شخصيات تائهة من 2015

ليس بالضرورة أن يكون النضج بأن تدرك مكانك وما ورائك وما أمامك، وكيف تريد التحرك ضمنهم، في حالاتٍ كثيرة تكون ضبابية رؤيتك لما سبق أحد دلائل النضج ورؤية الأمور على ما هي عليه وليس كما يجب أن تكون عليه في الحالة المثالية، وليس بالضرورة أن تكون أفلام الغموض والجريمة والإثارة ذات النهايات المفتوحة هي التي تشغل فكرك بها حتى بعد انتهائها، فقد يحصل هذا بعد أحد الأفلام التالية، والسبب ببساطة أن لدى أبطالها رؤيةٌ لحياتهم بضبابية رؤيتك لحياتك، ليس فقط لتحس بأنك لست وحدك، فسواءً وجدوا ما يبحثون عنه أم لا، قد تجد ما تبحث أنت عنه في حكاياهم، وقد يكون السبب ببساطة أنك رأيت الأمر من منظورٍ أوسع..

الشخصية الأولى:

Genesis Potini in The Dark Horse – James Napier Robertson

فيلم النيوزيلندي “جيمس نابيير روبرتسون” هو أحد الأفلام التي لا تتمنى خلالها أن يحل أحدٌ مكان أحد، مشهدٌ مكان مشهد، كلمةٌ مكان كلمة، أو مسارٌ معين للأحداث مكان مساره، يأسرك كما هو، فتميل لاعتباره حقيقة، بالفعل حقيقة وليس ممثلاً لحقيقة، ليصبح أثر أبطاله فيك أثر أناسٍ تعرفهم وليس مجرد أناسٍ شاهدتهم في فيلم.

المنحدر من أحد قبائل السكان الأصليين لنيوزيلندا “جينيسيس”(كليف كرتيس) من محترفي لعبة الشطرنج وفائز سابق بعدة منافسات لها، يقوم أخوه “آريكي”(واين هابي) بإخراجه من المصح العقلي الذي كان له النصيب الأكبر من عمره، وعليه أن يحسن استغلال فرصةٍ كهذه كما يجب كي لا يعود ويقضي فيه ما تبقى من ذاك العمر.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأهم أحداثه.

الشخصية الثانية:

Margherita in Mia Madre – Nanni Moretti

حينما تكلم المخرج الإيطالي الرائع “ناني موريتّي” عن نفسه وسينماه قال أنه لا يعتبر نفسه مخرجاً بالفعل، وإنما هو رجلٌ يصنع فيلماً حين يريد قول شيءٍ ما، وحين ترى قدرته على إلغاء وجود الخط الفاصل بين ضحكتك ودمعتك تعلم أن ما يقوله صحيحٌ وحقيقي، تعلم أنك حين تشاهد عملاً له فأنت تشاهد تعبيراً صادقاً عن أفكاره وأحاسيسه، وأنك ستسلم له السلطة على قلبك حين تشاهد فيلماً كهذا استلهمه من مأساةٍ مر بها.

“مارغريتا”(مارغريتا باي) مخرجةٌ في أواسط عمرها تعيشُ مرحلةً من حياتها لم تعد فيها واثقةً مما تعرفه وما لا تعرفه ومما تؤمن به وما تنكره، بالتزامن مع عملها على فيلمٍ جديد، وتدهور صحة أمها بشكلٍ خطير يهدد بخسارتها، وإن كان هناك وجودٌ لوقتٍ في حياة “مارغريتا” تكون مستعدةً فيه لمثل هذا لن يكون الآن..

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الشخصية الثالثة:

Fúsi in Virgin Mountain – Dagur Kári

عندما يروي لك أحد أصدقائك عن حالةٍ معينة مر بها لسببٍ ما، ويذكرك كلامه بنفسك أو بأحدٍ تعرفه تحس بالحماس لأنك وجدت من يشاركك إحدى تجاربك، وبنفس الوقت يراها بمنظور آخر قد يختلف عن منظورك وقد يوافقه، وهذا في حد ذاته مثير حتى حين يوافقك ولا يمنحك رؤيةً أخرى، وسواءً اتفقت مع رؤية الأيسلندي “داغور كاري” لحالة بطل فيلمه أم لم تتفق ستعيشها كما يراها لساعةٍ ونصف لا تفارق المتعة دقيقةً منها.

“فوسي”(غونّار يونسون) رجلٌ ضخم الجثة بحيث يصعب أن لا تسيطر هذه الصفة على ذهنك طوال فترة وجودك معه وفي أي لحظةٍ يخطر اسمه على بالك بها، بلغ أوائل أربعينياته وما زال يعيش مع أمه بروتينٍ ينسى معه المرء ما مضى من عمره، بصدفةٍ ما تدخل فتاةٌ “هيرا”(فرانزيسكا يونا داخسدوتير) حياته وتكسر بعضاً من ذاك الروتين.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

لا أنصح بمشاهدة تريلر الفيلم لما فيه من حرق لأهم أحداثه.

الشخصية الرابعة:

Sherlock in Mr. Holmes – Bill Condon

حتى الآن كل ما صدر من أفلامٍ ومسلسلاتٍ بطلها “شيرلوك هولمز” كانت تغذي أسطورته، تغذي فكرة كونه رجلٌ من المثير تخيل إمكانية وجوده، ومن شبه المستحيل تصديقها، لكن أحداً ما خطر له أن يتخلص من الجزء المستحيل ويجعل من “هولمز” شخصيةً حقيقيةً على الورق، وآخر جعلنا نبصرها، أو آخرين وهم “إيان ماكيلين” أولاً و”بيل كوندون” ثانياً.

المحقق الشهير “شيرلوك هولمز”(إيان ماكيلين) بلغ الثالثة والتسعين من العمر وتقاعد منذ أكثر من ثلاث عقود، أمرٌ ما يعيد إليه بعض الذكريات المتشظية لقضيته الأخيرة والتي تركت في نفسه أثراً لم يكن لغيرها من قبل، ورغم أنه يعاني من بعض أعراض فقدان الذاكرة بسبب سنه، إلا أن حماس ابنة مدبرة منزله الصغير “روجر”(مايلو باركر) والمعجب به يشجعه على أن يبذل كل ما يستطيعه لاسترجاع ما غاب عن ذاكرته من تلك القضية.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

الشخصية الخامسة:

Kumiko in Kumiko, and the Treasure Hunter – David Zellner

لاشك أن هذا الفيلم غير تابع لسينما الترفيه، وهذا لا يعني بالضرورة أنه فلسفي، هو ببساطة فيلم حالة، حالةٍ نمر بها جميعاً تقريباً، وكل واحدٍ منا يظن أنه أول من يحس مثلها على الإطلاق، ويحسد البشر كلهم كونهم حسب افتراضه لم يختبروا ما اختبره بعيشها، البعض يهمه أفلامٌ كهذا وتجعله يفهم نفسه ونفوس الناس أكثر، والبعض الآخر يجدها مملة، وأنا من الجماعة الأولى.

“كوميكو”(رينكو كيكوتشي)  شابةٌ عزباء في الـ29 من العمر وتعمل كسيدة مكتب، ضاقت بعملها ذو الطريق المسدود ومديرها المسؤول الأكبر عن كونه كذلك وأمها التي ترى في بقائها دون زوجٍ وبعيدةً عن أمها عاراً، أصبح حتى التواصل مع الناس ثقيلاً على صدرها، تشاهد فيلم “Fargo” وتؤمن بأن الحقيبة الملأى بالأموال التي دفنها أحد أبطال الفيلم ما تزال موجودةً في مكانها، وتقرر أن تذهب للبحث عن ذاك الكنز.

ويمكنكم قراءة المراجعة كاملةً من هنا.

تريلر الفيلم:

Mia Madre

“مبني على أحاسيس حقيقية!”

السنة 2015
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج ناني موريتّي
المدة 106 دقيقة (ساعة و46 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة الإيطالية

حينما تكلم المخرج الإيطالي الرائع “ناني موريتّي” عن نفسه وسينماه قال أنه لا يعتبر نفسه مخرجاً بالفعل، وإنما هو رجلٌ يصنع فيلماً حين يريد قول شيءٍ ما، وحين ترى قدرته على إلغاء وجود الخط الفاصل بين ضحكتك ودمعتك تعلم أن ما يقوله صحيحٌ وحقيقي، تعلم أنك حين تشاهد عملاً له فأنت تشاهد تعبيراً صادقاً عن أفكاره وأحاسيسه، وأنك ستسلم له السلطة على قلبك حين تشاهد فيلماً كهذا استلهمه من مأساةٍ مر بها.

“مارغريتا”(مارغريتا باي) مخرجةٌ في أواسط عمرها تعيشُ مرحلةً من حياتها لم تعد فيها واثقةً مما تعرفه وما لا تعرفه ومما تؤمن به وما تنكره، بالتزامن مع عملها على فيلمٍ جديد، وتدهور صحة أمها بشكلٍ خطير يهدد بخسارتها، وإن كان هناك وجودٌ لوقتٍ في حياة “مارغريتا” تكون مستعدةً فيه لمثل هذا لن يكون الآن..

كتب “ناني موريتّي” و”فاليا سانتيلا” نص الفيلم بالاشتراك مع “فرانشيسكو بيكولو” عن القصة التي كتباها بمساعدة “غايا مانزيني” و”كيارا فاليريو”، مضوا إلى غايتهم بشكلٍ مباشر وركزوا جهودهم في بناء شخصية بطلة قصتهم وتطورها، وجعلوا وجود معظم الشخصيات الأخرى مُكرَّسٌ بشكلٍ واضح لإبراز طبيعة تلك الشخصية وصراعاتها، لكن غنى بطلتهم تلك لم يجعل هذا مأخذاً عليهم، بالإضافة لأن طريقة رسمهم لخط سير الأحداث تجعلها تعبر إليك دون أن تحس أن هناك جهداً مبذولاً سواءً كان منهم أو منك، مع حوارات صادقة خفيفة الظل.

إخراج “ناني موريتّي” يشعرك بأنه يراك أهلاً لأن يفتح لك قلبه ويشاركك أفكاره، فتجد نفسك ترتاح له وتحب اقترابك من عالمه، تحب إخلاصه للمجتمع الإيطالي والتطرق لمختلف جوانب حياته وصعوباتها المتجددة، طريقته في التركيز على التفاصيل التي تجعل شخصياته وعلاقاتهم حقيقية، ومحافظته على درجة من البساطة والواقعية بحيث يجعل قلبك يعتصر ألماً دون ان يجعل ذاك الألم يثقل على صدرك بصدق وخفة ظل من يتألم ويتعايش مع الألم، مع إدارة ممتازة لممثليه واهتمام كبير باستغلال تميزهم.

أداء رائع من “مارغريتا باي” يجعل ما تعطيه ملامحها أكثر مما يعطيه الحدث، أداء لا يقل عنه من “جوليا لاتزاريني”، وأداءات ممتازة من باقي فريق العمل، تصوير جيد من “أرنالدو كاتيناري”، وموسيقى ممتازة تمس القلب من “آرفو بارت”.

حاز على  4 جوائز أهمها جائزة اللجنة العالمية في مهرجان كان، ورشح لـ16 أخرى أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كان.

تريلر الفيلم:

Not of This World

“شريط الصوت فيه من أهم تفاصيل الصورة!”

السنة 1999
تقييم أفلام أند مور 8/10
المخرج جوزيبيه بيتشوني
المدة 100 دقيقة (ساعة و40 دقيقة)
الإرشاد العائلي (أفلام أند مور) للجميع
الإرشاد العائلي (أميركي) لا يوجد
اللغة الإيطالية

اكتساب القدرة على تمييز الحس الحقيقي هو أمل كل من لا يشاهد الأفلام لمجرد التسلية بعد اطلاعٍ لا بأس به، أن يستطيع معرفة هل وضعوا الحدث الفلاني في الفيلم لأن فيه ما يؤثر في الناس عادةً أم لأن هذا مكانه الصحيح؟، هل صنعوا هذا الفيلم أو ذاك لإيمانهم بالرابط بين قلبك ومحفظتك أم لاهتمامهم بخلق رابط بين قلبك وقلوبهم؟، وسواءً اكتسبت تلك القدرة أم لا ستستطيع معرفة أن ما تحسه في هذا الفيلم حقيقي، شاهد وتأكد بنفسك!

الأخت “كاترينا”(مارغريتا باي) راهبة تجد في أحد الأيام رجلاً غريباً مقبلاً إليها ليضع بين يديها طفلاً حديث الولادة مجهول النسب ويختفي، لتصل مما وجدته برفقة هذا الطفل إلى رجل عازب أربعيني “إرنستو”(سيلفيو أورلاندو) قد يستطيع مساعدتها في إنقاذ الطفل بإيجاد أمه.

كتب “جوزيبيه بيتشوني” “غوالتييرو روزيللا” و”لوتسيا ماريا تزاي” نص الفيلم، وقدموا فيه شخصياتٍ من الغنى بحيث يمكن لحالة كل منها أن تستأثر بفيلمٍ كامل، ويخلق تفاعلها مع بعضها في نفس الوقت حالةٌ كبرى تغمر المشاهد بتفاصيلها ودون أن يمر حدثُ واحد يشعره بأن يداً خفية تسير الأمور لخلق تلك التفاصيل، مع حوارات تزيد علاقات أبطالهم الإنسانية صدقاً.

إخراج “جوزيبيه بيتشوني” لا يهتم بخلق انطباع معين عن شخصياته لديك، حباً كرهاً كان أو شفقة، بل يأخذ الأمر لمدىً أبعد، كأن يجعلك تعيش حالتهم، هنا لا تكتفي بتوجيه أبطال قصته للوصول إلى ما تحبه فتقول افعل كذا وافعل كذا وتتحسر أن أحدهم كان أغبى من أن يصغي إليك، بل تشاركهم أحاسيسهم وقراراتهم ونتائجها، وتلتفت للوراء وتفكر كثيراً، كما يفعلون، حتى كاميرته تتقرب إليهم وتتأملهم بشغف، ومع إدارته الممتازة لممثليه تجد كاميرته دوماً ما يغني صورها.

أداءات ممتازة من “مارغريتا باي” و”سيلفيو أورلاندو” كانت سبباً رئيسياً في قرب الشخصيات التي جسدوها إلى القلب، وأداءات جيدة من باقي فريق العمل، تصوير جيد من “لوكا بيغازي”، وموسيقى لا تنتظر انفعالاتٍ عاطفية حتى تستحوذ على قلبك، بل تبني جسراً إليه ينقل كل حسٍّ بالعمل لا تهز أركانه حتى نهاية الفيلم من “لودوفيكو إينودي”.

لا يوجد تريلر مترجم للفيلم للأسف.