أرشيف الوسم: مارتن سكورسيزي

حقائق قد لا تعرفها عن Shutter Island (الجزء الثاني)

عن الفرصة الكبيرة التي أُتيحت لـ مارتن سكورسيزي بالعمل مع أحد أساطير تاريخ السينما في هذا الفيلم وتعليقه وتعليق ديكابريو على ذلك، الأفلام التي تأثّر بها سكورسيزي وعرضها على فريق عمله كمرجعيّات، ليوناردو ديكابريو وتجربة العمل على الفيلم التي ملكت أثرًا لم يختبر مثله من قبل، والنهاية وتفسير المستشار النفسي الذي عمل على الفيلم لها ومرجعيّة تفسيره سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Shutter Island

هُنا الفرصة لم تكن فقط من حظ مارك روفالو وبِن كينغسلي بالعمل مع سكورسيزي، هُنا كسب سكورسيزي نفسه فرصةً حلميّة بالعمل مع أسطورة سينمائيّة، مع رفيق أمجاد إنغمار بيرغمان وصاحب التاريخ التمثيلي البالغ عمره أكثر من ستّين عامًا، مع ماكس فون سيدو. “لا يُصدّق. كان العمل معه مُرهبًا. إنه جزء من تاريخ السينما. عبقري”. “لقد غير تاريخ السينما، مع بيرغمان، طبعًا، والمخرجين الآخرين الذين عمل معهم. لكنه أحد الشخصيات السينمائيّة التي تتجاوز الأفلام التي تظهر فيها”. هذه تعليقات ديكابريو وسكورسيزي على تجربة العمل مع فون سيدو على الترتيب.

وليس طبعًا من الغريب مدى تقدير سكورسيزي لشخصٍ كهذا وهو أشهر مشاهد شغوف على الإطلاق، والحريص على الاحتفاء بالأعمال التي يحب في أفلامه. هُنا مثلًا، جعل فريقه يشاهد تحضيرًا للعمل: “Laura” لـ أوتو بيرمينغر،”The Wrong Man” و”Vertigo” لـ ألفريد هيتشكوك، “I Walk with a Zombie” و”Cat People” و”Out of the Past” لـ جاك تورنو، “Let There Be Light” لـ جون هيوستن، “The Steel Helmet” لـ سام فولر، “Bigger Than Life” لـ نيك راي، “The Trial” لـ أورسون ويلز، “Crossfire” لـ إدوارد دميتريك، وأفلام زومبي الأربعينيّات التي أنتجها فال ليوتُن. من بين أفلامٍ أخرى.

بعيدًا عن متعة مشاهدات كلاسيكيات من اختيار سكورسيزي. كانت تجربة العمل على الفيلم هي الأصعب بالنسبة لـ ديكابريو بين كل ما عمل عليه حتى تاريخه، “أعادني إلى وقتٍ كنت أذكر فيه أحلامي، لأني عادةً لا أستطيع ذلك. لكن عندما استعملت لصاقة النيكوتين حين كنت أحاول الإقلاع عن التدخين، كانت تراودني كوابيس جرائم جماعيّة توقف الدم في العروق، لأستيقظ في منتصف الليل وأنزع اللصاقة. أعتقد أنني مررتُ بلحظاتٍ كهذه في الفيلم.  ذهبت إلى أماكن واكتشفت أمورًا داخلي لم أعتقد أنني قادرٌ على فعلها”. هذه الكلمات هي بعض ما وصف به ديكابريو تجربته.

وهذا الانغماس في الشخصية وظروفها طوال الفيلم كان طبعًا سببًا رئيسيًّا في الجدل الذي أحاط بالنهاية والجملة الشهيرة المذكورة فيها دون أن تُذكر في الرواية، والذي كان للبروفسور جيمس غيليغان المستشار النفسي الذي استُعين به خلال العمل على الفيلم رأيٌ استثنائيٌّ في حقيقته:

.

.

فيما يلي حرق لنهاية الفيلم:

.

.

.

بحسب غيليغان، أندرو يختار قدره وهو مُدركٌ تمامًا لما يفعل، وجملة: “أيهما أسوأ؟ أن تعيش وحشًا أم أن تموت كرجلٍ طيّب؟” تعني: “أنا أشعر بالذنب أكثر مما يسمح لي من الاستمرار بالعيش، لن أنتحر بيدي، لكنني سأفوّض هؤلاء الناس لفعل ذلك بالسماح لهم بتشويه دماغي“. فمن يقتلون كـ أندرو لا يُدركون ما يفعلونه لحظتها، لكن إن عادوا إلى صوابهم، لن يستطيعوا احتمال الذنب.

وفسر نتيجته بالسياق التاريخي وظروف القصة. فـ Shutter Island يجري في خمسينيات القرن الماضي، وفي تلك الحقبة، كثيرٌ من الاضطرابات العقليّة كان يتم التعامل معها جراحيًّا من خلال عمليّة فصل الفص الجبهي من المخ، والتي أُجريت على أكثر من أربعين ألف مريض خلال ثلاثين عامًا. وحينها كان هناك تقدُّميّون يسعون لاستبدال علاجات كهذه بأساليب لا تُحدث ضررًا لا رجعة عنه، والدكتور كولي في الفيلم هو أحدهم، وتمثيليّته التي أعدّها لـ أندرو هي تجربة، إن أثبتت نجاحها أكّد على فعاليّة العلاج غير الجراحي، وإن لم تفعل أصبح لمؤيّدي الجراحة موقفٌ أقوى.

لذلك، بعد نجاح تجربة كولي وعى أندرو ما فعله فأغرق الذنب روحه حتى فضّل مرضه على شفائه، فقام بتمثيل كونه ما زال على أوهامه وهلاوسه، ذكر الجُملة الأخيرة، ثم ذهب بنفسه وبكل هدوء إلى حيث ينتظره الجزّارون.

حقائق قد لا تعرفها عن Shutter Island (الجزء الأول)

حقق أكبر افتتاحية لفيلم لمخرجه مارتن سكورسيزي وبطله ليوناردو ديكابريو في مسيرتَيهما وأعلى إيرادات لفيلم لـ سكورسيزي حتى تاريخه. في المركز 32 بين أكثر الأفلام شعبيةً في التاريخ على موقع IMDb، وفي المركز 182 على قائمة الموقع لأفضل 250 فيلم. Shutter Island وقصة صنعه.

بعد النجاح النقدي والجماهيري والجوائزي لرائعة كلينت إيستوود “Mystic River” المقتبسة من رواية لـ دينيس ليهين بنفس الاسم، سارعت شركة “Columbia Pictures” إلى شراء حقوق روايته الجديدة Shutter Island لدى صدورها عام 2003، وقامت بمحاولات غير جدّيّة للمضي في مشروع اقتباسها سينمائيًّا، وإن مرت تلك المحاولات على مخرجين بوزن وولفغانغ بيترسن الذي أراد عمل تعديلات كبيرة على الرواية الأصل لإغناء الفيلم بالحركة، وديفيد فينشر.

في النهاية وبعد تأجيلات كثيرة عادت الحقوق إلى صاحبها ليبيعها ثانيةً لشركة “Phoenix Pictures” التي زاد حماسها بعد نجاح “Gone Baby Gone” تجربة بِن أفليك الإخراجيّة الأولى والتي اقتبس فيها رواية أخرى لـ ليهين.

“أذكر أنني في سن العاشرة أخذت جميع أصدقائي لمشاهدة Taxi Driver. جميعهم كرهوا إصراري على ذلك. لكنني علمت أن هذه ستكون رحلتي إلى داخل عالم الفنون. لطالما كان سكورسيزي صاحب تأثيرٍ هائل على كل ما كتبت”. هذه كانت كلمات ليهين عن سكورسيزي. “بمجرد أن قرأتها، كان علي أن أصنع الفيلم. إنها فرصة للتعمق في شخصية، للسير على حبل مشدود أسلوبيًّا، وللتعامل مع أجزاءٍ في نفسي، أجزاءٍ مما يجعل مني إنسانًا ولم تمنحني المشاريع الأخرى فرصة استكشافها، قد لا أرغب بالوصول إليها، لكن يجب عليّ فعل ذلك”. وهذه كانت كلمات سكورسيزي تعليقًا على ما دفعه لصناعة Shutter Island .

لحسن الحظ جذب المشروع ليوناردو ديكابريو بنفس الدرجة، مما جعل المتعاونَين الناجحين للمرة الرابعة يعوّضان فشل محاولاتهما في الحصول على تمويل لفيلمهما “The Wolf of Wall Street” وقتها. أما مارك رافالو فكان حماسه كاملًا موجّهًا لفكرة العمل مع سكورسيزي، فمنحُه الدور أتى نتيجة لاستقبال سكورسيزي رسالة منه يُعبّر بها عن إعجابه بأعماله ورغبته بالعمل معه. مُنحّيًا بذلك الخيارات التي سبقته والتي شملت روبرت داوني جونيور وجوش برولين.

كذلك السير بِن كينغسلي الذي قال عن تجربة تلقيه العرض: “عندما تستقبل مكالمة من مارتن سكورسيزي… أولًا، تقف، تضع الهاتف على أذنك. ثم بعد ذلك، وكونها أول مرة نتعاون فيها، من الرائع أن تقفز إلى أعمق مكانٍ في البحر معه ودون أي تحضير. ليس هناك جانبٌ ضحل مع مارتي، لكن في أن تقفز إلى العمق امتيازٌ كبير، لأنك إما أن تسبح أو أن تغرق، والسيد سكورسيزي كان على ثقةٍ أنني سأسبح، وهذا عظيم”.

عن الفرصة الكبيرة التي أُتيحت لـ مارتن سكورسيزي بالعمل مع أحد أساطير تاريخ السينما في هذا الفيلم وتعليقه وتعليق ديكابريو على ذلك، الأفلام التي تأثّر بها سكورسيزي وعرضها على فريق عمله كمرجعيّات، ليوناردو ديكابريو وتجربة العمل على الفيلم التي ملكت أثرًا لم يختبر مثله من قبل، والنهاية وتفسير المستشار النفسي الذي عمل على الفيلم لها ومرجعيّة تفسيره سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Shutter Island

حقائق قد لا تعرفها عن Raging Bull (الجزء الثاني)

عن كيفية تطوير دينيرو وبّيشي الرابط الأخوي قبيل التصوير والنتائج، لمسة سكورسيزي في تلك النتائج، خيار التصوير بالأبيض والأسود وأسبابه، ما استلهمه سكورسيزي من حلبات الملاكمة الحقيقية ومن كلاسيكيات أفلامها، مساعدة هيتشكوك في أحد أهم الصعوبات المونتاجية، دينيرو وكسب الوزن للمرحلة الأخيرة من الفيلم واستجابة سكورسيزي لقرار دينيرو، أثر الفيلم في لاموتا، وما وراء الاقتباس الأخير ومن أُهدي إليه الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Raging Bull

قضى دينيرو وبّيشي أيامًا مع بعضهم قبيل التصوير لتطوير الرابط المفترض امتلاكهم إياه أمام الكاميرا، ومنذ ذاك الوقت أصبحا صديقين مقرّبين، وإن ضربا بعضهما بالفعل في عدة مشاهد كمشهد “اضربني”، ومشهد سجالٍ آخر كسر فيه دينيرو أحد أضلاع بّيشي.

لكن كل هذا لا يكفي سكورسيزي، يجب أن يحرص بنفسه على أن يأتيا بأفضل ما عندهم، مما جعله لا يخبر بّيشي بأن دينيرو سيهاجمه في مشهد “هل ضاجعت زوجتي؟” الشهير.

وهذا الحرص على تقديم الأفضل قاده إلى خيار التصوير بالأبيض والأسود متعدد الأسباب، بدايةً قام سكورسيزي بتصوير دقائق لـ دينيرو في مبارة ملاكمة، ولدى مشاهدة الفيديو مع صديقه المخرج البريطاني الكبير مايكل باول عبّر سكورسيزي عن لمسه أمرًا غير مستحبًّا لا يميزه بشكلٍ محدّد، فأشار باول إلى أن السبب في لون القفّازات وكان طبعًا على حق. هذا بالإضافة لكون سكورسيزي وجد أن شريط الفيلم الملوّن أسرع تهالكًا من الأبيض والأسود، لم يرد تلك الكمية المنفّرة من الدماء في فيلمٍ ملوّن، أراد تمييز فيلمه عن أفلام الملاكمة الأخرى التي زادت كثافتها بعد صدور “Rocky”، وعلِم سبب إيجاده جملة “عندما أتأمل ما مضى، أحس أنني أنظر إلى فيلمٍ بالأبيض والأسود عني. لا أعلم لماذا يجب أن يكون بالأبيض والأسود، لكنه كذلك” في كتاب لاموتا، وذلك لأن الجيل الذي شب في الخمسينات على مشاهدة مباريات الملاكمة كل جمعة لم يشاهد من قبل مباراةً إلا بالأبيض والأسود. كل هذا قاد للخيار التاريخي.

وبذكر مباريات الملاكمة، حين حضر سكورسيزي بعض المباريات، استقرت في ذهنه صورتان علم أنه يريدهما في فيلمه، الاسفنجة الملأى بالدماء التي تمر على ظهر الملاكم، وقطرات الدم المتدلية من الحبال. كما أنه عرف أنه لا يريد تصوير المباريات بعدة كاميرات، يريد الكاميرا كمقاتلٍ ثالث، لذلك قضى أشهرًا قبيل التصوير من العمل على الرسم الدقيق للمباراة وحركات الكاميرا الواحدة خلالها. بالإضافة للإتيان بفكرة التلاعب بمساحة الحلبة بين نزالٍ وآخر لتعكس حالة لاموتا النفسية.

خاصةً أن تلك المشاهد هي الأولى في جدول التصوير، والتي وإن شغلت قرابة عشر دقائق فقط من وقت الفيلم، إلا أن تطلُّب رؤية سكورسيزي جعل تصويرها يمتد لست أسابيع. مستلهمًا خلالهم من الفيلم الكوميدي الأستاذ الكبير باستر كيتون “Battling Butler” من بين جميع الأفلام، خاصةً النزال الأخير، “كيتون هو الشخص الوحيد الذي ملك السلوك الصحيح تجاه الملاكمة في الأفلام”، هكذا علق سكورسيزي على الأمر.

وأحد أهم الصعوبات التي جعلت تلك الأسابيع بهذا الطول كانت في كيفية مونتاج النزال الأخير بين جيك لاموتا وشوغار راي روبنسون وتحديدًا حين يلتصق لاموتا بالحبال، ولم يستطع تجاوز الأمر إلا بالاستعانة بقائمة لقطات مشهد الحمام من رائعة هيتشكوك “Psycho”، وأكد سكورسيزي فيما بعد أن مونتاج هذا المشهد كان الأكثر رعبًا بالنسبة له وكان هيتشكوك عونه الأكبر.

أمرٌ آخر أرعب سكورسيزي وهو اجتهاد دينيرو الذي يمكن أن يؤثر على صحته بعد الانتهاء من تصوير مشاهد مرحلة شبابه ووجوب كسبه الوزن اللازم ليصبح لاموتا العجوز. وزنٌ كان رقمًا قياسيًّا حتى كسره فينسنت دونفوريو في “Full Metal Jacket” بلغ 60 باوندًا. وللتأكد من أن لا يذهب دينيرو بعيدًا في الأمر قام سكورسيزي بإيقاف الإنتاج لعدة أشهر يستطيع خلالها دينيرو فعل ذلك دون إجحاف.

“هل كنت بالفعل كذلك؟”، وجه لاموتا هذا السؤال لزوجته السابقة بعد مشاهدة الفيلم وإدراك سوء ما كان عليه، فأجابت: “كنت أسوأ”. مما جعل الاقتباس الإنجيلي الذي يظهر في نهاية الفيلم: “كل ما أعرفه أنني كنت أعمى، والآن أستطيع أن أرى” ينطبق عليه بالكامل. وإن لم يكن المعنيّ، وإنما وضع سكورسيزي الجملة تقديرًا للبروفيسور هيغ مانوجيان الذي درّسه السينما وأهدى Raging Bull له، وضعها لأنه يعتبر أن مانوجيان جعله “يرى”.

حقائق قد لا تعرفها عن Raging Bull (الجزء الأول)

هوجم نقديًّا إثر صدوره لأول مرة في مطلع الثمانينات، وبنهاية العقد اعتُبر كلاسّيكيّة، أعلى ذروة بلغها مارتن سكورسيزي، أفضل فيلم في الثمانينات، وأحد أفضل الأفلام في التاريخ. يحتل المركز الأول في قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأروع الأفلام الرياضية، والرابع في قائمته لأفضل الأفلام على الإطلاق. في قائمة روجر إيبرت لأروع الأفلام. أول فيلم يُختار للحفظ في سجل الفيلم الوطني الأمريكي. فيه الأداء الذي يحتل المركز العاشر على قائمة مجلة بريميير لأروع الأداءات في التاريخ، والمونتاج الذي صنفته نقابة مونتيري الأفلام الأمريكية عام 2012 كأفضل ما قُدّم على شاشة السينما. Raging Bull وقصة صنعه.

خلال عمله في “The Godfather: Part II” عام 1974 قرأ روبرت دي نيرو السيرة الذاتية للملاكم جيك لاموتا، وعلى الفور أحس بقابلية هذه الشخصية للاستثمار في عمل سينمائي إن كان مخرجه مارتن سكورسيزي، إلا أن سكورسيزي لم ير ذلك فور معرفته بأن لاموتا ملاكم، وبدأ بالتعبير عن صلته المعدومة بالرياضة واعتباره الملاكمة تحديدًا أكثر الرياضات مللًا.

صنع الثنائي رائعتهما “Taxi Driver“، وبعد صدوره بفترة تدهورت صحة سكورسيزي بفعل إدمانه الكوكائين، وبعد وصوله إلى حافة الهاوية عندما أوشكت جرعة زائدة أن تودي بحياته جاء إليه دينيرو مصرًّا على إقناعه بالخروج من إدمانه والعودة لصناعة فيلم الملاكم الذي رفضه منذ سنوات، تصرُّفٌ يعتبره سكورسيزي حتى الآن مسؤولًا عن إنقاذ حياته. لكن عودة سكورسيزي وإن عالجت تدهوره الصحي إلا أنها لم تداو النفسيّ بالكامل، لدرجة أنه اعتبر أن هذا فيلمه الأخير، وانطلق في صناعته بأسلوبٍ سمّاه صناعة الأفلام الكاميكازيّة (نسبةً إلى الهجمات الانتحارية التي قام بها بعض الطيارين اليابانيين في الحرب العالمية الثانية)، وبدأ يتواصل مع شخصية لاموتا على المستوى الشخصي بوضع نفسه في مكانه حيث حلبة سكورسيزي هي صناعة الأفلام.

سلّم دينيرو مهمة كتابة النص إلى مارديك مارتن، وكانت النتيجة مخيبة بنصٍّ تقليديٍّ خطّيٍّ مباشر، وإن اعتمد على بحثٍ مكثّف استمر لأشهر قضى منها فترةً في منزل زوجة لاموتا السابقة. فلجأ دينيرو لـ بول شريدر كاتب نص “Taxi Driver”، والذي ذهب مباشرةً لمطالعة أرشيف صحيفة محلية حيث يقطن لاموتا، فهناك سيجد ما يجذب الانتباه لكونه نُشر في الصحيفة لجذب العامة إلى شرائها، وبالفعل، اكتشف أن لـ لاموتا أخٌ غير مذكورٍ في كتابه ولا في نص مارتن، فعلم أنه وجد طرف الخيط الذي سيقوده إلى النص المرغوب، وبدأ بالتعديل على الهيكل العام ثم التعديل تبعًا لإضافة شخصية جوي لاموتا.

اكتمل الآن النص الذي أراده دينيرو وتم تقديمه إلى المنتجين في شركة “United Artists”، غير المعتادين على فيلم ملاكمةٍ ببطلٍ ليس بطلًا بأي شكلٍ من الأشكال وبهذه الكمية من العنف والمحتوى الجنسي، فرفضوا مبررين ذلك بأن هذا الشخص حشرة، خاصةً أن نص شريدر لا يتعاطف مع الشخصية بأي شكل. فذهب دينيرو وسكورسيزي لتعديل النص، أمرٌ استغرق خمسة أسابيع عادوا بعدها مضيفين ملامحًا أكثر إنسانيةً لـ جيك لاموتا. هذه التعديلات بالإضافة لضغط المنتجَين إروين وينكلر وروبرت شارتوف على المجلس بالتهديد بأنهم لن يصنعوا “Rocky II” إن لم يُمنح فيلم سكورسيزي الضوء الأخضر أدّت لدخول الفيلم مرحلة الإنتاج.

بدأ دينيرو التحضير بتدريباتٍ مكثّفة على يد مدرّبَين أحدهما جيك لاموتا نفسه، والذي خاض معه خلال فترة التصوير قرابة 1000 جولة، كسب منه اعترافًا بأنه في فئة الوزن المتوسط واحد من أفضل 20 ملاكم قابلهم لاموتا، وقضى كامل فترة التصوير برفقته لإتقان أدائه للشخصية. في نهاية التدريب وقبيل التصوير خاض دينيرو ثلاث مباريات ملاكمة حقيقية في بروكلين تحت اسم لاموتا الصغير وكسب اثنين منهم.

خلال تلك الفترة كان يساعد سكورسيزي في البحث عن أبطاله، وبصدفةٍ شاهد على التلفاز فيلم “The Death Collector”، وأُعجب بأداء بطله الشاب الذي يئس من فشل محاولاته لشق طريقه في التمثيل سواءً في السينما أو في المسرح واتجه للعمل في إدارة مطعم إيطالي منذ أربع سنوات، جو بّيشي. فأوصى به لـ سكورسيزي فورًا، وكانت طبعًا نعم التوصية، بل وجرّت توصيتين من بيتشي، إحداهما بـ فرانك فينسنت الذي قام بدور سيلفي، والأخرى بـ كاثي موريارتي التي قامت بدور فيكي لاموتا بعد بحثٍ مضنٍ جعلها آخر المنضمين للمشروع.

عن كيفية تطوير دينيرو وبّيشي الرابط الأخوي قبيل التصوير والنتائج، لمسة سكورسيزي في تلك النتائج، خيار التصوير بالأبيض والأسود وأسبابه، ما استلهمه سكورسيزي من حلبات الملاكمة الحقيقية ومن كلاسيكيات أفلامها، مساعدة هيتشكوك في أحد أهم الصعوبات المونتاجية، دينيرو وكسب الوزن للمرحلة الأخيرة من الفيلم واستجابة سكورسيزي لقرار دينيرو، أثر الفيلم في لاموتا، وما وراء الاقتباس الأخير ومن أُهدي إليه الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Raging Bull

أروع أفلام وأداءات دانييل داي-لويس

بعد صدور آخر أفلام دانييل داي-لويس عام 2012 أطلقت مجلة Time العريقة عليه لقب أعظم ممثل في العالم، أمرٌ سبقها إليه ملايين من عشاق السينما، والذين يتحسرون اليوم على روائعٍ لن تُصنع لأنها لن تجد أبطالها إلا في داي-لويس بعد إعلان قرار اعتزاله وأن عمله القادم مع بول توماس أندرسون سيكون آخر أعماله، وهنا، سنمر على أكثر تلك الأعمال التصاقًا بالذاكرة وتأكيدًا على حجم الخسارة إن كان قرار الأسطورة البريطانية بالفعل نهائيًّا.

الفيلم الأول:

There Will Be Blood – Paul Thomas Anderson

الفيلم الذي يحتل المركز الثالث في قائمة BBC لأفضل أفلام القرن الواحد والعشرين، المركز 51 في قائمة Entertainment Weekly للكلاسيكيات السينمائية الجديدة، اندرج نصه في القائمة السوداء لأروع النصوص غير المنفذة لعام 2006، الفيلم الأكثر نجاحًا نقديًّا وجماهيريًّا وتجاريًّا في مسيرة صانعه، وفيه الأداء الذي اعتُبر العلامة التمثيلية التاريخية الأبرز منذ بداية الألفية. ويروي قصة أحد المنقبين عن البترول في مطلع القرن الماضي مارًّا بفضل شخصيته الاستثنائية على ثيمات العائلة والدين والإنسانية والجنون.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثاني:

In the Name of the Father – Jim Sheridan

ثاني فيلم جمع جيم شيريدان وداي-لويس بين ثلاثةٍ جعلت لـ شيريدان النصيب الأكبر لمخرج من مسيرة داي-لويس، ويروي القصة الحقيقية لمتهمٍ بالإكراه بتفجيرات لا يعلم حتى سببها لكنه كان كبش الفداء الأسهل لحمل مسؤوليتها، عبر رحلته مع أبيه خلف القضبان لإثبات براءتهما.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثالث:

Gangs of New York – Martin Scorsese

من أوائل أحلام مارتن سكورسيزي المُسنّة التي تحولت إلى حقيقةٍ خالدة، أول تعاونٍ بينه وبين ليوناردو ديكابريو والذي ما زال يُثمر روائعًا حتى الآن، وفيه قدّم دانييل داي-لويس أحد أكثر شخصياته أيقونيةً، بيل الجزّار الذي يجهل استهدافه بثأرٍ قديم.

تريلر الفيلم:

الفيلم الرابع:

My Left Foot – Jim Sheridan

القصة الحقيقية للرسام الذي لم يملك سلطةً إلا على أحد أطرافه وهو القدم اليسرى، والذي لن ينصف ما اختبره إلّا مجنونٌ كـ داي-لويس يقضي لأجل الدور طوال مدة التصوير على كرسيي مدولب لا يأكل إلا إن وجد من يطعمه فلا يد له تمسك بالملعقة!!

تريلر الفيلم:

الفيلم الخامس:

Lincoln – Steven Spielberg

حتى شخصيةٌ جُسّدت أكثر من مرة من قبل ومن الصعب أن يتوقف ظهورها على الشاشة الفضية استطاع داي-لويس احتكارها، في الفيلم الذي يروي قصة المرحلة الأكثر حرجًا في حكم لينكولن، والذي لم ولن يُبعث حيًّا كما فعل بجسد داي-لويس.

تريلر الفيلم:

الفيلم السادس:

The Unbearable Lightness of Being – Philip Kaufman

رُبما كان تحدي اقتباس روايةٍ كهذه لكاتبٍ كـ ميلان كونديرا هو أصعب ما واجه فيليب كوفمان، وربما بكسبه التحدي كسب في تاريخه العمل الأكثر خلودًا له، والذي تبدأ أحداثه في أواخر ستينات القرن الماضي لدى لقاء رجلٍ وامرأة لا يجمعهما الميل للاستقرار، وتدخل الحرب لتضع أمامهما وبينهما صعوباتٍ جديدة.

تريلر الفيلم:

الفيلم السابع:

The Age of Innocence – Martin Scorsese

\

نيويورك القرن الثامن عشر والطبقات والعوائل والسُّمعة، يقع فيها مُحامٍ خطب حديثًا في حب الشخص الخطأ في الزمن الخطأ، ربما لم نشاهد داي-لويس كثيرًا في ثوب العاشق المُتيّم، لكنه عندما يكون سنعلم أن الثوب خلق لمثله.

تريلر الفيلم:

الفيلم الثامن:

The Last of the Mohicans – Michael Mann

آخر أبناء قبيلة من الأمريكيين الأصليين يتورطون في الصراع الفرنسي الهندي لدى تكليفهم بحماية بنات كولونيل بريطاني، وطبعًا ليكون داي-لويس أهلًا لتلك الحماية سبق فريق التصوير إلى الغابة بأشهر لم يأكل خلالها إلا من صيده بالإضافة لتعلمه بناء الزوارق.

تريلر الفيلم:

الفيلم التاسع:

The Boxer – Jim Sheridan

مسك ختام ثنائي شيريدانداي لويس والذي يروي قصة ملاكمٍ يعود بعد قضاء 14 عامًا في السجن لجمع شتاته ومحاولة الاعتماد عليها في إعادة بناء حياته.

تريلر الفيلم:

في هذه القائمة أكثر من نصف أعمال دانييل داي-لويس ، ربما لا بد أن يترافق كونك أعظم ممثل في العالم مع كونك الممثل الأكثر انتقائية. سنشتاق إليك دانييل بلينفيو، جيري كونلون، بيل الجزار، كريستي براون، أبراهام لينكولن، توماس، نيولاند آرتشر، هوكاي، داني فلين.. سنشتاق إليك دانييل داي-لويس .

Silence

“معاناتهم ثمنُ كبريائك”

السنة 2017
تقييم أفلام أند مور 9/10
المخرج مارتن سكورسيزي
المدة 161 دقيقة (ساعتين و41 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للبالغين بسبب العنف الدموي
الإرشاد العائلي (أميركي) R
اللغة الانكليزية
تقييم IMDB 7.5

في ثانوية كاردينال هايز درس مارتن سكورسيزي ليصبح قسًّا، لكن سرعان ما وجد في معبد السينما منبرًا لم يجد مثله في الكنائس، ولطالما وجدت نزاعاته الروحية الدينية طريقها إلى عبقريته السينمائية لتثمر روائعًا وتفاصيًا تُدرّس، وهنا، في ملحمة الإيمان والشك التي كانت رحلته على طريق خلقها أطول من رحلة أبطاله يمكن القول أن سكورسيزي المؤمن وسكورسيزي أحد أهم وجوه صناعة السينما وصلا ذروة توازنهما.

في القرن السابع عشر وحين أصبح الدين المسيحي مخالفًا للقانون في اليابان، تصل أخبار الأب فيريرا (ليام نيسون) آخر مبعوث تبشيري متأخرةً لأعوام، وحاملةً أنباءً تؤكد أن نتائج بعثةٍ أخرى لن تكون أكثر إفادةً لانتشار المسيحية أو أقل أثرًا على دموية التعامل مع معتنقيها من سابقاتها، لكن رودريغيز (أندرو غارفيلد) وغاروبي (آدم درايفر) تلاميذ الأب فيريرا يرفضان تلك الأنباء ويقرران أن يتبعا أستاذهما إلى ما اعتُبر جحيم الدعوة.

بناءً على رواية الياباني شوساكو إيندو التي قرأها سكورسيزي منذ 29 عامًا وجعل نسختها السينمائية التي ستحمل اسم كاتبها واسمه حلمًا، كتب الحالم وصديقه جاي كوكس المسودة الأولى لنص الفيلم عام 1991، واستمرت المسودات تتوالى للـ 15 عامًا اللاحقة، لتبلغ النتيجة مستويات من الدقة والحساسية والتوازن صارخة التميز والانضباط، من الطبيعة الرصدية الصادقة لخط سير الأحداث، إلى الغنى الكبير في طبيعة الشخصيات وتنوعها واستبعاد الإجابات السهلة لدوافع أي تصرف، فكلٌّ يملك أسبابه وقناعاته وثقافته، ما دخل منها في إيمانه وما خلقه ذاك الإيمان، إلى استعراض اختباراتٍ دينيةٍ روحانيةٍ جدلية واستثارة أخرى بالسير على جمر الوعظية والتقليدية أو حتى ظهور محاولات تفاديهما مفيدين من تحول الحبر الذي استُعمل خلال كل تلك الكتابات إلى جدولٍ يطفئ انسيابه ذاك الجمر، ويروي ظمأنا لرحلةٍ سكورسيزيّةٍ بهذا الزخم.

إخراج مارتن سكورسيزي الشاب بحماسه وشغفه والأستاذ السينمائي السبعيني بعبقرية إتقانه لمشاركة ذاك الشغف يحبس الأنفاس، لا راحة لك طالما لا راحة لبطله، ولا راحة لبطله طالما سكورسيزي مصمّمٌ على أن لا يسمح لولعه بحكايته أن يدفعه لمساعدته أو مساعدتنا، اختباراته اختباراتُنا، ضيقه ضيقنا، “صلِّ بأعينٍ مفتوحة”، يقولها ظانٌّ أنه يرى لمن يظنُّ أن الحقيقة فيما لا يراه، ويصغي إليها سكورسيزي من وراء الكاميرا، ويجعل عينيك المقصودة طالما تمثلها كاميرته، وحين اشتداد المنافسة بين الصمت وصرخات العذاب التي تكسره سترغب بالصلاة، دون أن تصبح تلبية تلك الرغبة بالسهولة التي اعتدتها، خاصةً مع أثر ذاك الصمت الذي يثقل على قلبك تدريجيًّا بإيقاعٍ لم يخطئ غاية مبدعَيه سكورسيزي وثيلما شونميكر من قبل، المساحة التأملية في غنى وجمال الصورة، والإدارة والتوظيف الحسّاسين جدًّا لفريق ممثليه الكبير ليصل بهم إلى أن يصبحوا الركن الذي لا تقوم التجربة دون وصوله ما وصل من التميز والفهم لحجم المنتظر منهم.

أداء رائع يُشكّل ذروة ما قدمه المُثبت دومًا غنى قدراته أندرو غارفيلد بذل فيه كل ما يستطيعه ليقدم الصورة التي حلم بها سكورسيزي على مدى ثلاثة عقود، وكانها وكان على قدر الحمل المترتب عليه بالنتيجة على طول الرحلة، وكانت كلماته صدًى لملامحه لا مفسرةً لها، مع أداءات ممتازة من باقي فريق العمل وخاصّةً يوسوكيه كوبوزوكا في دور كيتشيجيرو، إيسي أوغاتا في دور المحقق إينويه، يوشي أويدا في دور إيتشيزو، شينيا تسوكاموتو في دور موكيتشي، وتادانوبو أسانو في دور المترجم، مما جعل تواضع أداء ليام نيسون يبرز كقصورٍ لا يُمكن مقاومة تخيل غيابه إن حل محلّه من يقدّر فرصةً كهذه.

من رودريغو برييتو تصوير لا يفوت فرصةً للإحاطة بكل ما يستطيعه من جمال وخلق لحظاتٍ للذكرى من الضباب المنذر ومن يخبؤهم خلفه وطريقة ظهورهم، من الليل الذي تكسر النار ظلامه لا نور القمر، ومن غنى الملامح التي يمر عليها.

حاز على 6 جوائز ورُشّح لـ 40 أخرى أهمها الأوسكار لأفضل تصوير.

تريلر Silence :

حقائق قد لا تعرفها عن Gangs of New York (الجزء الثاني)

عن أساليب داي-لويس في التحضير لدوره وأدائه، ترشيح وانضمام أبرز النجوم إلى الفيلم، نهج سكورسيزي في صناعة الفيلم وما تأثر به وما استند إليه وما تم بالنتيجة من إعادة خلق لبيئة أحداث القصة كان ميل غيبسون أسعد الناس بها، وعلاقاتٌ تاريخية بين ما جرى على الشاشة وما جرى في الواقع، وتعليق سكورسيزي على النهاية سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Gangs of New York .

بدأ داي-لويس تحضيره للدور بالعمل في محل جزّارٍ لعدة أسابيع حتى أتقن شق وتقطيع الجثث، استأجر مُحترفَي سيرك أتيا إلى منزله في أيرلندا ليُعلّماه رمي الخناجر الدقيقة الحادّة، طلب تركيب زجاج صناعي على إحدى عينيه وتدرّب على نقرها بخنجره دون أن يرمُش، استمع إلى أغاني إيمينيم الغاضبة، تابع تصوير مشهدٍ بعد كسر أنفه خطأً من قبل ديكابريو متجاهلًا الأمر، وبقي داخل شخصيته طوال مدة التصوير ليرفض بسبب ذلك ارتداء ملابسٍ أكثر مقاومةٍ للبرد إثر إصابته بالتهاب رئوي لأن أهل ذاك الوقت والمكان ما كانوا ليرتدوا ذلك، كما لم يستطع الخروج منها بسهولة حتى بعد انتهاء التصوير، فإثر تلبيته لدعوة سكورسيزي وديكابريو على الغداء بعد يومٍ من انتهاء التصوير، لم تجرؤ النادلة على الاقتراب منه، ومن سيجرؤ على ذلك وأمامه بيل الجزّار!

إلى جانب نجمٍ كهذا كان هناك ليام نيسون في دور القس فالون الذي فضله على دور الراهب ماكجين الذي عُرض عليه في البداية، وجون س. رايلي الذي لم يُحبّذ الاشتراك في الفيلم قبل أن يُصرّ صديقه بول توماس أندرسون أحد أكبر مُعجبي سكورسيزي على أن فرصةً كهذه لا تُفوّت، وكاميرون دياز في دور جيني إيفردين بعد ترشيح كريستينا آبلغيت، كيت بيكينسيل، كريستين دنست، إليزا دوشكو، هيذر غراهام، برايس دالاس هاوارد، أليسّا ميلانو، ناتالي بورتمان، كريستينا ريتشي، وينونا رايدر، مينا سوفاري، سارة ميشيل غيلار، وسارة بولي التي كانت المفضلة لدى سكورسيزي لكنه اضطر للتخلي عنها لدى إصرار الاستديو على نجمة شُبّاك.

سكورسيزي وكاميرون دياز في موقع تصوير Gangs of New York :

بهؤلاء مضى سكورسيزي في تحقيق حلمه متنازلًا وشريكه ديكابريو عن جزءٍ كبير من أجريهما للالتزام بميزانية الفيلم، متأثّرًا برائعة د. و. غريفيث “The Musketeers of Pig Alley”، وبلوحات رامبرانت التي أعطى مصوره ميخائيل بالهاوس مجموعةً منها مخبرًا إياه أنه يريد الفيلم أن يبدو مثلها، كما بُنيت مواقعٌ تحاكي رؤاه التي تطورت عبر ثلاثين عامًا بإدارة مصمم الإنتاج المبدع دانتيه فيريتّي، فامتدّت أبنية القرن التاسع عشر على مساحة ميل مستندةً إلى لوحة “فايف بوينتس” لـ جورج كاتلين، مما صدَم جورج لوكاس لدى زيارته لموقع التصوير، ليلتفت إلى سكورسيزي ويقول: “مواقعٌ كهذه يمكن صنعها بالكمبيوتر الآن”، ولا أظن أن ميل غيبسون يتفق معه على ذلك، فقد أعاد استخدام بعض ما بُني لهذا الفيلم في تصوير رائعته “The Passion of the Christ”.

لوحة “فايف بوينتس” لـ جورج كاتلين:

وامتدادًا لتحري الدقة في إعادة خلق بيئة الأحداث استشار سكورسيزي تايلر آنبايندر بروفيسور التاريخ في جامعة جورج واشنطن ومؤلف كتاب “فايف بوينتس“، وألقى على عاتق مُدرّب اللهجات تيم مونيخ مهمة دراسة تاريخ لهجات تلك المنطقة وما يجب أن تكونه لهجات شخصيات فيلمه بينها، دراسةٌ وصلت إلى أسطوانةٍ شمعية تعود إلى عام 1892 يُلقي فيها الشاعر والت ويتمان أربع أبياتٍ من قصيدة أصبحت المرجعية الأولى، بالإضافة للعمل على تمييز اللهجات تبعًا لتاريخ كل شخصية وأصولها ونشأتها.

ولا بُدّ أن صلة تلك الشخصيات وما يجري بينها الوثيقة بمثيلتها في تاريخ المنطقة جعلت المهمة تحمل وزنًا أكبر، فالتعريف الذي جرى في بداية الفيلم بالعصابات عرّف بعصاباتٍ وُجدت بالفعل، وقامت بينها معارك وصداماتٌ كانت الأكثر دمويةً في تاريخ أمريكا، ووجد الكثير من أفرادها طريقهم إلى أرفع المناصب السياسية، وبيل الجزّار مُستند إلى شخصية بيل بول الذي يُعد أكبر اختلافٍ بينه وبين بطل فيلمنا أنه كان ليهاب دانييل داي-لويس لو شاهده في هذا الفيلم على عكس جزّارنا الذي لا يهاب أحدًا.

كذلك شخصيتي تويد وتاماني اللذان سرقا الملايين من أهل المدينة بدعوى حاجتهم إلى بناء محكمة نُوّه إليها في الفيلم وعُدّت أغلى بناءٍ مدني في القرن التاسع عشر، وفي اللقطة التي تُظهر رجلًا يرسم كاريكاتيرًا لـ تويد في مشهد الملاكمة يُشار بها إلى الرسام الكارتوني توماس ناست الذي كان من أهم المسؤولين عن سقوط تويد.

.

.

فيما يلي حرق لنهاية الفيلم:

.

.

.

كل هذا التاريخ يقود إلى لقطةٍ لخط أفق نيويورك متضمنةً برجي التجارة العالميَّين اللذين دُمِّرا قبل صدور الفيلم، لقطة استغربها مشاهدوه بعد 15 شهرًا من سقوط البرجين، ليأتي رد سكورسيزي: “أعددنا الرسومات وقمنا بمونتاج متوالية خط الأفق ذاك قبل أحداث 11 سبتمبر، ثم اقترح أحدهم أنه يجب عدم ظهور البرجين، لكني لم أشعر أن تعديل خط أفق نيويورك من اختصاصي. أبطال الفيلم كانوا جزءًا في خلق خط الأفق ذاك، ليس في تدميره، وإذا انهار، سيبنون غيره”.

حقائق قد لا تعرفها عن Gangs of New York (الجزء الأول)

من أوائل أحلام مارتن سكورسيزي المُسنّة التي تحولت إلى حقيقةٍ خالدة، أول تعاونٍ بينه وبين ليوناردو ديكابريو والذي ما زال يُثمر روائعًا حتى الآن، وفيه قدّم دانييل داي-لويس أحد أكثر أداءاته أيقونيةً، Gangs of New York وقصة صنعه.

في حي ليتل إيتالي (إيطاليا الصغيرة) في مانهاتن نشأ مارتن سكورسيزي بفضولٍ كَبُر معه حول ما جرى في الأجزاء المهيبة القديمة من الحي، شوارعٌ ومقابرٌ وأقبية تعود إلى القرن التاسع عشر لا يعرف عنها إلا أنها تملك قصصًا تستحق أن تُروى، “أدركت تدريجيًّا أن الأمريكيين الإيطاليين ليسوا أول من كان هنا، وعندما بدأت أفهم ذلك سحرني. لم أتوقف عن التساؤل، كيف بدت نيويورك؟ كيف كان الناس؟”، هذه بعض كلماته تعليقًا على فضول طفولته.

ولا يُمكن تخيل ردة فعل سكورسيزي حين وجد كتاب “The Gangs of New York: An Informal History of the Underworld” لـ هربرت آزبري الذي نٌشر لأول مرة عام 1928، ووقع بعد 42 عامًا  بين يدي سكورسيزي الشاب الذي لا يملك في تاريخه إلا فيلمًا متواضعًا واحدًا لن يُشجع أحدًا على تمويل ملحمةٍ نيويوركية كالتي يحلم بها من إخراجه، لكن ذلك سرعان ما تغير خلال ذاك العقد السينمائي المجيد الذي كان سكورسيزي من أبرز صناع مجده بأفلامٍ كـ “Mean Streets” و”Taxi Driver“، وفي 1979 كان قد أعد المسودة الأولية بالاشتراك مع صديقه جاي كوكس واستطاع الحصول على حقوق كتاب آزبري، وبدأ دراسة الإنتاج واختيار نجومه.

في عام 1980 صدر Heaven’s Gate لـ مايكل شيمينو الذي عُدّ الكارثة الإنتاجية الأكبر حتى تاريخه، وعُدَّ نهاية أكبر حقبة ازدهار لسينما المؤلف في تاريخ السينما الأمريكية، فعادت السلطة الكاملة مجدّدًا إلى الاستديوهات التي خشيت الإقدام على مغامرةٍ متطلبة لميزانيةٍ كبيرة، وامتنعت بالتالي عن منح مشروع سكورسيزي المتطِّلب لبناء مواقع ضخمة لنيويورك القرن التاسع عشر بالتفاصيل التي أرادها الضوء الأخضر إلى أجلٍ غير مسمّى.

عشرون عامًا مرت قبل أن يعاد إحياء الأمل بتنفيذ المشروع، لم يتوقف سكورسيزي خلالها عن إعادة هيكلة الحلم ليكون الأمثل حين يأتي الوقت المناسب والذي لا بُدَّ أنه آتٍ، فأراد لدوري البطولة بدايةً جون  بيلوشي في دور بيل الجزّار ودان آيكرويد في دور أمستردام فالون، ثم ويليام دافو وميل غيبسون، وطبعًا، رُشّح روبرت دي نيرو للدّورين عبر تلك الفترة.

عام 1999 وبناءً على نصيحة روبرت دي نيرو عرض سكورسيزي دور أمستردام على نجم الشباك الأهم وقتها ليوناردو ديكابريو، وأُعجب الأخير بالفعل بالنص وقرر الانضمام للمشروع، الأمر الذي شجّع “Miramax Films” وعلى رأسها هارفي وينشتاين على إنتاجه، لكنهم لم يعلموا أن سكورسيزي انتظر 30 عامًا حتى يحقق العمل كما أراده هو، وأنه مُستعدٌّ لخوض حربٍ من أجل ذلك، وهذا ما حصل بالفعل بينه وبين وينشتاين الذي أراد فيلمًا أبسط وأقصر وذو قابليةٍ جماهيرية تجعلهم لا يقلقون على إنفاق كل تلك الميزانية لصنعه، بينما أراده سكورسيزي ببساطة فيلمًا لـ سكورسيزي، وهذا ما كانه طبعًا.

وكان فيلمًا من بطولة دانييل داي-لويس، أيُّ تعويضٍ أكبر من هذا يُمكن أن يُمنح لـ سكورسيزي عن انتظاره؟!، والذي ما كان ليحصل عليه لولا مساعدة ديكابريو وذهابه شخصيًّا إلى داي-لويس محاولًا إقناعه بأن هذا الفيلم هو ما يستحق عودته إلى الشاشة الكبيرة، ويا لحظنا بنجاحه، “قبل يومين من البدء بالتصوير، مررتُ وقلتُ: “صباح الخير دانييل..”، فامتعض. قلت لنفسي: “اللعنة! اللعبة بدأت.”، لا أذكر أنني قلتُ له كلمةً أخرى خلال الشهور التسعة التي قضيناها في موقع التصوير، كان بيل الجزّار!”، هذا ما قاله ديكابريو تعليقًا على تجربته مع أسطورة التمثيل البريطانية.

عن أساليب داي-لويس في التحضير لدوره وأدائه، ترشيح وانضمام أبرز النجوم إلى الفيلم، نهج سكورسيزي في صناعة الفيلم وما تأثر به وما استند إليه وما تم بالنتيجة من إعادة خلق لبيئة أحداث القصة كان ميل غيبسون أسعد الناس بها، وعلاقاتٌ تاريخية بين ما جرى على الشاشة وما جرى في الواقع، وتعليق سكورسيزي على النهاية سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Gangs of New York .

حقائق قد لا تعرفها عن Schindler’s List (الجزء الأول)

الفيلم الوحيد الذي صدر خلال الـ 44 عامًا الماضية الذي وجد طريقه إلى قائمة المعهد الأمريكي لأفضل 10 أفلام أمريكية في التاريخ، واحدٌ من فيلمين يتمنى ستيفين سبيلبيرغ أن ترتبط ذكراه بهما، الفيلم المصور بالأبيض والأسود الأكبر ميزانيةً والأعلى أرباحًا في التاريخ، والذي مضى عبر رحلةٍ عمرها 30 عامًا مر فيها على نخبةٍ من صناع السينما ليضم صانعه إليهم بصدوره، Schindler’s List وقصة صنعه.

عام 1959 صدرت في مجلة كورونيت مقالةٌ لـ كرت ر. غروسمان بعنوان “الإنساني الذي خدع هتلر” تروي بعضًا من قصة شخصٍ يدعى أوسكار شيندلر كان له دورٌ تاريخيٌّ كبير خلال الهولوكوست، لتُعلن MGM بعد خمسة أعوام أنها ستصنع فيلمًا عن شيندلر يكتبه هاوارد كوش ويخرجه ديلبيرت مانّ، لكن لسببٍ مجهول يتعلق غالبًا بالميزانية تراجعت MGM.

في عام 1980 كان المؤلف توماس كينيلي على طريق العودة إلى أستراليا بعد انتهائه من حفل توقيع آخر كتبه، وقبل وصوله إلى المطار مر على محلٍّ ليشتري منه حقيبة يد كان مالكه ليوبولد فيفربرغ أحد الناجين من معسكرات النازية، وخلال 50 دقيقة قضاهم كينيلي هناك أقنعه فيفربرغ أن يرافقه إلى غرفةٍ خلفية يحتفظ فيها بخزانتين مليئتين بأوراقٍ جمعهم بعد نجاته تتعلق بأحداث الهولوكوست ودور شيندلر فيها، كما فعل مع كل كاتبٍ أو منتج مر به سابقًا، لكن هذه المرة نجح فيفربرغ وقرر كينيلي أن تكون القصة التي ترويها تلك الأوراق موضوع كتابه القادم، والذي نُشر بعد عامين بعنوان “سفينة شيندلر“.

ليعرضه المنتج سيد شينبرغ الذي كان يعمل لصالح Universal Pictures وقتها على ستيفين سبيلبيرغ بعد عامٍ واحد، والذي شعر بأنه ليس جاهزًا بعد للعمل على مشروع بهذا الوزن، كما أنه وجد نص المسلسل التلفزيوني القصير الذي أعده كينيلي عن كتابه ليس مناسبًا فاستدعى المرشح للأوسكار عن نصه الأول والفائز به عن الثاني كرت لويدتك لإعداد نص سينمائي لما سيسمى Schindler’s List ، والذي استسلم بعد العمل عليه لـ 4 سنوات لم يشعر خلالها أنه استطاع الخروج بما هو جدير، فتم إسناد المهمة لـ ستيفين زيليان.

وبعد إتمام النص عرض سبيلبيرغ كرسي المخرج على سيدني لوميت الذي شعر بأنه مر على الموضوع في فيلمه “The Pawnbroker” فرفض، رومان بولانسكي الذي لم يكن جاهزًا بعد للمرور على ما جعله يتيمًا هائمًا على وجهه بعد نجاحه في النجاة بحياته في يوم التصفية وهو ابن ثماني سنوات، الأمر الذي جعل سبيلبيرغ يعتذر بشدة مرارًا لتذكيره بمأساته، ومارتن سكورسيزي الذي أُعجب بالمشروع لكنه شعر أنه يجب أن يوضع بين يدي مخرج يهودي.

ثم بيلي وايلدر الذي تمنى أن يودع السينما من خلاله لكنه لم يستطع أن يقاوم إحساسه بأن هذا فيلم سبيلبيرغ، فقام ببعض العمل على النص ثم أقنع سبيلبيرغ الذي أراد العمل على Cape Fear وقتها بأن يتوقف عن البحث عن مخرجٍ يجب أن يكونه، فحل سكورسيزي محل سبيلبيرغ وأخرج Cape Fear، وانصرف الأخير للعمل على مشروعه الأكبر.

بل ومما  زاد إصراره على صنعه رد المنتجين على رغبته بأن سألوه: “لماذا لا تقوم بتبرع أو شيء من هذا القبيل بدل إهدار وقت ومال الجميع على فيلمٍ كئيب؟!”، وأراد أن يبدأ به فور إنهائه Hook، لكن اشترط عليه المنتج شينبرغ أن ينهي Jurassic Park أولًا لأن Schindler’s List سيستهلك طاقته كاملةً.

بدأت رحلة دور أوسكار شيندلر بـ هاريسون فورد الذي رفض الدور لأنه علم أن الجمهور لن يستطيع تجاوز شخصيته كـ إنديانا جونز والتعامل مع أدائه لدور بحجم هذا بشكلٍ مستقل مما سيضر بالعمل، ثم كيفين كوستنر وميل غيبسون اللذين أبديا جاهزيتهما للانضمام للمشروع لكن سبيلبيرغ لم يُرد أسماء بهذه الشعبية تضر بتفاعل الناس مع العمل ككل، ستيلان سكارسغارد خاصةً بعد مشاهدة سبيلبيرغ له في “Good Evening, Mr Wallenberg” الذي كانت إعادته لـ6 مرات من أولى تحضيراته لهذا الفيلم، وبرونو غانز الذي رفض الدور.

وأخيرًا ليام نيسون الذي قام بتجربة الأداء مرجحًا أنه لا يملك اسمًا يرجح فرصه، وبعد أشهرٍ منها عمل خلالها على مسرحية “Anna Christie”، فوجئ بعد أحد العروض بنقرةٍ على باب غرفة الملابس بيد سبيلبيرغ وبرفقته زوجته وأمها، والتي فوجئت بـ نيسون يحتضنها عندما عرّفهم سبيلبيرغ ببعضهم بشكلٍ جعلها تهمس في أذن زوج ابنتها لاحقًا: “هذا بالتحديد ما قد يفعله أوسكار شيندلر“، وبعد أسبوعٍ واحد جاءت مكالمة سبيلبيرغ لـ نيسون تعلن فوزه بالدور.

عن أدوار آمون غوت ورالف فينيس، إسحاق شتيرن وبين كينغسلي، جولييت بينوش، تيم روث، وداستين هوفمان وانضمام وشيك، تحضيرات النجوم لأدوارهم ونهج سبيلبيرغ في صناعة التاريخ، روبين ويليامز ومشاركة مثيرة في العمل، جون ويليامز وإسحاق بيرلمان وموسيقى للذكرى، منع ومحاولات منع لعرض الفيلم، قائمة شيندلر الحقيقية، وحقيقة الفتاة ذات الرداء الأحمر سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة Schindler’s List .

حقائق قد لا تعرفها عن Scarface (الجزء الثاني)

عن تحضيرات آل باتشينو للدور ونتائجها، استعدادات دي بالما للتصوير ونتائجها، صراعه مع جمعية الفيلم الأمريكي والمنتجين حول النسخة النهائية، أثر الفيلم وإرثه، ف. موراي أبراهام وموقفٌ للذكرى، وردات فعل المجتمع الهوليوودي إثر صدور الفيلم سيدور الجزء الثاني من حديثنا عن صناعة كلاسيكية أفلام العصابات Scarface .

شملت تحضيرات آل باتشينو لدوره استفادته من أداء ميريل ستريب لدور مهاجرة في “Sophie’s Choice”، تدربه على أيدي خبراء في قتال السكاكين والملاكم روبرت ديوران، والذي استلهم منه جانبًا من شخصية مونتانا، والاستعانة بـ باور إلى جانب مدرس لهجات لإتقان اللهجة الكوبية، بالإضافة لطلبه من مدير التصوير جون أ. ألونزو ألا يكلمه إلا بالإسبانية خلال التصوير.

ونتج عن خبرته باللهجة الكوبية التي اكتسبها ارتجالًا كان له أحد أشهر النتائج، وهو تسميته الكوكائين بـ “يويو” خلال مشهد المنشار الشهير (المستوحى من حادثة حقيقية علم بها ستون من شرطة ميامي)، الأمر الذي أعجب دي بالما فاستمر طوال الفيلم، ونتج عن اجتهاده حروقات من الدرجة الثالثة من أحد الأسلحة التي حملها لأن الألم عنده ليس دافعًا كافيًا لمقاطعة أدائه لمشهد مهم.

طبعًا هذا كان حول جهوده التي لا يكتفي بها ديبالما، ويجري بروفات مكثفة وصلت حد أن يقول باتشينو وباور أنهما حفظا حواراتهما وشخصياتهما لدرجة أنهما أصبحا قادرين على أدائها في مسرحية.

ربما لهذا لم يواجه مشكلة حين ترك ستيفين سبيلبيرغ يخرج أحد المشاهد في نهاية الفيلم خلال زيارةٍ له لموقع تصوير صديقه، فـ دي بالما يثق بأن أناسه يعلمون ويحفظون ما سيفعلون حتى حين يغيب لبعض الوقت، والأهم طبعًا أنه يثق بـ سبيلبيرغ.

وبالحديث عن النهاية، كان تقدم تصوير هذا الفيلم من أغرب ما جرى لـ ف. موراي أبراهام، فحين عُرف أنه نال دور سالييري فيما سيكون التحفة السينمائية الموسيقية الأعظم “Amadeus” لاحظ أن معاملة فريق العمل له اختلفت فجأة وأصبح فيها الكثير من الاحترام، كونهم علموا بأنه اختير من بين نخبةٍ من الممثلين تم ترشيحهم للدور، ليصبح اقتراب نهاية الفيلم اقتراب بداية المجد.

واقتراب معركةٍ من أشهر ما جرى بين مخرجٍ وجمعية الفيلم الأمريكي، فقد منحوا الفيلم التقييم العمري “X” مستثنين بذلك شريحةً كبيرة من الجمهور المستهدف، فقام ديبالما بإعادة المونتاج وقدمه ثانيةً، ونال التقييم ذاته ثانيةً، وثالثةً أتى بعدها هو وبريغمان بخبراء وضباط أكدوا أن الفيلم يشكل رصدًا دقيقًا للحياة في عالم المخدرات ويجب أن يصل لأكبر شريحة ممكنة، وكان هذا الأمر كفيلًا بإقناع 18 من أصل 20 مسؤول في الجمعية بمنح الفيلم التقييم “R”، الأمر الذي جعل دي بالما يسترجع ما قام به في إعادتي المونتاج السابقتين، ويستنتج أن نيل النسخة الثالثة لهذا التقييم يعني أنه للأولى أيضًا لعدم وجود كل تلك الفروقات، لكن المنتجين رفضوا الإصغاء إليه وعرض النسخة الأولى، ليكتشفوا بعد صدور الفيلم على أقراص الديفيدي أن ديبالما هو الذي لم يصغِ كونه متأكدٌ أنهم لا يعلمون الفرق، وعرض نسخته الأولى والحائزة على كامل رضاه في السينمات.

الحائزة على رضا ملايينٍ وأجيال، الأب الروحي لثقافات الهيب هوب والراب التي تلتها، كفرقة “The Geto Boys”، ومعنيي الراب براد جوردان والملقب بـ Scarface ويانغ بليد، الأمر الذي دفع المنتجين لأن يطلبوا من دي بالما استبدال الموسيقى التصويرية للفيلم بالأغاني المتأثرة به حين أعادوا إصداره في السينمات عام 2003، فرفض.

طبعًا لم يتنبأ الكاتبين كرت فونيغات جونيور وجون إيرفينغ الذين لم يكملا عرض الفيلم وخرجا ممتعضين خلال مشهد المنشار، داستين هوفمان الذي نام خلال العرض، من بين نجومٍ كثيرين في الوسط الفني إلى جانب النقاد الذين خسفوا به الأرض بأنه سيملك ذاك الأثر ويصبح علامةً بارزة لسينما الثمانينات.

ويذكر من ذلك باتشينو سؤال ليزا مينيللي قبل مشاهدتها Scarface له عما رأته في وجوه من شاهدوه من النجوم في عرضٍ خاص من وجومٍ وشرود جعلهم كتماثيلٍ من الشمع، ويذكر من ذلك ستيفين باور التفات مارتين سكورسيزي إليه خلال العرض وقوله: “أنتم رائعون، لكن كونوا مستعدين، فإنهم سيكرهونه في هوليوود، لأنه عنهم.”.