسرر كاتب نص هذا الفيلمم عن تجربته في قراءة القصة القصيرة التي بنى عليها نصه، لتمر عشر سنواتٍ قبل أن يحقق هذا الحلم، قدم خلالها نصوصًاا متوسطة فما دون لأفلام رعبٍ جعلته آخر من يمكن أن يُنتظر منهم نصٌّ عُدَّ من أفضل ما كُتِب في عامه، لأنها كانت ما يطلبه المشاهدون، لا ما يطلبه إيمانه وشغفه بقصةٍ وفكرة، ليترافق تحقيق حلمه مع تحقيق أكبر نجاحٍ لفيلمٍ له في شبّاك التذاكر الذي كان الخوف منه ذاته هو سبب تأخّر تحقيق الحلم، وإن لم يكن السبب الوحيد، فانضمام دينيس فيلينوف وإيمي آدامز يستحقق الانتظار عمرًا.

لويز (إيمي آدامز) واحدة من أفضل علماء اللغويات الأحياء، تفاجأ ذات صباحٍ تلا هبوطًا لأجسامٍ غريبة على مناطق مختلفة من سطح الأرض بطلبٍ رسمي للمساعدة في فهم اللغة التي يتحدث بها من تحملهم تلك الأجسام.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم السادس:

Midnight Special – Jeff Nichols

في مرّةٍ سُئل أكيرا كوروساوا أسطورة صناعة السينما الخالدة خلود أعماله عن معنى أحد أفلامه فأجاب: “لو أمكنني أن أقوله بالكلمات لفعلت، ولما كنت بحاجةٍ لصناعة الفيلم”، هذا لا يعني أن هذا الفيلم فلسفي ومعقّد وما إلى ذلك من أوصاف يعتبرهاا الكثيرين لا تأتي إلا مترافقةً مع  الزيف والادّعاء، لكنه يعني ببساطة أن جيف نيكولس لا يشرح لك تجربة، بل يجعلك تعيشها.

يُسلّط ضوء الإعلام بشكلٍ غير اعتيادي على ما وصفه باختطاف طفل (آلتون مايرجايدين ليبرهر)، وتجاوبٌ وانسجامٌ غير اعتياديين بين ذاك الطفل وخاطفيه المزعومين روي (مايكل شانون) ولوكاس (جويل إدغرتون)، ومؤسسةٌ دينية يعتبر أفرادها أنها الأحق بالمخطوف، فما سر هذا الصغير الذي يجعل الجميع يسعى وراءه؟!

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم وتوفير المتعة كاملةً لمشاهدته.

الفيلم السابع:

The Handmaiden – Park Chan-wook

إن كنت من محبي السينمائي الكوري المبدع بارك تشان-ووك فلن يكون تفويت آخر أفلامه هذا أمرًا تغفره لنفسك، فهنا قسوة Oldboy وغنى وإحكام حبكته، خفة ظل I’m a Cyborg, But That’s OK الماكرة، شاعرية شتاء Lady Vengeance، والجمالياتت سلسلة وساحرة التدفق التي تجمع كل ما سبق على اختلاف ما ترافقه في كلِّ عملٍ منهم، وإن لم تكن من محبيه فمن الصعب ألا تجد فيما سبق ما يغريك لدخول عالمه.

في القرن التاسع عشر، سوكهي (كيم تايري) قرويةٌ كورية يتم توظيفها كخادمة شخصية لـ هيديكو (كيم مينهي) وريثة عائلةٍ يابانيةٍ ثرية، لتقيم في منزلٍ لا وجه فيه يظهر ما يبطن إلا نادرًا، وهي ليست استثناءً.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثامن:

The Wailing – Na Hong-jin

لا يُمكنك تشبيه هذا الفيلم بآخر، لا يمكنك حدُّه بإدراجه تحت نوعٍ أو آخر، لا يُمكنك الاكتفاء بمشاهدته مرة، أو نسيان تلك المرة، يمكنك فقط الاعتراف بأن ارتجاف قلبك وانتباه أعصابك الكامل خلاله لن يفترا مرةً بعد مرة.

جونغ-غو (كواك دو-وون) شرطيٌّ يصحو يومًا على خبر اكتشف وقوع جريمةٍ غريبةٍ من نوعها يتضح أنها ليست الأولى وليست الأخيرة، ولن تبقى ملابساتها بعيدةٍ عن منزله طويلًا.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم التاسع:

The Red Turtle – Michael Duduk de Wit

عندما وصلت إلى الهولندي ميخيل دودوك دي ويت مخرج هذا الفيلم رسالةٌ من أسطورة سينما الرسوم اليابانية استوديو غيبلي، وجد فيها سؤالين، أحدهما فيما إذا كان يوافق على منحهم حقوق توزيع فيلمه القصير الفائز بالأوسكار “Father and Daughter” في اليابان، والثاني فيما إذا رغب أن ينتجوا فيلمه الطويل الأول، وأجاب على الأول بالموافقة، وعلى الثاني بأنه لم يفهمه، أو لم يكن قادرًا على تصديق ما فَهِمه، وليس الأمر فقط بكونها فرصةٌ ذهبية، فإن تم ذلك سيكون فيلمه الأول هو الفيلم غير الياباني الأول لـ استوديو غيبلي، وتم ذلك، واستحقّ ذلك.

يرافق الفيلمُ ناجٍ من الغرق على جزيرةٍ لا يسكنها إلا هو وبعض الطيور وسرطانات البحر عبر مراحل حياته على تلك الجزيرة.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم العاشر

Tie: Everybody Wants Some!! & Hunt for the Wilderpeople

Everybody Wants Some!! – Richard Linklater

بين نيلك الشهادة الثانوية وبداية حياتك الجامعية، أولى ساعات الحرية الكاملة والتي قد تكون آخرها، والتي يكون العقل آخر ما يقودك فيها كونها الأولى، منا من اختبرها ومنا من لم ينل تلك الفرصة، لكن الجميع سيستطيعون اختبارها هنا، فحين ترافق لينكلايتر لا يستطيع الزمن إيقافك.

في بداية ثمانينيات القرن الماضي جيك برادفورد (بليك جينر) متخرج حديثًا من الثانوية نال منحة جامعية بناءً على مهارته في لعب البيسبول، ينتقل إلى سكنٍ جامعيٍّ خاص بفريق الجامعة، حيث لا يوجد تقريبًا أي رقيب، فقط جد مكانك في المجموعة وانطلق إلى المتع حتى الجنون.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

Hunt for the Wilderpeople – Taika Waititi

النيوزيلندي تايكا وايتيتي واحدٌ من قلةٍ من صناع الأفلام الكوميدية الموجودين حاليًّا الذين يملكون بالفعل خفة الظل، وليس مجرد الاطلاع على ما يضحك الناس عادةً، لذلك لا يضطر للبحث في الأرشيف، الكوميديا لغته وأسلوبه، لهذا تجد في هذا الفيلمم مغامرةً شيقة بروحٍ دافئة وقلبٍ كبير، يضحكك ويسعدك عيشها، وعيش ذكراها المغذية لرغبة إعادتها مرةً تلو أخرى.

ريكي (جوليان دينيسون) فتىً يتيم من الماوري (سكان نيوزيلندا الأصليين)، يتم تبنيه من قبل زوجين بيلا (ريما تي وياتا) وهيك (سام نيل) لا أطفال لديهما، لكن فرحة العائلة باكتمالها لا تدوم طويلًا، فلا القدر يمهلهم ولا قوات الخدمات الاجتماعية التي تحولهم إلى طرائد في البرية، طرائد خبيرة بالبرية.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

Manchester by the Sea

“لم يحظَ الفَقدُ بفيلمٍ أفضل”

السنة 2016
تقييم أفلام أند مور 9.5/10
المخرج كينيث لونرغان
المدة 137 دقيقة (ساعتين و17 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب بعض المحتوى الجنسي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 8.4

جاءت فكرةُ هذا الفيلم كاقتراحٍ تشاركه جون كراسينسكي ومات ديمون لما قد يكون تجربة ديمون الإخراجية الأولى، فمضى بها الأخير إلى صديقه المبدع المُستبعد بسبب تعصُّبه لحريته الفنية كينيث لونرغان ليُعدّ النص، والذي ما أن قرأه ديمون حتى اتصل بـ لونرغان وقال: “كيني، أنت الوحيد القادر على إخراج هذا، إنه بلا شك فيلمٌ لـ كيني لونرغان“. ربما لم يكن ديمون محقًّا في حياته كما كان حين قال ذلك، ولهذا لم أستطع تقبُّل أن أساس الفيلم لم ينشأ في روح لونرغان وأنه فقط نما داخلها، وبدأت أقرأ عن حياته وتداعيها قبله خلال صراعه مع المنتجين حول النسخة النهائية من فيلمه السابق لستّ سنوات كاد يخسر خلالها كل شيء، ونشأته في منزل أطبّاءٍ نفسيين أمتعه الغوص معهم في أعماق النفس البشرية، كان لا بد أن أجد في حياته ما أربط به عمله هذا ويجعل تلك الفكرة التي طُلِب منه بناء نصٍّ حولها ماءً يسقي جذورًا لها سابقةً فيه لا الجذور نفسها، كذلك الأمر مع حياة كيسي أفلِك وارتباطه الشديد بأخيه بِن وأزمة أبيه السكّير، كان لا بد أن أعثر على ما أكسب هذا العمل وصناعه القدرة على أن لا يغادروا روح مشاهدهم إلّا وقد خلّفوا ندبة.

لي تشاندلر (كيسي أفلِك) حاجبٌ مسؤولٌ عن عدة منازل يعيش وحيدًا ويصعب استخراج الكلمات منه، والأصعب استخراج تعابيرٍ من وجهه يمكن ربطها بأي أحاسيس أو انطباعات واضحة أو ذات صلة بما تظهر خلاله، يتلقى مكالمةً تنبئه برحيل قريب، وتعيده إلى المكان الذي غادره قبل سنوات شخصًا غير الذي كان فيه.

كتب كينيث لونرغان نص الفيلم، بشخصياتٍ عرفها كاملةً قبل أن يأتي بقصتها، صاغ لها تاريخًا لا يتسع له فيلم تحسه بصداه في الأحداث المستندة إلى ذاك التاريخ الذي لا يفوقه أساسٌ متانة، هؤلاء كانوا هنا قبل الفيلم، وسيكونون بعده، بحالٍ ستستطيع معرفتها لأنك ستعرفهم عبر ما اقتطعه لونرغان من حياتهم ماضيها وحاضرها، بالبنية العبقرية لخط سير قصته وما يتخلله من ذكرياتٍ ترِد لأنها ذكريات لا لأنها ماضٍ يجب كشفه لك لتدرك ما يجري ويريد تشويقك لمعرفة تفاصيلٍ أكثر عنه، بطله لا يكترث بك، لديه أعباءٌ تكفي، لكن لونرغان يكترث لكليكما، ويجمعكما بأروع شكلٍ ممكن، ملتزمًا بالقاعدة السينمائية الأشهر: “أظهِر لا تُخبر”، لذلك حين تأتي الحوارات تأتي لحاجةٍ لها تُلبّيها وتُغني بها الأثر، فهؤلاء حقيقيون، العلاقات بينهم حقيقية، وحين يتحدثون لا يحتاجون من بعضهم شروحاتٍ مفصّلة لما يحسّون وما يعنون، كذلك حين لا يتحدثون، ولن يعوزك ما تكون دونه أقل فهمًا.

إخراج كينيث لونرغان يؤكد كم كان تولّي غيره هذه المهمة سيحرمنا من أحد أروع تُحف هذا القرن السينمائية، فلن يبث الحياة في نصه إلا أحد أساتذة الصمت، ولا شك أنه من أقدرهم، خاصّةً مع إدارةٍ إعجازيّةٍ لممثّليه أقلهم ظهورًا وأكثرهم تجعل إيمانهم بأنّهم يجسدون شخصياتٍ من لحمٍ ودم لا يقل عن مثيله إن كانوا في فيلمٍ عن حياتهم، وبهم وسماء وطيور مانشستر وبحرها والثلج ونسماته في أحيائها وشوارعها يخلق حالةً تغزو روحك دون مقاومة، مُثيرةً ذاك الحنين الذي لا يأتي دون ألم، لأنه حنينٌ لمن خسرت أكثر منه لما خسرت، حنينٌ لما لا يُمكن إحياؤه لأنه كان مع من رحل، وكل هذا لا يكفيه وأبطاله، أنت على موعدٍ مع أحد أكثر التجارب التي ستجعلك في حاجةٍ لحضنٍ عميق، وإن لم يحجب لونرغان حلوًا أو مرحًا في سرده لأنه حريصٌ على أن يأتي بقطع الحياة المتناثرة تلك كما هي، ومنها مع استخداماتٍ موسيقية عبقرية يخلق متوالياتٍ أقوى من النسيان.

أداء تاريخي من كيسي أفلِك يُمزّق الروح ببطء دون قصد، هو فقط كان لي تشاندلر ولم يستطع فعل الكثير حيال ذلك، ولا يمكن لومه، يمكن فقط احترام عظمة إنجازه الذي لم يكن بحاجة لانفجارات عاطفية أو تطرّف في الحالة الجسدية أو العقلية، كان بحاجة للحظات حقيقية وروح حقيقية، ومنحه لونرغان الأولى وتشاركا في الثانية، والنتيجةُ كمال.

أداء من السهل أن يكون عابرًا خاصّةً بوجود أفلِك وتواضع مدة ظهور صاحبته على الشاشة، لكنه تحول بفضل ميشيل ويليامز إلى سببٍ آخر لتقدير الفيلم، وأداءات ممتازة من كل فرد خاصةً لوك هيدجز، تصويرٌ أبصر نقاط تلاقي الوحشة والدفء من جودي لي لايبس، مونتاج حريري حيث لا يمكن تخيل ذلك من جينيفر ليم، وموسيقى ارتقت لتنسجم واختيارات لونرغان الموسيقية الرخيمة من ليزلي باربر.

حاز على 96 جائزة أهمها الكرة الذهبية لأفضل ممثل بدور رئيسي، ورُشّح لـ226 أخرى أهمها ست أوسكارات لأفضل فيلم، إخراج، نص، ممثل بدور رئيسي (كيسي آفلِك)، ممثلة بدور مساعد (ميشيل ويليامز)، وممثل بدور مساعد (لوكاس هيدجز).

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم، من الخطأ اقتطاع أجزاء من هذا الفيلم خارج ترتيبها الصحيح الذي تهز الروح ضمنه ويُفسد تأثيرها خارجه.

أروع أفلام مواجهات الحب مع المسافات والزمن

“الحب يعني أن تفعل كذا وأن تفعل كذا..”، تعريفاتٌ وشروط لا أساس لها إلا فيلمٌ أو مسلسلٌ أو رواية، وكلما كان الحب غضًّا لم يصطدم بعد بما يختبر تلك التعريفات والشروط سهُل الاقتناع بها وإطلاق الوعود بناءً عليها، لكن ماذا إن مر؟ ماذا أن أصابه البعد؟ ماذا إن أصابه الزمن؟ ماذا إن كنا من يستعين بهما عليه لأننا نراهما أقوى ولا نرى فيه أملًا أو خيرًا؟، سأترك مهمة الإجابة على هذه الأسئلة وطرح أخرى للأفلام التالية.

الفيلم الأول:

10.000Km – Carlos Marques-Marcet

2- 10.000 Km

منذ بضع سنوات طُلب مني اختيار موضوع والحديث عنه على الملأ، وكان طبعًا موضوعي السينما، أذكر حينها أن ختام حديثي كان: “السينما قادرةٌ على جعلك تختبر شعور القاتل دون أن تقتُل.. شعور المحارب دون أن تحمل سيفًا أو بندقية..”، تجنبت وقتها طبعًا قول: “شعور العاشق دون أن تقع في الحب” لما نملكه في مجتمعاتنا من تحفُّظٍ طفولي إزاء ذكر الحب، المهم في الأمر أن هذا الفيلم يثبت امتلاك السينما لتلك القدرة التي ذكرتها، سيحيلك عاشقًا مفطور القلب ببعد من يعشق إن لم تكن من قبل ذاك العاشق، وإن كنته فستعيد عيش مر قصتك وما يتخلله من حلو، نعم ليس مرها وحلوها، مرها وما يتخلله من حلو..

أليكس (ناتاليا تينا) وسيرغي (دافيد فيرداغير) عاشقين شابين ومستقرين في شقةٍ في برشلونة، منحةٌ تُقدم لـ أليكس للسفر إلى لوس أنجلس والعمل فيما تحب لسنةٍ كاملة، عشرة آلاف كيلومترُا تفصل بين عاشقين لسنةٍ كاملة، لكن ربما يمكن للإنترنت حل المشكلة، أليس كذلك؟!

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأحداثه.

الفيلم الثاني:

Little England – Pantelis Voulgaris

Little England

يحكي الفلم قصة عائلة يونانية مؤلفة من أمٍّ وأبٍ بحار أخذه البحر في رحلةٍ طويلة لا يُبقي أهله فيها على أمل برؤيته إلا رسائله وبعض الأخبار، وأختين شابتين يخفون عن بعضهن حكايا قلوبهن، وتدور أحداث القصة على قطعة من الجنة وسط البحر تسمى “آندروس” أو “انكلترا الصغيرة” (وسميت بهذا الاسم لما فيها من ترف)، وتمتد القصة منذ عام 1930 قبيل الحرب العالمية الثانية و حتى عام 1950.

أورسا (بينيلوبي تسيليكا) الابنة الكبرى تعشق بحّارًا وتخشى أن تنضم يومًا لأمها والكثيرات من نساء الجزيرة اللاتي ودعن رجالهن على الشاطئ، وحتى الآن ما زلن يتخيلن لحظة اللقاء، وأختها موسكا (سوفيا كوكالي) تحب شابًّا انكليزيًّا معدمًا، وأمهما مينا (آنيزا بابادوبولو) تعلم أن البحر أقوى من الحب، فتتخذ قراراتٍ حاسمة ستغير مصير العائلة إلى الأبد.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأحداثه.

الفيلم الثالث:

Lovers of the Arctic Circle – Julio Medem

10- Lovers of the Arctic Circle

أوتو وآنا طفلين يلتقيان بالصدفة، والحب بينهم لن نعرف أكان في اللقاء الأول أم في لقاء تلاه، لا يهم، ما يهم أن هناك حبًّا نشأ، وهذا ما جعل لقاءاتهم تتكرر، هم يعيشون في دائرةٍ مآلهم منها إليها، قصتهم تدور أحداثها في دائرة القطب الشمالي التي تمر بأيام لا تغرب فيها الشمس، أيام كحبهم.

خوليو ميديم خريج طب النفس، يجد علاج مرضاه في السينما ويصبح مخرجًا ليقدم لنا هذه الرائعة.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

5Centieters Per Second – Makoto Shinkai

4- 5 Centimeters Per Second

تاكاكي (كينجي ميزوهاشي) طفلٌ لديه بصفه فتاةٌ اسمها أكاري (أكايا أونو) لا يحس بالراحة إلا عندما يكون معها، لكن عمل أبويها يضطرهم للانتقال وانتقالها معهم أخذ منه تلك الراحة، يروي الفيلم عبر ثلاث قصص قصيرة حكايا تاكاكي مع قلبه، طفلًا، مراهقًا، وراشدًا، فإلى أين سيأخذه ذاك القلب؟ كيف سيتعامل مع البعد؟ وأي نوع من البعد سيملك الأثر الأكبر؟

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً هنا.

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

Ain’t Them Bodies Saints – David Lowery

Ain't them Bodies Saints

بوب مالدون (كيسي آفليك) يقوم مع زوجته الحامل بطفله الأول روث (روني مارا) بمغامرةٍ خطرة، تجبرهم تبعاتها على اتخاذ قراراتٍ ستغير مصيرهم إلى الأبد، وهذا لا يعني أن يقبلا بذاك التغيير دون أي مقاومة.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأحداثه.

Ain’t Them Bodies Saints

“يؤلمك جمال الصورة حين تدرك أنها صورتك”

السنة 2013
تقييم أفلام أند مور  8/10
المخرج ديفيد لاوري
المدة 96 دقيقة (ساعة و36 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) لليافعين لما فيه من عنف
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 6.4

في حوارٍ بين الناقد السينمائي هوفيك حبشيان والمخرج الفرنسي جان بيار جونيه صاحب الرائعة الشهيرة Amelie، أجاب جونيه بعد سؤالٍ متعلق بعمله على مسلسل أمريكي: “في أميركا لديهم مفهومٌ آخر للمخرج، وهذا أمر غريب! يأخذون منك الصور التي التقطتها ويدرجونها في خلفية أخرى. حتى أنّهم يعدّلون حجم الكادرات. المخرج عندهم مجرد موظف”، والإجابة ذاتها يمكن استعمالها لدى السؤال عن سبب كون السينما المستقلة هي الوحيدة التي تمنحنا فيلمًا أمريكيًّا كهذا لا يقول أبطاله ما يجب أن تنطق به صوره.

بوب مالدون (كيسي آفليك) يقوم مع زوجته الحامل بطفله الأول روث (روني مارا) بمغامرةٍ خطرة، تجبرهم تبعاتها على اتخاذ قراراتٍ ستغير مصيرهم إلى الأبد، وهذا لا يعني أن يقبلا بذاك التغيير دون أي مقاومة.

كتب ديفيد لاوري نص الفيلم، لم يقدم جديدًا على صعيد الإطار العام، لكن جديده جاء في  رؤيته المعنية بالتفاصيل والغنية بالحس العالي لما يمكن أن يحتويه ذاك الإطار، شخصيات يجتهد في تقديمها بشكلٍ يجمعها بنا مهما تباعدت طرقهم عن طرقنا، أحداث لا تخلو من توجيهٍ واضح، دون أن يبتعد خط سيرها عما يمكن أن يكونه إن قادته الشخصيات بشكلٍ كامل، مع حوارات مصاغة بعناية فلا ترد إلا في المكان المناسب مضيفةٍ لعمق الأثر وواقعيته، ومفسحةً المجال للصورة لتتكفل بتكثيف ذاك الحوار.

إخراج ديفيد لاوري بقدر ما يغني صورته جمالًا بقدر ما يحمّلها ألمًا، يستثيره بالحنين حينًا، وبانكسار قلبٍ تلا غيره أو سبقه حينًا آخر، أو بمجرد استغلاله لمواهب أبطاله وإجبارك على أن تختبر ما يختبرونه، وذلك بصورةٍ ساحرةٍ ملؤها الدفئ وتقدير الجمال في كل مكانٍ تمر عليه كاميرته.

أداءات ممتازة من فريق العمل وخاصةً الرائعة روني مارا التي تهوى ملامحها الكاميرا وتأبى إلا أن تستقر مكانها حين تمر بها، وإن لم تفعل فعلت أعيننا، كيف لا وبرادفورد يانغ الذي يدير تلك الكاميرا عاشقٌ للجمال ولمشاركتنا إياه بأن يرينا تفاصيله تحت أجمل سقوط لأشعة النور عليه، مع موسيقى برقة الصورة تزيد التجربة اقترابًا من القلب من دانييل هارت.

حاز على 4 جوائز أهمها جائزة التصوير في مهرجان سندانس، ورشح لـ11 أخرى أهمها جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان سندانس.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأهم أحداثه.